نص الشريط
علاج الدين للحاجات الفطرية عند الإنسان
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 19/1/1418 هـ
مرات العرض: 3239
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (2381)
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا

صدق الله العلي العظيم

حديثنا من خلال الآية المباركة في نقطتين:

  • في بيان معنى الفطرة.
  • في علاج الدين لعدة حاجات فطرية في نفس الإنسان.
النقطة الأولى: بيان معنى الفطرة.

الله «تبارك وتعالى» يقول: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا فما هو المقصود بالفطرة، بحيث يكون الدين أمرًا فطريًا، أو ميلاً فطريًا في الإنسان؟ حتى يتضح الجواب عن هذا السؤال نذكر تقسيمًا للأفعال، حيث أن العلماء يقسّمون الأفعال إلى عدة أقسام: هناك أفعال اعتيادية، وهناك أفعال طبعية، وهناك أفعال غريزية، وهناك أفعال فطرية.

القسم الأول: الأفعال الاعتيادية.

الفعل الاعتيادي هو الذي يعوّد الإنسان نفسَه عليه، فيرى نفسه منقادًا لهذا الفعل بمقتضى العادة. مثلاً: الإنسان اعتاد على أن يذهب إلى السينما، فيرى نفسه منقادًا للذهاب إلى هذا المكان لأنه اعتاد عليه، بينما الإنسان الآخر اعتاد على أن يذهب إلى المأتم الحسيني، فيرى نفسه منقادًا للذهاب إلى المأتم بحكم العادة.

لذلك كلا الطرفين - أي: من يعتاد على فعل الشر، ومن يعتاد على فعل الخير، ويصنع العمل بروح العادة وبمقتضاها - لا أثر له على سلوكه. إنما يكون لفعل الخير أثرٌ على سلوك الإنسان إذا كان فعلاً مدروسًا مقصودًا به التقرّب إلى الله «تبارك وتعالى». الإنسان الذي يأتي المأتم لأنه عادة، أو يجالس الأخيار لأن مجالستهم عادة اعتادها، فإن هذا الفعل لا يصنع شيئًا في سلوكه، ولا يغيّر سلوكه من السلوك السيئ إلى السلوك الأفضل.

تغيير السلوك وتطوره إنما يتم إذا كان العمل الذي يأتي به الإنسان عن قصد وتدبير. آتي المأتم لإحياء شعائر أهل البيت قربةً إلى الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ. أما الإتيان إلى المأتم بحكم العادة وبمقتضاها فإن هذا النوع من العمل لا يغيّر سلوكي ولا يغيّر خطواتي من السيئ إلى الأحسن.

القسم الثاني: الأفعال الطبعية.

الإنسان إذا خرج من الظلام فإنه بمجرد أن يواجه الضوء تنقبض عيناه، هذا الفعل يصنعه الإنسان بطبعه سواء اعتاد أم لم يعتد عليه. طبع الإنسان الجسماني في استقبال الضوء وفي تلقيه يقتضي أن يقبض عينيه عند مواجهة الشمس أو عند مواجهة الضوء.

القسم الثالث: الأفعال الغريزية.

هذا القسم لا يختص بالإنسان، فإن الأفعال التي تصدر من الغريزة وتنبع منها موجودة عند الحيوان أيضًا، فمثلاً: حنان الأم وعطفها على ولدها واستشراف قلبها على طفلها الصغير أمرٌ لا يختص بالإنسان، بل هو فعل غريزي في كل حيوان، فإن كل حيوان بطبعه الغريزي يصنع هذا العمل.

القسم الرابع: الأفعال الفطرية.

هذا القسم يختص بالإنسان، والأمور الفطرية هي أمور متجذرة ومتأصلة في وجدان الإنسان، فمثلاً: الإنسان إذا فتّش وجدانه ونقّب فيه يرى أن وجدانه يميل إلى العدالة، فهو يحب العدالة، ولو تمكّن أن يفعلها لفعلها، كما يرى بوجدانه أنه يميل إلى الصدق والوضوح، بحيث تكون الأمور واضحة لا لبس فيها ولا كذب فيها ولا غش فيها ولا تزوير فيها. الإنسان بطبعه يميل إلى الوضوح وإلى الصدق وإلى الصفحة البيضاء الناصعة. الإنسان بطبعه وبوجدانه يميل إلى الحرية، وإلى ألا يكون مقيدًا، وإلى ألا تكون هناك بعض الأعمال أو بعض الآراء أو بعض الأفكار مفروضة عليه. هذه الميول - ميول الإنسان نحو العدالة والحرية والصدق - وما يتبعها من أعمال تسمّى بأمور فطرية؛ لأنها متجذرة في وجدان الإنسان كإنسان، ولا ربط لها بالحيوانية وعالمها. هذه الأمور متجذرة ومتمركزة في وجدان الإنسان كإنسان، فيرى أن مقتضى إنسانيته أنه يحب العدالة ويحب الحرية ويحب الصدق.

