نص الشريط
التاريخ النبوي تحت مجهر البحث النقدي التاريخي
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 2/1/1440 هـ
مرات العرض: 3099
المدة: 01:05:59
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (1335) حجم الملف: 18.8 MB
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [يوسف: 111]

صدق الله العلي العظيم

انطلاقاً من الآية المباركة، ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ * لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، نتحدث حول منهج البحث التأريخي والنقدي التأريخي في عدة محاور:

  • مجال التأريخ.
  • ماهي قيمة علم التأريخ؟
  • ماهو التطبيق للمنهج النقدي التأريخي؟
المحول الأول: في مجال التأريخ.

يوجد عدة علوم، علم التأريخ، ومنهج البحث التاريخي، والمنهج النقدي التاريخي، وعلم الحديث، وحتى لا يقع خلط بين هذه العلوم وهذه المناهج.

التخصص الأول: علم التأريخ.

عندما نرجع إلى كتاب «منهجية ابن خلدون التاريخية» للدكتور محمد الطالبي، يذكر أن أول من عرف علم التأريخ هو ابن خلدون، قال: ”التاريخ فن تدون فيه أحوال الماضين في أخلاقهم والأنبياء في سيرهم والملوك في دولهم، حتى تتم فائدة الإقتداء في ذلك لمن يروقه في الدين أو الدنيا“ علم التأريخ هو علم يقوم بتوثيق الأحداث وربطها بشكل مستلسل وتعليلها وفلسفتها.

مثلاً: قصة كربلاء، عندما يقوم المؤرخ بتوثيق أحداث كربلاء وسردها بشكل مستلسل منذ أول يومٍ نزل فيه الحسين إلى كربلاء، وإلى آخر فردً خرج من السبايا، سرد التأريخ بشكل متسلسل والربط بين الأحداث وتفسيرها وفلسفتها هو يسمى علم التأريخ.

مثلاً: عندما يأتي المؤلاخ، لماذا خرج العباس بن علي لطلب الماء؟ هل لأن الحسين خيم في موقع بعيد عن الفرات؟ هل لأن كربلاء كانت أرض صلبه لا يمكن استخراج الماء من الأرض؟ هل أن الحسين لم يكن يمتلك أدوات استخراج الماء من تحت الأرض بحفرها؟ هذا يعبر عنه بتحليل وفلسفة الأحداث، ويدخل ضمن علم التأريخ.

التخصص الثاني: منهج البحث التأريخي.

هو الذي يتكفل بربط الماضي بالحاضر! بمعنى قراءة الماضي الذي يعبر عنه د. حسن عثمان في كتابه «منهج البحث التأريخي»، هو منهج استداد الماضي بكل زواياه زمانه، مكانه، ظروفه، ورجاله من أجل فهم الأحداث التي أثرت في الحاضر.

مثلاً: مشكلة الفتوحات الإسلامية، عندما يقرأ المؤرخ الفتوحات الإسلامية من أجل معرفة تأثيرها على مسار الحضارة الإسلامية، أو على مسار تاريخ المسلمين، ماهو تأثير الفتوحات على تاريخ الحضارة الإسلامية؟ وتاريخ المسلمين إلى يومنا هذا؟ هذا مايعبر عنه بمنهج البحث التأريخي. ربط الماضي بالحاضر.

لذلك، اعتبر منهج البحث التأريخي جزء من علم الإجتماع، عندما تقرأ كتاب «مناهج في علم التربية وعلم النفس» للدكتور أحمد عاظم، يقول: ”هذا جزء من علم الإجتماع“.

التخصص الثالث: المنهج النقدي التأريخي.

أول من أبدع فيه هو الدكتور المصري د. طه حسين، في كتاباته عن الآدب العربي، في كتابه «حديث الأربعاء»، كتاب «تجديد الذكرى لأبي العلاء»، في هذين الكتابين رسخ المنهج النقدي التأريخي.

وشرح ذلك، كيف ننقد المنهج التاريخ؟ والأحداث؟ وكيف نقرأ الأحدا قراءة نقدية وتأملية؟ لسنا ندور مدار السند والرواة، بعض النظر عن الرواة، هل أن الرواة لهذا الحدث كانو ثقاة أم لم يكونو؟

المنهج النقدي التأريخي، يعنى بالمضمون، مضمون الحدث، يقرأ مضمون الحدث ثم يقوم بدراسة هذا المضمون! من حيث العامل الزمني والجغرافي والنقلي والعامل السياقي، أربعة عوامل يفترضها الناقد لقراءة التاريخ.

