السمات الملكوتية في الشخصية المحمدية

تحرير المحاضرات

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا [النساء: 113]

الرسول الأعظم مجمع السمات الملكوتية.. وفي حديثنا نقتصر على سمتين:

  1. العلم اللدُني.
  2. العصمة.
السمة الملكوتية الأولى: العلم اللدني

حديثنا حول هذه السمة في نقطتين:

  1. الإمكان.
  2. الوقوع.

النقطة الأولى: على مستوى الإمكان..

يأتي سؤال: هل يُعقل لبشر أن يحيط بمعلومات مليون كتاب؟ مليون مفكرة..؟

هل يمكن لبشر أن يُحيط بمعلومات مكتبة كاملة أم لا..؟

ربما يقول إنسان أن يقول أن ذا أمر مستحيل لأن الإنسان محدود القدرة الإستيعابية.. ولا يمكن لبشر أن يحيط بمعلومات من شتى الحقول ومختلف المجالات..

لكن بالمنطق العلمي هذا أمر ممكن.. الإنسان الطبيعي يمكنه أن يستحضر ملايين المعلومات وأن تكون حاضرة في ذهنه.. كيف..؟

القدرة الإستيعابية للمعلومات تعتمد على 3 عناصر وهي:

1» الذكرة: تعني المساحة المهيئة في الدماغ لتخزين المعلومات.. عندما نقارن بين الدماغ والحاسوب.. ما هي المساحة التي يمكن للحاسوب أن يخزن المعلومات.؟

جاردن لويس.. دكتوراه في علم النفس.. تقول:

«إن الإنسان لا يستخدم إلا 10 % من دماغه هذا غير صحيح.. إن الإنسان يستطيع أن يستخدم دماغه بلا قيود ولا حدود»

وعندما تدخل في موقع Scientific American «1» تجد أنه ينقل عن فيلسوف في علم النفس اسمه Paul Reber يقول عن قدرة الذهن على الاستيعاب وتخزين المعلومات.. نجد بأن القدرة تصل 2، 5 مليون جيجا بايت.. وهي تعادل 3 مليون ساعة من برامج التلفاز.. يعني لو أردت استيعاب هذه المساحة.. تحتاج تشغل التلفزيون أكثر من 3 مئة سنة حتى يغطي مساحة الذاكرة التي يغطيها الإنسان العادي.. لديه مساحة قادرة على تخزين 3 مليون ساعة من البرامج التلفزيونية

2» الذكاء: من المعروف بأن مقياس الذكاء 100.. كلما زاد تضاعف.. يعني 110 تضاعف.. 120 تضاعف.. آينشتاين قدر ذكائه ب 160.. ولكن لم يتوقف الأمر عند ذا.. فهنالك شخص معاصر اسمه William James Sidis «2» هذا تعلم القراءة وهو ابن سنتين.. وأتقن 8 لغات وعمره 8 سنوات وهي الفرنسية والألمانية والروسية واليونانية، واللاتينية والعبرية والأرمنية والتركية.. تأهل لدخول الجامعة وعمره 9 سنوات.. قبل في هارفرد عمره 11 سنة.. تخرج من الجامعة وعمره 16 سنة.. إذاً الذكاء البشري لا حد له.. إذا كان وجد من يتقن القراءة وهو ابن عدة أشهر..

3» القدرة على معالجة المعلومات: نرجع للموسوعة البيريطانية.. قام عدة باحثين لقياس كمية المعلومات التي يقدر الدماغ على معالجتها.. وصلوا إلى أن دماغ الإنسان في الثانية الواحدة يستطيع معالجة 50 بت.. هذا رقم صغير بما ترفده الحواس للدماغ.. التي تعطي للدماغ 11 مليون بت.. والدماغ نفسه الذي يستورد لديه 100 مليار خلية.. وقادر في الثانية على القيام ب 100 مليار عملية.. وذا الإنسان الطبيعي العادي..

إذا كان الإنسان العادي يمتلك ذاكرة بمساحة 3مليون ساعة.. وذكاء يصل به بأن يتعلم القراءة وهو ابن سنتين.. ويمتلك قدرة على المعالجة بأن يقوم دماغة ب 100 عملية حسابية.. وإن كان في منطقة اللاوعي.. حتى وإن كان في منطقة الوعي.. فهل هنالك غرابة بأن يتصدى الإمام محمد الجواد للإمامة وعمره 8 سنوات..؟

إذا كان الإنسان الطبيعي يمتلك هذه القدرة على الذكاء والمعالجة فكيف بمن يُلهم هذه المعلومات..

يمكن للبشر.. فعلى مستوى الإمكان وجود الإحاطة والاستيعاب التي لا حد لها هذه ممكنة

النقطة الثانية ما هو دليلنا على أن محمد يحمل هذه المعلومات الهائلة..؟

يقول الإمام علي : "علمني رسول الله ألف باب للعلم يفتح لي من كل باب ألف باب"، الآية الكريمة تقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل: 89] لنحلل الآية المباركة..

