نص الشريط
أهمية تبليغ النبي لمسألة الإمامة
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 3/1/1418 هـ
مرات العرض: 3965
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (2062)
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ

آمنا بالله صدق الله العلي العظيم.

حديثنا حول الآية المباركة وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ حديثنا في الآية المباركة في أربع نقاط:

  • النقطة الأولى: في بيان مفهوم الآية
  • النقطة الثانية: في بيان تأكيد الآية على نسبة الأمر إلى الله تبارك وتعالى.
  • النقطة الثالثة: في بيان قانونية الأمر المنزل.
  • النقطة الرابعة: في بيان ارتباط الإمامة أو ارتباط إنكار الإمامة بالكفر.

النقطة الأولى:

ما معنى الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ما هو هذا الشيء الذي إذا لم يبلغه الرسول فهو لم يبلغ الرسالة؟ ما هو هذا الأمر الخطير الكبير الذي يتوقف عليه تبليغ الرسالة، إذا لم يبلغه الرسول للأمة فإن جهوده وأتعابه وما تحمله في سبيل نشر الدعوة يذهب سدى ويذهب أدراج الرياح؟ ما هو هذا الأمر؟

هنا نلاحظ بعض المفسرين من إخواننا أهل السنة أمثال الفخر الرازي وغيره يقول: هذا الأمر هو الرسالة نفسها، يعني الآية لا علاقة لها بمسألة الغدير، ومسألة إمامة الإمام علي وما تقوله الروافض، هذا لا علاقة له بما تقول الرافضة، الآية تقول أيها النبي بلغ الأوامر الإلهية، كل الأوامر الإلهية، الأمر الآية ليس خاصًا بأمر دون أمر، يا أيها الرسول بلغ الأوامر الإلهية التي تنزل عليك من السماء، تنزل عليك من ربك، إذا لم تبلغ الأوامر الإلهية فما بلغت الرسالة، الآية ناظرة إلى تبليغ أوامر السماء، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ يعني بلغ ما أنزل عليك من السماء من الأوامر، الأمر بالصلاة والأمر بالصيام والأمر بالحج والأمر بالزكاة والأمر بسائر الأوامر الشرعية، وإذا لم تبلغ هذه الأوامر فما بلغت الرسالة، فقط، هذه الآية لا ربط لها بما يقوله الشيعة أصلا.

هذا الكلام الذي يطرحه الفخر الرازي وغيره نحن نناقشه بعدة مناقشات «التفت لي جيدًا»:

المناقشة الأولى: الآية حسب كلام الفخر الرازي يصبح معناها: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك، يعني بلغ الرسالة، لأن الذي أنزل إليه هو ماذا؟ الرسالة، الذي أنزل إليه من السماء الرسالة، الدعوة الإسلامية، يا أيها الرسول بلغ الرسالة فإن لم تفعل فما بلغت الرسالة! يصبح المعنى هكذا، بلغ ما أنزل إليك من ربك، ما أنزل إليك يعني جميع الأوامر الإلهية، جميع الأوامر الإلهية هي الرسالة، فالآية معناها هكذا: يا أيها الرسول بلغ الرسالة فإن لم تبلغ الرسالة فما بلغت الرسالة! يصبح معنى الآية هكذا، وهل هذا أمر يقبله ذوق عربي؟ الآن واحد عربي اطرح الكلام عليه قل له معنى الآية هكذا وانظر ماذا سيقول لك، «إن لم تفعل فما» هذه جملة شرطية، الجملة الشرطية ربط بين شيئين، الجملة الشرطية هي الجملة التي تربط بين شيئين، يعني الآن مثلا أقول لك هكذا: ذاكر دروسك، إن لم تذاكر تسقط في الامتحان، عندنا شيئان، عدم المذاكرة شيء والسقوط في الامتحان شيء آخر، نربط بين الشيئين بجملة شرطية، أقول لك: يا بني ذاكر دروسك، إن لم تذاكر دروسك تقسط في الامتحان، هذه جملة شرطية صحيحة لأنك ربطت بين شيئين، أما إذا قلت لك هكذا: بني ذاكر دروسك، إن لم تذاكر دروسك فلم تذاكر دروسك! الربط بين الشيء ونفسه لا معنى له لا يقبله أي ذوق عربي، أي إنسان عربي تقول له: تعال ادخل الحسينية، إن لم تدخل الحسينية لم تدخل الحسينية! الربط بين الشيء ونفسه لا معنى له، الآية على تفسير الفخر الرازي هكذا معناها: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل عليك من السماء كله، يعني بلغ الرسالة التي نزلت عليك كلها، يا أيها الرسول بلغ الرسالة إن لم تبلغ الرسالة فما بلغت الرسالة! لا معنى للربط بين الشيء ونفسه، هذا الكلام لا يقبله الذوق العربي، ولا يناسب أن يصدر من أمثال الفخر الرازي من العلماء والمفسرين.

