نص الشريط
ندوة حول التجديد في الفكر الديني
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مسجد الرسول الأعظم - مطرح
التاريخ: 30/2/1425 هـ
مرات العرض: 2042
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (1437)
تشغيل:

المقدم: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق، محمد بن عبد الله، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين، وأصلي وأسلم على أنبياء ورسله، والسلام على أصحابه المنتجبين. أيها الحضور الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. في هذه الأمسية الثقافية، يحضرنا واحد من علماء الدين، الذين كانت حياتهم العلمية والدراسية مليئةً بالعلم والثقافة منذ بداية عهده، هذه الليلة معنا سماحة السيد منير ابن السيد عدنان الخباز، من مواليد مدينة القطيف في المملكة العربية السعودية، في عام 1965 للميلاد.

بعد إتمامه المرحلة الإعدادية، شدَّ رحاله للنجف الأشرف بالعراق، والتحق بجماعة الحوزة العلمية هناك، ودرس على يد العالمين المعروفين: سماحة السيد آية الله العظمى أبو القاسم الخوئي «قدس سره»، وسماحة السيد آية الله العظمى السيد السيستاني «حفظه الله»، وغيرهما لفترة تقارب العشر سنوات. انتقل سماحة السيد منير إلى مدينة قم المقدسة بإيران، وواصل دراسته هناك التخصصية، لمدة عشر سنوات أخر، إلى أن حصل على شهادة تخصّصٍ في علم الفقه، المعبّر عنها في عرف الحوزة بشهادة الاجتهاد، وسماحته الآن أستاذ الدراسات العليا في الحوزة العلمية بمدينة قم المقدسة في إيران.

كما ويعتبر من المحاضرين المتميّزين في عالم المنبر الحسيني الثر، وله مؤلفاته المطبوعة: كتاب الرافد في علم الأصول، وكتاب آخر: في ظلال الدعاء، كما وهناك كتابان تحت الطباعة: أحدهما الإجارة، وآخر بعنوان: فقه الدولة. يتفضل سماحة السيد منير الخباز بإلقاء محاضرته التي هي بعنوان: التجديد في الفكر الديني، لمدة نصف ساعة، وبعد ذلك نفتح المجال للإخوة الحضور والأخوات الحاضرات إذا كانت هناك أسئلة، فليتفضل مشكورًا.

سماحة السيد: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين، وأصحابه المنتجبين، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ. ما زال كثير من الأقلام يتناول موضوعًا حيويًا حسّاسًا، وهو: هل الإسلام دينٌ قابلٌ للتجديد وللتغيير، أم أنه ثابتٌ لا يتغير ولا يتجدّد؟ هناك مجموعة من الباحثين والمفكّرين الذين أكّدوا هذه الأطروحة، وهي أطروحة التجديد في الفكر الديني. الإسلام دينٌ قابلٌ لأن يتجدّد ولأن يتغيّر بتغيّر مقتضيات العصر، وبتجدّد مقتضيات الحضارة. نحن نتحدث عن أطروحة التجديد، وذلك في محاور ثلاثة:

  • في تحديد موضوع التجديد.
  • وفي الأدلة التي يمكن طرحها لإثبات قابلية الإسلام كدين للتجديد والتغيير.
  • وفي الآلية العقلائية للتجديد في مجال الفكر الإسلامي.
المحور الأول: تحديد موضوع التجديد.

الذين ينادون بالتجديد، ماذا يقصدون من التجديد؟ وفي أي حقل ومساحة يرون قابلية الدين وإمكانية التجديد في الفكر الديني؟ من أجل أن نحدّد موضوع التجديد، نقسّم القوانين الإسلامية إلى عدة أقسام. القوانين الإسلامية تنقسم إلى قسمين: القسم الأول هو أركان الإسلام، كالصلاة والصوم والحج والزكاة والجهاد، أركان الإسلام لا مجال للتغير ولا للتجديد فيها؛ لأنَّ الإسلام يرتكز ويبتني ويتقوّم بها. القسم الثاني: ما ليس من الأركان، وهذا القسم ينقسم أيضًا إلى قسمين: قسم تعبّدي، وقسم معلّل. القسم التعبّدي هو القوانين التي لا يستطيع العقل لو خُلِّيَ وحده أن يكتشف العلة، وأن يكتشف السبب لهذا الحكم، ككيفية الوضوء، وكيفية التيمم، وكيفية غسل الجنابة، ورمي جمرة العقبة بسبع حصيات لا أكثر ولا أقل، والطواف بالبيت سبعة أشواط، هذه الأمور أمور غيبية، لا يمكن للعقل اكتشاف ملاكها، واكتشاف سببها، فلا مجال للتغير في هذا القسم.

