نص الشريط
فاعلية العمل الصالح
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 30/8/1430 هـ
مرات العرض: 2661
المدة: 00:47:00
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (1912) حجم الملف: 10.7 MB
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَالْعَصْرِ «1» إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ «2» إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ

صدق الله العلي العظيم

الكلام فعلا في عدة جهات نتعرض إليها:

الجهة الأولى: أن ما يصدر من الإنسان من عمل فهو كما ينتسب إلى الإنسان فإنه ينتسب إلى الله تبارك وتعالى.

قال تبارك وتعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ وقال في آية أخرى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ كيف تنتسب أعمالنا وتصرفاتنا إلى الله تبارك وتعالى؟

الفلاسفة يقولون «انتساب الفعل لفاعله القريب بعين انتسابه لفاعله البعيد، والانتسابان في درجة واحدة» مثلا: الإنسان إذا صعد على السلم ووصل إلى الدرجة الرابعة من السلم، وصول الإنسان إلى الدرجة الرابعة من السلم كما يستند إلى الدرجة الثالثة، يعني لولا وصلوه للدرجة الثالثة لما وصل إلى الدرجة الرابعة، فوصوله إلى الدرجة الرابعة يستند إلى علتين: علة قريبة وهي وصوله إلى الدرجة ثالثة، وعلة بعيدة وهي وصوله إلى الدرجة الأولى، فوصول الإنسان إلى الدرجة الرابعة استند لعلتين علة مباشرة قريبة وهي وصوله للدرجة الثالثة، وعلة بعيدة وهي وصوله إلى الدرجة الأولى، واستناده إلى العلة الأولى كاستناده إلى العلة الثانية، وانتسابه إلى الدرجة الثالثة كانتسابه إلى الدرجة الأولى، الانتسابان والاستنادان في درجة واحدة، في مستوى واحد، إذًا إذا كان للشيء علة قريبة وعلة بعيدة فإنه يستند إلى كلتا العلتين، يستند إلى كلا السببين، لا أنه يستند إلى السبب القريب فقط دون السبب البعيد، لا، يستند إلى كلا السببين.

أيضًا الإنسان، الإنسان علة وسبب لأفعاله، الإنسان عندما يصلي فالصلاة فعله، وعندما يمشي فالمشي فعله، الصلاة والمشي تستند إلى الإنسان لأنه علة قريبة، وفي نفس الوقت تستند إلى الله تبارك وتعالى، استناد الصلاة والمشي إلى الإنسان في عين استنادها إلى الله تبارك وتعالى، ربما يقال قائل: الصلاة والمشي صدرا عن الإنسان باختياره وبشعوره ولم تصدرا بالجبر والإكراه، فبما أن الصلاة والمشي والكلام إنما صدرت من الإنسان باختياره وإدراكه بشعوره فهو غير مجبور عليها، فلماذا تستند إلى الله؟ ينبغي تستند إلى الإنسان محضًا، إلى الإنسان فقط من دون أن تستند إلى الله، لأنها ناشئة عن اختيار الإنسان، عن شعور الإنسان، عن إدراك الإنسان.

هذا ليس صحيحًا، هذا الإنسان الشاعر، المدرك، المختار، من أين أتى بهذه الأمور؟ كلها أتى بها من الله عز وجل، هو يفعل الأشياء باختياره، ولكن هذا الاختيار وجود مفاض عليه من قبل الله، هو يفعل الأشياء بإدراكه، لكن الإدراك وجود مفاض عليه من قبل الله، هو يفعل الأشياء بشعوره، لكن الشعور وجود مفاض عليه من قبل الله، إذًا أي فعل يصدر منا يحتاج إلى عوامل ثلاثة: شعور، إدراك، اختيار، هذه العوامل الثلاثة من الشعور والإدراك والاختيار من أعطانا إياها؟ من وهبنا إياها؟ من زودنا بها؟ الذي زودنا بهذه العوامل الثلاثة هو الله تبارك وتعالى، فالنتيجة أن الصلاة التي تستند إلينا لأجل وجود الشعور والإدراك والاختيار هي في نفس الوقت تستند إلى الله تبارك وتعالى، لأنه هو الذي أعطى عوامل وجودها، هو الذي وهب أسباب إيجادها، فكما تستند الصلاة إلينا كعلة مباشرة قريبة تستند إلى الله تبارك وتعالى كعلة العلل ومبدأ المبادئ تبارك وتعالى.

