نص الشريط
ثبات الدين وفطريته
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مسجد الرسول الأعظم - مطرح
التاريخ: 13/2/1425 هـ
مرات العرض: 2105
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (981)
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا

صدق الله العلي العظيم

انطلاقًا من الآية المباركة، نتحدث حول ثبات الدين وفطريته، من خلال محورين:

  • ما هو المقياس في ثبات الشيء؟
  • ما هو الدليل على فطرية الدين؟
المحور الأول: ما هو المقياس في ثبات الشيء؟

السؤال المطروح: هل الدين من الأشياء الثابتة أم من الأشياء المتغيرة؟ الأشياء تنقسم إلى قسمين: قسم ثابت لا يتغير، وقسم متغير، فهل الدين من الأشياء الثابتة أم من الأشياء المتغيرة؟ وبعبارة أخرى: هل نتصور أن يأتي زمن ليس فيه دين، بحيث يمر على البشرية زمان ينطفي فيه الدين، ولا يبقى هناك دينٌ للبشرية، أم أن الدين ثابتٌ وباقٍ ببقاء البشرية، فما دامت البشرية على الأرض فالدين معها؟ هل الدين أمر ثابت وباقٍ، أم أنه شيءٌ يقبل الزوال والفناء، كغيره من الأشياء التي تقبل الفناء والزوال؟ هل سيمر على المجتمع البشري برهة زمنية لا يكون معه دين أم لا؟

لا بد أولًا من تحديد المقياس: ما هو المقياس في الثبات والفناء؟ متى يكون الشيء ثابتًا لا يقبل الفناء، ومتى يكون الشيء قابلًا للانقراض، قابلًا للزوال، قابلًا للانتهاء؟ ما هو الميزان؟ كيف نميز بين الأشياء التي لا تقبل الفناء، والأشياء التي تقبل الفناء؟ الميزان هو الفطرية وعدم الفطرية، كل حاجة فطرية عند الإنسان فهي غير قابلة للفناء، ما دام الإنسان إنسانًا هذه الحاجة باقية، غير قابلة للفناء أبدًا، ما دام الإنسان موجودًا فهذه الحاجة موجودة، وكل وسيلة أصبحت الوسيلة الوحيدة لإشباع الحاجة الفطرية فهي باقية ببقاء الإنسان، فإذن عندنا موردان للأشياء الثابتة:

المورد الأول: الحاجة الفطرية.

الحاجات الإنسانية على قسمين: حاجات فطرية ذاتية للإنسان، مثلًا: حاجة الإنسان إلى الغذاء، هذه حاجة فطرية عند الإنسان، حاجة الإنسان إلى الأمن حاجة فطرية عند الإنسان، حاجة الإنسان إلى الانتماء حاجة فطرية عند الإنسان، ما دام الإنسان موجودًا فهو محتاج إلى الأمن والغذاء والانتماء، فهذه حاجات فطرية عند الإنسان، لا تزول ولا تنقرض أبدًا، مستحيل أن يأتينا إنسان ويقول: أنا إنسان لا أحتاج إلى أمن، ولا إلى غذاء، ولا إلى انتماء، هذا أمر مستحيل؛ لأن هذه الحاجات فطرية.

بينما يوجد قسم من الحاجات حاجات مرحلية، يعني: حاجات غير فطرية، مثلًا: حاجة الإنسان إلى التدخين، بعضهم يقول لك: والله أنا محتاج إلى التدخين، إذا لم أدخن لا أتصور نفسي، أصبح إنسانًا آخر، أفقد حياتي! حاجة الإنسان إلى التدخين ليست حاجة فطرية، بل هي حاجة مرحلية، حاجة نبعت من العادة، حاجة نبعت من العرف، حاجة نبعت من الوسط الاجتماعي الذي يعيشه الإنسان. كذلك حاجة الإنسان إلى شرب الشاي مثلًا، البعض يقول: أنا إذا لم أشرب شايًا أول الصباح فإنني لا أستطيع أن أذهب إلى الدوام وأعمل! هذه كلها أوهام، هذه حاجات مرحلية، وليست حاجات ذاتية، حاجات نبعت من البيئة، حاجات نبعت من الاعتياد، تزول وتنقرض إذا أراد الإنسان زوالها، إذا أراد الإنسان أن يقطع التدخين تنتهي هذه الحاجة، إذا أراد الإنسان أن يقطع اعتياده على شرب الشاي تنتهي هذه الحاجة. إذن، فرق بين حاجة الإنسان إلى الأمن، هذه حاجة ثابتة لا تنقرض، وحاجة الإنسان إلى شرب الشاي، هذه حاجة مرحلية قابلة للانقراض وللزوال.

