نص الشريط
التعارف الاجتماعي بين النسبية والحقيقة
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 2/1/1418 هـ
مرات العرض: 5179
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (1862)
تشغيل:

بسم لله الرحمن الرحيم

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ

آمنا بالله صدق الله العلي العظيم

حديثنا من خلال الآية المباركة وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ حديثنا من خلال الآية المباركة في نقطتين:

  • النقطة الأولى: في بيان أن التعارف الذي طرحته الآية المباركة كهدف للمجتمع ولوجود المجتمع هل هو أمر حقيقي أم أنه أمر نسبي؟
  • النقطة الثانية: هل أن المجتمعات - مجتمعاتنا الإسلامية - تسير على ضوء هذا الهدف ألا وهو هدف التعارف أم لا؟

النقطة الأولى:

الآية المباركة تقول: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواالهدف من وجود المجتمع هذا المجتمع الذي يضم الفئات المختلفة، مختلفة من حيث الثروة، مختلفة من حيث المستوى البدني، مختلفة من حيث المستوى العقلي، هذا المجتمع بسائر فئاته الهدف منه هو التعارف، فما معنى التعارف؟ التعارف هو تبادل القيم الإنسانية بين أبناء المجتمع، هناك عدة مفردات وعدة قيم على أساسها يكون التعارف، مثلا: العدل، مثلا الصدق، مثلا الأمانة، مثلا الأمانة، مثلا الأخوة، هذه قيم ومفردات، من خلال هذه القيم والمفردات - الصداقة، الأخوة، العادلة، الصدق، الأمانة، الإخلاص - من خلال هذه القيم يتم التعارف بين أبناء المجتمع الإسلامي، السؤال الذي نطرحه: هذه القيم التي على أساسها يتم التعرف، افترض الصدق مثلا، افترض الأمانة مثلا، هذه قيم حقيقة واقعًا أم هي قيم نسبية؟ هل هذه قيم حقيقة المفروض على كل مجتمع أن يسير عليها، أو لا، هي نسبية تختلف باختلاف المجتمعات وباختلاف الأشخاص؟

المدرسة الوجودية: «سارتر وأتباعه من أقطاب المدرسة الوجودية» يقول لك: لا، هذه ليست أمور حقيقية، ما معنى الصدق والأمانة؟! هذه أمور نسبية تختلف باختلاف المجتمعات، لماذا؟ يقولون: نحن نرى أن المجتمعات تختلف من حيث القيم، مثلا بعض المجتمعات ترى حجاب المرأة قيمة من القيم، خلق من الأخلاق أن المرأة تلبس حجاب، بعض المجتمعات لا، تعتبر أصلا الحجاب مخالف للقيمة، أصلا الحجاب لا قيمة له في سوق الأخلاق وفي مجال الأخلاق، بالعكس الحجاب قيد للمرأة، أسر للمرأة، إذًا المجتمعات تختلف في هذه القيمة، مثلا: المجتمعات تختلف في بعض الجهات، افترض شخص مثلا يأتي إلى المسجد بملابس نوم مثلا، أو يأتي إلى الحسينية بملابس النوم مثلا، بعض المجتمعات ترى هذا حسنًا، بعض المجتمعات لا، ترى هذا شيء غير حسن، شيء قبيح مخالف للقيمة الأخلاقية المتداولة في المجتمع، إذا المجتمعات تختلف في القيم، مع اختلاف المجتمعات في القيم لا يوجد قانون حتمي لابد أن تسير عليه كل المجتمعات، المجتمعات تختلف من حيث القيم نتيجة اختلاف الثقافات، نتيجة اختلاف البيئات، نتيجة اختلاف التراكمات العرفية والزمنية على هذا المجتمع، فإذا بالتالي لا توجد ضرورة أن نقول جميع المجتمعات لابد أن تلتزم بأخلاق معينة، لا، هذا أمر نسبي تختلف فيه المجتمعات، هذه النظرية الوجودية في مسألة القيم، قيم التعارف.

