نص الشريط
مرحلة الشباب ونقطة الخطر
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 9/1/1423 هـ
مرات العرض: 6352
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (1534)
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا

صدق الله العلي العظيم

أهم مراحل الإنسان هي مرحلتان: المرحلة الجنينية، والمرحلة الشبابية. المرحلة الجنينية هي: مرحلة الخلق وتحديد طبيعة الإنسان، ومستوى ذكائه وعقلهن بينما المرحلة الشبابية هي: مرحلة تحديد مسيرة الإنسان وسلوكه.

النقطة الأولى: المرحلة الجنينية.

عندما نريد أن نتحدث عن هذه المرحلة، وهي كون الإنسان جنينا في بطن أمه، نذكر أمورا ثلاثة:

الأمر الأول: ما هي أطوار الجنين التي يمر بها وهو في بطن أمه؟

القرآن الكريم قسمها إلى ستة أطوار: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ.

الطور الأول: طور النطفة.

القرآن الكريم يشرح معنى النطفة ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ علم الأجنة يؤكد أن الطور الأول من أطوار الجنين أنه يكون بشكل القطرة المائية التي لها حركة انسيابية، نهاية الأسبوع الأول من التلقيح بين البويضة والحويمن، هذه الكيسة الأريمية - كما يعبرون - تتعلق ببطانة الرحم، وتنغرس فيه، وهذا ما عبر عنه القرآن الكريم ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ يعني أنها تنغرس في بطانة الرحم وتتعلق به، لا تصبح مضطربة ولا مهتزة، بعد استقرارها في بطانة الرحم.

الطور الثاني: طور العلقة.

معنى العلقة عند اللغويون: هي قطعة الدم الجامد، الجنين يمر بهذه المرحلة، هذا أيضا ما يؤكده علم الأجنة الآن، في الأسبوع الثالث بعد التلقيح تتكون الأوعية الدموية المغلفة المقفلة والممتلئة بالدم، بحيث يتشكل هذا الجنين كأنه قطعة دم جامدة.

الطور الثالث: طور المضغة.

علماء اللغة يشرحون معنى المضغة بأنها قطعة اللحم التي مضغتها الأسنان، يعني عندما تأخذ قطعة لحم وتمضغها بأسنانك ثم تقذفها إلى الخارج تصبح القطعة عبارة عن منخفضات ومرتفعات، فيها نتوءات بارزة، وفيها مناطق منكمشة، وهذا أيضا ما يؤكده علم الأجنة، الجنين في الأسبوع الرابع يبدأ قلبه بالنبض، الجنين في داخله يحتوي على الرأس والصدر والبطن، منذ الأسبوع الرابع، وعلى براعم وبدايات الأعضاء الداخلية يشتمل عليها وهو في الأسبوع الرابع، لكن شكله الظاهري يشبه قطعة من اللحم فيها نتوءات بارزة وفيها مناطق منكمشة، كما عبر عنها القرآن الكريم بالمضغة ﴿مِن مّضْغَةٍ مّخَلّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلّقَةٍ معنى مخلقة وغير مخلقة، يعني أنها مشتملة على بعض الأجهزة وفاقدة لبعضها، بالنسبة للأجهزة الموجودة فيها، فهي الصدر والرأس والبطن، وبالنسبة للأجهزة الأخرى التي لم تمتد ولم تتفصل تعتبر غير مخلقة.

الطور الرابع: طور العظام.

﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً علم الأجنة يؤكد أنه في بداية الأسبوع السابع من التلقيح يبدأ الهيكل العظمي الغضروفي بالتشكل.

الطور الخامس: طور اللحم.

﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً هذه المرحلة هي مرحلة الخلق، في هذه المرحلة يبدأ خلق الجنين بالتكامل، من نهاية الأسبوع السابع وحتى نهاية الأسبوع الثامن تنتهي مرحلة الخلق، تكتمل الأعضاء الداخلية والخارجية، وهي المسماة في علم الأجنة بالمرحلة الجنينية.

الطور السادس: مرحلة التسوية.

