نص الشريط
الزواج نصف الدين
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مسجد الإمام علي (ع) بالقطيف
التاريخ: 14/6/1428 هـ
مرات العرض: 14035
المدة: 00:36:10
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (2327) حجم الملف: 6.12 MB
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً

صدق الله العلي العظيم

هناك سؤال يتبادر للأذهان حول ما ورد في بعض النصوص من كراهة العقد، أو كراهة الزفاف، أو كراهة لقاء الزوجة، مثلا ورد في النصوص كراهة إيقاع العقد والقمر في العقرب، وورد كراهة الزفاف فيما يسمى بليالي الكوامل، كالخامس أو الثالث أو الثالث عشر أو السادس عشر أو الواحد والعشرين أو الخامس والعشرين من الشهر، أو كراهة لقاء الزوجة في ليلة الخسوف أو ليلة الكسوف أو حال المحاق وأشباه ذلك، هناك سؤال يتبادر إلى الذهن حول مضمون هذه الروايات، نحن نعرف أن الأحكام الشرعية على قسمين: أحكام تعبدية وأحكام معللة.

الأحكام التعبدية هي التي لا علة لها إلا تدريب الإنسان على روح الانقياد لله تبارك وتعالى، مثلا جعل صلاة المغرب ثلاث ركعات، وجعل صلاة العشاء أربع ركعات، وجعل الطواف بالبيت سبعة أشواط، ورمي الجمرة في المنى بسبع حصيات، هذه أحكام تعبدية، يعني لا يوجد وراءها سبب إلا تدريب العبد على روح الانقياد وعلى روح الطاعة للمولى، العبد إذا تعامل مع مولاه مع أوامر لا يفهم علتها ولا يفهم حكمتها ولا يفهم فلسفتها كان أكثر انصياعًا وكان أكثر مطواعية لمولاه مما إذا فهم السبب، لأنه إذا فهم السبب سوف يتعامل مع مولاه بالطريقة التي يراها تؤثر في هذا السبب، هذه أحكام تعبدية.

وهناك أحكام معللة، وجوب الصلاة معلل ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ حرمة شرب الخمر معللة، حرمة الربا ﴿لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ معللة.

عندنا أحكام معللة، وعندنا أحكام تعبدية، هذا النوع من المضامين التي وردت في الروايات «إيقاع العقد والقمر في العقرب مكروه، الجماع ليلة الخسوف أو الكسوف مكروه، الزفاف في بعض الليالي الكوامل مكروه» من أي سنخ؟ هل هو من سنخ الأحكام التعبدية التي لا ندرك علتها أو لا علة لها إلا تدريبنا على أن نكون مطيعين ومنقادين للمولى عز وجل؟ أو أنها من سنخ الأحكام المعللة، يعني أن لها علة، أن لها ملاكات وراءها وبالتالي فما هي العلة من هذه الأحكام؟ لماذا لا يكون عقد والقمر في العقرب؟ لماذا؟ لماذا لا يكون زفاف في ليلة مسماة بليلة كوامل؟ لماذا؟ هل لأن الشريعة الإسلامية تريد أن تزرع في نفس الإنسان روح التشاؤم ورح التعاسة من الزمن الذي يعيش فيه؟ هذا أسلوب تربوي خاطئ، الشريعة الإسلامية كأي شريعة، كأي منهج تربوي آخر، من مقتضيات التربية أن تربي الإنسان على روح التفاؤل، أن تربي الإنسان على الانفتاح على الحياة، أن تربي الإنسان على أن يمتلك روحًا هشة، أن يمتلك روحًا منفتحة على مناحي الحياة وعلى حقول الحياة، التربية الحكيمة هي التي تربي على روح التفاؤل.