نحن أصحاب النظرية الإسلامية لا نقبل هذا، نقول لا، نحن نرى أن القيم لها أصول وجذور ثابتة لا يختلف فيه مجتمع عن مجتمع، القيم والأخلاق أمور ثابتة أصول ثابتة لا تختلف باختلاف المجتمعات ولا تختلف باختلاف البيئات ولا تختلف باختلاف الأشخاص، لا، أمور ثابتة، كيف يعني أمور ثابتة؟

أولا: هناك فرق بين العادة وبين الخلق، لا تخلط بينهما، هناك عادات وهناك أخلاق، يمكن أن تختلف المجتمعات في العادات، ممكن، لأن العادات حصيلة ثقافات معينة، وحصيلة اتجاهات معينة، مثلا: هذا المجتمع اعتاد على أن الإنسان مثلا لا يلبس ملابس النوم في الحسينية أو في المسجد، عادة من المجتمع إذا واحد يخالف يعتبر مخالف للعادة، مجتمع آخر لا، ليس معتادًا على هذه العادة، هذا شيء عادي وطبيعي جدًا، مجتمع اعتاد مثلا على أن يزف الزوج إلى الزوجة، مجتمع اعتاد على أن يزف الزوجة إلى الزوج مثلا، هذا اختلاف في العادات، العادات شيء والأخلاق شيء آخر، نحن نتحدث عن الأخلاق، عن القيم الأخلاقية التي هي مادة للتعارف بين المجتمعات وبين الأفراد، ولذلك ورد عن الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه: ”لا تقصروا أولادكم على آدابكم - يعني على عاداتكم - فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم“ نتيجة اختلاف الأزمنة تختلف العادات، في الزمان السابق المعتاد شيء وفي هذا الزمان المعتاد شيء آخر، ”لا تقصروا أولادكم“ لا داعي لأن يضغط الأب على ابنه ليلبس جيفة وعقال لأنه يلبس جبية وعقال، لا، هذا الأمر يختلف باختلاف الأزمنة وباختلاف الثقافات، عادة، عرف، ”لا تقصروا أولادكم على آدابكم فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم“ أما الأخلاق يمكن أن تختلف فيها المجتمعات؟ القيم الأخلاقية، القيم الإنسانية، القيم الوجدانية يمكن أن تختلف فيها المجتمعات؟ لا، لا يمكن أن تختلف فيها المجتمعات.

ثانيًا: أحيانًا يحصل التزاحم، علماؤنا يقولون: يحصل التزاحم يبن الملاكات، كيف يعني يحصل التزاحم بين الملاكات؟ يعني مثلا: الصدق شيء حسن، خصلة حسنة وخلق حسن، لكن الصدق أحيانًا قد يتزاحم بمفسدة أعظم من مصلحته، يعني إنسان مثلا إذا صدق يقتل، أو إذا صدق يهتك عرضه، أو إذا صدق يعتدى على جاره مثلا، هذا الإنسان في سبيل حفظ نفسه أو حفظ عرضه أو حفظ جاره يضطر إلى أن يكذب، ليس معنى هذا أن الصدق قبيح، لا، الصدق لا يتحول إلى قبيح، الصدق حسن لكن زاحمته مصلحة أهم منه، يعني عندنا خلقان متزاحمان: الخلق الأول خلق الصدق، هذا شيء حسن، الخلق الثاني المحافظة على النفس والعرض، هذا خلق أيضًا، فيتزاحم الخلقان، خلق الصدق يتزاحم مع خلق المحافظة على النفس والعرض، بما أن الخلق الثاني أهم نقدمه على الخلق الأول، هذا لا يعني أن الخلق الأول قبيح، لا، الصدق يبقى حسن لكن زاحمه خلق أهم منه فقدمناه عليه.

الآن أضرب لك مثال فقهي: الصوم في شهر رمضان واجب على كل مسلم بالغ عاقل، لكن لو كان الصوم ضررًا فإنه لا يجوز، لو كان الصوم موجب للمرض، للضررقال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَوقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ الصوم شيء حسن واجب لكن زاحمه شيء أهم منه ألا وهو المحافظة على صحة البدن، هذا أهم من الصوم فيقدم الأهم على المهم، مسألة التزاحم قد تحصل الصدق أحيانًا يزاحمه شيء أهم منه فيقدم عليه.