ثانيًا: ارجع إلى النص الوارد في تفسير الآية، ما هو النص الوارد في تفسير الآية؟ الواحدي رواه، الثعلبي رواه، السيوطي رواه، نفس الفخر الرازي رواه وقال: وقيل وجه «يعني من وجوه نزول الآية» وأيضًا رواه ابن عساكر وكثير من المؤرخين والمحدثين رووا عن ابن عباس وعن أبي سعيد الخدري أن هذه الآية نزلت يوم غدير خم عند تنصيب علي للإمامة، محصل الآية ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هو إمامة علي، هذا الأمر الخاص لا الرسالة كلها، يا أيها الرسول بلغ الإمامة، بلغ الناس إمامة علي، ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ضاعت الجهود هباء منثورًا، الشوكاني في كتباته تفسير فتح القدير ينقل عن عدة من المحدثين أن ابن عباس وابن مسعود كانا يقرآ الآية هكذا: «يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك أن عيًا مولى المؤمنين» يقرؤوها بضمن الآية، إذا قرؤوا القرآن يقرؤوا هذه الجملة بضمن الآية ليتضح تفسيرها، «يا أيها الرسول بلغ ما أنزل عليك من ربك أن عليًا مولى المؤمنين وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس».

انظر كيف تلاعب الأقلام، تاريخ اليعقوبي كتاب غير شيعي، هذا الكتاب طبع سنة 1358 هـ، طبع في مصر ومذكور هذا الحديث أن هذه الآية آية التبليغ نزلت في علي يوم الغدير عندما نصب للإمامة، عبارته هكذا في الجزء الثاني «من تاريخ اليعقوبي» تعرض للموضوع وقال: نزلت في علي يوم غدير خم، وطبع نفس التاريخ «تاريخ اليعقوبي» في بيروت سنة 1379 هـ وكتبوا في هذا المكان: وهذه الآية نزلت يوم النفر على علي بعد الترحم! أي شخص يقرأ هذه العبارة يقول «يتساءل»: متى صار نفر على علي؟ وأين صار هذا الترحم؟ إذًا لم يقرنها مع الطبعة السابقة يوم النص على علي بغدير خم وليس يوم النفر على علي بعد الترحم، هذه غلطة لا تغتفر، هذا إذا كانت غلطة أصلا، وإلا لا نستبعد أن يد التحريف تدخلت لطمس هذا الأثر ومحو هذا الأثر.

لو سئلنا هذا السؤال: أنتم تقولون أن المقصود بالآية إمامة علي، فما علاقة إمامة الإمام علي بتبليغ الرسالة؟ يعني افترض أن الرسول ما بلغ إمامة علي فلم يعتبر أنه لم يبلغ الرسالة؟ ما هو الربط؟ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ - يعني إن لم تبلغ إمامة الإمام علي - فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ما هو الربط؟ ما هو الربط بين إمامة علي وبين تبليغ الرسالة؟

أنا أذكر لك نقطة واحدة من الربط ذكرتها اليوم صباحًا مجملا، أذكر لك شيء من التفصيل:

جميع المسلمين يؤمنون أن القرآن الكريم كتاب يحتاج إلى مفسر، مستحيل للمسلمين أن يستفيدوا من القرآن بدون مفسر للقرآن، هو القرآن يقول عن نفسه: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ القرآن نفسه ينص على أن هذا الكتاب فيه متشابهات، لا يمكن لأي إنسان أن يستفيد من القرآن بدون مفسر للقرآن، هذا شيء أثبته لك بالدليل الآن، في القرآن عدة آيات مجملات تحتاج إلى مفسر، مثلا قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا كيف يعني نقطع أيديهما؟ نقطع أيديهما من المنكب، أو نقطع اليد من المرفق، أو نقطع اليد من الزند، أو نقطع اليد من أصول الأصابع، أو نقطع اليد من أطراف الأصابع، ما معنى اليد؟ «فاقطعوا أيديهما» آية مجملة تحتاج إلى من يفسرها ويبين موضع القطع، مثلا قوله تعالى: ﴿الم ما معنى ألم؟ ﴿عسق ما معنى عسق؟ ﴿كهيعص ما معنى كهيعص؟

هل يوجد أحد من المسلمين كلهم في شرق الأرض وغربها يقول أنا أعرف معنى هذه الحروف بدون الرجوع إلى الرسول وأهل البيت، أي واحد يقول أنه يعرف تفسير هذه الحروف من دون الرجوع إلى الرسول وأهل بيته كذاب، ”من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار“ دخل قتادة على الإمام الباقر، قال له الإمام الباقر: يا قتادة أأنت فقيه البصرة؟ قال: نعم، قال: بم تفتيهم؟ قال: أفتيهم بكتاب الله؟ قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله؟ قال: فإن لم تجد؟ قال: من الرجال، قال: يا قتادة إن كنت تفسر القرآن من عندك فقد هلكت وأهلكت، وإن كنت تفسر القرآن من الرجال فقد هلكت وأهلكت، يا قتادة إنما يعرف القرآن من خوطب به، وما هو إلا عند الخاصة من ذرية نبينا محمد ، وما ورثك الله من كتابه حرفًا.

نأتي إلى المتناقضات في القرآن، لو أتى لك مسيحي وتولاك بالأسئلة والإشكالات، يقول لك: أنت مسلم أولا؟ فتقول: نعم، فيقول لك: ما هو كتابك؟ فتقول: كتابي القرآن الكريم، فيقول: إذًا سأسألك في القرآن الكريم، القرآن الكريم يقول في آية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ يعني الله ليس جسمًا وليس مخلوقًا وليس محدودًا، هذا القرآن يقول هكذا، فكيف يقول في آية أخرى: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا جاء يتمشى مثلا والملائكة جنود بين يديه، في آية يقول: ليس كمثله شيء، وفي آية أخرى يقول: وجاء ربك والملك صفًا صفًا، آيتان متناقضتان ما هو حل التناقض وأنت مسلم يجب عليك الدفاع عن القرآن الكريم؟ من أين تعرف التفسير؟

اترك هذا الأمر أيضًا «حل متناقضات القرآن الكريم» وتعال إلى نقطة ثالثة، هذه النقطة جدًا محرجة أتحدى أي واحد مسلم يستطيع أن يجيب عن هذا السؤال من دون الرجوع إلى أهل البيت : الآن أنت تقرأ القرآن، القرآن يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ يعني القرآن فيه كل شيء تبيان لكل شيء لفظ عربي واضح، وفي آية أخرى يقول: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ أين كل شيء في القرآن؟ لم نر كل شيء في القرآن؟ حتى الصلوات ليست مذكورة في القرآن، صلاة الصبح ركعتان لم تذكر في القرآن، صلاة الظهر أربع ركعات لم تذكر في القرآن، الصلوات التي هي من أهم الأشياء لم تذكر في القرآن، فكيف يقول القرآن: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ؟ إما أن تقول أن القرآن كاذب - والعياذ بالله - وهذا كفر، القرآن يقول: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ إذا قلت أن القرآن ليس كاذبًا فكيف تجيب عن هذه الحقيقية؟ كثير من الأمور الإسلامية والتشريعية غير موجودة في القرآن، فماذا تقول فيها؟ أي مسلم ضع يدك عليه حنفي أو حنبلي أو مالكي أو شافعي قل له: أحضر لي جواب إمامك أبي حنيفة دعني أرى ماذا يقول في حل هذه المشكلة؟ كلام إمامك، كلام شيخك، كلام عالمك الذي ترجع إليه، أريد جوابًا مقنعًا في حل هذه المشكلة.