المورد الثاني: الوسيلة.

الوسيلة أيضًا على قسمين: أحيانًا تكون هي الوسيلة الوحيدة، فتكون ثابتة، وأحيانًا تكون ليست الوسيلة الوحيدة، فلا تكون ثابتة. مثلًا: القرآن الكريم يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، أي أن الإنسان يحتاج إلى التنقل، حاجة الإنسان للعيش تقتضي حاجته للتنقل، الإنسان محتاج إلى الانتقال من مكان إلى آخر، فحاجة الإنسان إلى الانتقال حاجة فطرية، لكن ما هي الوسيلة لإشباع هذه الحاجة؟ هل هي الحمار، أم الحصان، أم الجمل؟ هذه الوسائل وسائل قابلة للزوال، لأنها ليست الوسيلة الوحيدة، ليست الوسيلة الوحيدة لنقل الإنسان هي الأنعام، هي الحيوانات، بما أنها ليست الوسيلة الوحيدة، فهي قابلة للتغير، جاءت السيارة مكانها، أو الطائرة مثلًا، وبعد فترة قد يُخْتَرَع جهازٌ آخر يغنينا عن ذلك، الآن نحن نعيش على السيارة النفطية، بعد فترة سوف تعيش على السيارة التي تعمل بالطاقة الشمسية، من دون حاجة إلى نفط ولا إلى غاز ولا إلى شيء آخر. إذن، هذه الوسائل تنقرض وتزول وتتغير، لأنها ليست الوسيلة الوحيدة لإشباع حاجة الإنسان.

بينما الطعام هو الوسيلة الأخيرة لرفع الجوع، لا توجد وسيلة أخرى لرفع حاجتك إلى الغذاء غير الطعام، بما أن الطعام هو الوسيلة الوحيدة لإشباع حاجتك، هذه الوسيلة تبقى ثابتة، ولا يُتَصَوَّر انقراضها ولا تغيرها أبدًا. إذن عرفنا الفرق بين الأشياء الثابتة والأشياء المنقرضة، وبالتالي ننطلق إلى المحور الثاني، حتى نصنّف الدين، ونعرف هل هو من الأشياء الثابتة أم من الأشياء المنقرضة.

المحور الثاني: ما هو الدليل على فطرية الدين؟

هناك نظريات مختلفة حول منابع الدين، من أين أتى الدين؟ ومن أين نشأ الدين؟ هناك نظريات مختلفة حول منشأ الدين ومنبعه.

النظرية الأولى: نظرية الخوف.

هناك مجموعةٌ من الفلاسفة يقولون بأنَّ الإنسان خُلِق خائفًا، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، بما أن الإنسان خُلِق ومعه غريزة الخوف، يخاف من الكوارث، يخاف من الموت، يخاف من الأمراض، يخاف من الطبيعة، بما أنه وُلِد وهو يخاف، اضطر هذا الإنسان أن يخترع له ما يزيل خوفه، وهو الدين، فالدين نبع من غريزة الخوف، غريزة الخوف عند الإنسان فرضت عليه أن يعتقد بأن هناك قوة وراء الطبيعة تزيل عنه المخاوف، وتزيل عنه الأسواء، وتزيل عنه الكوارث، آمن الإنسان بأن هناك قوة تضمن له البقاء والسلامة، نتيجة غريزة الخوف، فمنشأ الدين هو غريزة الخوف.

النظرية الثانية: نظرية الطموح.

