نص الشريط
تحليل علاقة المسلم بأهل البيت
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مسجد الرسول الأعظم - مطرح
التاريخ: 17/2/1425 هـ
مرات العرض: 2085
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (1000)
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا

آمنا بالله صدق الله العلي العظيم

انطلاقا من الآية المباركة نتحدث حول محورين:

  • في تحديد هوية علاقة المسلم بأهل البيت .
  • وفي الآثار التربوية والسلوكية التي تترتب على علاقة المسلم بأهل البيت.
المحور الأول: ما هي هوية علاقتنا بأهل البيت؟

أقلام المسلمين تناولت هذه العلاقة بالشرح والتحليل، وأفرزت هذه الأقلام اتجاهات ثلاثة: الاتجاه التجريدي، والاتجاه التفصيلي، والاتجاه الموضوعي، فما هو الفرق بين هذه الاتجاهات؟

الاتجاه الأول: الاتجاه التجريدي.

الاتجاه التجريدي يقرر أنّ أهل البيت ليست لهم ميزة على غيرهم، فلا ضرورة لإنشاء علاقة نفسية مع أهل البيت، ذرية النبي لا تزيد على ذرية أخرى في شيء، فما هو الموجب وما هو المقتضي لأن نصع وأن نخلق علاقة نفسية بأهل بيت النبي؟ أهل بيت النبي كسائر الصحابة، كسائر التابعين، لا ميزة لهم على غيرهم حتى يختص أهل البيت بعلاقة نفسية خاصة بين المسلم وبينهم.

أصحاب هذا الاتجاه التجريدي ما هو دليلهم؟

دليهم: يقولون الهدف من وجود الإنسان ممكن أن يتحقق سواء أقام علاقة بأهل البيت أو لم يقم، ما هو الهدف من وجود الإنسان؟ الهدف من وجود الإنسان أن يصل إلى الكمال الروحي، القرآن الكريم يقول: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ليس المقصود باليقين هو الموت، لا، المقصود باليقين أن يصل إلى درجة الكمال الروحي، اعبد ربك إلى تصل إلى هذه الدرجة، الهدف من وجودك أن تصل إلى اليقين، أن تصل إلى الكمال الروحي، القرآن الكريم يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ الهدف من وجود الإنسان العبادة، لِمَ؟ لأن العبادة هي الطريق الذي يوصله إلى الكمال الروحي وإلى السمو الروحي، فالهدف هو أن يصل إلى الكمال، القرآن الكريم يقول: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي يعني الهدف من إقامة الصلاة أن أكون مذكورًا عندك، أن أكون حاضرًا عندك، وأقم الصلاة لأجل ذكري ولأجل حضوري.

إذن الهدف من وجود الإنسان أن يصل إلى ربه، أن يصل إلى الكمال الروحي، وهذا الهدف يتحقق سواء أقمنا علاقة مع أهل البيت أو لم نقم، لا مدخلية للعلاقة بأهل البيت في هذا الهدف، يمكن للإنسان أن يصل إلى الكمال الروحي وللسمو النفسي من خلال العبادة، من خلال الارتباط والذوبان والتعلّق بالله عزّ وجلّ سواء كان محبًا لأهل البيت أو لم يكن، سواء كانت له علاقة بأهل البيت أو لم يكن.

إذن فما هو المقتضي وما هو المبرر لأن نقيم علاقة بأهل البيت؟ لأنهم علماء؟! غيرهم أيضًا علماء، ابن عباس كان من العلماء، وعبد الله بن عمر كان من العلماء، إذا كان الحسين من العلماء فعبد الله بن عمر كان من العلماء، إذا كان الحسين قُتِلَ مظلومًا فعبد الله بن الزبير قد قُتِلَ مظلومًا، إذا كان الحسين ذُبِحَ مذبحة شنعاء فإنّ محمد بن أبي بكر ذُبِحَ مذبحة شنعاء، إذن أي ميزة لأهل البيت على غيرهم؟ مادام الإنسان بإمكانه أن يحقّق الهدف من وجوده وهو الوصول إلى الكمال الروحي سواء كانت له علاقة بأهل البيت أو لم تكن فما هو الداعي وما هو المقتضي لأن نقيم علاقة بأهل البيت ونصرّ عليها «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين».

الاتجاه الثاني: هو الاتجاه التفصيلي.

