كيف نتعامل مع الشحن الطائفي

تحرير المحاضرات

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ

صدق الله العلي العظيم

إنّ الآية المباركة تحثّ على الدّعوة إلى الخير، فما هو الخير؟

إنّ الخير هو عبارة عن المصالح العامّة التي إذا توفرت انحفظ النظامُ الاجتماعيُ، فهناك مصالح بيئيّة، وهناك مصالح اقتصاديّة، وهناك مصالح شخصيّة، فإذا اجتمعت هذه المصالح وتحققت تحقق عنوان الخير، وهو ما يسمّيه فقهاؤنا بحفظ النظام، فعندما يقول فقهاؤنا: يجب حفظ النظام، أو: يحرم الإخلال بالنظام، فالمقصود بالنظام هو ما يحفظ المصالح العامّة، وما يحفظ تلف النفوس أو تلف الأموال، وما يحفظ أداء الحقوق لأهلها، فالنظام العامّ هو شيوع ورواج المصالح العامّة التي تبتني على أداء الحقوق لأهلها، وتبتني على حفظ النفوس والأعراض والأموال، وهذا هو الخير، وعندما يدعونا القرآنُ إلى الخير فهنا يتبادر لأذهاننا سؤالان:

1 - ما هو الطريق والمنهج لتحقيق الخير؟

2 - وما هي معالم الدّعوة إلى الخير؟

أمّا السؤال الأوّل: وهو: ما هو الطريق والمنهج لتحقيق الخير؟

فهو يبتني على ما ذكره علماء الاجتماع وغيرهم بأنّه يتمّ عبر عقد اجتماعي، فإنّ كلّ مجتمع بين أفراده وأبنائه عقدٌ وميثاقٌ، وهو ألا يعتدي بعضهم على بعض، وألا يخلّ بعضهم بحقوق البعض الآخر، وألا يتجاوز بعضهم كرامة البعض الآخر، فأيّ مجتمع ليس بين أبنائه وأهله ميثاقٌ اجتماعيٌ وعقدٌ اجتماعيٌ يمنع العدوان ويمنع انتقاض الحقوق ويمنع تجاوز الحقوق فإنّ هذا المجتمع يؤول إلى الانهيار ويؤول إلى الاختلال ويؤول إلى الفتنة، فما يحفظ النظام وما يحقق الخير هو وجود عقدٍ اجتماعي وميثاق اجتماعي بين أبناء الوطن الواحد والمجتمع الواحد بألا يعتدي بعضهم على بعض، وألا يهين بعضهم كرامة البعض الآخر، وألا يتجاوز بعضهم على حقوق البعض الآخر، ولذلك ترى المجتمعات المتعدّدة الأطياف كما في المجتمع العراقي مثلاً أو المجتمع اللبناني مثلاً عندما يختلّ هذا العقد الاجتماعي في فترةٍ من الفترات تنشب الحروب وتحدث القلاقل وتسفك الدّماء لذلك لا يمكن العيش لهذه المجتمعات تحت عنوان الخير ما لم يكن هناك التزامٌ بعقدٍ وميثاق اجتماعي بألا يعتدي البعض على البعض الآخر وأن يحترم كلّ طرفٍ كرامة الطرف الآخر.

وهذا ما يحتاج إليه أيضًا وطننا، وما يحتاج إليه أيضًا مجتمعنا، فإنّ مجتمعنا ووطنا بأطيافه المختلفة بسنته وشيعته يحتاج إلى عقدٍ اجتماعي والتزام بميثاق اجتماعي وهو ألا يشحن طرفٌ ضدّ الطرف الآخر، وألا يعتدي طرفٌ من خلال وسائل الإعلام أو من خلال مواقع النت على كرامة الطرف الآخر أو على مبادئ الطرف الآخر أو على علماء الطرف الآخر أو على طريقة ومنهج الطرف الآخر، عندما يتحقق هذا العقد الاجتماعي ويلتزم أبناءُ الوطن الآخر بأنّ التكفير لأيّ طرفٍ جريمة يعاقب عليها القانون، وأنّ اعتداء أيّ طرفٍ من خلال وسائل الإعلام والشحن والتعبئة لباقي أفراد الشعب ضدّ الطرف الآخر يعتبر جريمة لا تغتفر وذنبًا يستوجب العقوبة القاسية، عندما تسنّ هذه القوانين وعندما يتحقق العقد الاجتماعي حينئذٍ يمكن لنا أن نقول بأنّ هذا المجتمع يعيش تحت عنوان الخير، لأنه يعيش تحت عقدٍ وميثاق اجتماعي مُلزِم.

