وظيفتنا بيان الحكم الشرعي ولا تعارض بين مبدأ المواطنة والدين

شبكة المنير شبكة التوافق - حسين عبدالله

التواصل والانفتاح على الأخوة السنة ضرورة ملحة لسدِ باب لغة التكفير ولكن وفق هذه الأطر.

بعض المشاريع إعلامية لم تقدم أثراً عملياً والمطلوب قانونً يجرم المساس بالرموز الإسلامية ومقدساتها.

ليس من الصحيح أن يكون التواصل مع المتشددين على حساب التواصل مع الداخل الشيعي.

وظيفة العلماء بيان الحكم الشرعي في جميع الحوادث المستجدة «اجتماعية أو سياسية».

بعد خطبة الجمعة الماضية لسماحة آية الله السيد منير الخباز في مدينة القطيف شرق السعودية والتي تناول فيها الموقف الشرعي من موضوع تكريم القضاة وتطاول احد المشايخ السلفيين على معتقدات المسلمين الشيعة، إرتأت «شبكة التوافق الاخبارية» أجراء لقاءا مقتضباً مع سماحته يتضمن بعض التساؤلات التي وجهت لسماحته عبر الشبكة. بدوره سماحة السيد الخباز تفضل بالاجابة على هذه التساؤلات بشكل تفصيلي حاول من خلالها إزاحة الشبهات التي اثيرت حول كلمته الأخيرة كما اوضح رأيه حول السجالات الفئوية وانشغال المجتمع في الخلافات الداخلية. واليكم نص اللقاء.

التوافق: سماحة السيد منير حفظكم الله، سماحتكم اوضحتم موقفكم من تكريم القضاة واستضافة المحاضرين الذين لايتورعون من التهجم على معتقدات الطائفة، ولكنكم في الوقت نفسه رحبتم بأي إنسان سلفيًا أو غير سلفي للحوار على أسس علمية... هذا الكلام فهمه البعض بأنه من باب وضع العراقيل والتعقيدات امام فتح باب الحوار مع الطرف الآخر.. سماحة السيد، ألا تعتقدون بأن واقعنا كمواطنين شيعة ومايربطنا بالمواطنين من الاخوة من الطائفة السنية الكريمة من مصير مشترك يحتم علينا تشجيع التلاقي والحوار وتبديد المخاوف فيما بيننا؟

التواصل والانفتاح على الأخوة السنة من أبناء الوطن ضرورة ملحة لسدِ باب لغة التكفير ورفع الحصار والعزلة عن المجتمع الشيعي ولكن بنظري ينبغي أن يكون التواصل مؤطراً بحدود معينة:

أولاً: التواصل المطلوب هو التواصل مع المعتدلين من الأخوة السنة الذين يعترفون بحقوقنا ويؤمنون بقضايانا ليشكل ذلك حصانة لمجتمع المملكة من نفوذ المتشددين الذين لا يعترفون لنا بأي حق ويتعاملون معنا بوجهين، وطرق التواصل مع الطرف المعتدل الذي يرجى منه أن يتفاعل مع حقوقنا بلسان أو قلم بتبادل الزيارات وإقامة مؤتمرات أهلية مشتركة تدعو لتأكيد مبدأ المواطنة على أساس توفير الحقوق الكاملة للمواطن وإن اختلف مذهبه عن المذهب العام، كما حدث في مؤتمر التعايش السلمي في بيت الأخ فؤاد نصرالله وقد شاركت فيه بكلمة تتعلق بأسس الوحدة الوطنية.

ثانياً: التحفظ عن الدخول في المشاريع الإعلامية التي لم تقدم إلى الآن أثراً عملياً ومن هذا القبيل مشروع الحوار الوطني الذي لم يصدر إلى الآن قانوناً يجرم المساس برموز المذاهب الإسلامية ومقدساتها ومنها التشيع، ولذلك ذكرت تحفظي عن الدخول في مثل هذا المشروع في بياني الذي أصدرته في شهر محرم السابق.

ثالثاً: من حق أي شخص أن يستضيف من يشاء في بيته أو مجلسه، ولكن دعوة المتطاولين على المذهب المستخفين بحقوق الطائفة في حسينياتنا أو مساجدنا بهدف إلقاء محاضرة تنال من ثوابت التشيع أو مسلماته محطة للتوقف والتحفظ، لأن في ذلك إساءة لشعور المجتمع الشيعي وإثارة لحفيظته وهو مما يتنافى مع الهدف من دعوة هذا المحاضر إلى مناطقنا، فإن الهدف من دعوته تأكيد اللحمة الاجتماعية بين أبناء الوطن، إلا أنه يترتب على ذلك انقسام المجتمع الشيعي نفسه، وليس من الصحيح أن يكون التواصل مع المتشدد السني على حساب التواصل مع الداخل الشيعي.