ولذلك حتى بعض الفلسفات غير الإسلامية.. مثلاً: الفلسفة الوجودية يصرّح رائدها سارسر بأن المعرفة الوجدانية للنفس معرفة فطرية، ويقصد بالمعرفة الوجدانية أن هناك مجموعة من الوجدانيات يعيشها الإنسان بوجدانه من دون أن يتعلمها من أحد، فهو يشعر بوجدانه أنه يحب العدالة والصدق والتحرر سواء علّمه أحد أم لا، فالإنسان يرى مجموعة من الوجدانيات متأصلة في داخله، لا يحتاج فيها إلى معلم، ولا إلى مدرس، ولا إلى أن يعيش جهة الحيوانية أو جهة الغريزة أو جهة الطبع، وهذه الأمور يعبّر عنها بالأمور الفطرية.

الحقيقة الإسلامية المستفادة من القرآن والسنة تقرّر أن ميل الإنسان إلى الله «تبارك وتعالى» ميلٌ فطريٌ، كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا. توجّه الإنسان نحو الخالق «تبارك وتعالى» توجّه فطري، كتوجه الإنسان نحو العدالة، فكما أن الإنسان بفطرته وبوجدانه يميل نحو العدالة والصدق والحرية، كذلك الإنسان بوجدانه لو خُلِّي عن تمام المؤثرات الخارجية، وخُلِّي عن تمام العوامل الخارجية، فإنه بوجدانه ينقاد ويتجه نحو الخالق «تبارك وتعالى».

المدرسة التحليلية في علم النفس تؤكّد على وجود العقل الباطن عند الإنسان، ومن الواضح أن العقل واحد، ولكن له درجتين ومرحلتين: درجة الوعي: يستقبل الإنسان الأمور، فيسمع صوتًا ويعي لمن هو الصوت، ويتكلم فيعي ما يقول، ويمشي ويعي أين يمشي.. فالعقل الواعي هو الذي يلتفت إلى المعلومات الواردة على الدماغ، ويلتفت إلى الأفعال التي يمارسها. كل فعل يمارسه يلتفت إليه، ما هو هذا الفعل؟ ما هو هدفه؟ ما هي عاقبته؟ العقل الواعي هو العقل الملتفت لما يرد على الإنسان ولما يصدر من الإنسان.

هناك درجة من العقل ومرتبة من العقل وراء هذا، ويعبّر عنها بالعقل اللاواعي، أو العقل في مرحلة اللاشعور، أو العقل الباطن، والمقصود من هذه المرتبة أن هناك طاقةً في النفس وقوةً من قوى النفس تختزن الأشياء، وعندما تختزن هذه الأشياء فإن الإنسان مع وجود هذه الأشياء مختزنةً في عقله ومختزنةً في قوته النفسية، إلا أنه غير ملتفت إلى هذه الأمور المخزونة عنها، فهو غافل عنها غير ملتفت إليها مع كونها مخزونةً عندها.

افرويد يمثّل بالمكبوتات، فيقول: الإنسان قد تُكْبَت فيه بعض المواهب وبعض الهوايات، فمثلاً: لو كان هناك شخص في صغره يحب أن يكون شاعرًا أو خطيبًا، لكن أسرته لا تشجعه على ذلك، أو تنهره عن ذلك، إلى أن يتراجع هذا الميول نحو الخطابة أو الشعر، فيختزن في مرحلة اللاوعي واللاشعور، فيبقى ميلاً ونزوعًا مكبوتًا في مرحلة اللاوعي. قد يغفل عنه الإنسان سنينًا طويلة، إلا أنه مختزن عنده، لأن الميل كان موجودًا، ولكن الأسرة أو المجتمع واجهته، فتراجع هذا الميل، لا أنه انتهى وانطفأ. تراجع هذا الميل واختزن في تلك القوة التي نسمّيها في العقل الباطن، أو نسمّيها بمرحلة اللاشعور.