القسم الثاني من القوانين التي لا تُعَدُّ أركانًا للإسلام هو القسم المعلّل، والمقصود بالقسم المعلّل: القوانين التي يستطيع العقل البشري اكتشاف العلل التي وراءها، والملاكات التي تكمن خلف تشريعها وتقنينها. مثلًا: عندما نقرأ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، هنا القانون معلّل، إنما تكون شهادة رجل واحد بإزاء شهادة امرأتين لعلةٍ: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، هذا الحكم ليس حكمًا تعبديًا غيبيًا، وإنما هو قانون معلل، ذكر لنا القرآن علته وملاكه. مثال آخر: قوله تعالى في مسألة حرمة الربا: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ، القرآن شرح لنا العلة وراء تحريم الربا، العلة وراء تحريم الربا أن الربا ظلم للطرف الآخر.

هنا، إذا قرأنا الحكم من خلال قراءة علته، من خلال قراءة ملاكه، نستطيع أن نقول كدعاةٍ للتجديد: إنما تكون شهادة المرأة نصف شهادة الرجل إذا كانت المرأة إنسانًا قابلًا للضلال، إذا كانت المرأة في معرض الضلال، أو كانت في ظرفٍ ممتزجٍ بعوامل الضلال، فحينئذ شهادة المرأة نصف شهادة الرجل، وأما إذا افترضنا أن المرأة المسلمة تطوّرت، وتغيّرت، وأصبحت لا تختلف عن الرجل في ضبط مشاعرها وعواطفها وحكومة عقلها على نوازعها وانفعالاتها، بحيث يكون احتمال الضلال فيها بنسبة احتمال الضلال في الرجل، كما نحتمل في المرأة الضلال بنسبة 20% نعتبر بهذه النسبة الأمر في الرجل تمامًا، إذا وصلت المرأة إلى حد يتساوى احتمال الضلال فيها مع احتمال الضلال في الرجل، فحينئذ من الممكن أن يقال - كما في أطروحة التجديد - بأن شهادة المرأة مساوية لشهادة الرجل، وليست نصف شهادته.

كذلك في مثال الربا، نقول: الظلم إنما يُتَصَوَّر في زمن لم تكن العملة تعيش تضخمًا، في زمن ما كانت العملة في سياق التضخم النقدي، هناك يكون إقراض مئة بمئة وعشر ظلمًا؛ لأنك تأخذ عشرة بدون جهد، بدون بذل طاقة، هنا يكون الإقراض بشرط الفائدة ظلمًا، أما إذا كانت الفائدة المأخوذة على المقترض بمقدار ما يُتَدَارَك به تضخّمُ العملة، كما لو كانت العملة في خلال خمس سنوات تتضخم بنسبة 1%، فتؤخَذ الفائدة بمقدارٍ يُتْدَارَك فيه تضخّم العملة، وحينئذ لا تكون هذه الفائدة المأخوذة في القرض ظلمًا، بل إنَّ فيها محافظةً على مالية المال، وعدم نقصانه حين إقراضه عن حين استلامه.

مثال آخر: القرض بين المواطن والدولة. قد يكون القرض بين شخصين ظلمًا، إذا كان مشروطًا بفائدة، وأما إذا أقرضت الدولة المواطنَ مئة، واشترطت عليه أن يدفع عشرة أخرى مثلًا، فإن هذه العشرة لا يدفعها المواطن للدولة، وإنما يدفعها لنفسه، حيث تصرفها الدولة على مرافق الحياة، كالصحة والتعليم، فالفائدة المشروطة خرجت من المواطن وعادت إليه؛ لأنَّ الدولة تصرفها على مرافق الحياة، فليس أخذ الفائدة على المواطن في مجال القرض ظلمًا له، بلحاظ أن الفائدة منه وإليه، وليست الفائدة لطرف آخر غير المواطن.

إذن، القائلون بالتجديد لا يقصدون تجديد في كل شيء، حتى في أصوله، حتى في أركانه، حتى في الأحكام الغيبية التعبدية، وإنما يقصدون التجديد في مساحةٍ من الفكر الإسلامي، وقسم من الفكر الإسلامي، ألا وهو الأحكام المعلّلة، التي نستطيع أن نصل إلى عللها وملاكاتها من خلال القرائن اللفظية، ومن خلال القرائن السياقية، ومن خلال القرائن التاريخية، ومن خلال القرائن العقلية. ما نستكشف علته وملاكه فهو قانونٌ قابلٌ للتجديد وللتغيير.

المحور الثاني: أدلة أطروحة التجديد.

نحن عندما ننادي بالتجديد، فما هي أدلتنا، وما هي براهيننا على هذه الأطروحة التي ننادي بها؟ نحن نذكر هنا دليلين:

الدليل الأول: الدليل الفلسفي.

الفلاسفة يقولون: كل شيء في هذا الوجود يتغير، الوجود من أصغر ذرة إلى أعظم مجرة خاضعٌ لقانون التغير، كل شيء ليس ثابتًا، كل شيء هو في إطار التغير، وفي إطار التبدّل. النطفة تتحول إلى إنسان، والبذرة تتحول إلى شجرة مثمرة، وحتى الصخرة الصماء تتغير، ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ، كل شيء خاضع لإطار التغير.