ما معنى: «تبياناً لكل شيء»..؟

وفي أي قسم في القرءآن يوجد تبيان كل شيء..؟

السؤال الأول: ما معنى ”كل شيء“..؟

لنصغر مفهوم "كل شيء ونقول فقط مما يرتبط بهدف الرسالة.. وهدف الرسالة يحدده القرءآن الكريم: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحديد: 25] الهدف من الرسالة إقامة دولة عادلة.. إذا كان الهدف من نزول القرءآن إقامة دولة عادلة.. إذا معنى كل شيء أن كل شيء يصب في إقامة دولة عادلة.. بيناه لنبي الرحمة.. وعليه نبي الرحمة يحتوي كل شيء لإقامة دولة عادلة.. وإقامة دولة عادلة تتطلب علم اقتصاد وعلم قانون وعلم اجتماع وعلم نفس وعلوم طبيعية أخرى.. هذه دولة وليس أمر بسيط.. دولة عادلة تحتاج إلى كل هذه الحقول والتخصصات والعلوم..

وعليه.. بما أن الهدف من بعثة النبي ونزول الكتاب إقامة دول عادلة.. إذن الكتاب احتوى على تبيان كل شيء لإقامة دولة عادلة.. أي أن كل ما نزل على النبي هو حقائق في كل شيء..

السؤال الثاني: عندما نتناول ونقرأ القرءآن لا نجد فيه كل شيء.. فكيف تأتي الآية لتقول بأن القرءآن فيه تبيان كل شيء..؟ فأي معنى في القرءآن يحوي تبيان كل شيء..؟

الجواب..: القرءآن له وجودان وجود مادي من حروف وكلمات تقرأ وتُكتب.. وهذا ما نصل له وعليه نحن لا نرى كل شيء.. وهنالك وجود آخر للقرءآن وهو الوجود المعنوي والمضموني ووجود الحقائق.. القرءآن عبر بآية عن الوجود المادي حيث قال الله عز وجل في محكم التنزيل: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف: 3] القرءآن العربي هو هذا الوجود المادي الذي وصل إلينا.. لكن عندما تحدث عن الوجود الآخر الوجود المعنوي والضمني قال عز وجل: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [الزخرف: 4] فهو في أم الكتاب يختلف عن هذه الحروف والألفاظ.. لاحظ القرءآن الكريم عندما يقول..: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر: 21] متى يتصدع الجبل.. هل بالوجود المادي للقرءآن أم بالوجود المعنوي..؟ بالوجود المعنوي لا المادي.. فبوجوده المعنوي وحقائقه المعنوية..

والنتيجة القرءآن الذي يحتوي على تبيان كل شيء ليس هو الوجود المادي.. بل هو الوجود المعنوي الذي تلقاه النبي الأعظم بقلبه.. حيث قال الله عز وجل:

﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ «193» عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ «194» بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ «195» استقبل النبي الوجود المعنوي بقلبه.. وعليه الوجود المعنوي للقرءآن يحتوي على شفرات ورموز تحوي حقائق.. حقائق الاقتصاد.. النفس.. المجتمع.. الإدارة.. القرءآن بوجوده المعنوي يحتوي على الشفرات والرموز من كل علم يصب في إقامة دولة عادلة.. وعليه فإن النبي الأعظم محمد هو قلب حوى الحقائق من كل شيء.. وهذا ما نعبر عنه ب «العلم اللدني».. فإذا كان الإنسان العادي يمكنه أن يستوعب 3 مليون ساعة تلفزيونية.. ويقوم ذهنه ب 100 مليار عملية.. ويتقن القراءة وهو ابن سنتين.. فكيف بمن ألهم الوحي وحقائق كل شيء من الباري سبحانه وتعالى.. لذلك عندما تراجع ألروايات الشريفة راجع أصول الكافي.. فالبعض يقول بأن الروايات قد وضعت في العصر الصفوي.. في حان أن الروايات موجودة في عصر الكافي.. وعصر الكافي هو عصر الغيبة الصغرى للإمام المهدي المنتظر عجل الله فرجه الشريف.. وقد وردت روايات تتحدث عن علم النبي..

النبي يعلم بما كان ويكون.. النبي يعمل اللغات.. النبي يعلم بما يحتاجه الناس.. النبي نال 72 حرفاً من الإسم الأعظم.. النبي أعلم المرسلين والأنبياء.. النبي أفضل المرسلين والخلائق.. النبي تعرض عليه أعمال الخلائق.. النبي تنزل عليه الملائك في كل ليلة قدر.. التي لو جمعتها تستنتج منها أمر واحد.. وهو أن قلب النبي حمل من المعلومات الهائلة في مختلف الحقول ما لم يحمله قلب آخر..