هذا الإنسان كلما التفت يمينًا أو شمالًا يرى الظلم مستبدًا بالبشرية، يرى الظلم منتشرًا في المجتمعات البشرية، كما ذكر المتنبي:

الظلم    من   شيم   iiالنفوس   فإن تجد ذا عفة فلعلةٍ لا يظلمُ

أي أن الأصل في الإنسان أنه يظلم، الأصل الطبيعي في الإنسان أنه الظالم، من الطبيعي في الإنسان أن يجور على غيره، أن يأخذ حقوق غيره، لأنه يريد أن يعيش على طاقات الآخرين، وعلى قوى الآخرين، فالظلم في الإنسان شيء طبيعي، عدم الظلم هو حالة استثنائية، وإلا الظلم هو الحالة الطبيعية.

الإنسان أينما التفت وجد الظلم منتشرًا، لذلك هذا الإنسان آمن بالدين، لأنه يطمح أن يأتي يوم يزول فيه الظلم، وتنتشر العدالة، وتستتب الحقوق البشرية الفردية والاجتماعية، إذن الطموح هو الذي قاد الإنسان إلى أن يعتقد بالدين، وإلا لا يوجد شيء آخر، طموح الإنسان أن يرى العدالة منتشرةً في الأرض دفعه إلى أن يعتقد بأن هناك يومًا فيه دين، وهذا الدين ينشر العدالة والمساواة بين أبناء المجتمع البشري.

النظرية الثالثة: نظرية الطبقية.

هناك طبقات سياسية في المجتمع، كل مجتمع بشري هناك جماعات تخدِّر الناس باسم الدين، الإنسان المظلوم يطمح أن ينتصر لنفسه، يطمح أن يطالب بحقوقه، فيقال له: التسامح جيد، والعفو عما مضى حسن، ولك أجر وثواب! وبالتالي يُخدَّر، فالدين مخدِّر لهؤلاء المظلومين، كل مظلوم يريد أن ينفِّس عن مظلوميته ويسترد حقوقه يقال له: الدين يأمرك بالصبر، ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ، ويأمرك بالتسامح، وقال تعالى: ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، الدين يوصيك بالغض عما مضى، إذن الدين اخترعته الطبقة المسيطرة على المجتمعات من أجل تخديرها، ومن أجل إسكاتها، وهذا ما يسمّى بأن الدين أفيون الشعوب.

النظرية الرابعة: نظرية الفطرة.

نحن نقول: الدين منشؤه الفطرة، الدين أودع في فطرة الإنسان، ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، ليس منشؤه الخوف، وليس منشؤه الطموح، وليس منشؤه الطبقية، بل منشؤه هو الفطرة، الدين يعيش في فطرة الإنسان، وفي جبلة الإنسان، ما هو الدليل على ذلك؟ كيف نثبت أن الدين فعلًا حاجة فطرية عند الإنسان؟ إذا أثبتنا أن الدين حاجة فطرية عند الإنسان، أثبتنا أن الدين ثابت لا يزول ولا ينقرض، لأن الحاجات الفطرية لا تزول ولا تنقرض، فكيف نثبت أن الدين حاجة فطرية في نفس الإنسان؟

نرجع الآن إلى نظرية افرويد، افرويد يؤمن بالعقل الباطن، ما هو العقل الباطن؟ منطقة اللاشعور، ما معنى منطقة اللاشعور؟ ما معنى العقل الباطن؟ افرويد يصوِّر نظرية العقل الباطن بما يرتد من الشعور إلى اللاشعور، فمثلًا: يوجد إنسان عنده ميول للغناء، يحب أن يصبح مغنيًا، هذا لا يستطيع أن يمارس ميوله، لأنه إنسان متدين، والدين يمنعه من ممارسة الغناء، أو العرف لا يسمح له بأن يصبح إنسانًا مغنيًا، ميوله نحو الغناء أين تذهب؟ تتراجع وتنكبت وتختزن في النفس، إذا اختزنت في النفس أصبحت ميولًا مكبوتةً، أصبحت ميولًا مخنوقةً، هذه الميول المكبوتة والمخنوقة لا تزول، لا تذهب من الإنسان، بل تبقى مكبوتة، وهذا هو العقل الباطن، فالعقل الباطن هو منطقة الميول المكبوتة، هو منطقة الميول المخنوقة.