هذا الاتجاه ماذا يقرر؟ يقرر هذا الاتجاه أنّ لأهل البيت صفحتين:

1 - صفحة ذاتية.

2 - صفحة سلوكية.

ما هو الفرق بين الصفحة الذاتية والصفحة السلوكية؟

مثلًا: الإمام علي عندما نقرأ شخصيته نقرأ من خلالها صفحتين:

صفحة ذاتية: عليٌ اقتلع باب يخبر بكفّه وكان يفتحه أربعون ويغلقه أربعون.

يا قالع الباب الذي عن هزّه   عجزت  أكفٌ أربعون iiوأربعُ

عليٌ كانت له صفحة ذاتية وهو اقتلاعه لباب خيبر، أنّه يصلي مثلًا في اليوم والليلة ألف ركعة. وكانت له صفحة سلوكية: عليٌ كان زاهدًا، عليٌ كان إنسانًا اجتماعيًا، عليٌ كان إنسانًا حنونًا على الفقراء والمساكين، هذه صفحة سلوكية.

السيدة الزهراء سلام الله عليها لها صفحتان:

صفحة ذاتية: أنّ السيدة الزهراء كانت امرأة صدّيقة معصومة إلى آخر صفاتها.

ولها صفحة سلوكية: كانت الزهراء مظهرًا للعبادة، مظهرًا للعطاء، مظهرًا للبذل الاجتماعي.

إذن كان لأهل البيت صفحتان: صفحة ذاتية وهي عبارة عن المناقب الشخصية والفضائل الذاتية، وصفحة سلوكية وهي عبارة عن خطّهم وعملهم، أين علاقتنا بأهل البيت؟ يجب أن تكون علاقتنا بأهل البيت في إطار الصفحة السلوكية لا في إطار الصفحة الذاتية، أهل البيت ما هي فضائلهم؟ ما هي مناقبهم؟ هل كان عليٌ أفضل من البشر بعد النبي محمدٍ أم لا؟ هذه صفحة ذاتية لا علاقة لنا بها، هل كانت الزهراء طاهرة من الدماء الثلاثة الحيض والنفاس والاستحاضة أم لا؟ هذه صفحة ذاتية بالزهراء لا ربط لنا بها، يجب أن تكون علاقتنا بأهل البيت في إطار خطّهم، في إطار عملهم، في إطار سلوكهم.

وأما صفحاتهم الذاتية - فضائلهم، مناقبهم، ماذا كانوا؟ كانوا أفضل أم لا؟ - هذا أمر لا علاقة لنا به، هذا أمر لا ينبغي أن نشغل أنفسنا به، ماذا كانت فضائلهم؟ هل ردت الشمس لعلي أم لا؟ لا شغل لنا بهذا الحديث، ردّت أو لم تردّ لا شغل لنا بهذا الحديث، وماذا يؤثر على سلوكنا؟! هل كانت الزهراء طاهرة من الحيض أم لا؟ أي منفعة في هذا الحديث وفي هذا البحث؟ يجب أن تكون علاقتنا بأهل البيت من خلال سلوكهم، من خلال عملهم، من خلال خطّهم، لماذا؟ أصحاب هذا الاتجاه يطرحون دليلين:

الدليل الأول: أنّ الهدف من وجود محمدٍ وآل محمدٍ هو القدوة والأسوة.

القرآن الكريم يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ أهل البيت قدوة، الرسول الأعظم قال: ”مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من تمسّك بها نجا ومن تخلّف عنها غرق وهوى“، الهدف من وجودهم أن يكونوا أسوة، وهذا الهدف يقتضي أن نتعلّق بهم وأن نرتبط بهم من خلال الصفحة السلوكية لا من خلال الصفحة الذاتية، الصفحة الذاتية لا ربط لها بالأسوة، لا ربط لها بالقدوة، لا ربط لها بأن يكون أهل البيت مثلًا رائعًا أعلى أمامنا في سلوكنا وحركتنا وتصرفاتنا.

الدليل الثاني: تركيز القرآن على الجانب السلوكي لا الذاتي.