السمة الثانية: سمة العصمة

قبل تعريف سمة العصمة.. نتحدث عن نقطة فهمها يقرب معنى العصمة وتحليل العصمة..

هنالك بحث في علم النفس عن منطقة اللاوعي.. في هذا البحث يوجد نظريتان وهو أن العقل يوجد نوعان:

  1. عقل واعي يحلل ويستنتج..
  2. عقل لا واعي.. وهو الذي يحركنا ويدفعنا..

من أوائل من تحدث في هذه النظرية فرويد.. وقال بأن منطقة اللاوعي في الإنسان تحمل ثلاث قوى وهي:

  1. الجزء الحيواني: الدوافع في منطقة اللاوعي التي تدفع بالإنسان لإشباع غرائزه.. يشب الجنس.. الغضب وغيرها..
  2. الحس الأخلاقي: وهو الدافع الذي يُحرك الإنسان للسلم مع الآخرين.. مع عجزه عن المواجهة
  3. الذات المنطقية: التي تدفع بالإنسان للتسوية متى ما دخل في صراع وتزاحم..

هذه نظرية فرويد.. ومن جاء بعد فرويد ناقش.. منهم من اتفق ومنهم من اختلف..

النفظرية الأخرى: التفكير الآلي..

دانييل بنهم.. قال أنا لا أؤمن بنظرية فرويد.. قال أن أفعال الإنسان على قسمين..:

  1. أفعال يمارسها بتركيز
  2. أفاعال نمارسها بدون تركيز..

مثال.. في امتحان الفيزياء يجيب الإنسان بتركيز.. في حين إذا أخذ الإنسان السيارة وساقها على الكورنيش فإن سياقته تكون بلا تركيز ومع وعي.. مثل الصلاة.. يمارسها الإنسان بلا تركيز مع إتقان الإنسان للعمل.. لأنها عمل روتيني.. ولو شاهد الإنسان الآخر للاحظ بأنه أدى الصلاة بأفعالها بإتقان.. والفرق كل فعل تملك خبرته تمارسه بلا تركيز.. وكل فعل لا تملك خبرته تمارسه بتركيز..

جاء بعد ذا إيرون بيك وسمى النظرية ب ”التفكير الآلي“.. في قبال نظرية ”العقل اللاواعي“.. المهم هو هل يستطيع الإنسان أن يُسيطر بعقله الواعي على عقله اللاوعي..؟

هل يستطيع الإنسان أن يسيطر بفكره المنطقي على تفكيره الآلي..؟

سيطرة العقل الواعي على العقل اللاواعي ممكنة علمياً.. مثال:

البعض من الناس يقولون بأهم لا يستطيعون السيطرة على أنفسهم في حال الغضب.. أو يكون الإنسان يقود السيارة فيأخذ طريق دون أن يعرف السبب.. أو شاب متدين يقدم على الذنب دون أن يعرف السبب.. فما السبب المجهول وراء كل هذه الأفعال..؟

الجواب: بواعث من منقة اللاوعي تسيطر على منطقة الوعي.. هنا توجد خطوات ثلاث:

1» الكتابة..: اجلس مسترخي وأمامك الطاولة واكتب كل فكرة تخطر ببالك.. أي فكرة تأتيك سخيفة لطيفة اكتبها.. واكتبها بيدك.. أنت جالس تستجيب لمنطقة اللاوعي.. عندما يستخرخي الإنسان ويكتب كل ما يخطر بباله فإنه يسترسل في منطقة اللاوعي في دماغه..

2» التأمل: حيث يعيد الإنسان قراءة أفكاره.. وقراءة ذاته واستكشاف نفسه واستكشاف منطقة اللاوعي.. والتأمل يفيد في معرفة الذات.. ورد عن النبي : ”حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا“، وزن الإنسان لنفسه يتم من خلال التأمل لأنه يكتشف بواطن نفسه بهذه الطريقة.. فتاة جامعية مصابة بمرض الإكتئاب.. والمرض يعيقها في أيام الامتحان.. قال لها الطبيب النفسي بعدما تكتبي كل شيء نأتي ونراجع حتى نكتشف.. واكتشفت خلجات تؤثر عليها..

3» سيطرة الوعي على اللاوعي..

العصمة هي سيطرة الوعي على اللاوعي.. يسيطر تفيكره المنطقي على تفكيره اللاواعي.. يعني أن ذهن المعصوم ذهن حاضر.. كل شيء يلتفت إليه سريعاً وخلال ثانية.. ولا يمكن أن تعبر خلجة أو معلومة دون أن يلتفت إليها.. فهو صافي الدماغ.. ومرآة صافية.. ومن خلالها يُسطر بإرادته من التفكير المنطقي على التفكير الآلي..