وهي بعد الأسبوع الثامن، في هذه المرحلة يبدأ النمو، وتسمى بالمرحلة الحميلية، بعدما كان جنين أصبح الآن حمل، من نهاية الأسبوع الثامن وحتى نهاية الأسبوع الثاني عشر هي المرحلة التي عبر عنها القرآن بخلق آخر ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ وهي أيضا المرحلة التي عبر عنها القرآن الكريم بمرحلة التسوية ﴿فَإِذَا سَوَّيْته ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ خلق ثم تسوية، مرحلة الخلق نهاية الاسبوع الثامن، مرحلة التسوية بعد الاسبوع الثامن ﴿خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ في هذه المرحلة - مرحلة التسوية - من بعد الاسبوع الثامن إلى نهاية الاسبوع الثاني عشر تتضح صورة الإنسان، تتغير مقاييس الجسم، صورة الوجه تتضح ملامحها، تصبح بصورة الإنسان المعروفة، وهذا ما يؤكده القرآن الكريم ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ مرحلة التصوير هي مرحلة التسوية، مرحلة الخلق الآخر ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ.

الأمر الثاني: وقفة مع بعض الأحاديث.

بعض الأحاديث الواردة عن الرسول محمد وعن أهل البيت ظاهرها مخالف لبعض الحقائق العلمية، يعني أنه مخالف لعلم الأجنة، ورد في صحيح البخاري، عن الرسول وورد نفس الحديث عند الشيعة، عن الإمام الصادق : ”إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح“ هذه الرواية ظاهرها أن النطفة أربعين يوم، وبعدها يصبح علقة أربعين يوم، ثم يصبح مضغة أربعين يوم، وبعد مئة وعشرين يوم ينفخ فيه الروح، وهذا مخالف للحقائق العلمية، هو بانتهاء الاسبوع الثامن تنتهي مرحلة الخلق، وليس أنه بعد أربعين يوم يصبح مضغة، وبعد أربعين يوم يصبح علقة، هذا الحديث بظاهره مخالف للحقائق العلمية.

لذلك عندما نرجع للأحاديث الأخرى نجد خلاف هذا المعنى، هناك حديث وارد عن الإمام الصادق : ”إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ويكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله إليه ملكا ينفخ فيه الروح ويقال له أربع كلمات، فيكتب عمله وأجله ورزقه وشقي أو سعيد“ الحديث الثاني يقول في نفس الأربعين يوم الأولى هي التي يكون فيها نطفة، وهي التي يكون فيها علقة، وهي التي يكون فيها مضغة، وهي التي بانتهائها يرسل إليه الملك فيقال له: اكتب أربع كلمات: عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد.

إذن لا نستبعد أن الحديث الأول الذي ظاهره أن الجنين يكون نطفة أربعين يوم، وعلقة أربعين يوم، ومضغة، لعله غير صادر عن أهل البيت أو تصرف فيه الرواة، والحديث الصحيح ما ذكرناه عن الإمام الصادق .

الأمر الثالث: مسألة نفخ الروح.

﴿فَإِذَا سَوَّيْته وَنَفَخْت فِيهِ مِنْ رُوحِي متى تنفخ الروح؟ هذه مسألة شائكة، معقدة، يعني أنه ليس عليها أي برهان ولا أي دليل، الفقهاء يقولون: لا يجوز إسقاط الجنين بعد نفخ الروح بأي حال من الأحوال، حتى لو كان مشوها، حتى لو شخص الطبيب بأن الجنين مريض، مشوه، حتى لو رضي أبوه أو أمه، حتى لو وصلت أمه إلى حد الحرج، والتعب النفسي، الجنين بعد ولوج الروح إنسان، وإسقاطه قتل للنفس المحترمة فلا يجوز بأي حال من الأحوال، الجنين قبل ولوج الروح يجوز إسقاطه في حالة واحدة فقط، وهي حالة الحرج الشديد، لو كان بقاء الجنين في بطن أمه حرجا شديدا عليها بحث أنها لا تتحمل بقاءه، أما بعد ولوج الروح لا يجوز إسقاطه على أي حال من الأحوال.