قال  الحياة تعيسة وتجهما قلت
كن بلسمًا إن صار دهرك أرقمًا
  ابتسم  يكفي  التجهم في السما
وحلاوة  إن  صار غيرك iiعلقمًا

إذًا من طرق تربية الإنسان تربية حسنة أن ينفتح على الحياة، أن يعيش روح المحبة والتفاؤل، لا أن يعيش روح التشاؤم من بعض الليالي أو من بعض الأزمنة، أو بعض الأوقات، وإذا كانت العلة وراء ذلك أن هناك تأثيرًا مجهولا عندنا، يعني هذا الزمن وهو زمن ليلة الكوامل أو زمن كون القمر في العقرب يؤثر على الإنسان من حيث لا يشعر، فهل يعقل تأثير الزمن على الإنسان والزمن من صنع الإنسان، الإنسان هو الذي صنع الزمن، الزمن ليس له وجود في الواقع، الإنسان هو الذي اخترع مفهوم الزمن، هو الذي اخترع خط الزمن، فكيف يكون للزمن تأثير على الإنسان؟ مثلا الإنسان لما رأى شروق الشمس على الأرض انتزع زمنًا وسماه نهار، لما رأى حركة الأرض اخترع زمنًا وسماه ليلا، لما رأى حركة القمر اخترع زمنًا وسماه شهرًا، الزمن من مخترعات ذهن الإنسان، من مخترعات عقل الإنسان، فكيف يكون للزمن تأثير على سلوك الإنسان، وعلى حياة الإنسان، وعلى جسم الإنسان؟

إذاً ما معنى يكره إيقاع العقد والقمر في العقرب؟ أو يكره الجماع في ليلة الخسوف والكسوف وأشباه ذلك، ما معنى هذا؟

حتى نجيب عن هذا السؤال الذي يتبادر لكثير من الأذهان نقول بأن هذا الوجود الذي نعيش فيه، هذا الوجود بأسره يعيش حركة تفاعلية بين مؤثر ومتأثر، كل شيء في هذا الوجود فهو مؤثر من جهة ومتأثر من جهة أخرى، حتى أشرح لك هذا الموضوع، هذا الوجود يعيش حركتين: حركة ظاهرية وحركة باطنية «حركة ذاتية»، الحركة الظاهرية هي التي ندركها بحواسنا، نحن ندرك بحواسنا أن المجموعة الشمسية التي نعيش فيها تتحرك ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ هذه حركة ظاهرية، بحركة الأرض، بحركة المجموعة الشمسية التي نعيش فيها، هذه حركة ظاهرية.

وهناك حركة واقعية، حركة ذاتية في هذا الوجود بأسره، كل ذرة من هذا الوجود تتحرك، هذا الجسم يحمل ملايين الخلايا، وكلها تعيش حركة دائبة، كل ذرة من الأرض، من النبات، من الحيوان، من النجوم، من المجموعات الشمسية، كل ذرة في هذا الوجود تتحرك حركة وجودية ذاتية، لكن نحن لا ندركها إلا من خلال الحركة الظاهرية، الكون كله من أصغر شيء إلى أكبر شيء يعيش حركة مستمرة، حركة دائبة، وهذه الحركة حركة تفاعلية، يعني مؤثر ومتأثر، كل ذرة في هذا الكون تؤثر في غيرها وتتأثر بغيرها، فهي مؤثرة ومتأثرة، تعال إلى الإنسان، هذا الإنسان رائحة جسمه تؤثر على حوله من إنسان، من نبات، من حيوان، هو يتأثر بروائح الآخرين، هو يتأثر بالاحتكاك بأجسام الآخرين من حيث لا يشعر، هذا الإنسان يطأ على الأرض فتؤثر وطأته على التراب، وعلى النبات، وعلى الجو المحيط به من خلاله ما يبثه جسمه من إفرازات، وهو أيضًا يتأثر بما حوله من بيئة، من عوامل طبيعية، من خلال ما تبثه العوامل الطبيعية على جسمه، الإنسان يعيش في حركة مؤثر ومتأثر سواء شعر بذلك أو لم يشعر بذلك.