لذلك قال تبارك وتعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ لم يخلقكم فقط وعملكم مخلوق لكم، لا، عملكم أيضًا مخلوق لنا، لأن عوامل خلقه بيدنا، وأسباب خلقه منا، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ وقال في آية أخرى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ لم يقل «تعذبونهم» لا، هو يعذبهم، لم يقل «قاتلوهم تعذبوهم» لا، قال: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ، «يعذبهم الله» يعني التعذيب بالشكل المباشر منكم، لكن بما أن عوامل التعذيب وأسبابه من الله تبارك وتعالى فالتعذيب أيضًا ينتسب إلى الله تبارك وتعالى، ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وقال في آية أخرى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى يعني أنت إذا لاحظت تسلسل العلل ستجد أن مبدأ العلل وعلة العلل هو الله، ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى.

أنت تقول: علة وجودي أبي، لولا أبي لما وجدت، أنت نظرة للعلة القريبة، أنت نظرة لهذه العلة المادية الضعيفة، والحال لا، هذه العلة المادية مستندة إلى سلسلة من العلل تنتهي إلى علة العلل وهو الله تبارك وتعالى ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ.

ولا يعني هذا الجبر والإكراه، لا، هو خلق لك العمل لكن باختيارك أنت، الله تبارك وتعالى يفيض وجود الصلاة إذا اخترتها أنت، فالنتيجة أن الصلاة كما تستند إلى إفاضته وإلى إيجاده فإنها تستند أيضًا إلى اختيارك ولإرادتك، أفاض عليك الاحتيار ثم أنت اخترت الصلاة بمحض إرادتك، فالنتيجة أنها تستند إلى إرادتك واختيارك، و﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ.

الاختيار هو طاقة، أما إعمال الاختيار بيدي أنا، مثل ما أعطاني طاقة الذهن، هناك إنسان عنده عقل لكنه لا يحركه «مغلفنه» هناك إنسان عنده طاقة بدنية لكنه لا يحركها، دائمًا نائم في البيت، الله أعطاك الطاقة، أعطاك طاقة ذهنية، تفعيل هذه الطاقة الذهنية واستغلالها واستثمارها بيدك أنت، الله أعطاك طاقة بدنية تستطيع أن تحمل بها الأثقال وأن تكون لاعبًا رياضيًا ممتازًا، أنت الذي تخدر طاقتك البدنية وتقضيها في النوم والكسل، الله أيضًا أعطاك طاقة اسمها الاختيار، هذه الطاقة أنت تفعلها، أنت تعملها، أنت تقول أنا أختار كذا ولا أختار كذا، أختار الخير ولا أختار الشر، فالاختيار طاقة كطاقة الذهن، كطاقة القوة البدنية، بيد الإنسان تفعيلها وإعمالها، إذا بالنتيجة إذا الإنسان اختار الصلاة، يعني أعمل وفعل طاقة الاختيار في الصلاة، الصلاة يفيضها الله نتيجة إرادة من الإنسان وتفعيل لاختيار الإنسان، فهي عمل اختياري للإنسان، وفي نفس الوقت هي عمل مفاض من قبل الله تبارك وتعالى لأنه أفاض سببه وأفاض علته وأفاض منشأه، ألا وهو الاختيار، هذه هي الجهة الأولى.