لذلك نحتاج أن نعرف متى تنفخ الروح حتى نعرف متى يجوز إسقاطه ومتى لا يجوز ذلك، كثير من الفقهاء قال: تنفخ الروح بعد ثلاثة أشهر، واعتمد على بعض الروايات، والروايات هنا متعارضة ومختلفة، بعض الفقهاء يقول: تنفخ الروح بعد الأسبوع الثامن، الذي عبر القرآن عن هذه المرحلة بمرحلة الخلق الآخر ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ نلاحظ هنا زاويتين:

الزاوية الأولى: القرآن يذكر أن نفخ الروح بعد التسوية ﴿فَإِذَا سَوَّيْته وَنَفَخْت فِيهِ مِنْ رُوحِي ونفخ الروح في نفس مرحلة التسوية، ومرحلة التسوية بعد مرحلة الخلق، لأن القرآن يقول: ﴿خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ مرحلة التسوية بعد الأسبوع الثامن، إذن نفخ الروح بعد الأسبوع الثامن.

الزاوية الثانية: لو أراد طبيب أن يعرف نفخت الروح أم لا، فكيف هي الطريقة، ماهو الدليل، بعض العلماء يقول: بالنوم، إذا نام الجنين فمعناه أنه نفخت فيه الروح، لأن النوم من عوارض النفس، القرآن الكريم يقول: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا هذا يعني كما أن النفس تذوق الموت، فالنفس أيضا تذوق النوم، النوم حالة من حالات النفس، وهو موت مصغر، والموت نوم مكبر، كما ورد عن الرسول محمد : ”والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تنتبهون“ الموت نوم بصورة أوسع، والنوم موت بصورة أصغر، فالنوم والموت من عوارض النفس، إذا شخصنا أن الجنين بدأ ينام، إذن بدأت مرحلة الروح في الجنين ويمكن تشخيص ذلك بعد الأسبوع الثامن، نحن ليس لدينا دليل على وقت نفخ الروح ومتى يبدأ ومتى يتحدد، هذا ليس عليه برهان، لأن المقصود بنفخ الروح هو الروح الإنسانية، والروح الإنسانية هي الروح المساوقة للعقل والقدرة الإبداعية، وهذا أمر لا يمكن تحديده ولا تشخيصه.

النقطة الثانية: المرحلة الشبابية.

الآية المباركة تقول: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ مرحلة الشباب هي عبارة عن مرحلة بلوغ الأشد، كما ورد عن أهل البيت قالوا: ”أشده يعني احتلامه“ يعني إذا وصل إلى سن الاحتلام فقد بلغ مرحلة الأشد. لدينا ثلاثة أسئلة نجيب عليها:

السؤال الأول: ما هو تعريف مرحلة الشباب؟

الدكتور محمود قظام في مجلة عالم المعرفة يقول: هناك اتجاهان في تعريف مرحلة الشباب، الاتجاه البيولوجي والاتجاه السيكولوجي. الاتجاه البيولوجي يقول: مرحلة الشباب مرحلة زمنية تبدأ من الثالثة عشر من العمر إلى خمس وثلاثين أو أربعين سنة مثلا.

بينما الاتجاه السيكولوجي يقول: الشباب ليست مرحلة زمنية، الشباب يعني القدرة على الإنتاج والإبداع، متى ما امتلك الإنسان القدرة على الإنتاج والإبداع فهو شاب، ومتى ما فقد القدرة على الإنتاج والإبداع فهو خرج من مرحلة الشباب ودخل إلى مرحلة الكهولة والشيخوخة، فمرحلة الشباب ليست مربوطة بزمن معين، بل هي عبارة عن مرحلة القدرة على الإنتاج والإبداع.

السؤال الثاني: ما هي مميزات مرحلة الشباب؟

المميز الأول: كما ذكرنا أن الشاب هو القادر على الإنتاج والإبداع.

المميز الثاني: سرعة القرار، الشاب يسرع في القرار غالبا، لا يكون لديه حالة من التروي والتأمل في اتخاذ القرار، لأن الشاب يعيش مرحلة الحماس العاطفي، ومرحلة الحرارة الشعورية. ورد عن الإمام علي أنه قال: ”رأي الشيخ أحب إلي من جلد الغلام“ الشاب ينفع في القتال، لكن رأي الشيخ ينفع في التخطيط للحرب وللمعركة، ولذلك عندما نريد أن نؤسس مشروعا خيريا أو تجاريا ناجحا فلابد أن نعتمد على عاملين: عامل الشباب، وعامل الشيوخ، نحتاج إلى الشباب من أجل إنجاز المشروع ومن أجل استثماره، لأن الشباب هو القادر على الإنتاج، ونحتاج إلى الشيوخ من أجل أن نستفيد من تجاربهم وخبراتهم الطويلة.