إذا قرأنا القرآن الكريم نجد أنّ القرآن عندما يتحدث الأبطال وعندما يتحدث عن العظماء لا يتحدث عن القضايا الذاتية وإنّما يتحدث عن القضايا السلوكية، يتحدث عن الإطار السلوكي، يتحدث عن الجانب العلمي، القرآن الكريم عندما يتحدث عن العظماء ماذا يقول؟ يقول: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا، ثم يتحدث عن سلوكهم: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا يتحدث عن الصفحة السلوكية، القرآن عندما يتحدث عن الأبطال يقول: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا القرآن عندما يتحدث عن الأنبياء ماذا يقول؟ يقول: ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ يعني اجعل علاقتك بهم علاقة سلوكية، ارتبط بهم من خلال الصفحة السلوكية.

القرآن يركّز على العلاقة السلوكية بعظماء التاريخ، مثلًا: يصوّر لنا الحديث بين المشركين وبين النبي محمدٍ : ﴿وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ ۗ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا يعني ليست علاقتي بكم علاقة ذاتية حتى أفجّر الينابيع وأبني الأنهار وأصعد السماء وأنزل الأرض... علاقتي علاقة سلوكية، أبلغكم رسالة ربي وأنتم تسيرون عليها، ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا ليست علاقتي بكم إلا في هذا الإطار.

إذن القرآن الكريم يركّز على العلاقة السلوكية بأهل البيت، يركّز على العلاقة السلوكية بالعظماء، القرآن الكريم يركّز على خطّ البطل لا على بطل الخط، المهم هو الخط والمهم هو الطريق والمهم هو الصفحة السلوكية، فتأطير علاقتنا بأهل البيت في الصفحة الذاتية والحديث دائمًا عن فضائلهم ومناقبهم وذاتياتهم وقدسياتهم حديثٌ من الترف الفكري الذي لا يقدّمنا خطوة ولا ينجز لنا مشروعًا ولا يبني لنا حضارة ولا يحقّق لنا أهدافًا، إذن ينبغي أن تكون علاقتنا بهم من خلال الصفحة السلوكية لا من خلال الصفحة الذاتية، هذا هو الاتجاه الثاني الذي تحدث عهن هوية علاقتنا بأهل البيت «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين».

الاتجاه الثالث: الاتجاه الموضوعي.

مقصودنا بالاتجاه الموضوعي هو أن تكون علاقتنا بمحمدٍ وأهل بيته «صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين» مزيجًا من العلاقة القدسية والعلاقة السلوكية، أن تكون علاقتنا بالنبي والعظماء من آله علاقة ممزوجة بين العقل وبين القلب، بين الفكر وبين العمل، بين الجانب القدسي وبين الجانب السلوكي والجانب العملي، لماذا؟ لماذا نحن نصرّ على هذا الاتجاه، الاتجاه الذي يمزج العلاقتين: العلاقة القدسية بالعلاقة السلوكية من دون أن يطغى أحدهما على الآخر، من دون أن تكون العلاقة القدسية على حساب العلاقة السلوكية أو العلاقة السلوكية على حساب العلاقة القدسية، يجب أن يكون هناك امتزاج متوازن ومتكافئ بين هاتين العلاقتين وبين هاتين الصفحتين، لماذا؟ نذكر في المقام ثلاثة أدلة:

الدليل الأول: تركيز النصوص على العلاقة بأهل البيت.

نجد أنّ النصوص ركّزت على العلاقة بمحمدٍ وأهل بيته «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين» وميّزت أهل البيت عن غيرهم من أبناء الصحابة ومن التابعين وأبناء التابعين خلافًا لأصحاب الاتجاه الأول الذين يقولون لا ميزة لأهل البيت، نحن نجد أنّ النصوص ميّزتهم، مثلًا: قوله تعالى: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ الإمام أحمد في مسنده، الترمذي في سننه، الحاكم في مستدركه يروون عن النبي أنّه سُئِلَ: مَنْ القربى يا رسول الله قرباك أم قربى المسلمين؟ قال: ”قرباي: عليٌ وفاطمة وابناهما“، إذن القرآن يميّز أهل البيت، يقول يجب أن تكون لك علاقة بهم، علاقة المودّة.

الرسول الأعظم كذلك، الرسول الأعظم القرآن يتحدث عنه: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ يعين يجب أن تكون علاقتك بالنبي أقوى من علاقتك بنفسك، هذه العلاقة نقلها النبي إلى أهل بيته في حديث الغدير الذي رواه العشرات من المحدّثين والمؤرّخين من مختلف فرق المسلمين: ”أيها الناس، ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فمن كنتُ مولاه فهذا عليٌ مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله“.