الإنسان الذي يختزن في داخله حب الخطابة أو حب الشعر لكن هذا الحب مكبوت، قد يتصرف يومًا من الأيام تصرفًا لاإراديًا، فيظهر موهبته الخطابية أو الشعرية، كما ورد عن أمير المؤمنين: ”ما أضمر امرؤ في قلبه شيءٌ إلا وظهر على صفحات وجهه أو فلتات لسانه“. الإنسان إذا كان مشغوفًا بالموسيقى، لكنه ترك الموسيقى لأنها تضره، أو لأنه عرف أن الحكم الشرعي يمنع سماع الموسيقى المطربة وعزفها، أو خوفًا من أسرته، أو خوفًا من المجتمع.. على أي حال ترك الموسيقى. هذا قد يُرَى جالسًا لوحده وهو يحرّك رجله ويديه، مع أنه هجر الموسيقى وتركها لرادع داخلي أو خارجي، لكنه مع ذلك قد يحرّك يديه ورجليه، وقد يمشي فترة من اللحظات مع نغمة موسيقية تنبع من داخل كيانه. يحرّك يديه أو رجليه أو رأسه على طبق ما يتخيّل من هذه النغمات الموسيقية.

هذا النوع من الميل المكبوت في نفس الإنسان يظهر أحيانًا بنحو لاشعوري لاإرادي. هذا الميل مختزنٌ في منطقة تسمّى العقل الباطن ومرحلة اللاوعي وتسمّى مرحلة اللاشعور. الميول الأخرى أيضًا - كميل الإنسان نحو العدالة والحرية والصدق والوضوح - منطقتها هي مرحلة اللاشعور، وموطنها هو العقل الباطن، فهو يختزن هذه الميول والنزعات.

نزعة الإنسان نحو الله ونحو التديّن كذلك، فإن الإنسان بطبعه وبفطرته يميل نحو الخالق «تبارك وتعالى»، إذ لكل مسبَّب سبب، ولكل أثر مؤثر، و«البعرة تدل على البعير، وآثار السير تدل على المسير، أسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، لا تدلان على وجود الخالق القدير؟!». الإنسان بطبعه وفطرته يتجه نحو الله خالقه «تبارك وتعالى»، إلا أن هذا الميل الفطري إذا واجه أسرة متدينة يزداد ويقوى إلى أن يصبح تدينًا، ولكن هذا الميل الفطري لو واجه أسرة منحرفة، أو أسرة ملحدة، فإنه يتراجع ولكنه لا ينطفئ، وإنما يخفى في مرحلة العقل الباطن ومرحلة اللاشعور.

وعندنا بعض النصوص التي ظاهرها وجود هذه المرحلة، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، فإن السر معروف، وهو عبارة عما يكتمه الإنسان في داخله، فما هي الأشياء الأخفى من السر؟! هناك أشياء أخفى من السر يعلمها الله «تبارك وتعالى»، وهي الميول المكبوتة المدفونة في داخل الإنسان ووجدانه، فإن هذه الميول المكبوتة في مرحلة اللاشعور أخفى من السر وأدق منه، والله «تبارك وتعالى» يعلم بها، فهو يعلم السر وأخفى. وهذا المعنى هو المقصود بالفطرة وبكون الدين فطريًا.

النقطة الثانية: علاج الدين للحاجات الفطرية عند الإنسان.

لو فرضنا أن الدين ليس ميلاً فطريًا في الإنسان، وفرضنا أن الإنسان لا يتجه إلى الله بالفطرة، وإنما يتجه إليه بالتعليم، كتعليم الأسرة أو تعليم المجتمع، ولكن مع ذلك الدين يعالج حاجاتٍ فطرية في الإنسان، فإن هناك مجموعة من الحاجات الفطرية لا علاج لها إلا الدين. هناك حاجات مؤكدة في نفس الإنسان وفي وجدانه لا حل لها إلا الدين، ولا يعالجها إلا الدين، ولا يعالجها إلا العبادة والتوجه إلى الله تعالى، ومن هذه الحاجات:

الحاجة الأولى: حاجة الإنسان نحو الأمن.

ذكرنا في بعض الليالي السابقة أن الإنسان بطبعه يخاف، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا. الإنسان بطبعه يخاف ويهلع، فيخاف من المرض، ومن الموت، ومن الحوادث والكوارث... فما هو علاج هذا الخوف؟! الإنسان الذي لا يرى سبيلاً ولا مجالاً لتأمين نفسه، فإنه يعيش دائمًا حالة قلق وفزع، حيث يسمع بالأمراض والأوبئة المنتشرة في العالم، كالإيدز مثلاً، ويسمع بالكوارث والزلازل والبراكين، ويسمع بالحروب والمجاعات، فمع أن عصرنا عصر الفضاء وعصر الذرة، إلا أنه عصر الخوف والقلق.