الفلاسفة يقولون: التغير العرضي حاكٍ عن التغير الجوهري، أي أن الوجود في صميم ذاته، وفي صميم كيانه، هو يتغير، ويتنقل من مرحلة وجودية إلى مرحلة وجودية أخرى. النطفة كما تتغير تغيرًا ظاهريًا إلى علقة ومضغة وعظام، ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، كما أن النطفة تتغير تغيرًا ظاهريًا، فإنها أيضًا تتغير في صميم ذاتها، من حياة نباتية، وهي حياة النمو، إلى حياة حيوانية، وهي حياة الإحساس، إلى حياة إنسانية، وهي حياة التفكير والتعقل.

إذن، التغير الظاهري يحكي عن التغير الجوهري، وحركة الوجود في صميم ذاته من مرحلة إلى مرحلة أخرى. إذا كان كل شيء في الوجود يتغير، فلماذا الدين لا يتغير؟! لماذا الدين استثناء من قانون التغير؟! كل شيء يتغير إلا الدين، فإنه ثابت لا يتغير ولا يتبدل! استثناء الدين مصادمةٌ لقانون الوجود، وتخصيصٌ للقانون العقلي، وهو أنَّ كل شيء يتغير في هذا الكون.

هذا الدليل نحن لا نقبله، بل نناقشه، ونقول: هناك فرق بين تغير القانون وتغير الظاهرة، هناك فرق بين الظاهرة وبين القانون الذي يحكم الظاهرة، فمثلًا: نحن عندما نأخذ الماء ونضعه على النار، الماء يتغيّر من حالة الركود إلى حالة الغليان، هذا تغير في الظاهرة، ظاهرة الركود تغيرت إلى ظاهرة الغليان، أما القانون الذي وراء هذه الظاهرة، وهو: كل مائع بلغت درجة حرارته مئة فإنه يغلي، هذا القانون لا يتغير، قبل مليون سنة هذا القانون موجود، وبعد مليار سنة هذا القانون موجود، كل مائع إذا بلغت درجة حرارته مئة فإنه يغلي، القانون لا يتغير، الظاهرة تغيرت، ولكن القانون الذي يحكم الظاهرة ويكمن وراءها لا يتغير.

أنا عندما ألقي التفاحة إلى الأعلى، يصل ارتفاعها إلى نسبة معينة، ثم تسقط إلى الأرض، هذه الظاهرة تغيرت، كانت التفاحة في مستوى، أصبحت التفاحة على الأرض، الظاهرة تغيرت، أما القانون الذي وراء هذه الظاهرة، وهو قانون الجاذبية، هذا القانون لا يتغير. إذن، ليس كل شيء في الوجود يتغير، الذي يتغير هو الظواهر، هو التحولات من حالة إلى أخرى، أما القوانين التي تكمن وراء الظواهر، وتسيّر هذه الظواهر، فإنها قوانين ثابتة، وليست قوانين متغيرة، والدين من قسم القوانين، لا من قسم الظواهر، حتى نقول بأن الدين يتغير تبعًا لتغير أجزاء الوجود وذراته، فهذا الدليل ليس دليلًا مقنعًا.

الدليل الثاني: تغير حاجات الإنسان.

يبتني ويرتكز على مقدمتين:

المقدمة الأولى: لماذا شُرِّع الدين؟

الدين لم يُشرّع لغوًا وجزافًا وعبثًا؛ فإن اللغو والجزاف والعبث قبيحٌ على الحكيم «تبارك وتعالى»، فلا يُعْقَل منه أن يشرّع دينًا بلا هدف، ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ، هناك هدف لتشريع الدين، الهدف من تشريع الدين تغطية حاجات الإنسان، تنظيم حاجات الإنسان تنظيمًا تنسجم فيه حقوق الفرد مع حقوق المجتمع، تنظيمًا تتلاءم فيه العلاقات المتداخلة والمتعارضة بين الإنسان وبين الطبيعة وبين ما وراء الطبيعة. الإسلام شُرِّع لتغطية الحاجات ولتنظيمها.

المقدمة الثانية: انقسام حاجات الإنسان إلى ثابتة ومتغيرة.

حاجات الإنسان على لونين: حاجات ثابتة وحاجات متغيرة. هناك حاجات ثابتة، كحاجة الإنسان إلى الأمن النفسي، كما يقول ماسلو: الإنسان يحتاج حاجات أساسية إلى الأمن، إلى التقدير الاجتماعي، إلى الانتماء الاجتماعي. هناك حاجات أساسية ثابتة لا تتغير بتغير الإنسان، إنسان المغارات وإنسان الغابات يعيش هذه الحاجات كما يعيشها إنسان عصر التكنولوجيا وعصر الفضاء، الحاجات هناك قسم منها حاجات ثابتة لا تتغير ولا تتبدل. وهناك حاجات متغيرة، فقد كان الإنسان قبل عدة قرون يحتاج إلى ما عبّر عنه القرآن الكريم بقوله: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً، وأصبح الآن لا يحتاج إليها.