أمّا عندما يشعر أحدُ الطرفين بأنّ المساحة مفتوحة أمامه ليستخدم الإعلام في التكفير والإدانة والحشد والشحن والتحريض ضدّ الطرف الآخر فإنّ هذا يوشك أن يختلّ به العقدُ الاجتماعيُ وتنهدم به بنية السلم الاجتماعي، وهذه منطقة خطرٍ جدًا، منطقة خطرٍ جدًا صعبة، وجدًا تعتبر مفتاحًا لكوارث لا تنتهي.

السؤال الثاني: وأمّا الدّعوة إلى الخير فإنّ الدّعوة إلى الخير تحتاج وتتنوّع لعدّة أساليب، فكما يحتاج المجتمعُ إلى ميثاق فإنّه يحتاج إلى تنوّع في أساليب الدّعوة إلى الخير.

1/ فمن أساليب الدّعوة إلى الخير: ما يقوم به علماؤنا في المنطقة وحوزاتنا في المنطقة من نشر العلم والمعرفة في أصول الدّين وفروعه، فإنّ هذا أسلوبٌ من أساليب الدّعوة إلى الخير، وهو مصداقٌ لقوله عزّ وجلّ: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ، فإنّ هذا مصداقٌ من مصاديق الإنذار، وهو أسلوبٌ عظيمٌ.

2/ والأسلوب الآخر من أساليب الدّعوة إلى الخير: الدّعوة العمليّة من خلال الجمعيّات والصناديق الخيريّة، فإنّ الجمعيّات الخيريّة المنتشرة في مجتمعنا هي بنفسها دعوة إلى الخير، وهي بنفسها أسلوبٌ من أساليب الدّعوة إلى الخير، إلا أنّه أسلوبٌ عمليٌ فعّالٌ ومنتجٌ ومثمرٌ، وهذا الأسلوب من مصاديق قوله عزّ وجلّ: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ إذ ليس الإنفاق يختصّ بأنفاق الأموال، إنفاق الوقت، إنفاق الجهد، إنفاق الفكر، كلّ من ينفق شيئًا من طاقته مالاً أو فكرًا أو وقتًا أو أيّ شيءٍ آخر إذا أنفق بدون أجرٍ ولا مقابل كان هذا الإنفاق دعوة عمليّة للخير، ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ.

3/ والأسلوب الثالث من أساليب الدّعوة إلى الخير: أسلوب المطالبات بالحقوق ودفع المظالم، فإنّ هناك مجموعاتٍ في مجتمعنا لا من الآن بل من القديم ومن قبل خمسين أو ستين سنة أخذوا على أنفسهم وحملوا على عواتقهم الدّفاع عن حقوق الطائفة والمطالبة بحقوق الطائفة، وصرفوا كثيرًا من أوقاتهم وجهودهم في سبيل الدّفاع عن مظالم الطائفة، وخاطبوا المسؤولين بالوسائل المتاحة لديهم، وهذا أسلوبٌ من أساليب الدّعوة إلى الخير، وهو أسلوبٌ في حدّ نفسه مشكورٌ ومحمودٌ، ويعتبر أسلوبًا عظيمًا في الدّفاع عن الطائفة وعن حقوق الطائفة، ورد عن النبي محمّدٍ : ”من قضى لأخيه المؤمن حاجة قضى اللهُ حاجته“، وورد عنه : ”من قضى لأخيه المؤمن حاجة نُودِيَ من بطنان العرش: عليّ ثوابك ولا أرضى لك بدون الجنة“، فالذين يأخذون على أنفسهم قضاء حوائج المؤمنين والدّفاع عن السجناء والمعتقلين والمطالبة بحقوق الطائفة والتوفير الخدمات لهذه المنطقة من صفوى إلى الدّمام بمختلف الخدمات، ما يقوم به هؤلاء هو أسلوبٌ من أساليب الدّعوة إلى الخير، كما يقوم به مثلاً المجلسُ البلدي، وديوانيّة القطيف، وغير ذلك من الهيآت والأفراد الذين أخذوا على عواتقهم بدون مقابل المطالبة بحقوق الطائفة.