لذلك من هذه الجهة لاحظوا ما يذكره بعض المفسرين «وهو موجود في الروايات أيضًا» في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً لماذا قال «من أنفسكم»؟ بعض المفسرين يقول يعني من بني آدم، مثل ما أنتم من بني آدم زوجاتكم من بني آدم، بعض المفسرين قال «من أنفسكم» كناية عن العلاقة النفسية الحميمة بين الزوج وبين الزوجة، العلاقة الوثيقة بين الزوج والزوجة عبر عنها القرآن الكريم بقوله «من أنفسكم»، وهناك تفسير يقول لا، علاقة الزوج بالزوجة علاقة تأثير وتأثر، جسم الزوج يتأثر بجسم الزوجة وجسم الزوجة يتأثر بجسم الزوج من حيث لا يشعران، تبادل الأنفاس بين الزوج والزوجة يؤثر كل منهما في جسم الآخر وفي حياة الآخر من حيث لا يشعران، هذا التواصل بينهما يؤثر على حياة كل منهما ولو لم يشعرا، فهناك تفاعل جسمي ونفسي بين الزوجين عبر عنه القرآن الكريم بقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا إشارة إلى هذه العلاقة التفاعلية، وهي علاقة التأثير والتأثر.

الإنسان يؤثر في غيره ويتأثر بغيره، هذا الإنسان يتأثر بكل شيء في هذا الكون، نحن نظن أننا منعزلون كأننا نعيش في جزيرة مستقلة، لا، نحن نعيش على الأرض وكل نجم في هذا الكون يؤثر علينا، ضوء النجوم، ضوء المجموعات الشمسية، أي ضوء يصل إلى الأرض يؤثر على جسم الإنسان، يؤثر على حياة الإنسان، يؤثر على الحياة كلها التي تعيش على الأرض، كل ذلك يؤثر على حياة الإنسان.

وهذا ما تشير إليه الآيات القرآنية، ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ما من شيء في هذا الفضاء، في هذا الوجود إلا ويزرع تأثيره على سلوك الإنسان، على حياة الإنسان، فهناك علاقة تأثير وتأثر، ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا لو أراد الإنسان أن يجمع المؤثرات في حياته لما استطاع الوصول إلى شيء أبدًا، ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا، إذًا هذا الوجود أنا أؤثر فيه وهو يؤثر في، حركة تفاعلية هي حركة تأثير وتأثر.

بعد أن نفهم هذه الفكرة، من خلال هذه الفكرة نستطيع أن نجيب على عدة أسئلة ترد على ذهن الإنسان، وترد على عقل الإنسان:

السؤال الأول: ما معنى هذه الأحكام الشرعية التي ذكرناها «يكره إيقاع العقد والقمر في العقرب» ما معناه؟ «يكره لقاء الزوجة ليلة الكسوف والخسوف، أو تكره هذه الحركة، حركة التواصل بين الزوج والزوجة في ليالي الكوامل» ما معنى ذلك؟

ليس التأثير هنا للزمن حتى يقال أن الزمن من مخترعات الإنسان، فكيف يكون للزمن تأثير على الإنسان؟ التأثير هنا للحركة، حركة القمر تؤثر على حياة الإنسان، كما أن حركة القمر تؤثر على حركة مياه البحار مدًا وجزرًا فإن ضوء القمر وحركة القمر تؤثر على جسم الإنسان، تؤثر على حركة الإنسان، حركة الإنسان مع زوجته تتأثر بحركة القمر، تتأثر بهذا الوضع الفلكي الذي يدور حول الإنسان.