نأتي إلى الجهة الثانية:

كثير من الناس قد يقول: إذا كانت أعمالنا مخلوقة من قبله تعالى، وتستند إليه تبارك وتعالى، وتنتسب إليه تبارك وتعالى، إذًا الشرور أيضًا هو الذي قضاها علينا، فهل من العدل قضاء الشرور؟ هل من العدل أن يقضي علينا بالأمراض مثلا؟ هل من العدل أن يقضي علينا بالحروب مثلا؟ بالمجاعات مثلا؟ إذا كانت الأعمال تستند إليه فمنها الشرور، إذا الشرور تستند إليه، هو الذي قضى علينا بهذه الشرور والأسواء والأمراض الأدواء، فهل من العدل أن يقضي على عبده بذلك؟

الجواب عن هذه الشبهة: الفلاسفة يقولون «الشر عدمي» الشر ليس وجود حتى يقضى، الذي يقضى ما كان في إطار الوجود، ما كان من سنخ الوجود، الشر ليس من سنخ الوجود، الشر من سنخ العدم، والعدم مما لا يقع تحت القضاء، تحت إطار القضاء، كيف يعني؟

يعني مثلا لنفترض أن إنسانًا قتل إنسانًا آخر، هذا يعد شرًا، لا يوجد شر أعظم من هذا الشر «أي القتل»، أين الشر؟ نحن إذا نتبع ونركز ونؤكد على عملية القتل باحثين عن الشر، لنفترض أنه ضربه مثلا بسيف أو بخنجر فقتله، هناك قوة يد حصلت من القاتل، هذه القوة وجود وأمر كمالي، ولذلك لو استخدم هذه القوة في أمر آخر لكانت أمرًا حسنًا، إذًا هذه القوة التي صدرت من القاتل هي أمر كمالي وخير، وليست شرًا، نأتي إلى هذا الخنجر الحاد، حدة هذا الخنجر، حدة هذا السيف أيضًا ليست شرًا بل هي خير، لأن حدة الخنجر أمر كمالي، لو قطع بهذا الخنجر شجر أو حجر لكان خيرًا، إذًا حدة الخنجر ليست شرًا أيضًا بل هي خير.

مطاوعة الرقبة «لو ضربه في رقبته» مطاوعة رقبة المقتول للخنجر القاتل، الرقبة طاوعت الخنجر فانفصلت، هذه المطاوعة أيضًا خير، يعني الرقبة أعضاؤها متناسقة لذلك استجابت لهذا القطع فانقطعت، أيضًا مطاوعة الرقبة للخنجر أمر كمالي في الرقبة، وهو خير، أين الشر؟

الشر في إزهاق الروح، كل هذه الأمور لا شر فيها، لا في القوة التي بذلها القاتل، ولا في حدة السيف، ولا في مطاوعة الرقبة في عملية القتل، لو لم تزهق الروح لما وجد الشر، يعني لو واحد سوبرمان لا يتأثر ولا يتغير لما صار شرًا، بعد حصول هذه الأمور الثالثة صار فراق بين الروح وبين البدن، هذا الفراق هو الشر، هذا الفراق ليس أمرًا وجوديًا، الفراق أمر عدمي، اللقاء أمر وجودي أما الفراق أمر عدمي، إذًا بالنتيجة إذا ندقق الشر دائمًا يرجع إلى عدم.

مثلا المرض، من أين يأتي المرض؟ مثلا مرض أنفلونزا القرود والخنازير والزنابير، كل يوم يبثون فيروسات في العالم ليشغلوا العالم بها، هذا الفيروس «أنفلونزا الخنازير مثلا» نحن الآن إذا أتينا لهذا الجسم، جسم سليم التقى مع جسم مصاب، فانتقلت العدوى وانتقل الفيروس من الجسم المصاب إلى الجسم السليم، يقولون هذا الانتقال شر، لا، أين الشر؟ الشر في عدم التناسب بين خلايا الجسم السليم وبين هذا الفيروس، لو كان الجسم السليم قويًا لما تأثر بهذا الفيروس، لو كان الجسم السليم قوي البنية متماسكًا لما تأثر بهذا الفيروس، إذُا من أين أتى الشر؟ الشر ناشئ من عدم الانسجام بين خلايا الجسم السليم وبين هذا الفيروس، لأجل عدم الانسجام بين خلايا الجسم السليم وبين الفيروس حصل اختلال في هذه الخلايا وفقدت الانتظام في مسيرة عملها، إذًا الأمر رجع لأمر عدمي وهو عدم الانسجام بين خلايا الجسم السليم وبين الفيروس المقبل، وبين الجسم الغريب المقبل، عدم الانسجام نسميه مرض، عدم الانسجام نسميه شر، إذًا الشر رجع إلى أمر عدمي لا لأمر وجودي، فأين قضاء الله؟