4/ والأسلوب الرابع من أساليب الدّعوة إلى الخير: أسلوب الاحتجاج.

ربّما يقول شخصٌ بأنّ لغة الاحتجاج غريبة على مجتمعنا ولم يكن مجتمعنا يعرف شيئًا اسمه لغة الاحتجاج ولغة الصرخة وأنّ هذا الأسلوب أسلوبٌ دخيلٌ علينا فلماذا نأخذه ونتبعه ولماذا ننسجم ونتناغم معه وهو أسلوبٌ دخليٌ علينا؟!

ونحن نقول: ليس الأمر كذلك، ليس الاحتجاج لغة دخيلة، وليس الاحتجاج أسلوبًا دخيلاً علينا أبدًا، بل ثقافة الاحتجاج ثقافة تسري في دمائنا؛ لأنّ مذهب التشيّع مذهبٌ بُنِيَ على لغة الاحتجاج، مذهب التشيّع منذ زمن الإمام أمير المؤمنين علي وهو مذهبٌ يرفض الظلم، ويرفض الطغيان، ويرفض انتقاص الحقوق، فالاحتجاج لغة متأصّلة في مبادئنا وفي دمنا وفي جذورنا، لأنّ هذا المذهب بُنِيَ على لغة الاحتجاج وعلى مسيرة الاحتجاج، وليس الاحتجاج أسلوبًا غربيًا أو أسلوبًا شرقيًا، بل الاحتجاج له مبادئ تنبع من مبادئنا، الاحتجاج دعوة إلى الخير، والقرآن الكريم يقول: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ، والاحتجاج صورة من صور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنّ احتجاجٌ على المنكر أينما كان ومن أيّ جهةٍ كانت، هذا المنكر، ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ، ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ، بل إنّ ثقافة الاحتجاج هي من صميم المواساة لمحمّدٍ وآل محمّد، فقد ورد عن الصادق : ”ِشيعتنا منا، خلقوا من فاضل طينتنا، يفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا“ أفلا يُفْرِحُ الأئمة من أهل البيت أن يروا شيعتهم منصورين ومؤيّدين وحقوقهم كاملة ومواطنتهم معترفٌ بها؟! أفلا يُحْزِنُ الأئمة من أهل البيت أن يروا شيعتهم في مثل البحرين أو غيرها مضطهدين ومظلومين ومحاصرين؟! لا إشكال بأنّ الاحتجاج لمظلوميّة هؤلاء هو مواساة لآل بيت محمّدٍ ، فإنّ مواساة شيعتهم مواساة لهم، لأنّهم يتألمون لألم شيعتهم، ويتألمون لألم كلّ مسلم، ويبكون ويحزنون لحزن كلّ مسلم، فبما أنّ أهل البيت يتألمون ويحزنون لحزن المضطهدين وبالخصوص شيعتهم ومواليهم فإذا نحن شاركنا شيعة أهل البيت في أحزانهم وفي آلامهم واحتججنا على ظلمهم كنا بذلك حققنا صورة من صور المواساة لأهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ودخلنا بذلك تحت قوله : ”ِشيعتنا منا، خلقوا من فاضل طينتنا، يحزنون لحزننا، ويفرحون لفرحنا“ فأسلوب الاحتجاج ليس أسلوبًا دخيلاً شاذًا عن مبادئنا خارجًا عن جذورنا، ليس الأمر كذلك أبدًا.

إنّ الروايات الكثيرة التي تؤكّد على زيارة الحسين : ”زره عن خوفٍ - كما يقول الصادق - فإنّ زيارته عن خوفٍ موجبة للأمن يوم القيامة“، زيارة الحسين في حالات الخوف ما هي إلا احتجاج وما هي إلا تحدٍ وما هي إلا مواصلة لدرب الحسين ، فثقافة الاحتجاج ليست ثقافة بعيدة عن منطلقاتنا وبعيدة عن جذورنا حتى نقف منها موقف الاستنكاف والاستيحاش والاستبشاع، ليس الأمر كذلك أبدًا.