صحيح البخاري يروي لنا عن أنس بن مالك عن النبي : ”حسينٌ مني وأنا من حسين أحبّ الله من أحبّ حسينًا وأبغض الله من أبغض حسينًا“ ولم يتحدّث لا عن عبد الله بن عمر ولاعن محمد بن أبي بكر ولا عن غيرهم من أبناء الخلفاء وأبناء الصحابة والتابعين.

الرسول الأعظم يروي الثعلبي في تفسيره عنه أنّه قال: ”من مات على حبّ آل محمد مات شهيدًا، من مات على حبّ آل محمد مات مغفورًا له، من مات على حبّ آل محمد مات مؤمنًا، من مات على حبّ آل محمد مات تائبًا“. إذن هذه النصوص تصطدم مع أصحاب الاتجاه الأول وهو الاتجاه التجريدي الذي يقول: لا موجب لأن نكوّن علاقة خاصة بأهل البيت «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين».

القرآن كما تحدّث عن الصفحة السلوكية للعظماء تحدّث عن الصفحة الذاتية للعظماء، القرآن الكريم تحدّث بإسهاب عن كلا الصفحتين، القرآن الكريم يقول على لسان داوود: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ يتكلم عن صفحة ذاتية، القرآن الكريم يقول عن لسان سليمان: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ هذا حديث عن الصفحة الذاتية.

القرآن يتحدّث عن مريم: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ وقال في آية أخرى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ القرآن الكريم يتحدث عن الصفحة الذاتية لمريم، يقول: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا القرآن الكريم يتحدث عن الصفحة الذاتية لعيسى بن مريم: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ. إذن القرآن كما تحدث عن الصفحة السلوكية تحدث أيضًا عن الصفحة الذاتية، وهذه النصوص القرآنية تصطدم مع الاتجاه الثاني الذي يقول: ينبغي أن تنحصر وتتأطر علاقتنا بأهل البيت في إطار الصفحة السلوكية فقط، نقول: القرآن قد تحدث عن كلتا الصفحتين.

الدليل الثاني: مظهرية أهل البيت للكلام الإلهي.

هذا الدليل يحتاج إلى مقدّمات:

المقدمة الأولى: الفرق بين الكلام اللفظي والكلام الذاتي.

العلماء «علماء العرفان» عندنا يقسّمون الكلام إلى قسمين، أي كلام؟ كلام الله، كلام الله ينقسم إلى قسمين: 1. كلام لفظي. 2. كلام ذاتي. ما معنى الكلام اللفظي والكلام الذاتي؟

الكلام اللفظي مجموعة من الأصوات ومجموعة من الحروف المؤلّفة، هذا الكلام اللفظي لا يصدر من الله مباشرة؛ لأن الكلام اللفظي لا يصدر إلا من جسم والله ليس بجسم، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ هو ليس جسمًا حتى ينطق بأصوات وبحروف وبكلام لفظي وإنّما يخلق الكلام اللفظي كما يخلق أي كلام وأي مخلوق آخر، الكلام اللفظي مخلوقٌ له تبارك وتعالى، إذن فما معنى قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا هذا يعني أنه جاء لموسى وهمس في أذنه وتحدّث معه حديثًا وديًا أخويًا ولذلك قال عنه تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا!

نقول: معنى هذه الآية هو ما ذكرته آية أخرى لأن القرآن يفسر بعضه بعضًا: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا يعني إلهامًا، كما قال في حقّ أمّ موسى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ إيحاء، إلهام، ﴿إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ يعني بأن يخلق الكلام بواسطة حجاب، خلق الكلام في الشجرة فسمعه موسى بن عمران عليه وعلى نبينا وآله أفضل الصلاة والسلام، ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ، ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ.

ما معنى الكلام الذاتي؟

معناه أنّ بعض المخلوقات تكون مظهرًا لعظمة الله، مظهرًا لقدرة الله، مظهرًا لإبداع الله عزّ وجلّ، مثلًا: نحن عندما ننظر إلى الشمس، الشمس هذا المخلوق العظيم الذي يضم أكبر طاقة حرارية في هذا الكون القريب منّا، هذا الشمس، هذا المخلوق، هذا الجرم كلمة من كلمات الله، لِمَ؟ لأنه مظهرٌ لعظمته، مظهرٌ لحكمته، مظهرٌ لحياته وإبداعه تبارك وتعالى، فالشمس كلامٌ لله، الشمس كلمة لله، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا كلمات الله ما هي؟ كلمات الله هي المخلوقات التي تعبّر عن عظمته، تعبّر عن إبداعه، تعبّر عن حياته، تعبّر عن قدرته تبارك وتعالى، كلماته هي الوجود الذي يعبّر عن عظمته تبارك وتعالى، هذا معنى كلمات الله.