ولذلك هذا الإنسان الذي عنده ميول نحو الغناء مثلًا، عندما يكون جالسًا لوحده، قد يتصرف بتصرفات عجيبة بإصبعه وبرجليه، لماذا؟ هذه ميوله المكبوتة نحو الغناء تبعثه أحيانًا من دون أن يشعر ومن أن يختار إلى أن يتناغم مع ميوله، إلى أن يصغي إلى ميوله، كما ورد عن الإمام أمير المؤمنين : ”ما أضمر امرؤ في قلبه شيئًا إلا وظهر على قسمات وجهه أو فلتات لسانه“، بالنتيجة ميوله تبرز يومًا من الأيام.

يونك هو تلميذ افرويد، نفس المدرسة، المدرسة التحليلية في علم النفس، هذا ينتقد أستاذه افرويد، يقول: منطقة العقل الباطن لا تنحصر بالميول المكبوتة، صحيح أن قسمًا منها هو عبارة عن الميول المكبوتة كما يقول افرويد، لكن قسمًا آخر منها نزعات أصيلة وُلِدَت مع ولادة الإنسان، لا يحتاج إلى ميول مكبوتة، قسم من العقل الباطن، قسم من منطقة اللاشعور، هي نزعات إنسانية أصيلة، لا نستطيع تجاوزها، كحب الجمال، هذا ليس من الميول المكبوتة، بل هو نزعة أصيلة عند الإنسان. الإنسان عنده مثلًا حب المعرفة، هذا الإنسان يحب أن يكتشف المعلومات، عنده فضول لاكتشاف المعلومات، حب الاستطلاع، هذا الحب نزعة أصيلة عند الإنسان. مثلًا: عند الإنسان حب الوجود، أنت لماذا تحب أولادك؟ الإنسان إذا وُلِد له أولاد يحبهم؛ لأن أولاده امتدادٌ له، فهو يحب أن يمتد وجوده، يقول: وجودي محدود، 50 أو 70 سنة وأنا ماضٍ، فأنا أريد أن يبقى وجودي على الأرض يتحرك، وأولادي امتداد لوجودي، وأحفادي لامتداد لوجودي، فوجودي يبقى ما دام نسلي باقيًا، فحب الإنسان لامتداد الوجود هو الذي يجعله يحب أولاده وأحفاده وأجياله المتناسلة منه.

إذن، هناك نزعات أصيلة عند الإنسان، حب الجمال، حب الاستطلاع، حب امتداد الوجود، هذه النزعات الأصيلة هي التي تشكّل العقل الباطن، هي التي تشكّل منطقة اللاشعور، هي التي نسمّيها بالفطريات، هذه النزعات الأصيلة، لا الميول المكبوتة التي يتحدث عنها افرويد، وإنما الميول المكبوتة قسم من العقل الباطن، وإلا فالعقل الباطن أوسع من ذلك، العقل الباطن يضم هذه النزعات الأصيلة الفطرية عند الإنسان.

نأتي الآن ونطرح السؤال: أين هو الدين؟ هل الدين نزعة أصيلة كامنة في العقل الباطن، أم لا؟ هنا السؤال الأساسي: هل الدين نزعة أصيلة عند الإنسان أم لا؟ نعم، الدين نزعة أصيلة، وعندنا طرق ثلاثة من خلالها نصل ونكتشف أن الدين نزعة أصيلة في العقل الباطن.

الطريق الأول: لغة القلب.

نص على هذا الطريق الفيلسوف وليما جيمس، حيث قال: اللغات ثلاث: لغة الذاكرة، ولغة العقل، ولغة القلب. مثلًا: قبل ما تلقي محاضرة [...] لا بد من أجعل في ذهني ما سوف أقوله، لا أن أصعد المنبر وأخربط من هاهنا وهاهنا، أنا بمجرد أن أتصور [...] تبدأ لغة [...] يعني الذاكرة [...] اللغوية، هذا اللفظ ليس جيدًا، هذا اللفظ جيد، هذا اللفظ يثير مشكلة، هذا اللفظ لا حساسية فيه، هذا اللفظ يعجب جماعتنا، هذا اللفظ لا يعجبهم... إلخ، تبدأ الذاكرة بالعمل، هذه لغة اللفظ هي لغة الذاكرة، الذاكرة تستحضر هذه الألفاظ [...]، هذه اللغة الأولى: لغة الذاكرة.