هذا الإنسان الذي يعيش حالة من القلق والفزع يحتاج إلى الأمن حاجةً داخليةً ملحةً، وهذه حاجة فطرية في ذاته، فيحتاج إلى أن يؤمّن نفسه، ويحتاج إلى أن يشعر بنوع من الأمن والاطمئنان والاستقرار، فكيف يغذي هذه الحاجة؟ ما هو الطريق لتغذية هذه الحاجة ولتلبيتها؟ أينما تفتش لا تجد علاجًا، حتى في العلاجات النفسية، إذ لعل الطبيب النفسي خائف منك كما أنك خائف منه! فلا علاج لهذا الخوف والقلق إلا الارتباط بالله «تبارك وتعالى». مهما بحث الإنسان عن علاج لا يجد علاجًا للخوف والقلق المختزن في نفسه إلا التوجه نحو الله، ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ.

ذكر الله ليس هو الذكر اللفظي فقط، بل المراد به الذكر الذهني، أي أن الصورة الذهنية تكون مرتسمة في عقله: أن المخلّص الوحيد والقوي الوحيد والعزيز الوحيد هو الله «تبارك وتعالى». إذا وثق وثوقًا داخليًا وآمن إيمانًا وجدانيًا أن مصدر القوة والعزة وكل شيء هو الله «تبارك وتعالى»، فقد تحقق حينئذ ذكر الله. وقد يتصور بعض الإخوة نوعًا من المعارضة بين الآيتين القرآنيتين، حيث تقول الآية الأولى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ، بينما الآية القرآنية الأخرى تقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا، فهل ذكر الله سبب للاطمئنان أم للوجل؟!

حل التعارض بين الآيتين يكون بما ذكره المفسرون، وهو أن القلوب تطمئن بذكر الله من المخاوف الأخرى، كالخوف من المرض والخوف من الحوادث، فذكر الله يؤمّن من الخوف من أي شيء غير الله، ولكن الخوف من الذنب والمعصية يزداد بذكر الله «تبارك وتعالى»؛ لأن الإنسان إذا قصّر في علاقته مع الله، وصنع بعض الذنوب الأخطاء، فهنا خوفه من ذنبه ومعصيته وخوفه من عذابه وعقابه يزداد، كما قال تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. هذا الخوف ليس خوفًا من غير الله حتى يؤمّنه ذكر الله، وإنما هو خوفٌ من عذاب الله وعقابه، وهذا الخوف يزداد في المؤمن كلما ذُكِر الله «تبارك وتعالى».

إذن الإيمان والتوجّه نحو الله يعالج حاجة فطرية في الإنسان، وهي حاجة الإنسان إلى الشعور بالأمن والاستقرار، فإن المتوكل على الله يشعر بالأمن والاستقرار، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.

هناك رواية - ننقلها بالمعنى - تقول بأن رجلاً جاء إلى الإمام الصادق ، فقال له: عرّفني بالله، أنا لا أؤمن بالله لأني لا أراه ولا أشعر به، فعرّفني به. الإمام الصادق سلك له طريقًا وجدانيًا، فقال له: هل صادف أن ركبت البحر؟ قال: نعم، قال: هل صادف أن غرق بكم السفين؟ قال: بلى، غرق السفين بنا، وتبعثرت ألواحه. قال له: عندما غرقت في البحر هل كان هناك إنسان قادر على إنقاذك؟ قال: لا، فإن كل من في السفينة غرقوا، والشاطئ بعيد عنا لا نستطيع أن نصل إليه، فلم يكن أمامنا أي إنسان قادر على إنقاذنا. قال له: أنت في لجة البحر وفي غمرة الأمواج، ولا يوجد أي شخص ينقذك، ولا يوجد شخص يخلّصك، فإلى من اتجه قلبك؟ أنت في تلك الحالة من الخوف والفزع ألم يتجه قلبك إلى شيء؟ ألم يتوجه قلبك إلى شيء أبدًا؟ قال: بلى، توجه قلبي إلى قوة، وهذه القوة قادرة على أن تخلصني وأن تنقذني مما أنا فيه، ولا يمكن لغير هذه القوة أن يخلصني وينقذني من الغرق، فقال الإمام الصادق: فذلك هو الله «تبارك وتعالى»... إذن فالإنسان بوجدانه يتجه نحو الله للخلاص من الخوف، ولتأمين النفس؛ لوثوقه بأن مصدر القوة والحياة ومصدر العزة هو الله «تبارك وتعالى».