المميز الثالث: أن الشاب هو القابل للتغير بخلاف الشيخ، عندما نلاحظ تاريخ الثورات، تاريخ الأنبياء، من الذي يبادر إلى الاستجابة إلى الثورات والتغييرات؟ هم الشباب فالشباب هم المنطلق الأول نحو التغيير، متى ما مر تيار على المجتمع، سواء كان تيار ديني أو علماني، أي تيار تغييري يخترق المجتمع، فإن أول من يستجيب له هم الشباب، لأن كبير السن لا يستجيب بسرعة لأنه يرى استجابته تنازل عن تاريخ، كبير السن عاش مع تاريخ معين، مع مفاهيم معينة، مع روتين معين، فإذا استجاب للتغيير فقد تنازل عن تاريخه وخطه وروتينه، والتنازل عن التاريخ صعب، لذلك يكون قبول الشيخ للتغيير أصعب من قبول الشاب له، الشاب لا يرى في قبول التغيير أي تنازل عن تجربة، وعن تاريخ، وهذا ما أكد عليه القرآن الكريم في قضية النبي نوح مع قومه: ﴿مَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ الرسول محمد يؤكد هذه الحقيقة كما ورد عنه: ”إن الله بعثني بالحق بشيرا ونذيرا فحالفني الشباب وخالفني الشيوخ“.

السؤال الثالث: ما هي المشاكل المعاصرة التي يعاني منها الشاب؟

المشكلة الأولى: مشكلة الاستقلال.

بمجرد أن يصل عمره إلى سن أربعة عشر سنة يبدأ يشعر بالاستقلال، بأنه أصبح رجلا وليس طفلا، يستقل بقراراته، بآرائه، باختياراته، لا أحد يفرض عليه قراراته وآراءه، يبدأ الشاب هو الذي يقرر حياته، يختار سيارته، جامعته، تخصصه، بل يتعدى الشاب أحيانا ويقرر لوحده من هي شريكة حياته من دون أن يتدخل الأهل في ذلك ولو بمقدار أنملة، شعوره بالاستقلال هو الذي يملي عليه أن يستقل في تصرفاته وفي قراراته. كيف تتعامل الأسرة مع هذا الشاب؟

لا تتعاملوا مع الشاب معاملة العنف وفرض القرار، ومعاملة الحكومة، بل تعاملوا معه معاملة الصداقة، النصح، أنت أيها الأب إذا أردت أن تكون أبا ناجحا فكن صديقا لولدك، تعامل معه معاملة الصديق، لا معاملة الأب، الرسول محمد يقرر ذلك: ”لاعب ابنك سبعا، وأدبه سبعا، وصاحبه سبعا“ حاول أن تكون صديقا لولدك الشاب، اجلس معه، لاطفه، تحدث معه، استشره في بعض الآراء حتى تعطيه الثقة بنفسه، اعتبره رجلا، اعتمد عليه في بعض المسؤوليات، حتى يشعر بأنك تثق به، ويشعر بأنك قريب منه، حاول أن تعامله معاملة الصديق، إذا شعر بأنك صديقه انفتح عليك، صار يلقي إليك بأسراره، بمشاكله، بقضاياه المصيرية، أما إذا رآك عنيفا معه، تفرض عليه قراراتك فرض الأب فلن يكون صديقا لك، ولن يقبل عليك، ولن يذكر لك مشاكله، وما يعانيه، وقضاياه الشخصية أبدا، إذا أردت أن تكسبه فكن صديقا له.

المشكلة الثانية: مشكلة الأعراف والعادات.

