نص الشريط
حول غيبة الإمام والحضارة الكونية
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 4/1/1421 هـ
مرات العرض: 2214
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (1485)
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ

آمنّا بالله، صدق الله العلي العظيم

حديثنا انطلاقا من الآية المباركة حول منقذ العالم الإسلامي المهدي المنتظر - عجل الله تعالى فرجه الشريف -، في نقطتين:

1 - الدليل العقلي على ظهوره وغيبته.

2 - الدليل النقلي على ولادته وغيبته.

النقطة الأولى: هذا الدليل العقلي الذي نذكره الآن ليس دليلا بالنسبة للشيعي الإمامي، وإن الشيعي الإمامي لا يحتاج إلى مثل هذا الدليل لقيام النصوص المستفيضة والمتواترة لديه في ولادة الإمام وغيبته وصفاته وخصائصه، نحن نسوق هذا الدليل العقلي لمن ليس بشيعي أو ليس بإمامي أو حتى ليس بمسلم، الدليل العقلي يرتكز على عدة عناصر:

العنصر الأول: ما هو الهدف من وجود هذا الكون؟ - بسمائه بأرضه بنجومه بفضائه بذراته بمجراته -

لو لم يكن لوجود هذا الكون هدف لكن خلقه لغوا، واللغو قبيح والقبيح لا يصدر عن الحكيم، فضلا عن الله تبارك وتعالى، إذن هذا الكون بمختلف ذرّاته ومجرّاته لوجوده هدف، وما هو الهدف منه؟ الهدف منه إقامة الحضارة الكونية، فرق بين الحضارة الأرضية وبين الحضارة الكونية، الإنسان يمكنه أن يقيم حضارة أرضية «الحضارة على هذه الأرض»، ولكن كلامنا في الحضارة الكونية.

أي أن الإنسان يستخرج جميع طاقات الكون، ويستخرج جميع كنوز الكون، ويستخرج جميع ما في هذا الفضاء اللاّمتناهي من كنوز وطاقات ومعارف ويسيطر على هذا الوجود بفضائه وأرضه ونجومه ومجراته، فإذا سيطر على هذا الوجود بأكمله وسخر جميع طاقاته له، فقد أقام الحضارة الكونية، الحضارة الكونية هي عبارة عن السيطرة والهيمنة على جميع ذرّات الكون وعلى جميع طاقات الكون وعلى جميع كنوز الكون.

إقامة الحضارة الكونية هي التي تحدثت عنها الآيات المباركات القرآنيات، مثلا قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ، كل ما في السماوات والأرض لكم، لكي تصنعوا منه حضارة كونية، ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا، ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وأي عمل أحسن من إقامة حضارة كونية عادلة مهيمنة على هذا الوجود بأسره من أصغر ذرة إلى أعظم مجرة، هذا الوجود خلق لك، لكي تقيم فيه حضارتك الكونية، ولولا ذلك لكان وجود هذا السماوات ووجود هذه المجرات ووجود هذه الطاقات عبثا ولغوا، واللغو لا يصدر من الحكيم تعالى.

العنصر الثاني: كيف يصل الإنسان لهذا الهدف؟، كيف يقيم الإنسان حضارة كونية يسيطر فيها على هذا الوجود بأسره؟، طبعا يصل إلى هذا الهدف بالعلم، ولكن أي علم؟

العلم على قسمين:

أوّلاً: العلوم النظرية والعلوم الحقيقية، هناك فرق بين العلوم النظرية وبين العلوم الحقيقية، الفرق بينها هو الفرق بين عالم الخلق وعالم الأمر، هناك عالمان، عالم خلق وعالم أمر، الله تبارك وتعالى يقول ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ، هناك عالم خلق وعام أمر، مثلا الجسد من عالم الخلق ولكن الروح من عالم الأمر، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ - ولم يقل من خلق ربي - رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا.

عالم الخلق هو عالم المادة، جميع العلوم المتعلقة بعالم المادة هي من قيم العلوم النظرية، أي من نظرية.. لأخرى، يتوصل الإنسان لنظرية ثم يكتشف خطئها فيتحول لنظرية أخرى، ثم يستمر عليها عصور عديدة قم يكتشف نقصها، فيتحول لنظرية ثالثة وهكذا، يعيش الإنسان في إطار النظريات، يعيش الإنسان في إطار التحول من نظرية لأخرى، لأن علومه مؤطّرة بإطار عالم الخلق، عالم المادة.