ولذلك علم الأبراج علم صحيح وإن كان علمًا ناقصًا، هو علم لم يصل إلى البشر بشكله الكامل، ولذلك في علم الأبراج الكثير من التخرصات التخمينات والحدسيات التي لا أساس لها، ولكن جزء منه صحيح مبني على الحركة التفاعلية التأثيرية والتأثرية لهذا الوجود بأسره، هذا الإنسان إذا ولد في برج معين يولد وهو يمتلك روحًا شجاعة، وإذا ولد في برج معين يولد وهو يمتلك روحًا جبانة، وإذا ولد في برج معين يولد وهو يميل إلى الكسل والتراخي، أو يولد وهو يميل إلى الجد والحركة والنشاط، حركة القمر، حركة الفلك لها تأثير على نفسية الإنسان، وعلى صياغة حياة الإنسان من حيث لا يشعر الإنسان.

ولذلك عندنا في الروايات: ”إن ابن الزنا ليحن إلى الخطيئة التي ولد منها“ ما هي العلاقة؟ ”إن ابن الزنا ليحن إلى الخطيئة التي ولد منها“ صحيح ابن الزنا لا ذنب له، ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ولكن من ولد في برج العقرب فولد وهو يمتلك روح جبانة أيضًا لا ذنب له، إلا أن أبويه أولدا نطفته في هذا البرج، كذلك من ولد بعملية زنا - والعياذ بالله - لا ذنب له، لكن أبويه الحقيقيين زرعا نطفته في هذه الحالة، وفي هذه الصورة، هذه الحالة النفسية التي يعيشها الذكر والأنثى أثناء الزنا تنعكس على النطفة من حيث لا يشعر، تعيش نفسية ابن الزنا حالة اضطراب، حالة قلق، حالة عدم ثبات على مبدأ، عدم ثبات على رأي، عدم ثبات على منهج، هذه الحالة النفسية للمتواصلين تنعكس على ابن الزنا من حيث لا يشعر، ”إن ابن الزنا ليحن إلى الخطيئة التي ولد منها“.

السؤال الثاني الذي نتصوره في هذا الباب: نحن نقرأ في زيارة الجامعة الواردة عن الإمام الهادي صلوات الله وسلامه عليه خطابًا للأئمة الطاهرين : ”السلام عليكم يا أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ومهبط الوحي“ إلى أن يقول في الزيارة الإمام الهادي : ”أرواحكم في الأرواح، أنفسكم في النفوس، آثاركم في الآثار، قبوركم في القبور“ ما معنى هذه الألفاظ؟

أنا فسرت هذه الزيارة في عدة محاضرات بعدة معاني، من جملة المعاني ما بني على الحركة التفاعلية، حركة التأثير والتأثر، بما أن هذا الوجود كتلة واحدة، الوجود ليس جزر مستقلة، ليس جزر منفصلة، الوجود كله أسرة واحدة، كله يعيش تأثير وتأثر، لا يوجد شيء في هذا الوجود إلا وهو مؤثر ومتأثر، إذًا من الطبيعي أن يكون لأرواحهم تأثير في الأرواح، من الطبيعي أن يكون لنفوسهم تأثير في النفوس، من الطبيعي أن يكون لأجسامهم تأثير في الأجسام، من الطبيعي أن يكون لقبورهم - قبورهم لأنها تشتمل على أجسامهم - تأثير في القبور الأخرى، هذا الأمر طبيعي، حركة الوجود مبنية على التفاعل وعلى التأثير والتأثر، هذا أمر طبيعي جدًا، غاية الأمر أن تأثيرهم يختلف عن تأثير غيرهم.

ولذلك وارد عندنا في بعض الروايات أنه إذا وضع جسم الفاسق المصر على المعصية يضج أهل القبور من رائحته، هناك تأثير، يضج أهل القبور من رائحة هذا الجسم في وقت تعذيبه، إذا وضع جسم هذا الإنسان المستهتر اللامبالي المصر على المعصية يتأذى جيرانه من أهل القبور من حرارة قبره، هذا وارد عندنا في الروايات، إذًا القبر له تأثير على القبور الأخرى أيضًا، بمعنى أن الجسم الذي يشتمل عليه القبر يؤثر على القبور الأخرى، على الأجسام الأخرى.