إذن، بما أنَّ الإسلام قد جاء لتغطية الحاجات ولتنظيمها، فلا بد من أن تنقسم قوانينه إلى قوانين ثابتة وقوانين متغيرة، القوانين الثابتة تعالج الحاجات الثابتة، والقوانين المتغيرة تعالج القوانين المتغيرة. مثلًا: الإنسان يحتاج إلى الأمن النفسي، والاطمئنان النفسي، هذه حاجة ثابتة عند الإنسان، أشبعها الإسلام بالعبادة، العبادة تغطي هذه الحاجة، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ، حاجة الإنسان إلى الأمن تشبعها العبادة، فهي حاجة ثابتة، وقانون العبادة أيضًا قانون ثابت لا يتغير.

ولكن هناك حاجات متغيرة، فمثلًا: قبل مئتي سنة ما كان المجتمع محتاجًا إلى خروج المرأة من بيتها، قبل مئتي السنة كان يمكن لفقهاء الإسلام أن يقولوا: يجب على المرأة الاستئذان من زوجها إذا أرادت الخروج من بيته؛ لأنه لا ضرورة تستدعي خروجها، وأما الآن فقد تغيرت الحاجة، وأصبح المجتمع بحاجة ماسة إلى المرأة الطبيبة، وأصبح المجتمع بحاجة ماسة إلى المرأة المدرسة، وإلى المرأة الممرضة، فحاجة المجتمع تغيرت، ومقتضى تغير الحاجة تغير القانون، ينبغي أن يقال الآن: يجب على المرأة أن تستأذن زوجها في الخروج من بيته إلا إذا كان ذلك لتغطية الحاجات العرفية، والحاجات التي فرضها التطور الحضاري، وفرضها التطور الاجتماعي، فيتغير القانون تبعًا لتغير الحاجة، فهذه حاجة متغيرة يعالجها قانون متغير.

مثال آخر: نحن نعيش أيام حج بيت الله الحرام ضرورةً ماسةً للتغيير، فإن عرفات موقف ومكان قد يتحمل مليون حاج، فلو جاء خمسة ملايين حاج فأين يقفون يوم التاسع من شهر ذي الحجة، سواء بالنسبة إلى عرفات، أو بالنسبة للمزدلفة؟! لو جاءنا عشرة ملايين حاج فأين يقفون؟! هنا استجدت لنا حاجات، استجدت لنا متغيرات، فلا بد من علاجها بقوانين مرنة تنسجم وتغير الحاجة، تنسجم وتغير المجتمع، تنسجم وتغير الأوضاع الثقافية والحضارية. إذن، فهذا الدليل الثاني دليل تام، وخلاصته أن القوانين الإسلامية يجب أن تنقسم إلى قوانين ثابتة تعالج الحاجات الثابتة، وقوانين متغيرة تعالج الحاجات المتغيرة.

المحور الثالث: آلية التجديد.

عندما ندعو إلى التجديد، ونطرح أدلة على ضرورة وحتمية التجديد، فما هي الآلية التي يمكن لنا أن نستخدمها، ويمكن لنا أن نسلكها، في سبيل التجديد، وفي سبيل الوصول إلى التأقلم والتكيف بين الإسلام كدين شمولي وبين التطور الحضاري لدى الإنسان؟ الآلية التي يمكن أن نستخدمها ترتكز على مقدمتين:

المقدمة الأولى: تغير الحكم بتغير موضوعه.

يقول علماء أصول الفقه: الحكم تابعٌ لموضوعه تبعيةَ المعلول لعلته التامة، أي أن الحكم يتغير بتغير موضوعه، فمثلًا: وجوب القصر موضوعه السفر، فإذا سافر الإنسان وجب عليه القصر، وإذا رجع إلى وطنه تغير الحكم بتغير الموضوع، موضوع وجوب القصر السفر، وقد تغير السفر إلى الحضر، فتغير الحكم بتغير موضوعه، وهذا يعني أن الحكم تابعٌ لموضوعه تبعيةَ المسبَّب للسبب، وتبعية المعلول لعلته التامة.

المقدمة الثانية: أهمية تحديد الموضوعات بدقة.

إذا أردنا أن نجدّد الأحكام فعلينا تحديد الموضوعات، إذا حُدِّد الموضوع استطعنا أن نعرف أن هذا الموضوع قابل للتغير أم لا، فإذا كان قابلًا للتغير فإن الحكم بطريقة أوتوماتيكية سيتغير تبعًا لتغيره، فلا بد من أن نركّز على اكتشاف موضوعات الأحكام بنحو دقيق، بحيث يمكن لنا من خلاله تحديد قابلية هذا الموضوع للتغير أو عدمه، وهذا ما نسمّيه بالفقه الموضوعي، مقابل الفقه الحرفي.

عندنا اتجاهان: الفقه الحرفي هو الفقه الذي يجمد على ظواهر الأدلة والنصوص، ولا يحاول استنطاق ما وراء الظواهر، ولا يحاول استكشاف الموضوعات الدقيقة من خلال القراءة التأملية لهذا الدليل ولهذا الحكم. أما الفقه الموضوعي فهو الذي يركّز على قراءة الحيثيات التاريخية التي صدر فيها النص، ويركّز على قراءة سنخ الحكم، ويركّز على قراءة جميع المداليل والقرائن اللفظية والسياقية من أجل تحديد موضوع الحكم.