من هنا تأتي مسألة التقية، لاحظ مسألة التقية والصيحات والضجات حول التقية، التقية راجعة إلى مسألة تقديم الأهم على المهم، مثلا: ذكرنا قبل ليلتين الكميت ابن زياد، الكميت شاعر أهل البيت، معروف الكميت في الأوساط الأدبية إلى يومنا هذا أنه شاعر شيعي متشدد للتشيع، يقول:

فما   لي   إلا   آل  أحمد  شيعة

بنو   هاشم   رق  النبي  iiوإنني

 
ومالي  إلا  مذهب الحق iiمذهب

بهم ولهم أرضا مرارًا وأغضب

الكميت بن زياد شاعر أهل البيت، الكميت نتيجة غليانه، ونتيجة تصريحه بمثالب بني أمية وفضائح بين أمية تتبعوه ونشروا الجواسيس، يبحثون عنه في كل مكان وأباحوا دمه، فماذا يفعل وهو بلا ملجأ؟ وأهل البيت لا يستطيعون حمايته لأنهم لا يستطيعون حماية أنفسهم في ذلك الوقت وفي تلك الوقت وفي تلك الظروف، فكيف يحموا الكميت بن زياد، أشار عليه بعض أصحابه بأن يمدح بني أمية ببضع أبيات لينقذ نفسه، وفعلا دخل أحد الوسطاء على هشام بن عبد الملك وكان جالسًا مع أمه فسلم عليه ورد ، ثم قال: لي حاجة عندك، هل تقضيها؟ قال: أقضي لك كل حاجة إلا الكميت، قال: لا تستثني شيئًا حتى الكميت، فسكت هشام، فقالت له أمه: لبي حاجته حتى في الكميت، قال: نعم لبيت حاجتك، قال: الكميت آمن على نفسه إلى أن يدخل عليك ويمدحك وكذا، أذن له، فدخل الكميت وأنشد قصيدته في مدح بني أمية:

قف بالديار وقوف زائر

والآن  صرت إلى iiأمية

 
واتلوا المفاخر والمآثر

والأمور   إلى  iiمصائر

بلغ هذا الكلام إلى الإمام الباقر ”“ أن شاعر أهل البيت يقول: والآن صرت إلى أمية والأمور إلى مصائر، فدخل الكميت على الإمام الباقر مرة أخرى، فقال له الإمام الباقر: يا كميت أنت القائل:

والآن صرت إلى أمية   والأمور  إلى  iiمصائر

قال: بلى سيدي في التقية، قال: أما والله إن قلتها في التقية إن التقية لتجوز في شرب الخمر «فكيف لا تجوز في غيرها».

الغرض بأنه الأخلاق أحيانًا تتزاحم، وهذا لا يعين أن الخلق يفقد قيمته ويصبح شيئًا قبيحًا، لا، الصدق حسن لكن قد يزاحم الصدق خلق أهم منه وهو خلق الحفاظ على النفس والحفاظ على العرض مثلا، فيتقدم الأهم على المهم عند التزاحم، إذًا لا أنت لا يختلط عليك الأمر، الأخلاق ليست أمرًا نسبيًا، الأخلاق شيء حقيقي، الأخلاق أصول ثابتة وجذور إنسانية ثابتة في تمام الأجناس وتمام المجتمعات، الآن أنت طلع واحد أو اثنين من بني الإنسانية في جميع المجتمعات، اسألهما هذا السؤال: العدالة شيء حسن أم قبيح؟ مستحيل شخص يقول لك قبيح، حتى الظالم المصر على الظلم يقول لك أنا لست ظالمًا أنا عادل لأن العادلة شيء حسن وأنا متسم بالعدالة، لا أحد من البشرية يقول العدالة شيء قبيح، ولا أحد من البشرية يقول الظلم شيء حسن، أبدًا مستحيل، كذلك مثلا: الإخلاص، أداء الأمانة، شكر المنعم، جميع البشرية يتفقون على حسن هذه الأخلاق، وعلى قيمة هذه الأخلاق مما يدل على أنها أمور ثابتة لا تتغير بتغير الأزمنة ولا تتغير بتغير المجتمعات، وهذا ما تأكده النظرية الإسلامية.