الأعراف تتغير نتيجة لتغير الحضارات، لتغير الزمن، مثلا قبل ثلاثين سنة لم يكن مألوفا أن يرتدي الشاب سترة وبنطال، كان لابد أن يرتدي الثوب، الآن صار هذا الأمر مألوفا، تغيرت العادات والتقاليد، مثلا كان الزواج بطريقة معينة، والآن أصبح الزواج بطريقة أخرى، تغيرت العادات والتقاليد، فلا يصح لنا أبدا أن نفرض تقاليدنا على أولادنا وأبنائنا، كما ورد عن الإمام علي : ”لا تقسروا أولادكم على آدابكم فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم“ ليس المراد هنا بالآداب هي الأخلاق، بل المراد بها العادات، نعم لو كانت العادات عادات منحرفة أو غير شرعية وجب أن نقف أمامها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ.

المشكلة الثالثة: مشكلة الجنس.

الشاب في سن الرابعة عشر في سن اليقظة الجنسية، في سن تولد الحرارة الجنسية، فكيف تتعامل الأسرة مع الشاب في هذه المرحلة؟ يجب ألا يترك الشاب في هذه المرحلة من دون توجيه، فهو لديه الإنترنت والتلفاز يعلمه كيف يشبع غريزته ونهمه الجنسي، وكيف يكون العلاقات الغير مشروعة، فالأب مسؤول عن أي انحراف يصدر عن ولده الشاب، القرآن الكريم يقول: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ إذن يجب على الأب أن يتحدث مع ابنه الشاب منذ أن يبلغ 12 سنة حديثا صريحا، مفيدا، مثمرا، فإذا لم يتحدث الأب مع ابنه فسوف يتحدث معه أصدقاؤه، الإعلام، شاشة التلفاز.

فعلى الأب أن يخبر ابنه الشاب عن أعضائه التناسلية، أن هناك مادة تصدر من الشاب، أن هناك حالة يعيشها الشاب وهي حالة طلب إشباع الشهوة الجنسية، وأن هذه الحالات هي حالات طبيعية عند الإنسان، إذا أصيب بخروج هذه المادة فعليه أن يغتسل، هناك غسل إرتماسي وغسل ترتيبي، يعلمه كيفية الغسل، ينبهه أن هناك طريق مشروع لإشباع الشهوة وهو الزواج فقط، وهناك طريق غير مشروع، العادة السرية مثلا، العلاقات الغير مشروعة مع الجنسين، أن يقف معه حرفا حرفا وأن يضع النقاط على الحروف، كي يكون الأمر واضحا أمامه، فالأب مسؤول عن ذلك، عليه أن ينبهه عن خطر العلاقات الجنسية، عن خطر العادة السرية، عن الأمراض الفاتكة التي تفتك بالعالم بأسره نتيجة الإغراق في إشباع غريزة الجنس.

المشكلة الرابعة: مشكلة الفراغ.

الشاب لديه فراغ، فكيف يقتل ويملأ هذا الفراغ، مشكلة الفراغ مشكلة خطيرة، الإمام أمير المؤمنين يقول: ”إذا كان الشغل مجهدة فاتصال الفراغ مفسدة“.

علمت يا مجاشع بن مسعدة
أن  الشباب  والفراغ  iiوالجِدة
مفسدة   للمرء  أي  iiمفسدة

ورد عن أمير المؤمنين أنه قال: ”ما من ساعة يفرغ فيها العبد إلا كانت فرغته حسرة عليه يوم القيامة“ إذا لم يستثمر فراغه فيما يرضي الله، كانت ساعة الفراغ حسرة عليه يوم القيامة، عن الإمام الكاظم : ”إن الله ليبغض العبد النوام، ويبغض العبد الفارغ“. كيف نعالج مشكلة الفراغ عند الشاب، سواء كان ولدا أم بنتا؟ هناك علاجان لهذه المشكلة:

العلاج الأول: تقسيم الوقت إلى وقت عمل ووقت ترويح عن النفس.

الإنسان يحتاج إلى وقت الترويح، ورد عن الرسول محمد : ”روحوا القلب ساعة بعد ساعة، فإن القلب يفتر“ وورد عن الإمام الكاظم : ”للقلوب إقبال وإدبار، فإذا أقبلت فاحملوها على الفرائض والنوافل، وإذا أدبرت اقتصروا على الفرائض“.