المثال الأول: قراءة الحيثيات التاريخية التي صدر فيها الحكم.

نحن نعلم جميعًا أن هناك روايات متعددة وردت عن الرسول أن خضاب الشيب أمر راجح مطلوب، هذا الحكم إذا قرأناه باتجاه حرفي فإننا نقول: كل من شاب شعر لحيته أو رأسه يرجح له أن يخضّب شيبته، وأما علي بن أبي طالب فإنه قرأ الحكم من خلال حيثياته التاريخية، كان علي لا يخضب شيبته، فاعترض عليه أصحابه، وقالوا: لم لا تخضّب شيبتك كما صنع رسول الله ؟ قال: ”كان ذلك والإسلام قُل، أما وقد ضرب الأرضَ بجرانه فامرؤٌ وما اختار“، أي: إنما كان الرجحان عندما كان عدد المسلمين قليل، وأما بعد أن أصبح الإسلام إمبراطورية تحكم الشرق والغرب، فليس هذا راجح ولا ذاك راجح، وإنما الإنسان باختياره أن يخضّب أو لا يخضّب.

وبعبارة أخرى: الرسول إنما شرّع الخضاب لأن المسلمين كانوا قلائل، لنفترض أن المسلمين كانوا ثلاثة آلاف شخص مثلًا، فإذا كان ألفان منهم شيبة، فكيف يواجهون الأعداء؟! إذا خاض المسلمون المعارك والغزوات، ورآهم الأعداء بأن النسبة الغالبة عليهم من قسم الشيبة، هذا يوجب وهنًا للإسلام، ويوجب كسرًا لعزة الإسلام وهيبته، فأراد الرسول أن يُبْرِز المسلمين كشباب أشداء قادرين على خوض المعركة والفوز بالنصر.

هنا، أحد تلامذة رسول الله - وهو علي بن أبي طالب - قرأ الحكم قراءة تاريخية، أي: قرأ الظروف التاريخية التي صدر فيها الحكم، ونحن لا نناقش ولا نركز على المثال، ولكن يمكن لنا أن نسلك مسلك علي بن أبي طالب، في قراءة كل حكم من خلال ظروفه التاريخية...

«... خلل في التسجيل...»

المثال الثاني: تمييز الأحكام الولايتية من غيرها.

... لا بما مبلغ، بل بما هو ولي أمر، فلذلك يختلف باختلاف الموضوعات والظروف، وبحسب ما يقرّره ولي الأمر بمقتضى تجربته، وبمقتضى خبرته، وبمقتضى فقاهته.

المثال الثالث والأخير: التركيز على سعة ومرونة المدلول اللغوي.

ورد عن الرسول محمد : ”إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان“. الكثير من الفقهاء يقول: البينات هي شهادة رجلين عدلين، ولكن هناك من يوسّع معنى البينة، فيقول: البينة هي كل ما أوجب البيان والوضوح، كل ما أوصلنا إلى حجة واضحة فهو بينة، وبالتالي فالبينة لا تختص بشهادة رجلين عادلين، بل تشمل تشريح الجثة لاكتشاف الجريمة، وقراءة البصمات لمعرفة المجرم، وتشمل جميع العلوم الحديثة لاكتشاف المجرم، كلها بينة، فليس المقصود بالبينة خصوص شهادة رجلين عادلين، ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ، البينة لغةً هي الحجة، كل ما يوجب الوضوح والبيان فهو بينة، سواء كان شهادة رجلين عادلين أم غير ذلك، فيمكن للقضاء الإسلامي حينئذ أن يوسّع في أدلته، ويوسّع في الطرق، لما يشمل الطرق العلمية والعقلائية التي توصل إلى البيان والوضوح. هذا ما أردت الحديث عنه، وفي هذا المجال بحوث وآفاق كثيرة لا يتسع الوقت لاستعراضها، والحمد لله رب العالمين.

الأسئلة والأجوبة:

المقدم: أحسنتم سماحة السيد، نفتح المجال للأسئلة، إذا كانت هناك أسئلة.

سائل: نشكر سماحة السيد على المحاضرة القيمة، لدي سؤالان: السؤال الأول: سماحة السيد، نستمع الآن [...] هؤلاء الناس خالفت عقولهم، أفكار لا تمت للإسلام بصلة، فهم يقدّمون منهجية لقراءة نصوص القرآن الكريم، أو النصوص الإسلامية بشكل عام، ألا يجدر بعلماء المسلمين أن يضعوا منهجية واضحة لقراءة النص الإسلامي، وتجنب أن تنفرد كل مدرسة إسلامية بمنهجية في قراءة النص؛ لأن هذا الانفراد أعتقد أنه هو الذي أدى إلى دخول مثل هذه الفئة، وإعطاء مثل هذه الأطروحات؟ والسؤال الآخر: بالنسبة إلى الجمود الذي يعاني منه الفكر الإسلامي، هل هو السبب في صناعة الصورة التي يحملها الآخر عن الإسلام اليوم؟ وإذا أردنا أن نحسّن الصورة على مستوى الفرد المسلم وليس على مستوى الفكر ككل، على مستواه كفرد وكشخص مسلم، ما هي الإجراءات الواجب على كل فرد أن يعملها في سبيل تحسين هذه الصورة، من جانب التجديد، بما يتعلق بالموضوع المطروح؟