إذًا يا أخي القرآن الكريم يحتاج إلى مفسر، القرآن الكريم فيه مجملات، فيه مختلفات، فيه آيات غامضة تحتاج على مفسر، من هو المفسر؟ نريد شخصًا فعلا يعرف كتاب الله، من هو؟ المفسر هو الرسول الأعظم أو من نص الرسول الأعظم على أنه عارف بالكتاب، إما الرسول يفسر أو الرسول يبين لنا من هو المفسر، والرسول بين من هو المفسر في حديث الثقلين الذي يقول فيه ابن حجر في الصواعق المحرقة: حديث صحيحة لا ريب فيه ولا شبهة تعتريه، فماذا يقول حديث الثقلين؟ ”إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي“ لم يقل ارجعوا لسمرة بن جندب، ارجعوا لقتادة، ارجعوا للحسن البصري، قال عترتي أهل بيت.

إذًا يا أخي أنت تؤمن بالقرآن لابد أن تؤمن بوجود مفسر للقرآن، وإذا آمنت بوجود مفسر فالمفسر هم أهل البيت كما نص الرسول الأعظم ، والآية القرآنية تقول: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ

إذا اتضح لك الجواب في الآية لماذا الرسول إذا لا يبلع إمامة الإمام علي لم يبلغ الرسالة، لأن الرسالة تصبح ناقصة، لو أن الرسول سكت عن الإمامة وقال: «أيها الناس ليس عليكم إمام، كلكم ما شاء الله أئمة، أنتم لا تحتاجون للإمام، كلكم رجال وعاقلين كبار وواعين، أيها الناس لا إمام عليكم في أمان الله!» الناس سيقولون: إذًا الكتاب ناقص، الرسالة ناقصة، أنت تتركنا بلا وجود مفسر لكتاب الله، كيف نتعامل مع كتاب الله؟ وكيف نستفيد منه؟ وكيف نرجع إليه إذا لم يكن هناك مفسر له وقائم على العمل به؟

إذًا عدم نصب إمام بعد رسول الله معناه نقصان الدين معناه أن الرسالة ناقصة، الكتاب ناقص لا يمكن الاستفادة منه، ولذلك نزلت الآية المباركة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا لأن المفسر نصب وبين فاكتمل الدين واكتملت الرسالة، ابن عساكر وابن مردويه والثعلبي والسيوطي كلهم يرون عن أبي هريرة أنه قال: نزلت هذه الآية في نصب علي يوم الغدير.

إذًا اتضحت لك النقطة الأولى تمامًا، معنى الآية وربط الإمامة بتبليغ الرسالة، اتضح هذا الموضوع.

النقطة الثانية:

لاحظ الآية تؤكد: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ما هو الداعي إلى التأكيد؟ يعني لو أن الآية هكذا قالت: «يا أيها الرسول بلغ الأمر» أو قالت: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَوتسكت فلم كلمة «من ربك»؟ كل المسلمون يعلمون أن الرسول لا يبلغ إلا أوامر الله، فما الداعي إلى أن تقول الآية: «من ربك»؟ فلو قالت: «يا أيها الرسول بلغ» كل الناس يعلمون، يبلغ يعني يبلغ أمرًا نازلا من السماء، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ كل المسلمين يعلمون أن ما انزل عليه فهو من الله، فلماذا الآية تؤكد «من ربك»؟