نأتي لاستدلال على عصمة النبي المصطفى محمد :

لدينا دليلين عقلي ونقلي..

أولاً: الدليل العقلي على العصمة..

نحن نتحدث عن العصمة بالشكل الإجمالي.. لا تفصيلي.. فنقول:

علماء الكلام يقولون اعطاء المعجزة لمن يدعي النبوة هو بنفسه إثبات لعصمته.. لماذا..؟

لأن أي شخص يدعي النبوة يأتي ويقول ”أنا نبي“.. يعني أن كل فعل يصدر منه فهو من الله بدعوى النبوة.. فإذا أعطاه الله المعجزه مع علمه بدعواه.. كان اعطائه المعجزة تصديقاً لكلامه.. إذ لا يُعقل أن يعطى المعجزة وهو كاذب.. اعطاء المعجزة بيد الكاذب هذا كذب عملي.. يعني دعم للكاذب في كذبه.. وكما أن الكذب اللفظي قبيح فالكذب العملي قبيح.. والله سبحانه وتعالى جل شأنه تنزه عن كل قبيح.. ولا يصدر منه القبيح.. وعليه العصمة لا تُعطى لكاذب.. هذا دليل كلامي على أن النبوة مساوية للعصمة.. وأن النبي معصوم..

ثانياً: الدليل النقلي:

نأتي للآية الكريمة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا، هذه الآية إذا نحللها ونتأمل فيها نجدها تشتمل على مقدمتين.. المقدمة الأولى:

1» الهدف من إرسل الرسول طاعته.. وكل ما يصدر من الرسول طاعة.. وبمعنى آخر أن كل ما يصدر من الرسول طاعة لله عز وجل.. كما تقول الآية الكريمة ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: 7] ما هو السبب لأن يكون كل ما يصدر من الرسول طاعة..؟ هل السبب خارجي أم داخلي..؟

لا يمكن أن يكون السبب خارجي.. بمعنى أن يتدخل الله سبحانه وتعالى بشكل مباشر.. ويجعل كل أفعال يصدر من النبي طاعة.. لو كان هذا هو السبب لخرج النبي عن كونه إنساناً مختاراً.. فقد الحرية وفقد الاختيار.. ولتحول إلى آلة.. وكل فعل يحوله جبراً وقسراً إلى طاعة.. وهذا خروج عن الاختيار.. فالقرآن الكريم يقول: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: 65]، وهذا يعني أن النبي يقدر أن يُشرك.. وفي آية أخرى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ «44» لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ

يعني يقدر يعصي.. وعليه لا يمكن أن يكون إنساناً مجبوراً على الطاعة.. فما السبب..؟

السبب هو أمر داخلي.. فالعصمة قوة في نفس المعصوم تجعله يختار الطاعة بدلاً من اختياره للمعصية..

عرفنا أن العصمة سيطرة العقل الواعي على اللاوعي.. وأن العصمة طاعة.. وعليه العصمة مساوقة للعلم.. والعلم درجات والعصمة درجات.. والعلم كما يقسمه علماءنا إلى درجات وهي:

  1. علم اليقين
  2. عين اليقين
  3. حق اليقين
  4. صدق اليقين

كل درجة من العلم تساوي درجة من العصمة..

﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ «5» لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ «6» ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ، وعندما يتحدث عن رؤية الموت: ﴿فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ «88» فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ «89» وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ «90» فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ «91» وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ «92» فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ «93» وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ «94» إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ وأعلى الدرجات هو صدق اليقين.. وذا عندما ينعكس يقينه على كل أفعاله وسلوكه وتصرف يصدر عنه.. وهذه الكلمة مرت علينا عدة مرات في أحداث يوم عاشوراء..

والله   إن  قطعتم  iiيميني
وعن  إمام صادق iiاليقين
  إني أحامي أبدا عن iiديني
سبط النبي الطاهر الأمين

هذا الإنسان الذي عرف مستوى الإمام.. هذا الإنسان الذي عرف مقام سيد الشهداء.. هذا الإنسان الذي عرف مستوى العصمة والعلم لدى أبي عبد الله.. وفي زيارة الإمام الصادق له زاره بهذه الكلمات العظيمة..: ”اَلسَّلامُ عَلَيْكَ اَيُّهَا الْعَبْدُ الصّالِحُ الْمُطيعُ للهِ وَلِرَسُولِهِ وَلاِميرِالْمُؤْمِنينَ وَالْحَسَنِ والْحُسَيْنِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ“

إلى أن يقول في الزيارة ”فَنِعْمَ الاَخُ الْمُواسي لأخيه“

هذا ابن أم البنين التي تفتخر بأن أربعة من أبناءها قدمتهم فداء للحسين ..