المقدّمة الثانية: هل يمكن للبشر أن يصبح كلامًا لله؟

نعم يمكن، القرآن نفسه يقول: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عيسى بن مريم كلمة الله، يقول القرآن الكريم: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ إذن البشر يمكن أن يكون كلامًا لله، يمكن أن يكون كلمة من كلمات الله، عيسى بن مريم كلمة من كلمات الله لأن عيسى بن مريم كان مظهرًا لعظمة الله، مظهرًا لإبداع الله، ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا عيسى بن مريم كلمة الله، إذن يمكن للبشر أن يكون كلمة الله، أن يكون كلمة من كلمات الله عزّ وجلّ، هذا أمر ممكن، فإذا كان عيسى بن مريم كلمة الله أفلا يكون محمدٌ كلمة لله وهو أفضل المخلوقات على الإطلاق؟!

الطبراني في معجمه الكبير والحاكم في مستدركه يرويان أنّ آدم عليه وعلى نبينا وآله أفضل الصلاة والسلام لمّا أخطأ - بحسب تعبير الرواية - رفع يديه إلى ربّه وقال: ”اللهم اغفر لي بحقّ محمدٍ“ قيل: ومن محمد؟ كيف عرفت محمد؟ قال: ”إنّك لما خلقتني رفعت رأسي فوجدتُ مكتوبًا على العرش: «لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله» فعرفت أنه ليس هناك عبدٌ أقرب إليك من هذا لأنّك جعلت اسمه مع اسمك على سرادق عرشك“، ثم تقول الرواية: وهذا معنى قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ يعني محمد من الكلمات، طبعًا الآية قالت كلمات والرواية قالت كلمة وهي النبي فأين بقية الكلمات؟ بقية الكلمات تذكرها الرواية الموجودة في طرق الشيعة الإمامية: ”قال: اللهم اغفر لي بحقّ محمدٍ وآل محمدٍ“، محمدٌ كلمة، أهل البيت كلمة من كلماته، لأنهم مظهرٌ لعظمته تبارك وتعالى.

المقدّمة الثالثة: فلسفة خلق الكلمات.

لماذا خلق الله الكلمات؟ لكي نتكلم بها؟! لماذا خلق الله عيسى بن مريم كلمة وخلق محمدًا كلمة وخلق موسى كلمة؟ لماذا خلق الله هذه الكلمات؟ لكي نصل إليه من خلالها، لكي نتعرّف عليه من خلالها، ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ خلق الله الشمسَ لكي نعتبر الشمس طريقًا يوصلنا إلى الله تعالى، خلق لنا عيسى بن مريم لكي يكون عيسى بن مريم طريقًا يوصلنا إلى الله تبارك وتعالى، أيضًا الغرض والهدف من الصفحة الذاتية لمحمدٍ وأهل بيته أن يكونوا كلمة تعبّر عن الله وطريقًا يوصل إلى الله ودليلًا يدلّ على الله تبارك وتعالى.

إذن اهتمام القرآن واهتمام السنة بالصفحة الذاتية بالمعاجز، بالكرامات، بالفضائل، عليٌ كان يقتلع باب خيبر بكفّه، عليٌ كان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة، فاطمة الزهراء يقول الحسن الزكي بن الزهراء: ”ما رأيت أعبد من أمّي فاطمة، كانت إذا قامت في محرابها لا تنفتل من صلاتها حتى تتورم قدماها من طول الوقوف بني يدي ربها“، عندما نقرأ هذه الصفحات، هذه صفحات ذاتية، عليٌ يقتلع باب خيبر، عليٌ يهزم المشركين في خيبر وفي بدر وكذا وكذا... عندما نقرأ هذه الصفحات الذاتية تتجلّى لنا أنّ عليًا كلمة من كلمات الله، أنّ فاطمة كلمة من كلمات الله، فالصفحة الذاتية تظهر لنا أنّهم كلمة من كلمات الله وكلمات الله يعين أنّهم طرق توصل إلى الله تبارك وتعالى، تعبّر عن عظمة الله وقدرته.