الحاجة الثانية: الحاجة إلى التعويض.

كل إنسان يخسر شيئًا يشعر شعورًا إنسانيًا بالحاجة إلى التعويض، وأنه يحتاج إلى التعويض حاجة داخلية ملحة. لو فرضنا أن المجتمع لم يعوّضه، ولم يعطه مقام التعويض، فماذا يصنع هذا الإنسان؟ لو فرضنا أن طبيبًا ماهرًا في الطب مثلاً جاء إلى المجتمع، فلما علم المجتمع أنه طبيب قالوا له: نحن نريدك أن تعمل خادمًا في البيت، تكنسه وتغسل الملابس! لقال: أنا طبيب وعندي شهادة دكتوراه فكيف أعمل خادمًا؟! هذا الإنسان يصاب بنكسة نفسية؛ لأنه لا يشعر أن المجتمع وضعه في الموضع الذي يتناسب معه ويليق به، فلا يرى أن المجتمع في مقام تعويضه وفي مقام تقديره وفي مقام تثمين علمه وجهده وموهبته. هذا الإنسان إذا لم يتجه الاتجاه الديني فإنه يصاب بمرض نفسي، وهو مرض النقمة والحقد على المجتمع؛ لأنه لم يضعه في الموضع اللائق به.

كذلك إذا أصيب الإنسان بفقد نفس أو مال أو بأي بلاء كبير، فإن المجتمع لا يعوّضه عما أصيب، بل إن المجتمع غير قادر على تعويضه، فإذا لم يتجه هذا الإنسان نحو الله «تبارك وتعالى» فإنه يصاب بمرض نفسي؛ لأنه يشعر بأنه خسر شيئًا ثمينًا ولم يقابَل بعوضه، ولم يُثَمَّن ما خسره وما ذهب منه وما تلف منه.

هنا لا يوجد حل حتى عند الطبيب النفسي، فإن الإنسان المصاب الذي يشعر بأنه خسر شيئًا ثمينًا، لا يوجد له علاج نفسي أبدًا إلا الصبر والتوجّه نحو الله، وكذلك الإنسان الذي يشعر بأن المجتمع لم يثمّنه ولم يضعه في موضعه اللائق به، فإنه لا علاج له إلا التوجّه نحو الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ. الوثوق بأن الله يعوّض، والوثوق بثواب الله وأجره هو الذي يكون علاجًا لهذه الحاجة الفطرية، وهي الحاجة إلى التعويض والتقدير، وبدونها لا علاج أبدًا.

الحاجة الثالثة: الحاجة إلى العبادة.

أنت تقرأ قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، فالهدف من خلق الإنسان هو العبادة، لأن العبادة تعالج أمورًا فطرية في الإنسان، فالإنسان يحتاج إلى العبادة حاجة فطرية، وكثير من الأمور لا علاج لها إلا العبادة، ولذلك الإنسان محتاج حاجة فطرية إلى العبادة، ولهذا خُلِق للعبادة.

مثلاً: لا يوجد إنسان لا يحتاج إلى التنفيس عن نفسه، فإن الإنسان قد يصاب بالهموم والغموم والظروف القاسية جدًا، كما لو نكّل به شخصٌ، أو قد يصاب بخسارات وبأزمات عائلية وخارجية، فهذا الإنسان إذا أصيب بالهموم والغموم، ولم يكن هناك شخص في المجتمع مستعد لسماع صوته، كما لو لم يكن عنده أب ولا أم ولا أي شخص يحتضنه ويتلقى كلامه. هذا الإنسان إذا لم ينفّس عن نفسه فإنه يصاب بمرض نفسي، فلا بد من أن ينفس عن همومه وغمومه، ولا بد أن يجلس أمام شخص ليتحدث بما في نفسه من هموم وغموم ومن بلاء ومشاكل حتى يستريح من هذا المرض، وهذه حاجة فطرية عند الإنسان، فإلى من ينفس؟!

الإنسان عندما يسرف في الذنوب والمعاصي والأخطاء والجرائم، كأن يزني - والعياذ بالله - ويسرق ويغتاب الآخرين ويظلمهم ويعتدي عليهم، وبعد ذلك يتوب، ويتذكر كل تلك الذنوب كلها المحتطبة على ظهره، فيبدأ الإنسان يشعر بحالة من النفرة والاشمئزاز وحالة من اليأس والقنوط، فيريد أن ينفس عن نفسه، ويريد أن ينفّس عما يعيشه من قلق ومن توتر، نتيجة الذنوب والجرائم والأخطاء، ونتيجة ظلم الآخرين، ولا منفّس إلا الله «تبارك وتعالى».