أمثلة على هذه العوامل:

العامل الأول: العامل الزمني.

فالمؤرخ يدرس هل الحدث يستوعبه الزمن الذي حدث فيه، أم أن الحدث أكبر من الزمن؟ مثلاً: الخليفة الاني تزوج أم كلثوم بنت الإمام علي ، فقراءة الحدث من زاوية زمنية، هل عمر أم كلثوم يتناسب مع هذا الزواج؟ أم كلثوم كان عمرها أقل من تسع سنوات!! طفلة صغيرة. فهل كان الزواج ينسجم مع العامل الزمني وعمر البنت في آنذاك؟

مثال آخر: رجوع السبايا، سبايا أهل البيت إلى كربلاء، لكن هل رجعو يوم العشرين من صفر؟ أم لا؟ فهل الزمن منذ خروجهم من كربلاء يوم العاشر إلى رجوعهم أربعون يوماً، هل هذه المدة الزمنية كافية لأن يذهب السابيا إلى الطوفة قم إلى الشام ثم يرجعو إلى العراق خلال هذه المدة؟

العامل الثاني: العامل الجغرافي.

لابد أن تدرس الحدث في مكان وقوعه، هل مكان وقوعه ينسجم مع الحدث أم لا؟ مثلاً: قصة أصحاب الكهف، البعض يقول أصحاب الكهف كانوا في الأردن، والبعض يقول كانوا في سوريا؟ فهل لابد من الذهاب إلى الكهف في الأردن أو سوريا؟ هل المكان ينسجم مع وقوع الحدث فيه أم لا؟

مثال أوضح، في تاريخنا نحن تاريخ المسلمين، أن النبي محمدًا لما خرج من مكة إلى المدينة، استقبله أهل المدينة بالزغايد وقالوا: ”طلع البدر علينا من ثنيات الوداع“ هل هذه الحادثة تناسب المكان؟ أم لا؟

ابن القيم في كتابه «زاد المعاد» يقول: ”ثنيات الوداع تقع في أين؟ والقادم من مكة من أين؟ ف ثنيات الوداع حدود المدينة مع الشام!! والذي يأتي من مكة لايرى ثنيات الوداع ولا يمر بها أصلاً، فكيف خرج الناس من المدينة واستقبلوا النبي وقالوا“ طلع البدر علينا من ثنيات الوداع" والحال أن ثنيات الوداع منطقة أخرى لا يمر بها القادم من مكة؟!!

العامل الثالث: العامل النقلي.

لابد أن يكون النقل بحجم الحدث، مثلاً: إذا حدث مهم «لا يعقل نقله من شخص واحد!!»، كيف نأخذ بخبر الأحاد في حدث مهم أو خطير؟! إذن حجم الحدث يقتضي حجماً من النقل يتناسب مع الحدث بأن يكون الحدث مشهورًا رواة الرواة المتعددون.

مثلاً: حديث يوم الغدير، يوم الغدير حدث مهم!! أن الرسول محمدًا ينصب الإمام أمير المؤمنين خليفة من بعده، فهذا حدث كبير، لذلك تضافر الرواة على نقله، فجميع المؤرخين «شيعة وسنة» رووا هذا الحدث. ولمن يشكك فيه أحد إلا ابن تيمية، وإلا أجمع المؤرخون والمحدثون على نقل حديث يوم الغدير، لماذا؟ لأن حجم الحدث اقتضى حجم من النقل يتناسب مع مستوى الحدث.

لكن، مثلاً: حادثة الأفك، أن بعض المسلمين اتهم زوجة النبي عائشة بالفاحشة!! وصعد الرسول على المنبر لأن الحادثه أوجبت إضطراب في المجتمع آنذاك!! وخطب في المسلمين ونزلت آية في ذلك!! فهذا حدث عظيم يقتضي أن يكون الرواة له كثيرين!! لأن يقتضي حجم من النقل يتناسب مع حجم الحدث!! بينما في الصحيحين «البخاري ومسلم» يرويان الحدث كله عن عائشة!!

لا يقبل في مثل هذا الحدث الخطير خبر آحاد!! واحد هو من يروي الحدث، بما أن الحدث كبير يفترض أن يكون الرواة له كثيرين بمستوى ذلك الحدث.