هذا التأكيد لدفع شبهة حدثت عند بعض المسلمين آن ذاك وهي شبهة الترشيح، الآن أبين لك معنى شبهة الترشيح، شبهة الترشيح يعني يقول لك نحن نعترف بأن عليًا أهل للخلافة، الإمام علي ليس إنسانًا قاصرًا، يملك علم، يملك شجاعة، يملك كذا، ليس إنسانًا قاصرًا، أهل للخلافة، لا شك عندنا في ذلك، نحن نعترف أن عليًا أهل للخلافة، لا شك في ذلك، ونعترف أيضًا أن الرسول معصوم لا يقول غلط ولا يتعمد المعصية، لكن الذي حدث أن الرسول اقترح على الله اقتراح، قدم الرسول إلى ربه اقتراحًا، قال يا رب ما رأيك؟ أنصب عليًا خليفة على الناس، اقتراح من الرسول على ربه، الله تبارك وتعالى لم يعارض هذا الاقتراح لأنه لا يشكل خطرًا، يعني إذا صار الإمام علي خليفة يصير خطر على الإسلام؟

لا، لا يشكل خطرًا على الإسلام، الله لا يعارض أي اقتراح لا يشكل خطرًا على الإسلام، الرسول اقترح على الله، قال يا رب ما رأيك أن أنصب عليًا خليفة، الله تبارك وتعالى لم يعارض، يعني الإمام علي إنسان عالم، إنسان شجاع، إنسان مطيع لربه، نصبه خليفة لا يشكل خطرًا على الإسلام، فلا مانع، هذا مجرد اقتراح وقبول، الرسول اقترح على ربه اقتراح، الله قال لا بأس، لا مانع من هذا الاقتراح، لم يأمره بنصبه فقط أعطاه الإذن، وفعلا الرسول جاء يوم الغدير وقال: ”من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم والي من والاه، وعادي من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله“ وتمت البيعة، البيعة تمت والغدير صار، نحن لا ننكر الغدير ولا نكرر البيعة، لكن صارت على أساس اقتراح من رسول، لم تكن على أساس أمر من الله تبارك وتعالى، يقول لك هذا مجرد اقتراح من الرسول، والأمة رأت شخص آخر، قالت الأمة صحيح الإمام علي أهل للخلافة، لكن غيره أكبر منه سنًا وأكثر منه تجربة فنقدمه، هم خالفوا اقتراح النبي ولم يخالفوا أمرًا إلهيًا، وفرق بين الأمرين، تارة نقول الإمامة أمر من الله، يعني من يخالف فقد عصى لأنها أمر من الله، وتارة نقول الإمامة اقتراح من الرسول برضا الله تبارك وتعالى، فلو نصب غيره فلا مانع، خالفوا الاقتراح ولم يخالفوا أمر إلهيًا، إذا المخالفة ليست معصية.

هذه الآية تنفي الشبهة تمامًا، تقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هذا أمر نازل إليك من الله، هذا ليس أمرًا أنت اقترحته ونحن قبلناه، لا، الآية تؤكد بكل وضوح على أن الإمامة أمر نزل من السماء وأمر الرسول بتبليغه، لا أن الرسول اقترحه الله والله وافق على هذا الاقتراح.

الخليفة الثاني عمر بن الخطاب لعل هذه الشبهة كانت في ذهنه، يذكر ابن أبي الحديد أن ابن عباس اجتمع مع الخليفة الثاني، الخليفة الثاني قال له: ما زال ابن عمك - يعني الإمام علي - طامعًا في الأمر؟ قال: إنه يقول إن رسول الله نصبه، قال: يا ابن عباس أو كل ما أراده رسول الله أراده الله؟

رسول الله نصبه لكن هل هذا يعني أن الله أراده؟ إن رسول الله أراد هداية عمه أبي طالب وما أرد الله، إذًا يوجد تفكيك بين ما أراده الرسول وبين ما أراده الله، هذه شبهة الترشيح وقد أجبنا عليها، قلنا هذا خلاف الآية، الآية تنص على أن الإمامة أمر نازل من السماء، لا أنها مسألة أرادها الرسول ، ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى «3» إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى لا يصدر منه إلا الوحي ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى «3» إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.

النقطة الثالثة:

بعض الإخوان يتساءلون: لماذا التركيز على موضوع الإمامة؟ هذا موضوع أكل عليه الدهر وشرب، مسألة تاريخية وليست مسألة حساسة، ليست مسألة معاشة، لا تمثل الواقع العملي المعاش، مسألة تاريخية وقعت وصار الذي صار، وخير يا طير، تلك أمة قد خلت لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت وانغلق الملف.