نعم الاحتجاج لا ينحصر بصورةٍ من الصّور، فالاحتجاج لا ينحصر بصورة التظاهر، له صورٌ أخرى يمكن للإنسان أن يمارسها:

1. الاحتجاج في المساجد الذي مارسناه في الأسابيع الماضية.

2. الاحتجاج من خلال الاحتفالات التأبينيّة للشهداء.

3. الاحتجاجات من خلال الكتابات في مواقع النت بأقلام مختلفة.

4. الاحتجاجات ولو باستخدام صورٍ وأدواتٍ حسيّةٍ «إنشاء أفلام، إنشاء مسلسلات تعبّر عن المظلوميّة، تعبّر عن عدم أداء الحقوق، فإنّ هذه صورة من صور الاحتجاج».

5. الصور التي تتناقل في الجوّالات هذه صورة من صور الاحتجاج.

فالاحتجاج لا ينحصر بأسلوبٍ ولا بأداةٍ معيّنة، إنّما المهم أن نربّي أبناءنا على أنّ الدّعوة إلى الخير لها أساليب متعدّدة، ولا يكون أسلوبٌ منقصًا لأهميّة وقيمة الأسلوب الآخر، وقد ذكرنا الأساليب المختلفة، ومنها: أسلوب الاحتجاج بالصّور الممكنة وبالصّور المتاحة المناسبة لتطلعاتنا وظروفنا، إذن فثقافة الاحتجاج ليس ثقافة دخيلة علينا.

5/ ومن الدّعوة إلى الخير: الدّعوة للوحدة الدّاخليّة.

نحن نحتاج إلى وحدة صفوفنا فإنّ الخير كله في الوحدة، وكما ذكر الإمامُ كاشف الغطاء رحمه الله: «كلمة التوحيد في توحيد الكلمة» إنّ المجتمع يحتاج إلى توحيد الكلمة، إنّنا في هذه الظروف العصيبة في سفينةٍ واحدةٍ ومركبٍ واحدٍ، إذا غرفت لن ينجو منه من لا يؤيّد مثلاً نقطة معيّنة، وإذا نجت لن يغرق منها من يؤيّد أمرًا معيّنًا، بل هناك سفينة واحدة ومركبٌ واحدٌ يقلنا جميعًا، إن غرق غرفنا، وإن نجا نجونا، ولأجل ذلك لابدّ لنا من التعالي والتسامي والترفع عن الاختلافات الجانبيّة، هذه الاختلافات الفكريّة التي نجد البعض يحاول أن يتصيّدها ويركّز عليها من خلال بعض المقالات في بعض المواقع ليست مصلحة لمجتمعنا بل هي عاملٌ في تمزيق مجتمعنا، لا تسمحوا لأيّ مقال وأن أناشد المواقع التي نحن نستفيد منها ونحن نحترمها جميعًا نحن نناشد المواقع ألا يسمحوا لأيّ مقال يكون بابًا من أبواب الفتنة، وألا يسمحوا لأيّ مقال يكون معولاً يشقّ الصّف ويحاول تمزيق النفوس وتمزيق القلوب، ركّزوا في هذا الظرف العصيب على حشد الأقلام التي تؤيّد قضيتنا وتدافع عن حقوقنا ومظلوميّتنا ولا تفتحوا باب الاختلاف الذي يفرح أعداءنا ويساهم في تمزيق مجتمعنا، كلّ من كان منطلقه محمّدًا وآل محمّدٍ والدّفاع عن مظالمهم وحقوق الطائفة فهو معنا وإن اختلف معنا في بعض الأساليب أو بعض الأدوات، علينا أن نتوحّد وأن نكون مثالاً لقوله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ وأن نجتنب ما ذكرته الآية المباركة: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وقال تبارك وتعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ فعلينا أن نسدّ هذه الثغور ثغور الاختلاف وأن نربّي أنفسنا على التلاقي والتشاور والتآزر مهما اختلفنا في بعض الأساليب التي يعذر بعضنا بعضًا فيها لأنّها في أحوج الظروف لتوحيد الكلمة وللمّ الشمل وجمع القلوب والنفوس.