العامل الرابع: العامل السياقي.

إذن المنهج النقدي التأريخي، هو دراسة الحدث من حيث مضمونه بلحاظ أربعة عوامل.

التخصص الرابع: علم الحديث.

علم الحديث يختلف عن علم التأريخ، البعض يخلط بين الأمرين.

فعلم الحديث ينصب على الأحاديث الواردة عن النبي ، أو الأئمة ، والتي تتضمن أحكام شرعية، أو قضايا خلقية وتربوية. لا علاقة له بالتأريخ وقصص التأريخ.

علم الحديث لذلك يختلف في شروطه وبندوه عن علم التأريخ. هناك فرق جوهري بينهما.

شروط علم الحديث:

متى يُقبل الحديث؟ أي حديث ورد فيه حكم شرعي، قضية أخلاقية، قضية تربوية؟ عندنا عدة شروط:

  • أن يكون رواة الحديث ثقاة، حديث متصل إلى النبي أو الإمام.

مثاله: علم الرجال، يتكفل بتحديد وثاقة الرجال بأنه ثقة أو غير ثقة.

  • أن لا يكون الحديث مخالف للواقع.

مثلاً: حديث صحيح لكنه مخالف للواقع!! كيف نأخذ به؟؟ الشيخ الطوسي رحمه الله في كتابه «التهذيب» يروي في شهر رمضان عدة روايات عن محمد بن ابي عميرعن أبي الحسن موسى بن جعفر : ”إن شهر رمضان لا ينقص عن ثلاثين يومًا أبدًا“ فهذا الحديث مخالف للواقع!!

السيد الخوئي «قدس» في كتابه «معجم رجال الحديث» ينقض هذا الحديث! يقول: ”وإن كان الحديث صحيح السند فهو حديث يخالف الواقع!“. فكل شهر قابل للزيادة والنقصان، لا يوجد شهر لابد أن يكون ثلاثين يومًا دائمًا.

  • أن لا يكون الحديث منافيًا لحقيقة علمية.

مثلاً: صاحب كتاب «وسائل الشيعة» للحر العاملي رحمه الله أحد علمائنا العظام، في باب النجاسات، ينقل الروايات عن بول الصبي وبول الصبية، فالبنت الرضيعة مازالت في سن الرضاعة، والصبي أيضًا في سن الرضاعه؛ كيف يتعامل مع بولهما؟ ينقل رواية عن الإمام : ”إن بول الجارية يغسل منه الثوب، وإن بول الرضيع لا يغسل منه الثوب“ ماهو الفرق بين الأنثى والذكر؟ الرواية تعلل السبب؛ قال: لأن لبن الجارية يخرج من مثانة أمها، ولبن الغلام يخرج من المنكبين والعضدين. هذا التعليل يتنفى مع العلم والمنطق العلمي. فلا فرق بين لبن الجارية ولبن الغلام.

فهذا المضمون للحديث لا يتوافق مع الحقيقة العلمية، لذلك لا يُعمل به.

  • أن لا يكون الحديث منافيًا لروح القرآن الكريم.

السيد الشهيد السيد محمد باقر الصدر «قدس»، والسيد الأستاذ السيد علي السيستاني «دام ظله»، يتفقان في هذه النقطة، مثلاً: رواية أبو الربيع الشامي، وينقله الحر العاملي في كتابه «وسائل الشيعة» قال: ”لا تنكحوا من الأكراد أحدًا فإنهم جنس من الجن كشف عنهم الغطاء“، هذا الحديث عندما يصل إلى أيدي هؤلاء العلماء المحققين، يقولون أن هذا الحديث لا نعمل به، لأنه يتنافى مع روح القرآن ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ.

  • أن لا يكون الحديث منافيًا لدليل قطعي.

مثلاً: كتاب «وسائل الشيعة» باب مقدمات الطلاق، ينقل فيه أن الإمام علي صعد المنبر وقال: ”أيها الناس لا تزوجوا الحسن فإنه رجل مطلاق“، هذا الحديث يتنافى مع الأدلة القطعية، فالحسن إما فعل أمرًا مباحًا أو فعل أمرًا محرمًا! إذا فعل أمر مباح لا يجوز للإمام علي أن يشهر به على المنابر! وإذا فعل أمر محرم فهذا يتنافى مع العصمة وموقع الإمامة! إذن هذه الحديث لا يقبل به لأنه ينافي دليل قطعي.