الإنسان يحتاج إلى وقت الترويح ولكن كيف يقضي وقت راحته؟ الرسول يحثنا على الأعمال الرياضية في أوقات الفراغ، العمل الرياضي وقت الفراغ يساعد على البعد عن المعصية ”علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل“ اشغلوا أوقات فراغهم بالأعمال الرياضية كي لا يفكروا في المعصية، ولا تتوجه أذهانهم إلى المعصية، لكن مع الأسف كثير من شبابنا يقضي وقت الترويح في معصية الله، خصوصا في سماع الغناء، مع الأسف شباب متشيع، يأتي المساجد والمآتم ومع ذلك لا يتورع عن سماع الأغنية، بل بالعكس يهدي إلى صديقه الأغنية، بدل أن ترسل النصائح الأخوية والحكم المتبادلة، يرسل إلى الصديق الأغنية المحببة، المطربة، هذا ليس محرما واحدا بل محرمان، سماع الأغنية والترويج لها، والترويج للمعصية معصية أخرى.

الغناء من أعظم الكبائر والمحرمات، وخطره كبير جدا، فمن أخطر آثاره أنه يولد النفاق، وقد تحدثت الأحاديث الشريفة عن ذلك، ورد في الحديث الشريف عن الرسول محمد : ”الغناء ينبت في القلب النفاق“ ليس المراد في الحديث النفاق الإيماني، بمعني أن تظهر الإيمان وتبطن الكفر كما كان في زمان رسول الله بل المقصود بالنفاق استهوان المعصية، الرسول يقول: ”المؤمن إذا أذنب كان ذنبه كجبل أبي قبيس على صدره“.

المؤمن غير معصوم، قد يصدر منه الذنب أحيانا، لغلبة الشهوة، أو الغريزة، أو الشيطان، لكن إذا صدر منه الذنب ترى هذا المؤمن يغلي، يعيش حالة من الضيق، من الندم، من الحسرة، يبكي، يتضرع، لأن الإيمان غمر قلبه، أما المنافق ”أما المنافق إذا أذنب كان ذنبه كذبابة مرت على وجهه فأبعدها“ فالمقصود بالنفاق هنا أن تستصغر المعاصي، المنافق من يستصغر المعصية، من يستهين بالذنوب، هو من تحدثت عنه الأحاديث الشريفة ”أشد الذنوب ما استهان به صاحبه“ سماع الغناء يجر إلى النفاق، والنفاق يعني أن تستهين بالمعاصي والذنوب، والشخص الذي يستهين بالمعاصي تتراكم عليه الذنوب ذنبا بعد ذنب، الإمام الصادق يقول: ”إن العبد إذا أذنب خرج في قلبه نكتة سوداء، فإذا تاب انمحت، وإذا عاد عادت، حتى تغلب على قلبه فلا يفلح بعدها أبدا“ يصبح قلبه قطعة سوداء، مظلمة، لا يبالي بالذنوب والمعاصي، لا يقبل على الدعاء، ولا يقبل على العبادة والنافلة، هو شخص بعيد.

فيجب الانتباه لخطر الغناء، لأنه يضرب في القلب، في الوجدان، في الروح، خطر الغناء يجعلك شخصا مستهترا بالذنوب، ولا مبالي بالمعاصي، يجعلك شخصا لا يتذوق الدعاء، والعبادة، والنافلة، لأن قلبه مفعم بترانيم الموسيقى وأصوات المغنين.

العلاج الثاني: استثمار الفراغ في الأجواء الروحية.

مجتمعاتنا الآن تعج بالأجواء المادية، عمل، أموال، سوق، إغراءات، إثارات، طوال الوقت نحن نعيش في أجواء مادية، وهذه الأجواء المادية لا علاج لها إلا الأجواء الروحية، فيجب أن نعمر المساجد بهذه الأجواء الروحية، أن تكون مساجدنا ومآتمنا وجلساتنا مركزة على الأجواء الروحية، نركز على الأدعية وشرح ألفاظها وتفسير مضامينها، وأصبح كل منا يوصي الآخر، هكذا نستطيع أن نصرع الأجواء المادية.

التعامل المدرسي مع يوم عاشوراء
اليوم الموعود