سماحة السيد: بالنسبة إلى السؤال الأول: أنتم وضعتم اليد على الجرح، انفراد كل مدرسة باتجاه معين في مجال استكشاف الفكر الإسلامي، قد يكون ذريعةً بيد العلمانيين إلى النيل من عظمة الفكر الإسلامي ورصانته ورسوخه، ولذلك ينبغي على المذاهب الإسلامية المختلفة، والاتجاهات العلمية المختلفة، ولو كانت ضمن مذهب معين، أن تتلاقح من خلال المؤتمرات الفقهية التي تجمع هذه الاتجاهات المختلفة، إذا اجتمعنا تحت مظلة واحدة، وفي حوار واحد، وطرحت أنا أطروحتي، كالفقه الموضوعي مثلًا مقابل الفقه الحرفي، ووضعت له بنودًا وأسسًا تتناسب مع أن يكون منهجًا علميًا، وأنتم طرحتم الأطروحة الأخرى، وبدأ الحوار معنا في تقليل وتهذيب كل أطروحة، حينئذ يمكن أن يتوصل المسلمون على الأقل لما بعد عشر أو عشرين سنة إلى اتجاه ذي معالم واضحة، وذي خطوات علمية دقيقة في استكشاف الفكر الإسلامي، من دون أن تكون هناك ثغرات ينفذ منها من يريد النيل من عظمة الإسلام وعزته.

وأما السؤال الثاني الذي تفضلتم به، وهو دور الفرد المسلم في هذا المجال، ألا وهو مجال التجديد، أنا أتصور أنه مع الأسف الكثير من شبابنا، والكثير من إخواننا، لا يبادر إلى الثقافة، والثقافة هي الطريق. الآن كُتِبَت كتبٌ كثيرة، وأقيمت مؤتمرات متعددة ومختلفة، والنسبة الغالبة من شبابنا لا يقرؤون ماذا يدور حول الإسلام، كيف يستطيع الفرد المسلم أن يدافع عن فكره وهو لا يقرأ شبهات وأطروحات الآخرين؟! كيف يستطيع الفرد المسلم إذا سافر مثلًا إلى أوروبا أو إلى أمريكا أو إلى الشرق والغرب، وسمع ما يقال عن الإسلام، أن يكون عنده ردٌ واعٍ، وردٌ مقنعٌ، إذا لم يكن من الأول قد قرأ هذه الأطروحات، واطلع عليها، واطلع على محاولات النفوذ والدخول إلى الفكر الإسلامي بوسائل مختلفة، من أجل إضعافه وتوهينه؟! فوظيفة الفرد المسلم هي القراءة، وظيفة الفرد المسلم هي الثقافة، والآن مواقع الإنترنت أصبحت مفتوحة، كل يتكلم، العلماني يتكلم، والإسلامي يتكلم، فلا بد أن يستمع للشخصين معًا، ليعرف ماذا يقال عن الإسلام، وليتسلح من خلال الحوار مع علماء الإسلام ومفكّريه، في سبيل الدفاع عن استمرارية الفكر الإسلامي، والتشريع الإسلامي.

سائل: ألا ينبغي أولًا تحديد ثوابت هذا الدين، حتى نعرف ما هو المتغير وما هو الثابت؟ وما دور العقل في [...] الحكم؟

سماحة السيد: أما بالنسبة للشق الأول - وهو تحديد الثوابت - فقد ذكرت ضمن المحاضرة أن القسم المتعلّق بأصول العقائد، كالتوحيد والنبوة والمعاد، والقسم المتعلّق بأركان الإسلام، هذا متفق عليه أنه ثوابت ودعائم للفكر الإسلامي، فلا مجال للتغيير، لا يكون المسلم مسلمًا إلا مع الالتزام والإقرار بهذه الثوابت. وأما ما سواها مما اختلف المسلمون في واقعيته، واختلف المسلمون في سعته وضيقه، فهو مندرجٌ تحت المتغير، الذي هو قابلٌ وخاضعٌ للبحث والتجديد والتغيير، كما تفضلتم، بأن هناك ثابت وهناك متغير.

وأما الشق الثاني الذي تفضلتم به في السؤال - ما يتعلق بالعقل - فنحن نقول: العقل مجاله أقسام ثلاثة، لا يسع الوقت للتعرض لها، لكننا نقسّم مجالات العقل إلى أقسام ثلاثة: موارد الحسن والقبح، كل ما يدخل الحسن والقبح فالعقل يقول كلمته؛ فإن العقل مرجعٌ في تحديد ما هو حسن وما هو قبيح، ومقصودنا بالعقل الحكم العقلائي العام الذي لا يختلف فيه العقلاء. مثلًا: نحن نبحث في علم أصول الفقه، إذا لم يصل للإنسان دليل، كما لو بحث فلم يجد دليلًا على حرمة التدخين مثلًا، فلو دخّن، هل يعاقَب مع أنه لم يصل إليه دليل؟ هذا يدخل في مسألة عقلية، نحن نسمّيها بالبراءة العقلية، قبح العقاب بلا بيان، هل يقبح على الله «تبارك وتعالى» عقاب عبده من دون بيان ومن دون دليل، أم لا يقبح؟ هذه مسألة عقلية يُرْجَع فيها إلى العقل لا إلى النص.