وأيضا في كتاب «وسائل الشيعة» في باب المواقيت، أن النبي محمد رقدت عيناه عن صلاة الصبح!! ولم يصلي!! فما وعى حتى آذانه حر الشمس!! وهذا الرسول سيد البشرية!! فكيف يكون مشمولاً بقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ «4» الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ.

إذن هذه هي شروط العمل بالحديث، فعندنا في هذه المجال علم التأريخ، منهج البحث التاريخي، المنهج النقدي التاريخي، علم الحديث، هناك فرق بين هذه التخصصات والحقول لاينبغي الخلط فيما بينها.

المحور الثاني: ماهي قيمة علم التأريخ؟

المؤرخ الإنجليزي «بيقل» قال: ”العرب سبقو المؤرخين اليونان والرومان“، في عدة أمور:

أولاً: المؤرخون العرب هم أول من استخدم التوثيق «توثيق النصوص»، لاحظ البلادري، وابن الجوزي، والطبري، وزين اليعقوبي، استخدمو الوثائق الرسمية في توثيق الأحداث.

ثانيًا: مؤرخوا العرب هم أول من استخدم التوقيت بالسنة والشهر واليوم، منذ القرن الثاني، فتلاحظ ابن خلدون عام 1406م الكافجي في كتابه «المختصر في علم التاريخ» عام 1474م، بينما أول من استخدم التوقيت من مؤرخي الرومان واليونان عام 1597م. فالعرب سبقوا هؤلاء في مجال وحق التوقيت.

العرب أيضًا كتبوا في منهج البحث التأريخي قبل أن يكتب في الغرب، كابن خلدون غيره، وأول كتاب صدر في الغرب في منهج البحث التأريخي ماكتبه بتهام 1894م، بينما قبله بقرون كتب العرب في هذا المجال.

ماهي أهمية هذا البحث؟

علماء الإجتماع تعرضوا لنظرية اسمها «الذاكرة التاريخية»، ماهو المقصود بها؟ جاكلوقوف، عالم الإجتماع في كتابه «الذاكره والتاريخ»، ويذكر الذاكرة التاريخية.

ماهي الذاكرة التاريخية؟

كل أمة ومجتمع له ثقافة! مجتمع العراق، مجتمع الخليج، المجتمع المصري، كل مجتمع له ثقافة وجزء من ثقافة المجتمع ذاكرته التاريخية، الأحدا التي مرت عليه وصنعت ماضيه وحاضره.

مثلاً: ثورة العشرين، أثرت على المجتمع العراقي فهي تعتبر ذاكرة تاريخيه لأنها جزء من ثقافة هذا المجتمع، لأنها تاريخ انعكس على حاضر هذا المجتمع.

كيف نستفيد من الذاكرة التاريخية كمجتمع؟ وكيف ينعكس التاريخ على حاضرنا وواقعنا؟ ماهو تأثير الماضي على الحاضر؟ من هنا يأتي منهج البحث التأريخي. من هنا يأتي المنهج النقدي التأريخي. ليربط الماضي بالحاضر وليبين لنا تأثير الماضي على الحاضر. هنا يذكر علماء الإجتماع أن الذاكرة نوعين:

  • ذاكرة عقلية.
  • ذاكرة عاطفية.

مثلاً: كيف تتعامل مع الناس؟ مع من أساء إليك؟ هل تتعامل معه بذاكرة عقلية؟ أم بذاكرة عاطفية؟

هناك من يتعامل بذاكرة عقلية: أنطلق من عقلي، ولا أنطلق من عواطفي ومزاجي، بمعنى قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ تعامل معه بالحسنى. كُلا يعبر عن معدنه.

وهناك من يتعامل بذاكرة عاطفية: ينطلق من عاطفته، ويقول لا أسمح له بأن يسيء لي وأقابله بالمثل.

فالمجتمع أيضًا كذلك، تارة ينطلق من ذاكرة عقلية وتارة من ذاكرة عاطفية.