ما يقضيه تبارك وتعالى هو الوجود، الله أعطى هذا الإنسان قوة في يده، وهذا خير، الله جعل لهذه السكين حدة، وهذا خير، الله أعطى هذه الرقبة قدرة على المطاوعة لما يجعل عليها، هذا أيضًا خير، كل ما قضاه فهو خير، كل ما قضاه فهو من الوجود، من الخير، من الكمال، إنما نتيجة عدم الانسجام سمينا هذا العدم مرض، سمينا هذا العدم شر، سمينا هذا العدم مفسدة، نتيجة عدم الانسجام وإلا كل الأسباب التي اجتمعت هي من نوع الخير وهي من نوع الوجود، وما قضاه تعالى هو هذه الأسباب، أما هذه النتيجة العدمية لأنها عدم ليست مما يقع تحت القضاء، ما وقع تحت القضاء هو هذه الأسباب، وهذه الأسباب الوجودية كلها خير محض.

نحن إذا دققنا نجد أن الخير والشر منا نحن، نحن الذين اخترعنا هذا شر وهذا خير ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم نحن الذين نسمي، مثلا: إذا يقتل مسلم نقول هذا شر، أما إذا قتل كافرًا حربيًا أثناء المعركة نقول هذا خير، مع أن هذا قتل وذاك قتل، هذا اعتبار شرعي، الشرع اعتبر هذا خيرًا وذاك شرًا، وإلا فكلاهما من حيث عملية القتل أمر واحد، مثلا التذكية، إذا ذبحت هذا الحيوان مع التسمية قلنا هذا خير، وإذا ذبحته بلا تسمية قلنا هذا شر، هذه التسمية اعتبار شرعي، وإلا في واقع التكوين كلاهما ذبح، كلاهما أمر واحد.

إذًا بالنتيجة الخير أمر وجودي كمالي محض أفاضه الله وقدره، أما الشر إما عدم، والعدم لا يقع تحت القضاء، أو اعتبار، اعتبار شرعي، اعتبار عقلائي، اعتبار من قبل الإنسان، وليس أمر تكوينيًا حتى يكون مما يقع تحت القضاء.

نأتي إلى الجهة الثالثة:

﴿وَالْعَصْرِ «1» إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ كل دقيقة تمر على الإنسان هي خسارة لا يستطيع استرجاعها، فالإنسان دائمًا في خسر، يخسر الدقائق والثواني التي تمر عليه، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ الكلام في العمل الصالح، القرآن الكريم يا إخوان تارة يجعل الصلاح صفة للشخص وتارة يجعل الصلاح صفة للعمل، مثلا: القرآن الكريم يقول: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ هنا الصلاح صفة للشخص، وأحيانًا يصف العمل بالصلاح، يقول: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا ما معنى صلاح الشخص وما معنى صلاح العمل؟

1/صلاح الشخص: فلنقرأ هذه الآية جدًا آية جميلة: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ الصلاح هنا وصف للشخص، وصف لإبراهيم، ما معنى أن إبراهيم في الآخرة من الصالحين، يعني في الدنيا ليس من الصالحين؟ ما معنى هذه الآية؟ ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا هذا واضح، ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ يعني في الدنيا هو لم يكن من الصالحين؟ ما معنى هذه الآية؟ القرآن الكريم في عدة آيات يذكر ويركز على الصالحين في الآخرة، مثلا سليمان نبي معصوم، القرآن يقول على لسانه: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ يعني هو لم يكن من العباد الصالحين؟ ويخبر عن إبراهيم: ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ونحن نقرأ في الدعاء: «اللهم برحمتك في الصالحين فأدخلنا» ما معنى الإدخال مع الصالحين في الرحمة وفي الآخرة؟