يا أخي نحن محاسبون أمام أجيالنا وأولادنا حول هذه العقيدة وترسيخ هذه العقيدة، أجيالنا وأولادنا بمرور الزمن وبمرور الأيام يتضاءل اعتقادهم، ويقل اعتقادهم في مسألة الإمامة، وخصوصًا في مسألة إمامة الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه، نحن مسؤولون أمام الأجيال خصوصًا العلماء والخطباء والكتاب، وكل من كان قادرًا على التوضيح وكل من كان قادرًا على الإبلاغ والبيان فهو مسؤول، أهم عقيدة عندنا مسألة الإمامة، أي فرق بيننا وبين الآخرين غير مسألة الإمامة؟ أهم عقيدة عندنا مسألة الإمامة.

أنت الآن بالوجدان، أنت الآن احكم نفسك بنفسك بالوجدان، الآن هذه الحسينية كم عدد الحاضرين فيها؟ ثلاثة مئة نفر، مئتين نفر، أنا قاطع وجازم لك جزمًا وقطعًا أن ثلثي الحاضرين لا يملكون الدليل على الإمامة، لو تناقشه في مسألة الإمامة تجده لا يملك الدليل عليها، إذًا كان كثير منا لا يملك الدليل على الإمامة فما بال أبنائنا وأجيالنا بعد ذلك؟

هذه الأمور إذا لم يركز عليها، وإذا لم ترسخ، وإذا لم تكرر وتثبت بالأدلة والبراهين القاطعة والساطعة سوف تندثر بمرور الأيام، وتتضاءل بمرور الأيام، وهذه مسؤولية خطيرة على أعناقنا، خصوصًا هذه الأيام أيام شهر المحرم، أيام توافد الناس، أغلب الناس لا يقرؤون الكتب، أغلب الناس أو الكثير من الناس لا يحضرون المساجد، كثير من الناس لا يحضرون إلا هذه العشرة الأيام، كثير من الناس لا يستمعون إلى المنبر إلا هذه العشرة الأيام، إذا لم تستغل هذه الأيام بطرح هذه العقائد وترسيخها والتركيز عليها ودعمها بالأدلة والبرهان سوف تنتهي هذه العقيدة وتندثر بمرور الأيام وبمرور الوقت، ولذلك الأئمة ركزوا على هذه العقيدة وأصروا عليها، إذًا تركيزنا وإصرارنا على هذا الأمر لكي يبقى في أجيالنا وأجيال أجيالنا.

لاحظ التاريخ عندما نأخذ به نجد أن كثير من الحقائق طمست، كثير من الحقائق نسيت، أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني الجزء 22 أيضًا صاحب المصنف «المصنف لعبد الرزاق الجزء 5» ينقل أن خالد القصري والي بني أمية أمر شهاب بن الزهري بأن يكتب التاريخ «انظر من أين كتب التاريخ» والي بني أمية أمر ابن الزهري أن يكتب التاريخ، فقلت له: قد يمر بي الشيء في علي بن أبي طالب، قال: لا تذكره إلا أن يكون في قعر الجحيم «يعني رواية سيئة موضوعة» فما ذكر في كتاب «المغازي» شيئًا في علي، تاريخ الرسول سيرة الرسول وغزوات الرسول لم يذكر فيها شيئًا عن علي ، وعندما وصف مرض الرسول قال: لما مرض رسول الله خرج إلى المسجد متوكئًا على الفضل بن عباس ورجل آخر، ولم ذكر من هو هذا الرجل «وهو الإمام علي ».

نحن مسؤولون يا أخي أمام هذه الحقائق الغامضة، أمام هذه الحقائق الغير واضحة أن نرسخ هذه الأمور وأن نثبتها وندعمها بالأدلة والبرهان.

التعارف الاجتماعي بين النسبية والحقيقة
أهمية تربية الإرادة في عملية تزكية النفس