6/ والمصداق الأخير للدّعوة إلى الخير: ألا ننساق للشحن الطائفي.

أنتم تعرفون أنّ هناك شحنًا طائفيًا، ومنذ أن تأجّجت أحداث البحرين العزيز وقبلها عملت بعض وسائل الإعلام على الشحن الطائفي، لأنهم أصلاً لا يملكون مادّة يشغلون بها وقتهم! لأنّ مجموعة من الكتاب - مع الأسف - لا يعيشون إلا على فتات الشحن الطائفي! لا يملكون مادّة يفيدون بها المجتمع ولا يملكون مادّة يصلحون بها القضايا ولا يملكون جرأة أن يقولوا كلمة الحق، فلأنهم لا يملكون إلا أن يشتغلوا بهذه الفتن الطائفيّة وتأجيجها لذلك نرى بعض الجرائد وبعض المواقع وبعض وسائل الإعلام تبثّ الشحن الطائفي وتحاول أن تعبّئ أبناء الوطن الواحد ضدّ طائفةٍ معيّنةٍ وضدّ مجتمع معيّن وضدّ جهةٍ معيّنةٍ، وهذا منحدرٌ خطيرٌ جدًا، ولكن ما هي وظيفتنا نحن؟ وما هو دورنا نحن «نحن المستهدفون بهذا الإعلام وبهذا الشحن الطائفي»؟

إنّ دورنا دور أئمتنا أئمة الهدى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، نحن ربّينا على الصبر، نحن ربّينا على تجرّع الآلام، نحن ربّينا على تجرّع الغصص مهما كانت، نحن ربّينا على مقالة أمير المؤمنين : ”فصبرتُ وفي العين قذى وفي الحق شجا“ وقال: ”لأسالمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن جورٌ إلا عليّ خاصة“، نحن علمّنا وربّينا على ألا ننحدر لهذا المنزلق الطائفي؛ لأنّ مبدأنا الذي حثّ عليه أئمتنا: وحدة الكلمة، ونحن لا نرفع أيدينا عن هذا المبدأ لأجل أساليب غوغائيّة في بعض وسائل الإعلام أبدَا.

إنّ هناك حتى في الوظائف، حتى في الشركات، حتى في المدارس، حتى في الجامعات.. بدأت لغة الشحن الطائفي ضدّ جهةٍ معيّنةٍ وبدأ الغمز واللمز وبدأ التخوين والاعتداء، ولكنني أنصح أبنائي وإخواني الذين هم في هذه الجامعات والمدارس والوظائف والشركات ألا يردّوا على أحدٍ وألا ينزلقوا في أيّ مناقشةٍ وألا يدخلوا في أيّ جدال وألا يفتحوا بابًا للإضرار بهم وأن يتحمّلوا الصبر والمرارة «مرارة الألم» في سبيل المصلحة العامّة، وفي سبيل حفظ مبدأ الوحدة، وفي سبيل حفظ هذا الكيان العامّ، فإنّ الصبر وتحمّل الألم ليس ضعفًا ولا جبنًا وإنّما هو مبدأ يراعي المصالح العامّة.

لاحظوا ربّما البعض الآخر ينطلق من منطلقه لأنّه ربّي منذ مئة سنة على التكفير، وربّي منذ مئة سنة أو أكثر على نبذ فرقةٍ معيّنةٍ وأنّ هذه الفرقة هم أهل البدع وهم أهل الرّفض وهم أهل الكذا وهم عبدة القبور وهم عبدة الأوثان.. ونتيجة هذه التعبئة الطائفيّة أصبح لا شغل له ولا عمل له إلا الاعتداء على هذه الجهة المعيّنة، هذا منطلقه، هذه مبادئه، أمّا مبادئنا فهي أرفع وأسمى من ذلك، أمّا مبادئنا التي ربّينا عليها فهي أنّ ”المسلم من سَلِمَ الناسُ من لسانه ويده“، و”من قال لا إله إلا الله محمّدٌ رسول الله حرم دمه وماله وعرضه“، ”الإسلام به حقنت الدّماء وجرت المناكح والمواريث“ كما ورد عن النبي ، هذه مبادئنا.