مثلاً: علماء الإجتماع يقولون: معالم الذاكرة العاطفية ثلاثة:

  • التغني بالأمجاد
  • الاستفزاز الطائفي
  • الصرف بدون تقنين ولاتخطيط

التغني بالأمجاد: المجتمعات العربية والإسلامية دائمًا يتغنوا بتاريخهم العظيم! والكبير!! ولا تعلم عن تاريخ العراق! تاريخ مصر! فهل استفدتم من التاريخ؟ وأخذتم العبرة منه؟ ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. بينما الإستفادة من التاريخ ذاكرة عقلية.

الاستفزاز الطائفي: منذ أن عشت لا توجد سنة مرت بدون استفزاز طائفي، في الإعلام من خلال القنوات الفضائية، أو صيحات اجتماعية «شيعة وسنة - مسلمين ومسيح - يهود ومسلمين». الأمة التي تستجيب للاستفزازات الطائفية وتبذل الدماء في سبيل القضايا الطائفية هي أمة تعيش ذاكرة عاطفية.

ولذلك ترى المرجعية حريصة على أن يمسك المجتمع بذاكرته العقلية لا بذاكرته العاطفية، دائمًا توصي المجتمع بأن يضبط أعصابه، بأن يعيش تماسكًا فلا يكون متأثر بهذه الاسفزازات الطائفية.

التصرف بدون تقنين ولا تخطيط: تمر علينا المناسبات، أحزان وأفراح، كم نصرف من الأموال فيها؟ بدون تخطيط! بدون مراعاة للأولويات! هذا مظهر لذاكرة عاطفية.

إذن الذي نستفيده من علوم التأريخ أننا نعتبر بها ونظهرها ونجسدها في حاضرنا ونعيش ذاكرة عقلية من خلالها لا ذاكرة عاطفية.

المحور الثالث: ماهو التطبيق للمنهج النقدي التأريخي؟

علماؤنا يمتلكون الدقة في تطبيق المنهج النقدي من خلال مثالين: الأول: النبي ، والثاني: من سيرة الحسين .

المثال الأول:

المستشرقون الغربيون، يشوهون صورة الإسلام بحادثة بني قريظة، ويذكرون النبي بهذه الحادثة بأنه إرهابي!

وفي حال طرح الغربيون هذه الحادثة حادثة بني قريظة كيف يكون الجواب عنها؟ بنو قريظة قبيلة يهودية كانت تعيش في المدينة، وقد وقعت عهدًا وميثاقًا مع الرسول على أن لا تعتدي عليه ولا يعتد الرسول عليها فتبقى القبيلة آمنة مطمئنة في المدينة المنورة! فمالذي حصل؟ القبيلة نقضدت العهد والميثاق وتحالفت مع المشركين ضد النبي ، فوصل النبي الخبر! ماذا صنع النبي ؟

نذكر الحادثة من كتب إخواننا أهل السنة، خرج النبي إلى بني قريظة، وجلس عند بئر من أبارهم وحاصرهم خمسة وعشرين يومًا بدون ماء وطعام! إلى أن نفذت الأطعمة، وكاد الأطفال والنساء يموتون من الجوع والعطش فضجوا ماذا يصنعون، فنزلوا إلى حكم النبي وأعمل فينا ماشئت، النبي - بحسب هذه الرواية طلب سعد بن معاذ وهو رجل معروف في الأنصار من أهل المدينة - فجاء سعد بن معاذ، فقال يا سعد أحكم فيهم بحكمك. فقال سعد بن معاذ: والله لأحكمن بحكم لا تأخذني في الله لومة لائم وقتل رجالهم جميعًا! وسبي نسائهم وتقسيم أموالهم. بعد أن صدر الحكم قام النبي بالتعقيب، وقال: لقد حكمت بحكم الله. من فوق سبع أرقعه وأمر النبي بحمل القبيلة كلها، فحملوا قبيلة بني قريظة، وكان رجالها بالمئات، مابين «900 - 800» رجال غير النساء والأطفال إلى المدينة، يروي ابن اسحاق وغيره، فنزلوا بهم في دار نسيبه بنت الحارث - إمرأه من بني النجار - وحتى اليوم الثاني حتى أمر النبي بإخراجهم، وإحفروا الخنادق، فقال: كل من كان بالغًا يوضع في الخندق! - فكيف يعرف البالغ وغير البالغ؟ - أمر النبي بكشف عوراتهم! كل من أنبت فهو رجل بالغ يوضع في الخندق، والذي لم ينبت يعتبر صبي يبعد، يقول عطيه القرظي من قبيلة بني قريظة: كنت غلام لم أبلغ بعد، فكشف عني فلم يرى عندي إنبات فنجوت من القتل. ثم أمر النبي بإعدامهم جميعًا في الخندق.