إذن الدليل الثاني على ضرورة العلاقة القدسية بالصفحة الذاتية لأهل البيت، الدليل على ذلك أنّه لولا الصفحة الذاتية لما كانوا كلمة من كلماته، ولو لم يكونوا كلمة من كلماته لما كانوا من خلال مناقبهم وفضائلهم ومعاجزهم صفحة معبّرة عن عظمة الله وحياته وإبداعه وحكمته، إذن الهدف من إعطاء علي قوة بدنية يقتلع بها باب خيبر هو الهدف من خلق الشمس، لماذا خلقت الشمس؟ لكي تكون طريقًا إلى الله، الهدف من إعطاء علي هذه المناقب زالفضائل أن يكون كلمة من كلمات الله، أن يكون مظهرًا لله، أن يكون معبّرًا عن عظمة الله وقدرته وإبداعه.

الدليل الثالث: أهمية الجانب الغيبي في الشخصيات الإلهية.

علماء النفس يقولون: الإنسان مخلوق إحساسي، ومعنى أنّه مخلوق إحساسي يعني أنّه إذا أردنا أن نقعنه علينا أن نطرح أمامه مؤثّرات إحساسية حتى يستجيب لنا، مثلًا: أنت عندما تشاهد التلفزيون، افترض مثلًا أنّك فتحت قناة الجزيرة وقعدت قناة الجزيرة تتحدّث لك عن الأحداث في العراق، في فلسطين، في أفغانستان، في أي مكان آخر، من دون أن تنقل لك صورًا، من دون أن تنقل لك مشاهدًا حية، هل تتفاعل مع هذه الأخبار؟ هل تتفاعل مع هذه المرويات؟

لا، لا تتفاعل، ولكن إذا نقلت لك قناة الجزيرة شريطًا مصوّرًا عن الأحداث في العراق أو في فلسطين تفاعلت مع الحدث، تعاطفت مع الحدث، حصل عندك الحماس مع هذا الحدث، لماذا؟ لأنك مخلوق إحساسي، والمخلوق الإحساسي يقتنع من خلال المؤثّرات الإحساسية، كلّ فكرة لا يمكن لنا أن نقنع الجماهير بها إلا إذا ضممنا لها المؤثّرات الإحساسية، إذا ضممت للطرح الفكري العوامل والمؤثّرات الإحساسية استطعت أن تؤثّر على الآخرين، استطعت أن تجذب عقولهم من خلال جذب عواطفهم، من خلال جذب قلوبهم، المؤثّرات الإحساسية عاملٌ أساس في الإقناع، عاملٌ أساس في شرح الفكرة وفي ترسيخها وفي إيصالها إلى مرحلة العمل وإلى مرحلة السلوك.

من هذا المنطلق الله تبارك وتعالى كان بإمكانه أن يخلق لنا نبيًا وهو النبي محمدٌ ويجعله مثلنا تمامًا لا معاجز له ولا كرامات له ولا فضائل له، رجلٌ مثلنا وظيفته أن يبلّغ الوحي لا أكثر، لو كان الرسول مجرّدًا عن الفضائل والمناقب لم تكن أفكاره مقنعة ولم تكن أقواله جذّابة ولم تكن شخصيته مسيطرة على القلوب والنفوس.

إذن شاءت حكمة الله تبارك وتعالى أن يجعل للنبي أمرين وجانبين: الجانب الأول هو الفكر والجانب الثاني هو المؤثّرات الإحساسية، أعطى النبي معاجز وكرامات، عُرِجَ به إلى السماء، أخبر بالمغيّبات، نصره الله بالرعب والخوف، أعطاه الفضائل والمعاجز، لماذا؟ لأجل أن تكون هذه المعاجز والكرامات مؤثّرات إحساسية تنضم إلى كلامه وتنضم إلى فكره فتكون داعيًا ووسيلة لإقناع الناس بأفكاره ومعتقداته.

إذن الصفحة الذاتية للنبي وأهل بيته ضرورية، من الضروري أن تكون لنا علاقة بالنبي وأهل بيته من خلال الصفحة الذاتية، لماذا؟ لأن الصفحة الذاتية عبارة عن المؤثّرات الإحساسية التي تجذبنا لشخصيات أهل البيت، الصفحة الذاتية عبارة عن الدوافع الوجدانية التي تحرّكنا نحو الارتباط بأهل البيت ونحو الاقتداء بأهل البيت ونحو السير على خطّ أهل البيت.