الإسلام يقول له: خذ طريق الدعاء؛ فإن الدعاء هو المفنّس. إذا أردتَ أن تعالج هذه الحالة فعليك بالدعاء؛ فإن الدعاء هو العلاج الوحيد لهذه الحاجة الفطرية. إذن فالإنسان محتاج إلى الدعاء حاجة فطرية وجدانية، والدعاء هو العبادة، فالإنسان محتاج إلى العبادة حاجة فطرية وجدانية، ولذلك خُلِقتَ للعبادة؛ لأنها تعالج حاجات فطرية في نفسك.

أنت تأتي وتقف أمام من لا يفضحك، ولا يكشف أسرارك، ولا يبيح لأحد ذنوبك، وتقف أمام من يتلقاك ويستقبلك بالترحيب، وتقف أمام من يلبيك، وتقف أمام من يملك القوة، ويملك العطاء، ويملك الحياة، ويملك جميع طموحاتك وأمنياتك، وتقف أمام من وعدك بالإجابة، ووعدك بأن يلبي دعاءك، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ. الله يستقبلنا ويدعونا إلى أن ننفس عن همومنا وغمومنا وذنوبنا ومعاصينا أمامه؛ لأنه لا يفضحنا، ولأنه يكتم علينا، ولأنه يطهّرنا ويغسل أدراننا وشوائبنا وذنوبنا، ويرجعنا كيوم ولدتنا أمهاتنا.

الله يقول لنا: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا. المهم أن تستغفر، والمهم أن تدعو، والمهم أن تتوجه إلى الله، وما أجمل هذه الحالة، وما أعظمها، وما أعذبها! عندما يجلس الإنسان في ظلام الليل، والناس نائمون، والكل هاجع، وهو جالس يبكي ويتحسر على ذنوبه وعلى معاصيه. هذه أجمل الحالات وأعظمها. عندما يقف الإنسان في ظلام الليل يبكي ويتضرع ويتوسل، ويسترجع الشريط الأسود والذكريات السوداء، ذكريات ذنوبه ورذائله ومعاصيه ذنبًا ذنبًا ومعصية ومعصيةً، فيتوجه إليها، ويتحسّر لفعلها، ويحزّن نفسه ويندّمها على ما صنع من هذه الذنوب والمعاصي. هذه الحالات تطهّر الإنسان، وتنفذ بسرعة إلى وجدان الإنسان، وتخلق منه إنسانًا ناصعًا طاهرًا أبيض.

هذا القلب المظلم المسود بالدنيا وبالترف وبالمادة وبالأعمال وبالأشغال وبالذنوب وبالمعاصي، هذا القلب إذا أردت غسله وتطهيره وتنظيفه تمامًا فعالجه بالخلوات في الليل، وعالجه بالدعاء في الليل، وعالجه بالمناجاة أثناء الليل. هذا أعظم علاج لتطهير القلب، وثق أنك لو مارست هذه الحالة ولو مرة أو مرتين في الأسبوع فستعيش دائمًا حالة من الارتياح والانشراح والانفتاح والاستقرار؛ لأنك تعالج هذا القلب وتطهره وتنظفه.

ولذلك عندنا أحاديث كثيرة تدعو إلى صلاة الليل، وتدعو إلى المناجاة مع الله «تبارك وتعالى» أثناء الليل؛ لتطهير هذا القلب، فأنت محتاج إلى تطهيره وتنظيفه. وهكذا كان أئمتنا - أئمة الهدى - يواظبون على هذه المناجاة والخلوات، بل يلتذون بها. أمير المؤمنين يقف بين يدي ربه إلى أن يخر مغشيًا عليه، ويحرّك فإذا هو كالخشبة اليابسة. أمير المؤمنين البطل العظيم ينهار إذا وقف بين يدي الله خشوعًا وخضوعًا وتوجّهًا وارتباطًا بالله «تبارك وتعالى». وهكذا أبناء علي وأشباله، حيث ساروا على خطه ومنهجه، وإذا بك تسمع الخطباء والمؤرخين يقولون: وباتوا ليلة عاشوراء ولهم دوي كدوي النحل.

أهل البيت والأسماء الحسنى
من ملامح الحركة الحسينية