واختلفت الروايات في عدد الرجال، بعضها 900 رجل، بعضها 800 رجل، بعضها 700 رجل، أقل رواية ذكرت عدد الرجال 500 رجل، أعدمهم النبي على يد علي بن أبي طالب والزبير بن العوام.

المسلم من يقرأ هذه الروايات تتكون لديك حالة من الإستفزاز، فكيف هذا العمل يحصل من رسول الله الذي يعبر عنه القرآن الكريم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.

كل من قرأها تشوهت لديه صورة الإسلام ونبي الإسلام، واعتبر النبي إنسان إرهابي وداعشي فما هو الفرق بين الدواعش وبين النبي!! إذن تاريخ الدواعش هو مستفاد من هذا التاريخ الذي يعبر عنه بأنه تاريخ نبي الإسلام!

لذلك نحن علماء الإمامية في المنهج النقدي التأريخي نقف موقف المعارض لهذه الرواية! كيف؟

أولاً: نقول من الذي روى هذه الرواية؟ تفاصيل الرواية من الذي رواها؟ الذي رواها أن بعض اليهود الذي نجو من هذه المعركة، وهم محمد بن كعب القرظي، وعطيه القرظي. فحدث بهذا الحجم حضره المئات من المسلمين، فهل من المعقول أن لا يرويه إلا اثنان من هذه القبيلة اليهودية؟ وهم الذين نجو من القتل؟ هذا شيء لا يدخل العقل.

مقتضى القاعدة: حجم الحدث يقتضي حجمًا كبيرًا من النقلة والرواة، فكيف انحصر النقل بجماعة من خصوص هذه القبيلة اليهودية دون غيرهم.

ثانيًا: إذا الرجال 800 أو 900 فكم عدد النساء؟ والأطفال؟ معنى ذلك أنهم بالآلف، هل هذا العدد يمكن نقله إلى المدينة من خلال مجموعة بسيطة؟

فالمدينة المنورة وهي عاصمة الإسلام في عصر الرسول كلها في ذلك الوقت لا تصل إلى 10 آلاف انسان، فأين الجيش الذي يخرج من المدينة ويضبط آلاف من الآسرى وينقلهم من دارهم إلى داخل المدينة؟

ثالثًا: حينما أحضروهم إلى المدينة المنورة، كيف أنزلوهم في دار واحده؟! وهم بهذه الكثرة في دار نسيبة بنت الحارث، هل دارها تستوعب 2000 شخص أو 800 شخص؟ هذا غير معقول.

رابعًا: أن النبي أمر بكشف العورات! فهل هذا يتناسب مع تعاليم الإسلام؟ أم يتناسب مع خُلق الرسالة؟ أم يتناسب مع تاريخ النبي المشرق في الرحمة والعطف؟ والإهتمام بكرامة الإنسان؟

خامسًا: الروايات اختلفت، حيث بعضها قالت قلت 500، البعض 700، نفس اختلاف الروايات هي علامة استفهام! بينما يروي ابن زنجويه وهو المتوفى عام 258 هـ ، يروي أن النبي لم يقتل منهم إلا أربعين رجلاً وهم خصوص المقاتلين منهم، لأنه قتل كل رجالهم أو كل بالغ منهم.

فإذن، هنالك عدة علامات وعوامل تأمل توجب لنا رفض الحادثة، وعدم الأخذ بها من ناحية المنهج النقدي التأريخي.

المثال الثاني:

من سيرة الإمام الحسين ، هذه الرواية يرويها الطرفين «أهل السنة وأهل الشيعة»، السيد المرتضى علم الهدى من علماؤنا الأعاظم في كتابه تنزيه الأنبياء، ص177 يقول: وروي أن الحسين بن علي لما نزل كربلاء ورأى الجيش الذي أقبل مع عمر بن سعد ومددهم لقتاله، طلب لقاء عمر بن سعد، فلتقيا وتناجيا ليلاً طويلاً، فقال الحسين: إن أخيركم بين ثلاث، إما أن تدعوني أرجع إلى المكان الذي أتيت منه وهو المدينة، وإما أن تسيروني إلى ثغر من ثغور المسلمين فأكون رجل من المسلمين له مالهم وعليه وماعليهم، وإما أن تذهبوا بي إلى بن عمي يزيد بن معاوية وأضع يدي في يده! ويرى فيا رأيه. فقام عمر بن سعد وكتب إلى ابن زياد أن الحسين هكذا يقول، وابن زياد رفض ذلك، وقال: الآن قد علقت مخالبنا به يبغي النجاة، ولات حين مناص!