إذن فالتفكيك بين الصفحة الذاتية والصفحة السلوكية تفكيكٌ خاطئٌ، لا يمكن أن نحقّق الصفحة السلوكية بأجلّى مظاهرها إلا مع الاستعانة بالصفحة الذاتية؛ لأن الصفحة الذاتية مظهرٌ لكلمات الله ولأن الصفحة الذاتية مؤثّرات إحساسية تجعلنا أكثر قناعة وأكثر قربًا وأكثر ارتباطًا ودنوًا من محمدٍ وآل محمدٍ «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين».

المحور الثاني: الآثار المترتبة على العلاقة بأهل البيت.

الآثار السلوكية المترتبة على هوية علاقتنا بأهل البيت - التي قلنا عنها بأنّها مزيجٌ من العلاقة القدسية والعلاقة السلوكية - نذكر منها أثرين:

الأثر الأول: التوسل بهم والتبرّك بآثارهم.

لماذا نتوسل بهم ونتبرّك بآثارهم؟ لماذا؟ لأن القرآن الكريم يقول بأنّ كلّ شيء يرتبط بكلمات الله فهو مقدّس، كلّ شيء، كلّ مخلوق يرتبط بكلمات الله فهو مقدّس، والمقدّس يُتَوسَّل به ويُتَبَرَّك به، أضرب لك أمثلة: اقرأ قوله تعالى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ما هو الوادي غير التراب والحجارة؟! ما هو وادي سيناء؟ وادي سيناء مجرّد تراب وحجارة كبقية الأودية التي نمرّ عليها، فلماذا يعبّر القرآن عن هذا الوادي بأنّه وادٍ مقدّس؟! التراب أصبح عظيمًا لهذه الدرجة؟! التراب أصبح عظيمًا لدرجة أنّه صار مقدّسًا وصار الإنسان لابدّ أن يخلع نعله حتى لا يدوس عليه بنعله؟! لماذا؟ لأن هذا التراب أفيض عليه كلمات الله، ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا تراب ارتبط بكلمات الله فصار ترابًا مقدّسًا.

القرآن الكريم يقول: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى لماذا؟ مقام إبراهيم ما هو؟ صخرة كبقية الصخور! صخرة عادية إبراهيم صعد عليها وظهر أثر قدميه فيها ليس إلا، صخرة عادية كبقية الصخور، القرآن يقول لا، ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى لماذا؟ لأن هذه الصخرة ارتبطت بكلمات الله، صعد عليها إبراهيم عليه وعلى نبينا وآله أفضل الصلاة والسلام وبنى أشرف بيتٍ على وجه الأرض ألا وهو الكعبة المشرّفة، ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ كلمات الله أفيضت على الصخرة فأصبحت الصخرة مقدّسة، أصبحت الصخرة عظيمة، أصبحت مقدّسة.

إذن كلّ شيء يرتبط بكلمات الله يصبح مقدّسًا، يصبح عظيمًا، ما يرتبط بكلمات الله يكتسب القداسة من الله، من هو القدّوس؟ الله جلّ جلاله هو القدوس، كلّ من يرتبط به يكتسب القداسة منه، من يرتبط بكلمات القدوس يكتسب القداسة منه، يستقي القداسة منه، تراب سيناء ارتبط بكلمات القدوس فصار مقدّسًا، وصخرة إبراهيم ارتبطت بكلمات القدوس فصارت مقدّسة، وعيسى بن مريم ارتبط بكلمات القدوس وأصبح شخصًا مقدّسًا، ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا يعني ماذا مبارك؟ يعني مصدر للبركة، أينما أذهب أطرح البركة، أينما أمشي أنقل البركة معي، لأنّني ارتبطت بالقدوس فصرت مقدّسًا، ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا.