نأتي إلى النقطة الثانية من حديثنا: أن مجتمعاتنا الإسلامية تتعامل مع هذا الهدف تعاملا صحيحًا؟!، هدف التعارف ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا، التعارف هدف الإنسانية، التعارف هو تبادل القيم والأخلاق بين أبناء المجتمع، السؤال نطرحه على أنفسنا، السؤال نطرحه على مجتمعاتنا، السؤال نطرحه على أعرفانا: هل نحن فعلا محققون لهذا الهدف - هدف التعارف - أم لا؟

الرسول الأعظم يقول: ”الدين المعاملة“ ”لا تغتروا بكثرة صلاتهم ولا بكثرة صيامهم فإن الرجل ربما لهج بالصلاة والصوم حتى لو تركهما استوحش ولكن اختبروهم عند صدق الحديث وأداء الأمانة“ هل مجتمعاتنا كذلك أم لا؟ مع الأسف هناك مرض منتشر وباء مستفحل في مجتمعاتنا الإسلامية ومجتمعاتنا الشيعية إلا وهو مرض الاعتداء على الآخرين وظلم الآخرين، نحن لا نرحم غيرنا أبدًا، نحن لا نرحم الآخرين أبدًا، الغيبة نأنس بها، مجالسنا عامرة بالغيبة والقرآن الكريم يقول: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ تتبع عورات الآخرين أيضًا هذا زادنا ووظيفتنا أن نتتبع عورات الناس وأخطاء الناس، أين فلان أخطأ وأين فلان زل ونحن مستعدون لنشر الأخطاء والزلات والعورات على صعيد المجتمع، مستعدون لذلك! والقرآن الكريم يقول: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا يعني لا تتبعوا العورات، ورد عن الرسول الأعظم : ”من تتبع عورات المؤمنين تتبع الله عورته حتى يفضحه ولو في بيته“ يجازى بمثل ما صنع، نحن لا نتورع عن غيبة، عن تجسس، عن نشر العيوب، عن نشر الأخطاء، بل لا نتورع عن البهتان على الآخرين ونختلق أشياء لا وجود لها لوجود أمور شخصية بيننا أو قضايا نفسية، لماذا هذه الظاهرة المرضية المستفحلة في مجتمعاتنا، لابد من أن نسلط الأضواء على أسباب هذا المرض لنعرف كيف العبور للعلاج وكيف الخلاص من هذا المرض المستفحل، أذكر ثلاثة أسباب مهمة لهذا المرض:

1» غياب النصيحة: في مجتمعنا مع الأسف لا يوجد من يقبل النصيحة، بمجرد أن يلبس غتره وعقال ويصبح موظف مثلا كيف يستمع نصيحة؟! هذا صار شيء في المجتمع كيف يقبل نصيحة ناصح؟! كثير منا لا يأبى قبول النصيحة، ويأبى استماع النصيحة مع أن الأحاديث تقول ”من استبد برأيه هلك“ وتقول الأحاديث الشريفة ”أحب إخواني إلي من أهدى إلي عيوبي“ هذا هو الصديق العزيز، هذا هو الصديق المخلص الذي يدلني على أخطائي ويدلني على عيوبي ”صديقك من أصدقك لا من صدقك“ نحن نرفض النصيحة، وشيء طبيعي إذا المجتمع رفض النصيحة فإن الناس ستتوسل بوسائل أخرى، أنا نصحت فلان عدة مرات على أخطائه، على عيوبه على زلاته، فلان ما استجاب لنصيحتي، أنا ماذا أصنع وأنا إنسان، شيء طبيعي أضطر إلى أن أغتابه، أضطر إلى أن تتبع عوراته، أضطر إلى أن أشهر به، هذا طبعًا ليس مبررًا لكنه طريق وسبب من الأسباب الشائعة، لأن فلان لا يقبل النصيحة فأنا مضطر إلى أن أنفس عما في نفسي تجاه فلان، تجاه شخصية فلان لأنه لا يقبل نصائحي ولا يقبل ملاحظتي، أنا أنفس عن ذلك بطريق تتبع العورات، وبطريق نشر العورات، لكن لو كان فلان يستمع النصيحة، لو كان المجتمع طبيعيًا لا مجتمع مريض، مجتمع يقبل النصيحة، مجتمع متفاهم، مجتمع كل يتحمل أخطاءه ويقبل من الآخرين أن يدلوه على أخطائه لانعدمت هذه الصور، صور الغيبة، وصور النميمة، وصور البهتان، وصور الافتراء لأن المجتمع يتعامل بالنصيحة، ”لا يكبر أحد فوق أن يوصى بتقوى الله ولا يصغر أحد دون أن يوصي بتقوى الله“.