القسم الثاني هو بحث الملازمات المعبّر عنها في أصول الفقه بالملازمات العقلية، فمثلًا: هل الأمر بشيء يقتضي النهي عن ضده؟ أنا أدخل إلى المسجد، وأريد أن أصلي، ولكنني أرى نجاسة في أرض المسجد، هنا واجب فوري، وهو إزالة النجاسة عن المسجد، وهناك واجب موسّع، ألا وهو الصلاة، فيحصل التزاحم بين الواجب الفوري والواجب الموسّع، الواجب الفوري مأمورٌ به، فهل الأمر بالواجب الفوري - وهو إزالة النجاسة - يستلزم النهي عن الصلاة؟ وبعبارة أخرى: لو عصى الإنسان ولم يزل النجاسة، بل دخل في الصلاة، فهل دخل في عمل منهي عنه، أم لا؟ هذا أمر يدركه العقل، هل هناك ملازمة عقلية بين الأمر بشيء والنهي عن ضده الذي يزاحمه؟ هذا بحث الملازمات العقلية.

القسم الثالث من المجالات التي يدخل فيها العقل هو بحث الإمكان والاستحالة. عندما نبحث: ممكن أم غير ممكن؟ فهذا أمر يقرّره العقل. مثلًا: هل يمكن أن يأمر الإسلام الإنسانَ المسلم بصوم شهر رمضان، فإن عصى فهناك صوم آخر؟ مثلًا: لو أنَّ إنسانًا كان عليه نذر، نذر لله تعالى أن يصوم يومًا، أو نذر لله تعالى أن يصوم يوم الجمعة، دخل شهر رمضان، جاء يوم الجمعة، قال: أنا لا أريد أن أصوم هذا اليوم من رمضان، بل أريد أن أصوم يوم الجمعة من النذر، فهل يمكن أن يخاطَب المسلم بأمرين في آن واحد، بحيث يقال له: صم رمضان، فإن لم تصم فصم ما عليك من النذر؟ هذا بحث عقلي لا يُرْجَع فيه إلى النص، بل يُرْجَع فيه إلى ما يقرّره العقل. إذن، العقل نحن نعترف بمرجعيته في الأحكام الإسلامية، ولكن إذا كان ضمن هذه الأقسام الثلاثة التي ذكرتها.

المقدم: كيف يتسنى لنا معرفة إذا كان هذا القانون هو من الرسول كولي أو الرسول كمبلغ؟

سماحة السيد: تشخيص وتحديد أنه صادرٌ عنه بما هو مبلغ أو صادرٌ عنه بما هو ولي الأمر من خلال قراءة الظرف التاريخي الذي صدر فيه النص، إذا قرأنا الظروف التاريخية قراءة دقيقة وبمنهجية علمية، استطعنا من خلال ذلك أن نحدّد أن الخطاب الصادر من النبي صدر عنه بما هو مبلغ أو بما هو ولي الأمر.

المقدم: ما طرحتم في المحور الأول من جواز أخذ فائدة بلحاظ التضخم، هل هذه الشبهة أم من مواضيع التغيير والتجديد؟

سماحة السيد: أنا لا أتبنى المثال، وإنما أقول: هذا مثال للتغيير، ولكن هذا يُتْرَك للبحث الفقهي، هذا يعتمد على أن نبحث المسألة بحثًا فقهيًا.

سائل: بالنسبة لمساواة شهادة المرأة لشهادة الرجل إذا وصلت لدرجة معينة من الضبط، هل كل نص معلّل يمكن أن يحدث فيه تجديد؟ هذه نقطة. النقطة الثانية: عندما أنزلت الأحكام فقد أنزلت والله تعالى ورسوله على علم بأحوال النفس وطبيعتها، سواء كانوا رجالًا أو نساء، فهل تتماشى هذه مع طبيعة الجنسين؟ النقطة الثالثة: نساء الرسول وهن من [...] الدنيا، وفاطمة سيدة نساء الجنة، وعائشة [...] من النساء العالمات التي لا يصل إلى شأوها ولا يبلغ إلى درجتها في عصرنا هذا رجال كثير! مع هذا، نجد أن امرأة تعترض على حكم معين، فيقول عمر [...]: لا نترك الحكم لامرأة لا ندري أنسيت أم ضلت! فنقول: كأنها في عصر النبي وعهد الصحابة، هل حصلت مثل هذه الحالات التي قُرِنَت فيها شهادة المرأة بشهادة رجل واحد؟ بالنسبة للنقطة الأخرى: خروج المرأة فيما يتعلق بالأمور العرفية التي تضطر إليها في هذا العصر من غير استئذان الرجل، ألا يمكن أن يقال بأن المرأة عليها أن تستأذن استئذانًا عامًا من زوجها؟! فلماذا نضطر إلى القول بالتجديد؟! أليس هذا مؤديًا إلى تناقص أحكام الشرع أمرًا أمرًا نتيجة للتطور المضطرب في هذا العصر؟! ولا ندري ما يخفيه لنا المستقبل، فقد تتطور الأمور تطورًا كبيرًا، وتبلغ مبلغًا عظيمًا، نضطر فيه إلى إنقاص أحكام الدين حكمًا حكمًا، فما قولكم؟ وجزيتم خيرًا.