الشيخ المفيد في كتاب الإرشاد الجزء2 ص 78 أيضًا ينقل القصة، لكن ينقل عن عمر بن سعد: يقول فكتب: عمر بن سعد إلى عبيد الله بن زياد: الحمدلله الذي أطفأ النائرة وجمع الكلمة وأصلح أمر الأمة هذا حسينٌ أعطاني عهدًا أنه إما أن يرجع أو يسير إلى ثغر من ثغور المسلمين فيكون رجل من المسلمين له مالهم وعليه ما عليهم وإما أن يذهب إلى أمير المؤمنين يزيد بن معاية ويضع يده في يده حتى يرى رأيه فيه!

فأنت كشيعي هل تقبل هذه الرواية؟ فهل تقبل أن الحسين يعرض هذه المنطق ويقول أنا مستعد أن أذهب إلى يزيد وأضع يدي في يده؟ وتنتهي المشكلة؟ ويعبر عنه - ابن عمي - في رواية تنزيه الأنبياء؟

هذه الحادثة تخض للمنهج النقدي التأريخي، كيف؟

أولاً: روى مؤرخوا أهل السنة قبل الشيعة، إن الجوزي في المنتظم، ابن الأسير في الكامل، ابن كثير في البداية والنهاية، الذهبي في تاريخ الإسلام، رووا عن عقبة بن سمعان، أحد أصحاب الإمام الحسين قال: خرجت مع الإمام الحسين من مكة ولازمته إلى حسين مقتله! وما قال مقاله إلا وسمعتها منه، وماسمعت منه مايتذاكره الناس أنه قال: أذهب إلى يزيد فأضع يدي في يده. وإنما قال دعوني أذهب إلى أرض الله العريضة وأنظر إلى ما يصير إليه أمر الناس.

ثانيًا: نفس هؤلاء المؤرخين ينقلون عن الحسين رفض بيعة يزيد إلى آخر لحظة، أن القوم قالوا له: يأبا عبدالله نحن لا نريد قتلك لا نريد منك إلا أن تنزل على حكم بني عمك، فإنهم لم يروك إلا ماتحب ولن يصل إليك مكروه. فقال: لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقر إقرار العبيد.

ثالثًا: هذه الكلام لا ينسجم مع سيرة وموقع الحسين، هذا الإنسان الذي خرج رافضًا للظلم والطغيان ويرى أن المشكلة كل المشكلة في بيعة يزيد فجأة يتغير موقفه ويتراجع لأنه رأى القتال والجيش أمامه وتراجع عن كل موقفه الذي أصر عليه منذ أول عندما كان في المدينة!

إذن أن موقف العزة الذي كان ينادي به ويقول: لَا وإنّ الدَعِيَّ ابنَ الدَعِيِّ قدْ رَكَزَ بينَ اثنَتَينِ: بينَ السِّلَّةِ والذِّلَّةِ، وهيهاتَ منّا الذِّلَّةُ، يأبَى اللهُ لَنَا ذلكَ ورَسُولُهُ والمؤمِنونَ، وحُجورٌ طابَتْ وطَهُرتْ، وأُنُوفٌ حَمِيَّةٌ ونُفُوسٌ أبِيَّةٌ24 مِنْ أنْ نؤْثِرَ طاعَةَ اللِّئامِ على مصارِعِ الكِرَامِ.

فأين قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ.

إذن هذا المضمون لا يلتقي مع شخصية وموقف الحسين ومنهجه ومنهج الأئمة الأطهار صلوات الله عليهم أجمعين.

وقف بأبي وأمي عندما دعاه أمير المدينة لبيعة يزيد، قال يا أمير إنا أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ويزيد رجل فاسق شارب للخمر قاتل للنفس المحترمة ومثلي لا يبايع مثله وخرج من دار الأمير، وبدأ الأمير يتربص به...

حاجة المجتمع الإنساني للقيادة النبوية
الخلق المحمدي برهان النبوة