لا يوجد إنسان أعلى من النصيحة، لا يوجد إنسان أعلى من أن يدل على عيوبه، تقول له: أنت يا أخي لماذا تستمع إلى الغناء؟ لا يسمع النصيحة، لماذا أنت مصر على فعل بعض المنكرات أو على بعض العلاقات الغير مشروعة وأنت مؤمن شيعي موالي تحضر المآتم، تستمع إلى الخطباء، قد تبكي، قد تتفاعل، لماذا تصنع بعض الأمور المنكرة؟ فلا يقبل النصيحة، إذًا غياب قبول النصيحة وانعدام قبول النصيحة في المجتمع سبب مهم للتنفيس عن ذلك عن طريق الأمراض الأخرى كالغيبة والنميمة والبهتان وما أشبه ذلك.

2» مداراة المجتمع: نحن مع الأسف - وإن كان التعبير ثقيلاً لكن هذا هو الواقع - همج رعاة، ”الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاة ينعقون مع كل ناعق“ مدارة المجتمع سبب قاهر على الإنسان أن يسلك ما سلك المجتمع، الآن أضرب لك أمثلة.

تقول مثلا: لشخص لماذا التلفزيون مفتوح والموسيقى تعم أجواء البيت؟ بيتك ومنزلك يسبح في الموسيقى، لماذا؟ رب أولادك على استماع القرآن، رب أولادك على استماع التعزية، رب أولادك على التخفيف على الأقل من هذه الموسيقى الصاخبة، دائمًا في البيت موسيقى، لماذا؟ يقول لك: ماذا أفعل؟ إذا قلت لهم أمهم لا ترضى، تقول: لا تنغص عليهم! جهال مساكين لماذا تنغص عليهم؟! دعهم على راحتهم لماذا تنغص عليهم؟! أو أولادي يذهبوا إلى بيوت الجيران، بيوت الأخوال، بيوت الخالات يستمعوا هناك الموسيقى، المجتمع كله هكذا ماذا أصنع؟! كل المجتمع هكذا يعمل مع أبنائه وأولاده فماذا أفعل معهم، أنا بعد مع المجتمع! هل هذا عذر عند الله؟ أنت إذا أوقفت بين يدي الله يوم القيامة وقيل لك أما سمعت قوله تعالى: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ماذا تقول لربك؟ هل ستقول: نعم سمعت الآية لكن أم العيال لا ترضى! هل هذا عذر أمام الله؟

مثال آخر: بعض فتيتنا مع الأسف تلبس حجاب مزين، هو حجاب لكنه مزين ومزكرش ومزخرف فيصبح ألطف من عدم الحجاب مع أن القرآن يقول: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى الإسلام شرع الحجاب لكي يخفي الزينة، فإذا صار الحجاب زينة فما الثمرة من الحجاب، القرآن دقيق جدًا قال تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ المرأة إذا مشت تمشي بهدوء وسكينة ولا يجوز لها أن تضرب برجلها لتظهر زينتاها، فكيف تلبس حجابًا كله مفاتن وكله زينة وكله إثارات وكله مغريات، تقول لك: ماذا أفعل كل المجتمع هكذا! فلانة تلبس وبنت خالي وبنت عمتي وبني خالتي وبني خالة خالة عمتي وهكذا..! هل هذا عذر شرعي، مدارة المجتمع ومجارة المجتمع ليست عذرًا شرعيًا.