لاحظ الآية المباركة: ﴿وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا هناك طبقة من الناس في عرض طبقة الأنبياء، هناك طبقة من الناس اسمهم الصالحون في عرض طبقة الأنبياء، في عرض طبقة الشهداء، في عرض طبقة الصديقين، نخبة اسمهم الصالحون في رتبة الأنبياء، في رتبة الصديقين، في رتبة الشهداء، هؤلاء النخبة المسمون بالصالحين الذين هم في رتبة الأنبياء سليمان يدعو أن يكون منهم: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ أدخلني مع هؤلاء النخبة، أوصلني إلى درجتهم وإلى مقامهم، هذه الرتبة هي التي عبر عنها القرآن الكريم في حق إبراهيم: ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ سيكون مع هؤلاء النخبة مع أن إبراهيم نبي صديق، مع ذلك في الآخرة سيدخل مع نخبة معينة، ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ فمن هم الصالحون؟ من هم هؤلاء النخبة الذين يخبر القرآن أنهم في عرض الأنبياء والصديقين وأن سليمان يتمنى أن يكون منهم وأن إبراهيم سيؤول إليهم؟ الرواية المعتبرة الصحيحة عن الإمام الصادق : ”الصالحون محمد وآل محمد“ فهناك نخبة معينة هم هؤلاء، هم في عرض الأنبياء والصديقين، اللهم ارزقنا جوارهم في الدنيا والآخرة، وشفاعتهم والنيل من كرامتهم وخيارتهم.

2/ صلاح العمل: أحيانًا يكون الصلاح صفة للعمل، يعبر عنه بأن العمل الصالح، ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا ما معنى صلاح العمل؟ ما معنى العمل الصالح؟ العمل الصالح هو العمل المتصل بالله، كيف تتصل بالله؟ يوجد اتصال حسي ويوجد اتصال وجداني وليس حسيًا، الاتصال الحسي كأن أصافحك، يدي بيدك، وإن كان هذه الأيام أنفلونزا الخنازير والناس خائفة، في كل مكان أدخل يقال لي: انتبه يا سيد، لا تصافح أحد، لا تعانق أحد، لا تقبل أحد، ترى مشكلة خطيرة! والأيام المقبلة أشد وسترون، ستمر ابتلاءات على هذه المناطق، ابتلاءات شديدة على المؤمنين الالتفات إليها.

الإنسان إذا صافح إنسانًا آخر بيده هذا اتصال حسي، مثل أن يضع يده على النار، هذا اتصال حسي، وهناك اتصال وجداني وليس اتصالا حسيًا، إذا جلس الإنسان أمام أمه أو أمام أبيه، ونظر إليه نظرة رحمة، ونظر إليه أبوه نظرة رحمة، هذا اتصال روحي وجداني، تبادل نظرات الرحمة والرفق اتصال، لكنه اتصال روحي وجداني، وليس اتصالا حسيًا، وهو أشد وأقوى وأعمق من الاتصال الحسي، الاتصال الوجداني الروحي مثل واحد يتصل بك فتقول له: كنت أفكر فيك للتو، في الوقت الذي أنت تفكر فيه هو يفكر بك، هذا اتصال وجداني، اتصال روحي، وهو أعمق من الاتصال الحسي المادي، الإنسان يمكن أن يتصل بالله اتصالا وجدانيًا شهوديًا، الإمام أمير المؤمنين عندما سئل: هل رأيت الله؟ قال: ”وكيف أعبد ربًا لا أراه؟ ما رأته الأبصار بمشاهدة العيان ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان“ أنا ما عندي اتصال حسي لكن عندي اتصال وجداني شهودي، العمل الصالح ميزته هو الاتصال الوجداني، بالعمل الصالح يتصل الإنسان بالله اتصالا وجدانيًا شهوديًا.