ثانياً: العلوم الحقيقة، أن الإنسان يصل إلى الحقائق لا إلى النظريات، يصل إلى كمال العلوم لا إلى نقصها، يصل إلى الحقائق التامة لا إلى الحقائق الناقصة، العلوم الحقيقية هي العلوم المرتبطة بعالم الأمر، بما وراء هذه المادة، لا يمكنك أيها الإنسان أن تصل إلى نهاية العلوم وإلى تكامل العلوم بحيث تصل إلى الحقائق، إلاّ إذا تجاوزت عالم الخلق ووصلت إلى عالم الأمر، ولذلك يقول القرآن ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا، أنت تدور في حلقة معينة وهي حلقة عالم المادة، عالم الخلق، ما دمت في هذه الحلقة لن تصل إلى العلوم الحقيقة، تبقى في إطار النظريات، لا يمكنك الوصول إلى العلوم الحقيقية حتى تتجاوز هذه الحلَقة لتعبر إلى عالم آخر، فتدرك حقائق العلوم وتكامل العلوم، إذا وصلت إلى عالم الأمر.

العنصر الثالث: كيف نصل إلى عالم الأمر؟، أي كيف نصل إلى حقائق العلوم؟

إننا نريد أن نقيم الهدف الإلهي، وهو الحضارة الكونية، إننا نريد أن نسيطر على الوجود، ولا يمكننا ذلك إلا بأن نصل إلى الحقائق، ولكن كيف نصل إلى الحقائق؟، وعن أي طريق نصل إلى هذه الحقائق؟، لا يمكنك أن تصل إلى الحقائق وتأخذ المفاتيح التي تفك بها أقفال الكون وألغاز الفضاء وطلاسم الطبيعة، لا يمكنك أن تمسك بهذه المفاتيح إلاّ إذا وصلت إلى مركز الكون، ما معنى مركز الكون؟

لكل شيء مركز، مثلا الطائرة، هذا الجهاز الذي يحلق له صندوق أسود، أليس كذلك؟!، هذا الصندوق الأسود يحمل جميع المعلومات الدقيقة عن هذا الجهاز، يحمل خارطة هذا الجهاز، يحمل جميع قطر حركة هذا الجهاز، الصندوق الأسود هو مركزها، هو مستودع علومها وتفاصيلها الدقيقة، جسم الإنسان أيضًا فيه صندوق اسود، علماء «الجينوم» البشري يقرّرون أن هذا الجسم أيضا فيه صندوق أسود، في هذا الجسم البشري منطقة معيّنة فيها خارطة هذا الجسم بأسره، فيها خارطة «الجينوم» البشري الذي انبعث منه هذا الجسم بأسره.

هناك منطقة في الجسد إذا وصل إليها العلماء وسيطروا عليها، سيطروا على خارطة جسم الإنسان، سيطروا على جميع التفاصيل الدقيقة في جسم الإنسان، استطاعوا أن يستنسخوا الإنسان، استطاعوا أن يتحكموا في لون الإنسان، في لون بشرته، استطاعوا أن يتحكموا في درجة ذكائه وفي درجة فهمه، إذا سيطروا على الصندوق الأسود في هذا الجسم، سيطروا على خارطة هذا الجسم، وسيطروا على تفاصيل «الجينوم» البشري لهذا الجسم، تحكّموا في مسيرة هذا الجسم، وأمكنهم أن يصنعوا منه كل شيء يريدون، كما أن للطائرة صندوقاً ومركزاً وللجسم البشري خارطة، فلهذا الكون خارطة أيضًا، هذا الوجود بأسره له خارطة، له منطقة معينة، له مركز معين، ذلك المركز يحمل الدقائق التفصيلية عن هذا الوجود بأسره.

من سيطر على هذا المركز، سيطر على الكون، استطاع أن يتحكم في مسيرته، واستطاع أن يستنفذ كنوزه واستطاع أن يستخرج طاقاته، هناك مركز لهذا الكون، وهذا المركز هو الذي عبرت عنه النصوص الشريفة بعرش الكون، وبكرسيّ الكون، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، عرش الكون، مركز الكون، كرسي الكون، خارطة الكون، خارطة الكون، هي التي سميت في بعض الآيات القرآنية بعلم الكتاب.