مثال آخر: لماذا أنت تذهب إلى مجالس الغيبة، مجالس تعلم أنها مجالس غيبة، ديوانيات غيبة، يقول لك: أين أذهب؟ أهلك نفسي يعني؟ أنا مضطر إلى أن أذهب إلى هذه المجالس وهم يغتابون فما أصنع! هذا حرام، مداراة المجتمع ومجاراة المجتمع ليست عذرًا أمام الله.

لذلك الأحاديث الشريفة تؤكد على أمرين فالتفت إليهما:

الأمر الأول: اختر الجليس الذي ينفعك، ورد عن الرسول الأعظم : ”جالس الحكماء فإنك إن كنت جاهلا علموك وإن كنت عالمًا ازددت علمًا“ ليس المقصود بالحكماء الفلاسفة، لا، المقصود بالحكماء من يملكون وعيا، من يملكون ثقافة، من يملكون دينا، هؤلاء هم الحكماء، جالس من يملك دين، جالس من يملك ورع، جالس من يملك دين، جالس من يملك ثقافة، إما أن تستفيد من ثقافته أو تستفيد من دينه وورعه، في وصايا لقمان: ”يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك“ يعني أكثر مجالستهم ومناقشتهم والاستفادة منهم، المسألة ليست أي مجلس، كم ديوانية في الكويت، ألف ديوانية - فرضًا - يعني كلها مجالس مفيدة؟ لا، مجالس اللهو، مجالس اللعب، مجالس الفكاهات، مجالس الكلام السخيف الذي لا معنى له، مجالس الغيبة، دع هذه المجالس واضرب بها عرض الحائط، اختر المجالس المفيدة، اختر المجالس التي تقدم لك عطاء، إما عطاء علمي أو عطاء إيماني أو عطاء سلوكي.

الأمر الثاني: الصديق، الصديق هو المؤثر عليك بالدرجة الأولى، اختر الصديق الصالح:

خالط ذوي العقل وأهل الدين فالمرء منسوب إلى القرين

دائمًا تذكر هذه الآية المباركة: ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا فلان أضرني، ساقني إلى سماع الأغاني، ساقني إلى اللعب بالورقة، ساقني إلى العلاقات الغير مشروعة، الصديق مؤثر قال تعالى: ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا «28» لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا.

إذًا يا أخي مجارة المجتمع ومداراة المجمع ليست عذرًا، أنت لك شخصية، لك قرار، لك رأي، أنت إنسان عاقل لك رأي وقرار بمفردك، فلماذا يقهرك المجتمع على أن تسير على أخطائه وضلاله؟ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ هذا ليس عذرًا، المجتمع يغتاب فلان إذا أن أغتاب فلان، المجتمع الآن يرفع فلان أنا إذا أرفع فلان، المجتمع الآن يضع فلان أنا إذًا أضع فلان، لماذا؟ أنت حر في رأيك وقرارك، ومجاراة المجتمع ليست عذرًا أمام الله.

3» الفراغ: المجتمع الفراغ يذهب إلى هذه الأمور، الفراغ يقود على هذه القضايا التافهة، المجتمعات تختلف، يوجد مجتمع حضاري، يوجد مجتمع واعي، يوجد مجتمع متخلف، كيف تعرف مستوى المجتمع؟ انظر هذا المجتمع هل يهتم بالأهداف الأساسية أو يهتم بالقضايا الجانبية؟ إذا رأيت المجتمع يهتم بالقضايا الجانبية ويركز عليها ولا يهتم بالأهداف الأساسية فاعلم أن هذا المجتمع مسكين ومتخلف، مجتمع يعيش الفراغ، أما المجتمع الذي يركز على الأهداف العامة ويصب طاقاته واهتماماته وقدراته على الأهداف التي تخدمه كمجتمع فهو المجتمع الحضاري، وهو المجتمع الواعي، مجتمعاتنا تعيش الفراغ، مشغولة بهذه التفاهات الجانبية، الغيبة والنميمة وقال وقيل.