رابعاً: لا مانع عندنا من فتح باب الحوار العقائدي في القضايا الخلافية مع أي أخٍ سلفي متشدد أو غيره في أي مكان في المملكة إذا كان الحوار ضمن شروط تضمن كون الحوار مثمراً وهادفاً.

ومن تلك الشروط الاعتماد على الأحاديث المتفق عليها بين الطرفين لا المختلف فيها، والاتفاق من البداية على قواعد محدده من علم الأصول وعلم المنطق لتكون مرجعاً للحوار مع مراعاة أدب الحوار والحماية للمحاورين بلحاظ ما يستلزمه الحوار الصريح من عرض بعض النقاط المثيرة، فلا تحفظ على الحوار مع أي طرف كان، وإنما التحفظ على التواصل الودي والاجتماعي مع الطرف الذي يتطاول على مذهبنا ويتعامل معنا بوجهين أو دعوته بمحاضرة تنتقد المذهب في مناطقنا.

التوافق: سماحة السيد ألا تعتقدون بأن التوجس من مشاركة بعض المحاضرين من الطرف الآخر في مساجدنا وحسينياتنا امر مبالغ فيه خصوصاً في هذا الوقت الذي اصبح بامكان هؤلاء الدخول الى بيوتنا من خلال الفضائيات ولم يعد بالامكان حجب المعلومة من أي كان؟

إن تحفظنا الشديد على دعوة الأشخاص المتطاولين في مناطقنا لا لعجز عندنا أو قصور في قدراتنا، بل لعدة أسباب موضوعية منها:

السبب الأول أن هذه الدعوة إساءة لمشاعر المجتمع الشيعي وإشعالٌ لفتنة بين صفوفه لشعوره بالمهانة والذل في أن ينتقد مذهبه في عقر داره بدعوة من أبنائه، فكما لا يرضى الأخ السني بزيارة بعض علماء الشيعة لمساجده أو مجالسه للقيام بنقد ثوابت مذهبه أو تاريخ بعض الصحابة المقدسين لديه بل يعتبر ذلك استفزازاً له وجرحاً لمشاعره وتهميشاً لوجوده فكذلك غالب المجتمع الشيعي بهذه النظرة.

ولو كان حضور محاضرٍ ينتقد أي مذهب إسلامي بين أبناء ذلك المذهب أمراً طبيعياً لوجدنا هذه الظاهرة في إيران أو العراق أو لبنان أو البحرين أو حتى في المملكة، لكننا لم نجد إلى الآن مثالاً لمثل هذا العمل بلحاظ سلبياته الاجتماعية.

والسبب الثاني هو أن هناك فرق بين الفكرة المدعومة والفكرة المرسلة.

فالفكرة المرسلة هي الفكرة المخالفة للمذهب لكنها تصل عن طريق القنوات الفضائية أو مواقع الإنترنت أو المقررات المدرسية وتنفذ لبيوتنا من دون تمكننا من منعها وحجبها لكنها لكونها مرسلة غير مدعومة تكون في موقع الشك والتردد.

وأما الفكرة المدعومة فهي التي تصل إلى أجيالنا وأبنائنا عن طريق استضافة المحاضر نفسه إلى مسجد أو مأتم ليطرح شبهة في ثوابت المذهب فإن هذه الشبهة فكرة مدعومة لأن دعوته من أبناء المنطقة تعد دعماً لفكرته بنظر عامة الناس، ولأجل ذلك مقتضى المسؤولية الشرعية في الحفاظ على عقيدة أبناء مجتمعنا أن نرفض أي اختراق فكري يمكننا منعه وأما الحوار مع العلماء الأكفاء فهو محل الترحيب.