لذلك عندنا استحباب الدفن عند قبور الصالحين لأن قبورهم تؤثر على قبور غيرهم، ووارد عندنا في الروايات استحباب الدفن عند علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه فإن الدفن عنده يؤمن الإنسان من عذاب القبر.

إذا   مت   فادفني   إلى   جنب   iiحيدر
فتى   لا   يخاف  النار  من  كان  جاره
وعار على حامي الحمى وهو في الحمى

 
أبي    شبر    مولى    الورى    وشبير
ولا     يغتشي    من    منكر    iiونكير
إذا    ضل    في   البيدا   عقال   iiبعير

إذًا القضية واضحة قبور غيرهم تؤثر على القبور، أجسام غيرهم تؤثر في الأجسام، أرواح غيرهم تؤثر في الأرواح، فكيف بأجسامهم وأرواحهم وقبورهم، فإن لها تأثيرًا على غيرهم لكن تأثير إيجابي، تأثير إسعاد، تأثير إنعاش، ”أرواحكم في الأرواح، أنفسكم في النفوس، آثاركم في الآثار، قبوركم في القبور“ كل هذا مبني كما ذكرنا على الحركة التفاعلية، حركة التأثير والتأثر.

السؤال الثالث الذي يرتبط بالفكرة التي ذكرناها: ذكرنا هذا السؤال في بعض المحاضرات، وهو ما معنى قول النبي محمد : ”لو لم يبقى من الدنيا إلا يوم لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت ظلمًا وجورًا“؟ هل يستطيع الإنسان أن يملأ الأرض ظلمًا وجورًا؟ كيف يمكن للإنسان أن يملأ الأرض كلها، كل أرض مملوءة ظلم وجور؟ هل يستطيع الإنسان ملأ الأرض كلها ظلمًا وجورًا؟

نعم يستطيع، الإنسان يظلم الأرض، يظلم الكون، يظلم الوجود من خلال الحركة التفاعلية، من خلال التأثير والتأثر، هذا الإنسان الذي يستخدم الأسلحة الفتاكة، هذا الإنسان الذي يلوث البيئة ويلوث الطبيعة بأبخرة مصانعه الملوثة، هذا الإنسان عندما يكرس ظاهرة الاحتباس الحراري، ظاهرة الاحتباس الحراري في بعض بقاع الأرض تؤثر على البقاع الأخرى، تؤثر على الأعاصير، تؤثر في الفيضانات، تخلق أعاصير، بل قد تساهم أحيانًا في حدوث الزلازل في بعض البقاع الأخرى، يعني الإنسان بأسلحته الفتاكة يستطيع أن يظلم الأرض كلها، الإنسان وهو يستخدم سلاحًا فتاكًا في بقعة من الأرض، الإنسان وهو يستخدم أبخرة ملوثة في بقعة من الأرض يستطيع أن يظلم الأرض كلها، إذا اشتدت ظاهرة الاحتباس الحراري وتلوثت البيئة وكثرت الأعاصير والزلازل هذا الإنسان الذي سبب هذه المشكلة ظلم الجو، ظلم البر، ظلم البحر، ظلم الحيوان، ظلم النبات، ظلم الإنسان الآخر، ظلم هذه الحياة كلها بهذه الفعلة التي صنعها، فهو بفعلة واحدة يملأ الأرض ظلمًا وجورًا، ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ.

والسؤال الأخير الذي يرتبط بحركة التفاعل بين أجزاء الكون وذرات الوجود ما يسمى في علم الكلام بشبهة الآكل والمأكول، في علم الكلام شبهة تسمى بشبهة الآكل والمأكول.