أكثم ابن صيفي، يقول الصاحبُ بن عبّاد: رأيتُ في المنام أمير المؤمنين عليًا ، فقلتُ له: يا أبا الحسن أنتم بنو هاشم عندما وصل إليكم الحكم عاملتم أعداءكم باللين والرّفق واللطف ولكنّ بني أميّة عندما وصل إليهم الحكمُ عاملوكم بالإبادة، بالشدة، بالغلظة، فكيف ذلك؟ قال: سل أكثم بن صيفي «وكان صديقًا للصاحب بن عبّاد»، يقول: فجلستُ من النوم وذهبتُ لأكثم بن صيفي وسألته: لقد سألتُ أمير المؤمنين عليًا عن هذا السؤال فأجابني قال: سل أكثم بن صيفي، فما عندك؟ وإذا بأكثم يبكي وينتحب ويقول: لقد تذكرتُ سيدي أمير المؤمنين وتذكرتُ مظلوميّته فحضرتني وألهمتُ هذه الأبيات التي لم يعلم بها أحدٌ قط غير الله وغير علي أمير المؤمنين، قال: ماذا قلتَ؟ قال: قلتُ:

ملكنا   فكان   العفوُ  منا  iiسجيّة

وحللتمُ   قتلَ   الأسارى  iiوطالما

فحسبكمٌ    هذا    التفاوتٌ   iiبيننا



 
ولمّا   ملكتمْ   سالَ  بالدم  iiأبطحُ

غدونا عن الأسرى نعفّ ونصفحُ

وكلّ   إناءٍ   بالذي   فيه   iiينضحُ

وهذا ما قاله عمرو بن العاص عندما قارن بين علي ومعاوية، وهل بينهما مقارنة؟! فقد ورد عن علي : ”لقد أنزلني الدّهرُ حتى قيل: عليٌ ومعاوية“، ”لقد أنزلني الدّهرُ حتى قيل عليٌ ومعاوية“ وهنا عمرو بن العاص يقول: إذا كان بينكما نسبة.. إذا كان!

إذا     كانَ    بينكما    iiنسبةٌ

وأين الثرى من نجوم السما

وأين   الثريا   وأين  iiالثرى



 
فأين   الحسامُ  من  iiالمنجلِ

وأين   اللآلي   من   iiالفلفلِ

وأين    معاويةُ   من   iiعلي

هناك مبادئ علويّة وهناك مبادئ أمويّة، والجذور هي الجذور، والصّور تتكرّر، ولكنّ الرّوح واحدة، والمبادئ واحدة، إنّ الجذور العلويّة والمبادئ العلويّة تأبى أن تتعامل بلغة السباب والشتم والشحن والتحريض؛ لأنّ عليًا مبادئ وليس سبابًا، لأنّ عليًا مجموعة من القيم لا مجموعة من السباب والشتم والتعريض والشحن، هذه مبادئ علويّة، وهي تسري في شيعة علي وتمتدّ في جذورهم لأنهم يمشون على أدب علي .

وهناك مبادئ أمويّة ما قامت إلا على روح الحقد والضغينة والتحريض والشحن والإساءة لأيّ جهةٍ تختلف معها، فالمبادئ العلويّة ستبقى متميّزة، والمبادئ الأمويّة ستنكشف يومًا من الأيام مهما طال الزمن، ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ وهذه المبادئ العلويّة التي يؤكّد عليها الإمام الصادق : ”كونوا زينًا لنا ولا تكونوا شينًا علينا“، ”إنّ أحدكم ليكون في القبيلة فيكون زينها، أدّاهم للحقوق، أصدقهم في الحديث، أورعهم في الدّين، إنّ الرّجل منكم إذا صدق في حديثه وورع في دينه وحسن خلقه وأدّى الأمانة قيل: هذا جعفري، وقيل: هذا أدب جعفر، فيسرّني ذلك، وإنّ الرّجل منكم إذا كان على خلاف ذلك قيل: فعل الله بجعفر ما فعل! ما كان أسوأ ما يؤدّب به أصحابه“ وورد عن الإمام العسكري أنّه قال: ”صِلوا عشائرهم، وعودوا مرضاهم، واحضروا جنائزهم، واشهدوا لهم وعليهم، وإن استطعتم أن تكونوا الأئمة والمؤذنين فافعلوا“ كلّ هذه الآداب التي صدرت عن أئمتنا تريد أن تبيّن لنا أنّ لنا إرثًا وهو إرث الأدب والخلق الرّفيع الذي مدح اللهُ به نبيه وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ، وإنّ هذا الأدب سنبقى متميّزين به.