سماحة السيد: أولًا: ما تفضلتم به بالنسبة للآية المباركة، وهي: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، نحن نبحث في الفقه: هل هذا علة أم حكمة؟ نحن لا نقول بأنه علة مئة بالمئة ونغيّر، أنا أطرح نافذة للبحث، أقول بأن كل تعليل يرد في أي نص، لا بد أن يُدْرَس، هل هو علة يدور الحكم مداره، أم هو مجرد حكمة لبيان فلسفة الحكم، ولبيان أحد ملاكات الحكم؟ ما ذُكِر في الآية المباركة نظير ما ذُكِر في آية أخرى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ، بحث العلماء في علم أصول الفقه في هذه الآية هل أن هذا علة، إذا انتفى ينتفي الحكم معه، أم هو مجرد حكمة، بمعنى أن الله أراد أن يشير إلى أحد الأسباب والملاكات، لا أنه يشير إلى السبب التام؟ فإذن أنا طرحته كمثال للبحث، وأما تحديد أن هذا التعليل والتبرير هو علة يدور الحكم مداره أو حكمة، فهذا لا بد أن يدخل ضمن بحث فقهي.

وأما الشق الثاني الذي تفضلتم به، وهو أنَّ بعض نساء النبي وبعض بناته كن مثالًا في العلم وفي التقوى وفي ضبط المشاعر وضبط النوازع، نحن لا ننكر هذا، نحن نقول: الأمور ترجع إلى النوع ولا ترجع إلى الشخص، الأحكام الشرعية يلاحَظ فيها النوع، فمثلًا: الإسلام عندما يحرّم الخمر فإنه لم يحرّمها لأنه خمر، وإنما حرّمها لأنه مسكرٌ، فهل هذا يدور مدار الشخص، بمعنى أن من يسكره حرام عليه، ومن لا يسكره ليس حرامًا عليه؟! لا، نقول: بما أن الخمر يُسْكِر النوع، أي: يُسْكِر الأغلب، فهو محرمٌ، [...] الأغلب، لا يلاحَظ كل فرد فرد.

نفس القضية بالنسبة للمرأة، نقول: في زمان النبي ، الأغلب من النساء كن في معرض الضلال، وإن تميزت فاطمة الزهراء أو غيرها من النساء بعلم أو بمعرفة أو بتقوى، لكن الأغلب كانوا في معرض الضلال. لو فرضنا أن المجتمع تغير إلى عكس ذلك، فكان أغلب النساء فيه - أي: النوع - كالرجال تمامًا، من حيث نسبة احتمال الضلال، فلماذا لا نقبل التغيير؟! طبعًا إذا حقّقنا الخطوة الأولى، لو استفدنا أن ما ذُكِر في الآية علةٌ لا حكمة لماذا لا نقبل ذلك؟! إذا تغير النوع لا إذا تغير الشخص.

وأما الشق الثالث: خروج المرأة من بيتها، كما تفضلتم، أنتم طرحتم حلًا، وهناك حلول أخرى، فمن الحلول مثلًا: في ضمن عقد الزواج تشترط على زوجها ألا يمنعها من الخروج، فلا يحق لها بعد ذلك أن يمنعها، بمقتضى ”المؤمنون عند شروطهم، إلا شرطًا حرّم حلالًا أو أحلّ حرامًا“.

وأما تناقص الأحكام الشرعية فنحن لسنا خائفين، الإسلام ليس بضاعة بمقدار نصف كيلو أو كيلوين حتى نخاف من نقصانه! خزائن الإسلام وافية، الأحاديث الواردة عن النبي بعشرات الآلاف، وخزائن الإسلام في القرآن والسنة مما لا حدّ لها، نحن لا نخاف أبدًا أن يتناقص التشريع، نحن حتى لو طرحنا منهج التجديد بالآلية التي ذكرتها - وهي الفقه الموضوعي لا الفقه الحرفي - فإننا لا نخاف أن يتناقص الإسلام حتى بعد مليون سنة.

مع الأسف، الوقت انتهى، ولا يسع لأكثر من هذه الأسئلة، فنشكر سماحة السيد على هذه المحاضرة القيمة، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق محمد وآله الطيبين الطاهرين.

أطروحة التفكيك بين الدين الواقعي وفتاوى الفقهاء