التوافق: تحدثتم في خطبة الجمعة الماضية وقلتم ”لماذا نجد بعض الاخوة المثقفين والكتاب هداهم الله تعالى التركيز على بعض المفاهيم والاغفال عن القضية الاولى، تركيز ترسيخ ترويج - مواطنة - الحوار الوطني - التعايش السلمي - الوحدة الوطنية“ وقلتم ”اذا كان ترويج هذه المفاهيم على حساب القضية الاولى فلا“... هذا يدعونا للتساؤل سماحة السيد.. هل هناك تعارض بين الوطن والدين بين المواطنة والاسلام او بين المواطنة والخصوصية المذهبية؟ وأين يكمن هذا التعارض؟

هنا أمورٌ:

أولاً: في سلم الأولويات تقسم القضايا المهمة إلى درجة أولى ودرجة ثانية بالرغم من أهمية الجميع، فمثلاً: في مجال الفقه تعتبر حرمة الدم والعرض والمال الدرجة الأولى من الحرمة، وتعتبر حرمة الخمر أو أكل الميتة درجة ثانية مع أن الجميع من الكبائر، وكذلك في مجال السياسة فإن أي دولة تعتبر سيادة الدولة وأمنها الوطني الدرجة الأولى، وتعتبر مرافق التعليم والصحة مع أهميتها الدرجة الثانية، وفي هذا السياق ذكرت أنه في سلم الأولويات الدينية يعتبر الإسلام والتشيع الدرجة الأولى ويعتبر مفهوم الوحدة الوطنية والتعايش السلمي الدرجة الثانية رغم خطورته وأهميته.

ثانياً: أنه لا تعارض بين مبدأ المواطنة والدين أو المذهب بل الأمر بالعكس، لأن مبدأ المواطنة عبارة عن مجموعة من الحقوق والواجبات ولذلك فهو يستبطن الاعتراف أن للمواطن حق الكرامة والاحترام بأن لا يساء لمذهبه ولا لرموزه وأن لا يضيق عليه رزقه لأجل مذهبه.

ثالثاً: أن هذه المفاهيم الوحدة الوطنية والتعايش السلمي ليست أهدافاً وإنما هي آليات لهدف أسمى، فالأخ السني مثلاً يطرح مفهوم الوحدة الوطنية وسيلة لحفظ أمنه وحقوقه وحريته الدينية، فكذلك المثقف الشيعي يطرح هذا المفهوم وسيلة للتوصل إلى ضمان حقوقه الكاملة ومنها حقوقه الدينية.

ولأجل أن هذه المفاهيم وسائل وليست أهداف نخشى أن تُستغل لتمرير بعض الأمور المنافية لحقوق الطائفة الإمامية كأن يطالبنا الأخ غير الإمامي لترك الشهادة الثالثة في الأذان أو ترك التعرض لتاريخ بعض الصحابة المناؤين للإمام علي بذريعة التعايش السلمي والوحدة الوطنية، ولذلك فنحن في حذر بالغ في أن يكون تعاطينا لمثل هذه المفاهيم وتكريسها ونشرها في إطار ضمانها للهدف الأسمى الذي نرجوه.

التوافق: سماحة السيد للأسف الشديد التعبير الواعي الذي عبر به الشارع احتجاجاً على تكريم القضاة لم يستمر في مساره الصحيح ورأينا كيف أن المجتمع تاه في السجالات الفئوية وانشغل في الخلافات الداخلية ونسي أصل المشكلة. السؤال من المعني بصيانة وحدة المجتمع وتحقيق التوافق بين فئات واطياف المجتمع؟ أوليس علماء الطائفة من المنطقة هم المعنيون بالدرجة الأولى؟

هنا عدة توصيات:

أولاً: لا يجوز هتك حرمة أي شخص وإن أخطأ في تعاطيه مع بعض الظلمة، كما لا يجوز استخدام المواقع والأقلام لإسقاطه والتجريح فيه فإن ذلك من أعظم المحرمات لما ورد من أن حرمة المؤمن أشد من حرمة الكعبة.

ثانياً: أن وظيفة العلماء بيان الحكم الشرعي في جميع الحوادث المستجدة اجتماعية أو سياسية من أجل أن لا يندفع البعض لأجل جهله بالحكم الشرعي إلى تجاوز الحدود الشرعية.

ثالثاً: ينبغي أن يكون النقد السائد في أقلامنا ومجالسنا ومواقعنا نقد موضوعياً وهو النقد للفكرة والاتجاه والمسار دون نقد الشخص مع مراعاة كمال الأدب والاحترام لنكون بنظر الآخرين مثالاً للتناصح الموضوعي، وعلى المجتمع أن يستفيد من هذه التجربة وأمثالها في تكريس النقد الموضوعي والبعد عن الإثارات الشخصية الفئوية مستظلين بظل ولاية أمير المؤمنين ، قال عزوجل ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا. والحمد لله رب العالمين

بدورها «شبكة التوافق الاخبارية» تتقدم بالشكر الجزيل لسماحة السيد منير الخباز لتفضله بالاجابة على الاسئلة ونأمل أن نوفق لعمل مقابلة مطولة مع سماحته مستقبلاً.