الكتاب قد يكون تدوينياً، وهو كتاب الوجوب والحرمة والإباحة والكراهة، وجوب الأحكام الشرعية، وهناك كتاب تكويني، الكتاب التكويني، يعني مركز الكون، خارطة الكون، ما فيه معلومات الكون بجميع دقائقها وتفاصيلها، إذن لا يمكنك إقامة الحضارة الكونية إلا بالوصول إلى مركز الكون وعرش الكون، أليس كذلك؟!.

العنصر الرابع: كيف نصل إلى عرش الكون؟ أنصل إليه عبر الجامعات والكليات؟ أم نصل إليه عبر التجارب البشرية المختلفة المتعددة؟ كيف نصل لهذا المركز؟

لا يمكنك وحدك أن تصل إليه، لا بد أن تتدخل اليد الإلهية لتأخذك من عالم الخلق إلى عالم الأمر، لتأخذك من هذه الأغطية والحواجز التي تحيط بك إلى ما وراءها، لا بد أن تتدخل اليد الإلهية وإلا أنت بمفردك لا يمكن أن تصل إلى عرش الكون ومركز الكون، لا بد من تدخل اليد الإلهية في ذلك لتنقلك من عالم إلى عالم.

مثلا القرآن الكريم يتحدث عن آصف بن برخيا وزير النبي سليمان - -، ماذا يقول القرآن، سليمان يخاطب حاشيته ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ، يعني عرش بلقيس، ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِعرف بعض المعلومات عن خارطة الكون، لم يعرف كل خارطة الكون، اطلع على بعض المعلومات، اطّلع على جزء من عرش الكون ومركز الكون.

﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي، آصف بن برخيا، الله أعانه، هو وحده لم يتوصل إلى ذلك، الله جذبه من عالم الخلق إلى عالم الأمر، أطلعه على بعض المعلومات المرتبطة بخارطة الكون، أمسك بيده بعض المفاتيح، استطاع أن ينقل عرشاً مزمرداً مذهّباً ثقيلا من اليمن إلى فلسطين خلال لحظة واحدة، تحكم في هذا الشيء نتيجة أنه اطلع على بعض معلومات خارطة الكون.

ويتحدث القرآن عن النبي داوود - عليه وعلى نبينا وآله أفضل الصلاة والسلام - ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ ويتحدث أيضا عن النبي سليمان ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ.

يتحدث عن سليمان يقول ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ، كيف وصل سليمان إلى هذا الملك؟ الذي تحدث عنه سليمان وقال: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ إلى يومنا هذا، الإنسان صعد على سطح القمر ووضع الأقمار الفضائية ولكنه لم يسيطر على الريح، إلى يومنا هذا، إنسان قرن العشرين وإنسان قرن الواحد والعشرين سيطر على جزء من الفضاء لكنه إلى الآن لم يسيطر على الريح وسليمان سيطر عليها، ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ

إذن سليمان كان يملك معلومات عن خارطة الكون، كان يملك معلومات عن مركز الكون وعرش الكون، لذلك سلمان استطاع أن يتحكم في الريح، استطاع أن يتحكم في الجن، استطاع أن يتحكم في الطير، ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ، فالإنسان وحده لا يمكنه أن يصل إلى هذه المعلومات.

إذن نتيجة هذه العناصر الأربعة أنّ الهدف من وجود الكون، إقامة الحضارة الكونية وليس الحضارة الأرضية، لا يمكن للإنسان أن يصل إلى الحضارة الكونية إلا إذا وصل إلى مركز الكون، ولا يمكن للإنسان أن يصل إلى مركز الكون إلا بتدخل إلهي، ما معنى تدخل إلهي؟.