أقرأ لك الآيات التي تتعرض لهذا المعنى، مثلا قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ الصدقة من الذي يستلمها؟ الله، الصدقة في صورتها الملكوتية عمل صالح يتصل بالله مباشرة، ﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ اتصال مباشر بالله تبارك وتعالى، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ العمل الصالح يوجب الاتصال، اتصال الكلام الطيب بالله تبارك وتعالى، ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ إذًا ميزة العمل الصالح أنه اتصال وجداني بالله تبارك وتعالى، لاحظ هذه الآية أوضح: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ العمل الصالح ميل واتصال وجداني بالله، ﴿وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ فإذًا ميزة العمل الصالح أنه اتصال وجداني بالله تبارك وتعالى، هذه ميزة العمل الصالح.

الجهة الأخيرة:

كل واحد منا يحتاج إلى العمل الصالح، العمل الصالح هو زادنا، وهو معيشتنا التي نعيش عليها، الإنسان إذا أراد أن يعيش فإن معيشته بالعمل الصالح، أما العمل الفاسد فهو موت ودمار وليس معيشة، المعيشة التي تأكل وتشرب عليها هي العمل الصالح، أما العمل الفاسد فمنقطع النتيجة لا يبقى ولا يستمر، ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ العمل الفاسد منقطع، بالنتيجة العمل المستمر هو العمل الصالح، ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ - لا تزول - وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء - لا تنقطع - «24» وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ لا تبقى، تزول، تنقطع حتمًا، الخبيث لا يدوم، الفساد لا يدوم، ينقطع، يزول حتمًا، ﴿اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ.

إذًا الزاد الدائم هو العمل الصالح، ونحن محتاجون إلى العمل الصالح، هذا شهر المغفرة قد أتى، هذا شهر رمضان قد أتى، هذا شهر الأعمال الصالحة، شهر التزود بالتقوى، لا تضيع أوقاتك هاهنا وهاهناك، جلسات الشباب في الكورنيش إلى أن تطلع الشمس لاحق عليها، عندك شهور أخرى غير شهر رمضان، هذه فرصة ثمينة، فرصة غالية للعمل الصالح لا تضيعها، ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى.

أحد العلماء الكبار «معروف وله كتب ومؤلفات كثيرة» لما توفي رآه ولده في المنام «ولده أيضًا من أهل العلم»، رآه في المنام وقال له: والدي أنت كتبت كتبًا كثيرة، هل يوجد كتاب متأسف لأنك لم تكمله بعد؟ «يعني مت ولم تكمل تأليفه» قال: إي نعم، قال له: أي كتاب؟ قال: كتاب الأدعية والزيارات لم أكمله، الكتب الأخرى أنا كملتها لكن هذا الكتاب أنا ما أكملته، ما زال ناقصًا، وهذا هو الكتاب الذي يبقى معنا ويلازمنا، كتاب الأدعية والزيارات، كتاب النافلة، الكتاب الذي يبقى معنا في الحياة الطويلة هو هذا الكتاب، أين أدعيتك؟ أين زياراتك؟ أين مستحباتك؟ أين نوافلك؟ أين الزاد؟ أنت ما مقدار ما تتبع نفسك في البزنز والتجارات؟ وما مقدار ما تتعب جسمك وعقلك في تحصيل الأموال؟ 5% اصرفه في العمل الصالح، لا نقول كله، 100% تصرف وقتك وطاقتك وقواك في ماذا؟ في الاستثمار، في الأعمال، في تحصيل الثروات، في تحصيل الأموال، طيب 5% من هذا التعب كله دعه للعمل الصالح، في النافلة، في قراءة القرآن في شهر رمضان، في الدعاء، في الزيارة، ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى.

والناس  همهم الحياة ولم iiأجد

وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد

 
طول  الحياة  يزيد  غير iiخبال

ذخرًا   يدوم  كصالح  iiالأعمال

في الرواية المعتبرة عن الإمام الباقر سلام الله عليه أن الميت إذا وضع في قبره تمثل له ثلاثة: أمواله وأولاده وأعماله، بلسان الحال يخاطب أمواله: هذه الأموال التي صرفت عليها الليل والنهار ما لي عندها؟ تخاطبه أمواله: لك منا سترة بيضاء تواري بها عورتك «هذا كاف عليك، لا تعطى من هذه الأموال أكثر من هذه السترة البيضاء» ويلتفت إلى أبنائه: أبنائي تعبت عليكم، ربيتكم، بذلت في سبيل تربيتكم كل نفسي وطاقتي، ماذا تعطوني؟ يقولون: نشيعك إلى قبرك ونواريك في حفرتك «لن يلحقه أحد منهم إلى قبره» فيلتفت بحسرة إلى عمله: عملي ما لي عندك؟ «أنت كلك معاصي، كلك مساوئ، كلك شرور، ما لي عندك؟» يقول: أنا قرينك في قبرك وصاحبك في نشرك «أنا كتابك الذي لا يفارقك».