اللغة الثانية: لغة العقل، لغة العقل لا ألفاظ فيها، بل فيها معلومات يتسخدمها العقل حتى يتوصل إلى المجهولات، وكما يعبّر الفلاسفة: حركة الفكر من المعلومات إلى المجهولات، أنت عندك مسألة رياضية، كيف تحلها؟ تتذكر المبادئ الرياضية العامة، وتنطلق منها إلى الوصول إلى المجهول، حركة الفكر نسميها لغة العقل.

هناك لغة ثالثة هي لغة القلب، وهي الشهود الوجداني، علماء العرفان يقولون: الإنسان قد يصل إلى الشهود الوجداني، فما معنى الشهود الوجداني الذي هو لغة القلب؟ مثلًا: يأتيك شخص لأول مرة، تلتقي به لأول مرة، يسلّم عليك، أنت تنقبض نفسيًا منه، ترى نفسك منقبضة، تقول: سبحان الله! هذا الرجل لا مشكلة بيني وبينه، بل هذه المرة الأولى التي ألتقي به فيها، وللتو أتعرف عليه، فلماذا تنقبض نفسي منه؟! النفس تنقبض من هذا الإنسان، وقد يتصور الإنسان أن هذا الشخص ليس إنسانًا سليمًا، ليس إنسانًا وديعًا، ليس إنسانًا طيبًا، بل هو إنسان يحمل خطرًا وطاقةً من الشر، هذا الإنسان ليس إنسانًا سليمًا وبريئًا.

هذا ما يسمى لغة القلب، حيث يبدأ القلب بمحاولة اكتشاف الواقع من خلال الاحتمالات، ومن خلال الحدس، يحدس حدسًا بعد حدس، أحدس أنه إنسان خبيث، أحدس أنه إنسان شرير، تبدأ لغة القلب بالعمل، إلى أن تصل إلى الشهود الوجداني، وهكذا يكتشف القلب فعلًا الواقع، لا من طريق العقل، ولا من طريق لغة الذاكرة، القلب بنفسه نتيجة الحدس يكتشف الواقع، ويصل إلى الواقع، ويقول: هذا الإنسان مئة بالمئة ليس حسنًا، وسوف يُكْتَشَف ذلك في المستقبل، وبالفعل بعد فترة يكتشف أن هذا الإنسان فعلًا عدو له، وليس جيدًا معه. وبالعكس، أحيانًا يأتيك شخص ويسلّم عليك فترتاح، ليس من الضروري أن شكله جميل، بل قد لا يكون جميلًا، لكنك بمجرد أن تسلم عليه ترتاح لطريقة كلامه، ترتاح لطريقة سلامه، تشعر بأنه إنسان طاهر، تشعر بأنه إنسان طيب، تشعر بأنه إنسان بريء، ويبدأ قلبك بتحديثك وكأنك تعرف هذا الإنسان منذ زمن بعيد، هنا لغة القلب تعمل لتكتشف الواقع عبر الحدس، إلى أن يصل الإنسان مئة بالمئة إلى أن هذا إنسان مناسب لي، صديق لي، صاحب لي، وبعد فترة فعلًا يكتشفه كما كان.

لغة الحدس هي لغة القلب، هي لغة الشهود الوجداني، الذي يركّز عليه علماء العرفان في عرفانهم وفي عباداتهم. لغة القلب تكتشف الله «عز وجل»، أنت لن تكتشف الله بالعقل فقط، ولن تكتشفه بالذاكرة، بل تكتشفه بالقلب، فقد ورد عن أمير المؤمنين ، قيل: يا أبا الحسن، هل رأيت ربك؟ قال: وكيف أعبد ربًا لم أره؟! قالوا: كيف رأيت الله؟ قال: ”ما رأته الأبصار بمشاهدة العيان، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان“، أنا اكتشفته بقلبي، هو مودع في قلبي، أنا اكتشفته من نفسي.