الإنسان يتغذى جسمه على النبات، والنبات يتغذى على الإنسان، الإنسان يتغذى على النبات، والنبات يتغذى على الإنسان، لماذا؟ لأن نمو النبات يحتاج إلى تربة خصبة، والتربة الخصبة التي ينمو فيها النبات متكونة من جسم الإنسان الذي انقرض وذاب في التراب، يقول أبو العلاء المعري:

صاحي  هذه  قبورنا تملأ iiالرحب
خفف الوطء ما أظن أديم الأرض
رب   لحد  قد  صار  لحدًا  iiمرارًا
ودفين     على    بقايا    iiدفين


 
فأين  القبور  من  عهد  iiعادي
إلا     من     هذه     iiالأجساد
ضاحكًا    من   تزاحم   iiالأضداد
من    قديم    العهود    iiوالآباد

نحن نمشي على أجساد غيرنا، الأرض حوت مليارات البشر، تراب الأرض هذا التراب الخصب الذي ينبت لنا فاكهة وينبت لنا طعامًا هذا التراب الخصب تراب أجسام أجدادنا وأجداد أجددنا، إذًا الإنسان يتغذى على النبات، والنبات يتغذى على الإنسان، فالإنسان يتغذى على الإنسان من حيث لا يشعر، الإنسان يأكل من الإنسان من حيث لا يشعر، الإنسان يعيش على الإنسان الآخر من حيث لا يشعر، وحينئذ قد تأتي شبهة الآكل والمأكول.

هذا الإنسان عصى الله، شرب خمرًا أو زنا - والعياذ بالله - أو ارتكب الفاحشة - والعياذ بالله - ارتكب الفاحشة بجسم وهذا الجسم يتغذى على جسم إنسان آخر، يعني ارتكب الفاحشة بأجزاء هي من جسم إنسان آخر، هذه الأجزاء هل تعذب أو تنعم؟ إذا افترضنا أن الإنسان الأول أطاع الله بهذه الأجزاء، وهذه الأجزاء انتقلت إلى جسم الإنسان الثاني، والإنسان الثاني عصى الله بهذه الأجزاء، فهي مادة واحدة أحد الإنسانين أطاع الله بها والآخر عصى الله بها، هذه المادة الجسدية إن عذبت فما ذنبها وقد أطاعت الله في جسم إنسان آخر؟ وإن نعمت فكيف وهي تستحق العذاب لأنها باشرت المعصية في جسم إنسان آخر؟ هذا ما يسمى بشبهة الآكل والمأكول.

والجواب عن هذه الشبهة أن العذاب والتنعيم لا يرتبط بالجسم، العذاب والتنعيم يرتبط بالروح، الجسم مجرد أداة، الجسم مجرد آلة لإيصال العذاب أو إيصال النعيم إلى الروح، الجسم وحده لا يشعر بالعذاب ولا يشعر بالألم، الشعور للروح، والألم للروح، والفرح للروح، والعذاب للروح، والنعيم للروح، كل شيء يعود إلى الروح نفسها لا إلى الجسم، وبالتالي هذا الجسم أطاع الله مع إنسان أو عصى الله مع إنسان آخر هذا لا دخل له في مسألة العذاب، العذاب للروح نفسهًا حتى لو انتقل هذا الجسم إلى مليون إنسان، المهم أن العذاب للروح والنعيم للروح بواسطة الجسم، الجسم مجرد آلة، فإذا كان الجسم لا يشعر بالألم ولا بالنعيم لولا الروح إذًا الجسم لا يظلم إذا غذب وقد باشر الطاعة، ولا يكون خلاف العدل إذا نعم وقد باشر المعصية، مثله مثل أي جسم آخر ليس له ألم وليس له شعور، الألم والشعور للروح، فالعذاب لها والنعيم لها، ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا المرجع إلى الروح في مسألتي العذاب والنعيم، نسأل الله تبارك وتعالى أن يخفف عنا العذاب بمحمد وآله وأن يدفع عنا العذاب بمحمد وآله.

والحمد لله رب العالمين

الطيب الفاطمي
التوسل محور الإيمان