إذًا بالنتيجة يا إخوان فلننتبه، شهر المغفرة، شهر الرحمة، ”شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله“ أنتم ضيوف استغلوا الفرصة في التزود من هذه الضيافة بأفضل الدرجات، وأفضل الوسائل.

”شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله، أنفاسكم فيه تسبيح“ إذا كانت أنفاس مقترنة بالعبادة، مقترنة بالصوم، أما إذا - والعياذ بالله - يعصي الله في نهار رمضان، هذه أنفاس خبيثة، هذه أنفاس شيطانية، خصوصًا إذا كانت في شهر رمضان، هذا تعدي على حرمات الله، انتهاك لحرمة الشهر المبارك، مضافًا إلى كونه معصية، ”أنفاسكم فيه تسبيح“ إذا كانت الأنفاس مقترنة بالصلاة، بقراءة القرآن، بالنافلة، وليست أنفاسًا مقترنة بمشاهدة المسلسلات والأفلام ومتابعتها والاستمرار عليها، لا.

”أنفاسكم فيه تسبيح ونومك فيه عبادة“ النوم الذي يعقب العبادة، يعقب التهجد والتنفل، وليس النوم الذي يعقب السهر والجلوس مع الأصدقاء بجلسات تافهة فكاهية لا أثر لها ولا نفع لها.

”ونومكم فيه عبادة، أعمالكم فيه مقبولة“ الله تبارك وتعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ يعني العمل إذا تعمله في غير شهر رمضان - طبعًا العمل الصحيح لا العمل الفاسد، يعني واحد يسرق أموال الناس ويتصدق بها مثلا هذا عمل غصب وتعدي - أنا لو تصدقت بأموالي في غير شهر رمضان المعاصي التي أعملها تمنع من قبول هذا العمل، المعاصي موانع من القبول، الإنسان إذا أسرف في المعاصي والذنوب فإنها تكون موانع من قبول العمل، هذه الموانع التي تمنع قبول العمل في غير رمضان لا تمنع في رمضان، العمل مقبول، هذه ميزة رمضان، موانع القبول في غير رمضان ليست موانع في شهر رمضان، ”أعمالكم فيه مقبولة“ هذا كله تشجيع لكم لكي تأتوا، كله حث لكم، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي هذا كله حث، أنا أقبل أعمالك حتى لو هناك بعض السيئات، حتى لو هناك بعض اللمم، أنت ضيف عندي في شهر رمضان، المهم أن تأتي، أقبل علي أقبل عليك، فلا نكون من الذين ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ فلنقبل على ربنا كي يقبل علينا.

فيا إخوان لا تضيعوا الفرص، المسجد فرصة، تأتي تصلي، تتهجد، ربما في البيت لا تتشجع تصلي وحدك، تتهجد وحدك، تعال المسجد، أي مسجد تتشجع فيه اذهب إليه، أي مسجد تشعر أنه يشجعك على العبادة وعلى النافلة اذهب إليه، المهم أن تستفيد من هذه الفرصة، لا تقرأ القرآن في البيت اقرأ في المسجد، لا تصلي النافلة في البيت صلها في المسجد، لا تعيش لذة العبادة في البيت ستعيشها في المسجد، وهكذا، اقترب من المساجد، المهم ألا تضيع الفرصة، هذه الفرصة المباركة الميمونة، فرصة قدوم شهر رمضان المبارك.

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

القضية الأساسية هي الإسلام والتشيع
تأثير عالم المادة على مسيرة الإنسان