الإنسان يشعر بالتغير طبيعيًا، يصيبه أحيانًا خمول ثم يأتيه النشاط، من أين أتى النشاط؟! يصيبه أحيانًا مرض، ثم يأتي الشفاء، من أين أتى الشفاء؟! يصيبه أحيانًا جهل، ثم يكتشف المعلومات، من أين اكتشفها؟! الإنسان شعوره بأنه يحصل على نشاط، يحصل على علم، يحصل على رزق، يحصل على قدرة، شعوره بأنه يكتسب علمًا وقدرة يقوده إلى أن يكتشف بقلبه أن هناك قوةً لا حدود لها تمده بالعلم، بالقدرة، بالحياة، بالعطاء، يمرض فتمده بالشفاء، يجهل فتمده بالمعلومات، يكسل فتمده بالنشاط، يضيق خلقه فتمده بالانشراح، يشعر الإنسان وهو يتغير من حال إلى حال أن هناك قوةً لا حدود لها هي التي تنقل من حال إلى حال، تمده بالنشاط والحيوية والقدرة والعلم، هذا الإيمان جاء عن طريق لغة القلب، جاء عن طريق اكتشاف القلب، وهذا هو الطريق الأول لإثبات أن الدين نزعةٌ أصيلةٌ، نزعةٌ فطريةٌ في العقل الباطن لدى الإنسان، وليس نزعةً مرحليةً مؤقتةً.

الطريق الثاني: نزعة الضمير.

هذا ما يعبّر عنه ألكسيس كارل في كتابه «الإنسان ذلك المجهول»، حيث عبّر بنزعة الضمير، فما معنى نزعة الضمير؟ أي إنسان، حتى الإنسان البوذي الذي لا يؤمن بإله، حتى الإنسان الملحد الذي لا يؤمن بدين، إذا قام هذا الإنسان بتعذيب حيوان، عذّب طائرًا أو فرسًا أو أي حيوان آخر، إذا قام بتعذيب الحيوان وقتله بلا مبرر، بلا غرض، ألا يشعر بتأنيب داخلي؟! يشعر بتأنيب داخلي، مهما كان، حتى إذا كان إنسانًا ملحدًا، يشعر بأن هناك لسعةً في الداخل، يشعر بأن هناك توبيخًا وألمًا شديدًا في داخله، هذا الألم من أين أتى؟ أتى هكذا من الهواء؟! الألم الداخلي، أنا عندما أعذّب إنسانًا أو حيوانًا، فأشعر بألم يفترسني في الداخل، ألم يسيطر عليَّ في الداخل، وتوبيخ وتأنيب، من أين أتى هذا الألم؟ لا بد له من مصدر، لا بد له من نزعة تبعث عليه، تلك النزعة هي المعبّر عنها بالضمير، وهي المعبّر عنها بالنفس اللوامة، ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ.

أنت تملك محكمتين: لك محكمة خارجية، وهي يوم القيامة، تحاكَم فيها، ولك محكمة داخلية، وهي محكمة الضمير الذي يؤنّبك ويوبّخك، المحكمة الداخلية هي محكمة الضمير، هذه التي عبّر عنها القرآن الكريم بقوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. إذن، هناك نزعة أصيلة عند الإنسان، وهي نزعة الضمير، نزعة التأنيب، نزعة التوبيخ، هذه النزعة هي الدين، الدين قوة في داخل الإنسان، تردعه عن الشرور، تحثه نحو الخيرات.

الطريق الثالث: نزعة التجرّد.

ألكسيس كارل نفسه في كتابه «الإنسان ذلك المجهول» ينقل عن آينشتاين، يقول: كان آينشتاين يؤمن بنزعة التجرّد، ما معنى نزعة التجرد؟ نزعة التجرد هي أن الناس يرى [...] فوق بدنه [...]، الناس يختلفون، هناك من همّه في الحياة الأكل والشرب! [...] ما هي اهتماماتك؟ اهتماماتي التلفزيون وزوجتي! هل هذه فقط اهتماماتك؟! أنت شاب، عندك طموح، عندك عقلية، هل هذا فقط طموحه؟! إذن، الإنسان يختلف طموحه، طموحات البشر تختلف باختلاف أبناء البشر. هناك إنسان طموحه أن يحصل على وظيفة، توفّر له قوته السنوي، وتُسْعِد عياله، وتُسْعِد أطفاله، والحمد لله رب العالمين! هذا طموحه، وهناك إنسان طموحه أن تكون عنده ثروة ضخمة، وتكون عنده مشاريع [...] طموح آخر، إنسان طموحه فوق جيبه، جيبه [...] ليس طموحه [...] وليس طموحه [...] فوق بدنه، فوق جسده [...]، تقرأ في شعر المتنبي:

وإذا  كانت  النفوس iiكبارًا   تعبت في مرادها الأجسامُ

الأجسام تتعب مع النفوس الكبار؛ لأن الطموح فوق الحدود المادية، فوق الإطار المادي، هذا الإنسان الذي يمتلك طموحًا في أن يغيّر المجتمع، وأن يوجد فيه أمورًا ما أوجدها أحد، وطموحًا في أن يحقّق للبشرية مفاتيح ما امتلكها أحد، هذا الإنسان الذي يمتلك طموحًا أكبر من جسده، وأكبر من عمره، هو عمره 50 سنة أو 70 سنة، ولكنه يملك طموح ألف سنة، يملك طموح مليون سنة، طموحه فوق جسده، هذا الإنسان تصبح عنده نزعة التجرد، أي أن هذا الإنسان دائمًا يقول: متى أتحرّر من جسدي لأكتشف ذاتي؛ لأن ذاتي أكبر من جسدي، جسدي مجرد وسيلة أصل بها إلى بعض الغايات المادية فقط، جسدي مجرد أداة توصلني إلى بعض الأهداف البسيطة، لكن طموحي أكبر من حياتي، أكبر من جوانبي المادية.

إذن، كيف أكتشف ذاتي؟ كيف أكتشف طموحي؟ أحتاج إلى أن أتحرر من جسدي حتى أكتشف ذاتي، وأكتشف طموحي، ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ، الإنسان إذا فارق هذا الجسد وتخلص منه اكتشف ذاته، اكتشف الأبعاد التي لا نهاية لها، التي لم يكن يحلم بها عندما كان على وجه الكرة الأرضية، بمجرد أن يفترق عن الجسد يكتشف أن عنده أبعادًا مليونية ومليارية، وأبعادًا لا حدود لها، ولكنه لم يكن يعرف هذه الأبعاد.

إذن، الإنسان صاحب الطموح يمتلك نزعة التجرّد، ونزعة التجرّد هي الإيمان بما وراء الطبيعة، هذا معنى نزعة التجرّد، لأنني أؤمن من حيث لا أشعر، أؤمن بأن هناك شيئًا وراء هذا الجسد، الحياة ليست هي الجسد، الحياة ليست هي المادة، الحياة ليست هي البدن، لأني أؤمن من حيث لا أريد، حتى لو هو إنسان ملحد، يؤمن من حيث لا يشعر أن هناك عالمًا وراء عالم الجسد، لذلك يطمح إلى أن يتجرّد من جسده، حتى يكتشف ذاته، ويكتشف أبعاده في ذلك العالم، وهذه النزعة - نزعة التجرد - هي الدين، هذا هو [...] هذا العالم.

إذن، نستطيع [...] الدين [...] عند الإنسان [...] من خلال نداء الضمير، [...] نزعة التجرد [...]، طرق ثلاثة [...]، كامنة لدى الإنسان وفي فطرة الإنسان، ﴿فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا. ولذلك، إذا آمن الإنسان بتلك القوة التي لا حدَّ لها، توجّه إليها بالدعاء، وتوجّه إليها بالمناجاة، وكانت أحلى أوقاته وقت المناجاة، ووقت الدعاء [...]. لذلك، الإمام أمير المؤمنين ورد عنه: ”ركعة لي في دنياكم أحب إليَّ من الجنة وما فيها“، أنا لست إنسانًا ماديًا حتى أفكر في الحور والولدان والنعيم، أنا إنسان فوق الأطر المادية، أنا لا يشبعني إلا مناجاة القوة التي خلقتني، ”ما عبدتك خوفًا من نارك، ولا طمعًا في جنتك، ولكن وجدتك أهلًا للعبادة فعبدتك“.

أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
أطروحة تجديد الفكر الديني ج2