لاحظوا العراق، العراق وصلت الفتنة الطائفيّة إلى إراقة الدّماء، وهُدِمَ المرقدان «مرقدا الإمامين العسكرين» وقُتِلَ الآلاف، ولكنّ المرجعيّة العليا في العراق لأنها تعنى بالمصالح العامّة، لأنّها تركّز على الخير، والخير هو حفظ المصالح العامّة، حفظ النظام الاجتماعي من أن يختلّ وينهار، لأنّ المرجعيّة العليا تمتلك بُعْدَ النظر ودقة الحكمة في الأمور، فلذلك ركّزت المرجعيّة العليا على ألا تنساق شيعة آل محمّدٍ لهذا المنحدر الطائفي، وعلى أن لا ينقادوا لأجل مصالح وقتيّة بل عليهم أن يتحمّلوا الألم وأن يتجرّعوا الغصص وأن يقفوا بصبرهم وتحمّلهم سدًا منيعًا أمام انهيار المجتمع الإسلامي، وكرّر وأكّد بأنّنا لا نقول بأنّ السنة إخواننا بل نقول بأنّ السنة أنفسنا، هذه آداب علي ، لا نقول بأنّهم إخواننا بل نقول بأنّهم أنفسنا حفظًا لوحدة الكلمة وحفظًا للخير وحفظًا لاستقرار النظام الاجتماعي.

فعلينا أن نسير على مسيرة هؤلاء، نحن ندافع عن حقوقنا، نتحدّث عن مظالمنا بالوسائل الممكنة والمتاحة ولكن لن ننجر إلى أيّ منزلق طائفي ولن ننحدر إلى أيّ استدراج طائفي، بل نحن ثابتون ونحن أولى برعاية مبدأ الوحدة من أيّ طرفٍ آخر، وفي الأخير لا ننسى بأن نذكّر بقضايانا، لا ننسى بأن نذكّر أنفسنا وأطفالنا وعوائلنا في كلّ جمعةٍ وفي كلّ يوم بقضايانا ومظالمنا لأنها قضايا لا تنسى بل هي جزءٌ من تركيبتنا وجزءٌ من ذواتنا، نحن نريد من هذا المسجد المبارك أن نؤكّد على مظالمنا وعلى حقوقنا وأن نذكّر بلغة الاحتجاج التي نمشي عليها من هذا المسجد المبارك نهتف عدّة مرّاتٍ من أجل التأكيد على قضايانا فنقول: «لن نرضى بالشحن الطائفي أبدًا»، ونعود إلى القضيّة الأخرى التي لن ننساها وسنؤكّد عليها حتى لأطفالنا وأبنائنا: «لن ننسى السجناء أبدًا»، السجناء في دمنا، هم أهلنا وعوائلنا، وألمهم ألمنا وحزنهم حزننا، ونؤكّد على القضيّة الثالثة: شعب البحرين المظلوم، سنظل نحتجّ، سنظل نتكلم في صلواتنا، في أدعيتنا، في مساجدنا، في صورنا.. لأبنائنا على أنّ هذا الشعب مظلومٌ مهما حاولت وسائل الإعلام أن تغيّر هذه الصّورة سيبقى هذا الصّوت ينبع من نفوسنا: شعب البحرين شعبٌ مظلومٌ، «لن ننسى شعب البحرين أبدًا».

والحمد لله ربّ العالمين