أي أن يوجد الله له شخصًا وذلك الشخص يحمل المعلومات الكاملة عن خارطة الكون، فيقوم ذلك الشخص الذي يحمل المعلومات الكاملة عن خارطة الكون ليوصل الإنسان إلى مركز الكون وإلى إقامة الحضارة الكونية وهذا ما تؤكد عليه الآية القرآنية ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا إذا استطعتم أن تقيموا الحضارة الكونية فأقيموا، ولكن! ﴿لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ، ومن هو السلطان؟

الشخص الذي يملك معلومات خارطة الكون، الشخص الذي يملك معلومات عرش الكون، الشخص الذي يملك معلومات مركز الكون، إذن لا بد في يوم من الأيام من ظهور شخص يحمل هذه المعلومات بأسرها ليوقفنا على مركز الكون، وليطلعنا على أسرار الكون، ليقيم لنا الحضارة الكونية العادلة، ليحقق الأهداف الإلهية الكبرى، وهذا هو المهدي المنتظر - عج -.

ولكن نحن الآن نخاطب غير الشيعة الإمامية، نخاطب من لا يعتقد، إقامة الحضارة الكونية على يد هذا الشخص المطّلع على جميع المعلومات والعارف بها، يتوقف على عاملين مساعدين:

1 - استعداد المجتمع البشري

2 - استعداد الشخص نفسه لإقامة هذه الحضارة الكونية.

العامل الأول: من الطبيعي أن المجتمع البشري ليس مؤهّلا لهذه المعومات الدقيقة حتى يخوض تجارب حضارية مختلفة، وإلاّ لا يمكنه أن يكون كفأً لتلقي هذه المعلومات، أنت تأخذ إنسان يدرس رابع ابتدائي وتدخله مختبر الطاقة النووية وتطلب منه أين يصنع تفاعلا معيّنا، هذا الإنسان لا يمكنه أن يكون مؤهّلا للتعامل مع هذا المختبر حتى يمر بدراسات مكثفة وحتى يخوض تجارب مختلفة إلى أن يملك الأهلية والكفاءة لأن يدخل هذا المختبر، أليس كذلك؟!

نفس الشيء بالنسبة إلى المجتمع البشري، الآن أنت تأتي إلى المجتمع البشري في زمان الرسول - ص - أو في زمان الإمام علي أو حتى في زمان الإمام العسكري أو حتى قبل مئة سنة أو حتى هذه السنة، لو أتيت للمجتمع البشري في زمان الرسول وقلت له أقم الحضارة الكونية!، المجتمع ليس مؤهلا لتلقي المعلومات، المجتمع ليس كفأً لتلقي المعلومات الدقيقة المتعلقة بخارطة الكون.

وإذا لم يكن مؤهلا لتلقي هذه المعلومات، إذن يوم ظهور المهدي - عج - هو يوم اكتمال التجربة البشرية، التجربة البشرية بعد لم تكتمل، التجربة البشرية بعد لم تنجز، التجربة البشرية بعد لم تنضج، يوم ظهوره يوم اكتمال التجربة البشرية، المجتمع البشريّ يمر بحضارات مختلفة، وتجارب علميّة متعددّة ومتنوّعة، إلى أن يصبح أهلا لتلقي الحقائق الأمرية من قبل أهلها، من قبل شخص الإمام وحينئذ تكون الأرضية الممهدة المعبدة لظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف.

العامل الثاني: من قبل الشخص نفسه، طبعا نحن الشيعة الإمامية لا نحتاج إلى مثل هذا، لكننا نذكر هذا بالنسبة لغيرنا، العلماء يقولون: المعلومة شيء واليقين بالمعلومة شيء آخر، الإنسان قد يتكامل في درجات اليقين، اليقين له درجات ثلاث: علم اليقين، وعين اليقين وحق اليقين، القرآن ذكر هذه الدرجات الثلاث، ﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ*ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ، وقال في آية أخرى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ، درجات ثلاث لليقين: لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ *

1/ أنا مثلاً أرى النار فأعلم بها، هذا يسمى علم اليقين.

2/ أسقط في النار فأعلم بها علمًا أكثر، هذا يسمى عين اليقين.

3/ ينصهر جسمي بها بحيث يصبح جسما ناريًّا، هذا درجة ثالثة من درجات اليقين ألا وهو حق اليقين.

إذن علم اليقين، درجة من درجات العلم، عين اليقين درجة أخرى، حق اليقين درجة ثالثة، بالنسبة للنبي المصطفى محمد - -، «بحسب الظاهر لا بحسب الواقع»، خضع لهذه الدرجات الثلاث:

أنزل عليه الوحي دفعة واحدة، ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، نزل الوحي فعلم به علم اليقين، وصل إلى الدرجات الأولى من درجات العلم.