نحن عندنا أهداف أساسية، عندنا منطلقات أساسية يجب التركيز عليها، يجب الاهتمام بها، لماذا يقودنا الفراغ إلى مثل هذه الأوبئة؟ ورد في الحديث الشريف: ”إن يكن الشغل مجهدة فاتصال الفراغ مفسدة“ وورد في الحديث الشريف ”إن الله يكره العبد الفارغ“، الذي لا شغل عنده إلا بإيذاء الناس، ورد في الدعاء على لسان الإمام السجاد «سلام الله عليه»: ”اللهم واشغل قلوبنا بذكرك عن كل ذكر، واشغل ألسنتنا بشكرك عن كل شكر، اللهم إن قدرت لنا فراغًا فاجعل فراغ سلامة لا تلحقنا فيه تبعة ولا تدركنا فيه سآمة“ اشغل الفراغ بالخير، اشغل الفراغ بالصلاح، ورد عن الإمام علي : ”لا ينبغي على المرء أن يكون شاخصًا إلا في ثلاث: مرمة لمعاش، تزود لمعاد، أو لذة في غير محرم“ ما سوى هذه الأمور الثلاثة لا ينبغي للمسلم أن يكون داخلا فيها.

المجتمع الذي يهتم بالأهداف هو المجتمع الصالح، لماذا مجتمعاتنا الإسلامية هكذا متخلفة مع أن لدينا طاقات وخبرات ومواهب مخبوءة ومدفونة فلم لا نحركها ونستفيد منها؟ المجتمعات الإسلامية هي المجتمعات التي تهتم بإخراج العلماء، بإخراج الخطباء، بإخراج الشعراء، بالاستفادة من الطاقات، بالاستفادة من المواهب، بتوظيف الأموال والقدرات العقلية والطاقات البدنية في مشاريع الخير والمشاريع الصالحة، هذا هو المجتمع الصالح، هذا هو المجتمع الإسلامي، الذي يهتم بالأهداف العليا، ويهتم بالأهداف السامية، ويركز عليها، لا أنه يصرف وقته ويهدر طاقته في أمور جانبية لا تخدم المجتمع إلا بالويل والأمراض وانتشار المشاكل والحزازات والفتن وإلى آخره.

فالتفتوا يا إخوان إلى الأهداف العليا والأهداف السامية التي تخدم جميع أبناء المجتمع، وهكذا كان أئمتنا أهل البيت، أئمتنا أهل البيت ركزوا على الأهداف العامة، ركزوا على الأهداف الإنسانية والإسلامية العامة، لاحظ الإمام علي ، الإمام علي عرضت عليه الدنيا، عرضت عليه الخلافة، قالوا له كلمة واحدة تقولها وهي تقول قبلت على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة الشيخين، قال: لا، على كتاب الله وسنة رسوله نعم، وأما سيرة الشيخين فلا، سيرة الشيخين ليست حجة علي حتى أتعبد بسيرتهما، علي عندما وصلت إليه الخلافة ماذا صنع؟ لا توجد عنده مجاملة، ركز على الأهداف الأساسية بلا مهادنة ولا مجاملة، قسم المال بالسوية وعزل معاوية والوليد وأمثالهما، قالوا له: أبا الحسن، لو قربت الوجهاء، وقربت الشيوخ، وأغدقت عليهم بعض الأموال إلى أن يستقر سلطانك ثم افعل ما تشاء، قال: ويحكم أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور، والله لو كان المال لي لساويت بينهم فكيف وإنما هي أموالهم، الإمام أمير المؤمنين ضرب المثل الأعلى في الإعراض عن الكرسي والسلطان، لا قيمة للكرسي والسلطان في نظره ما لم تقترن بتحقيق الأهداف السامية، وهو القائل: ”والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت“.

حول البكاء على الحسين وصوم يوم عاشوراء
أهمية تبليغ النبي لمسألة الإمامة