إذن من يرتبط بالقدوس تبارك وتعالى يصبح مقدّسًا، وإذا أصبح مقدّسًا صحّ التوسل به والتبرّك به كما أنبأ عيسى بن مريم عن نفسه، وحينئذٍ فهل عيسى بن مريم يتميّز على النبي محمدٍ ؟! الطبراني في معجمه الكبير يقول: لمّا ماتت فاطمة بنت أسد أمّ الإمام علي الرسول حفر قبرها بيديه، ثم لمّا حفر القبر نزل واضطجع في القبر، انظر كيف عناية الرسول بهذه المرأة الجليلة، نام في قبرها ثم رفع كفيه وهو مضطجع في القبر، قال: ”اللهم إنّي أسألك بحقّ نبيك - يتوسل بنفسه، عرفنا أنّ النبي يُتَوَسّل به لأنه أشرف الأنبياء - وبحقّ الأنبياء من قبلي...“ طيب الأنبياء من قبله كانوا موتى فهل يصحّ التوسل بالموتى؟ الرسول يتوسل بالموتى، ”اللهم إنّي أسألك بحقّ نبيك وبحقّ الأنبياء من قبلي - لماذا توّسل بالأنبياء؟ لأنهم مقدّسون اكتسبوا القداسة من القدّوس تبارك وتعالى - إلا غفرت لأمّي فاطمة بنت أسد وأوسعت عليها مدخلها“ ثم قال: ”اللهم اغفر لأمّي بعد أمّي“ يعني لفاطمة بنت أسد الهاشمية.

إذن الرسول يتوسّل بالأنبياء، وإنّما توسّل بهم لأنّهم مقدّسون، فمن يكتسب القداسة يصحّ التوسل به، وقد ذكرنا أنّ آدم توسّل بالنبي وقال: ”اللهم اغفر لي بحقّ محمدٍ“ لأنّه أدرك أنّ النبي مقدّسٌ فصحّ التوسّل به، وهذا القرآن الكريم يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ الوسيلة المقدّسة، وكما كان الرسول الأعظم مقدّسًا لأن ارتبط بكلمات القدوس تبارك وتعالى كان أهل بيته عليٌ وفاطمة وحسنٌ وحسينٌ وأبناء الحسين مقدّسين بقداسته لأنّه قال فيهم «صلوات الله وسلامه عليهم»: ”إنّي مخلّفٌ فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلوا بعدي، وقد أنبأني اللطيف الخبير بأنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض“.

الأثر الثاني: تعظيمهم.

كيف يعني تعظيم أهل البيت؟ تعظيمهم بزيارة قبورهم، تعظيمهم بإحياء ذكراهم، تعظيم بذكر فضائلهم، القرآن الكريم يقول: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ما معنى «عزّروه»؟ «عزّروه» يعني عظّموه، من يعظّم رسول الله فهو من المفلحين، تعظيم الرسول يعني ماذا؟ زيارة قبره، الاحتفال بمولده، الاحتفال بوفاته، إحياء ذكره وفضائله، هذا تعظيمه، تعظيم الرسول، أيضًا تعظيم الرسول بتعظيم أهل بيته، تعظيم أهل بيته تعظيمٌ له، إحياء ذكرهم إحياءٌ له، الاهتمام بهم اهتمامٌ به، لِمَ؟

لأن القرآن الكريم يقول: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ونحن عندما نزور أهل البيت وعندما نحتفل بذكر أهل البيت وعندما ننشر فضائل أهل البيت كلّ ذلك مظهرٌ من مظاهر المودّة في القربى، نحن نريد أن نعبّر عن مودتنا لهم، نحن نريد أن نعبّر عن علاقتنا النفسية بهم، زيارة قبورهم، الاحتفال بذكرهم، نشر فضائلهم، كلّ ذلك مظهرٌ من مظاهر المودّة لهم «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين».

ومن الذين لهم شأنٌ في مجال الزيارة: ثامن الأئمة النجباء الرضا المرتضى الراضي بالقدر والقضاء غريب خراسان، ورد عن الإمام الصادق سلامه الله عليه: ”ستدفن بضعة منّي بأرض خراسان، من زاره عارفًا بحقّه كان ثوابه الجنّة“ قيل: وما عرفان حقّه؟ قال: ”العلم بأنّه إمامٌ مفترض الطاعة غريبٌ شهيدٌ“ يعني العلم والعمل طبعًا، العلم والعمل بطاعتهم وبخطّهم والسير على سلوكهم «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين»، وقال هو نفسه الإمام الرضا: ”لا تنتهي الأيام حتى يكون قبري بأرض خراسان قبلة لزواري“.

وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
الحس الجمالي والفني في المنظور الإسلامي