ثم أنزل عليه الوحي مرة أخرى متفرقا لمدة ثلاث وعشرين سنة، هو نزل من الأوّل، ولكن نزوله مرة أخرى يعطي النبي درجة من اليقين أعلى من الدرجة الأولى، نسميها بمرتبة عين اليقين.

ثم بعد أن يقوم النبي نفسه بتبليغ هذا الوحي، يقوم بتبليغ الوحي الذي أنزل عليه، يقوم بتبليغه وتطبيقه وترويجه، قيامه بتبليغه وبتطبيقه يوصله إلى الدرجة الثالثة من درجات اليقين، ألا وهي حق اليقين، هو يعلم المعلومة من أوّلِ الأمر ولكن اليقين بالمعلومة تكامل من درجة إلى أخرى، كما أن النبي - صلّى الله عليه وآله - كذلك الإمام، ورد في بعض الروايات ”لولا أننا نزداد لنفذ ما عندنا“، وفي بعض الروايات ”إننا لنزداد كل جمعة“.

إذن الإمام أيضا عنده المعلومات من أول الأمر، هو يعلم بما كان وما هو كائن وما يكون من أول الأمر، ولكن يقينه بهذه المعلومة بتكامل ويتصاعد من علم اليقين لعين اليقين لحق اليقين، إذن نحن نخاطب من لا يعتقد بالغيبة، نقول: الله تبارك وتعالى خلق الإمام منذ أكثر من ألف سنة، وإنّما أبقاه لهذه الفترة الطويلة من يوم ظهوره من أجل أن يخضع لنظام التكامل في درجات اليقين، إذا مرّ بالتجارب المختلفة، ومرّ بالحضارات المختلفة ومرّ بالتجارب العلمية المختلفة، ومرّ بالمجتمعات البشرية المختلفة، معاصرة الشخص لمختلف الحضارات لمختلف التجارب لمختلف القوانين العلمية، توجب له التكامل في درجات اليقين من مرتبة إلى أخرى.

فالوجه والسر والحكمة في غيبته هو أن يصل إلى أعلى درجات اليقين من هذه المعلومات المختلفة المرتبطة بإقامة الحضارة الكونية العادلة، كما يقول بعض العلماء: حجم الدور يقتضي حجما من اليقين، حجم الدور الذي يقوم به الإمام ليس حجم دوراً عاديا، لا نبي ولا رسول ولا إمام، لم يقم بهذا الدور أحد، إلى الآن لم يقم لا نبي ولا رسول ولا بشرعادي بهذا الدور المنتظر للإمام ، إلى الآن لم يقم بشر بإقامة حضارة كونية عادلة، أليس كذلك؟

إذن حجم الدور الذي أوكل للإمام المنتظر - عج - لم يوكل لغيره، حجم الدور يقتضي حجما من اليقين يتناسب مع مستوى هذا الدور، وبالتالي فبقاؤه هذه الفترة الطويلة والغيبة الطويلة، لأن دوْره وهو إقامة الحضارة الكونية يقتضي أن يبقى هذه الفترة الطويلة، لأن دوْره بتوقف على درجة من اليقين لا بد أن يحصل عليها من خلال معاصرة مختلف الحضارات ومختلف التجارب ومختلف العلوم الإنسانية المتنوعة والمتعددة، ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ.

إذن هذه التجربة البشرية هي التي تكون مهيَّئة ومعدة لظهور الإمام المنتظر - عجل الله فرجه الشريف -، ومن التجارب البشرية التي تكون رصيدا لحركة الإمام المنتظر تجربة جدّه الحسين ، هذه الحركة الثورية، هذه الحركة التضحويّة، هذه الحركة التي ربّت الأمة الإسلامية على النضال والفداء دون المبادئ والقيم، تجربة تعتبر رصيدًا لأيّ حركة، حتى الحركة التي ينطلق بها الإمام المنتظر عجل الله فرجه الشريف، الحركة الحسينية بدأت بأن بعث الحسين للكوفة سفيره وثقته وأمينه مسلم بن عقيل، ”بعثت إليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي“.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

الغيبة وأسرارها
نظرية الأئمة الإثني عشر وبرهانها