نص الشريط
وفاة الإمام علي الرضا (ع)
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مسجد الرسول الأعظم - مطرح
التاريخ: 17/2/1431 هـ
مرات العرض: 2085
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (955)
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ

صدق الله العلي العظيم

انطلاقًا من الآية المباركة نتحدث في محاور ثلاثة:

  • السنخية بين العمل والعامل.
  • السنخية بين العمل والجزاء.
  • الشهادة الملكوتية على الأعمال للأئمة الطاهرين .
المحور الأول: السنخية بين العمل والعامل.

هناك آية تتحدث عن السنخية بين العمل والعامل وهي قوله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًا الإسراء «84»، الشاكلة على نوعين:

النوع الأول: شاكلة ذاتية.

وهي الجينات الوراثية التي تضع بصمتها على الإنسان، وتضع أثرها على نفس الإنسان، فالإنسان الذي ينحدر من آباء جبناء - بالجينات الوراثية - يصبح جبانًا، والإنسان الذي ينحدر من أسرة شجاعة - بالجينات الوراثية - يصبح شجاعًا، وكذا الإنسان الذي ينحدر من أسرة كريمة يصبح كريمًا، والإنسان الذي ينحدر من أسرة بخيلة يصبح بخيلًا، الجينات الوراثية تؤثر أثرها على صياغة نفس الإنسان، وعلى صياغة الإنسان، ولذلك ورد عن النبي محمد : ”تخيَّروا لنُطَفِكم فإنَّ العرقَ دسَّاس“ فالجينات الوراثية تبث مفعولها وأثرها، الأعراق المتشابكة والمتداخلة أعراق الأب والأم تؤثِّر أثرها على صياغة شخصية هذا الوليد من هنا يرى العلماء لأن هناك سنخية بين العمل ونفس العامل، كما هناك سنخية بين المعلول والعلة.

كما يقول الفلاسفة هناك سنخية بين المعلول وعلته، على سبيل المثال: بذرة التفاحة لا تنتج إلا تفاحة، فلا يمكن أن تنتج برتقالًا مثلًا، فهناك سنخية بين العلة وهي البذرة وبين المعلول وهي الثمرة، والنار تنتج الإحراق أي الحرارة الحارقة ولا تنتج شيئًا آخر، كل علة تنتج أثرًا يسانخها، أثرًا يُشابهها، وكذلك بين العمل والإنسان، فعملكَ يُشابهك، فمن المستحيل أن يخرج منك عمل لا يُشابهك، عملك يسانخ هيكلك النفسي، هناك سنخية بين عمل الإنسان وطبيعته، هناك سنخية بين أفعال الإنسان وبين جهازه الداخلي وهذا هو معنى الشاكلة الذاتية.

فلو وقف شخصان أحدهما شجاع والآخر جبان أمام موقف مثير، فترى الشجاع يتحرَّك بكل جرأة أمام ذلك الموقف المثير، بينما الجبان يتراجع وينكمش، فعمل كل واحد منهما جاء مسانخًا لطبيعته، جاء مسانخًا لجهازه الداخلي الذي اكتسبه من الجينات الوراثية. وإذا عُرِضَ على الناس مبادرة بذل أو عطاء أمام شخصين أحدهما بخيل والآخر كريم، تجد الكريم يبادر لهذه المبادرة في حين أن البخيل يتراجع وينكمش، أو إذا تعرَّض شخصان لإساءة فتجد سريع الغضب ينفعل مع هذه الإساءة ولكن الحليم لا تهمه الإساءة، ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا الفرقان «72». ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا الفرقان «63». إذن لكل إنسان شاكلة ذاتية، أي طبع اكتسبه بالوراثة، وهذا الطبع يزرع بصمته ويزرع أثره على عمل الإنسان وسلوكه.

النوع الثاني: شاكلة اكتسابية.

والمقصود بها ”المَلَكة“ عند علماء العرفان؛ أي أن الإنسان يكتسب ملكة من خلال عمله، مثال ذلك عندما يدرِّب شخص نفسه على فن التمثيل يصبح فنَّانًا في التمثيل، وعندما يدرِّب نفسه على الخطابة يصبح صاحب ملكة في الخطابة، إذن من الممكن للإنسان أن يكتسب شاكلة جديدة من خلال عمله وتسمى هذه الشاكلة ”المَلَكة الاكتسابية“ كما أن الإنسان يكتسب ملكة التمثيل أو الخطابة من خلال عمله كذلك «الصلاح» و«الفساد» ملكتان يمكن أن يكتسبهما الإنسان.

فالصلاح يمكن أن يتحول إلى ملكة وتصبح شاكلة لك إذا ربَّيت نفسك على الأعمال الصالحة، والإنسان الذي يدرِّب نفسه دائمًا على العمل الصالح سيأتي عليه يوم يصبح فيه الصلاح شاكلة وملكة له، وإذا اكتسب الإنسان ملكة الصلاح، فإن للصلاح آثارًا:

الأثر الأول: أنه يرفع الأعمال الصالحة ويمحو الأعمال السيئة.

قال تبارك وتعالى ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ فاطر «10». والعمل الصالح من دوره يرفع الكلام الطيب، يرفعه إلى الله لينال ثوابه. وقال الله تعالى ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ هود «114»، إذن العمل الصالح يمحو السيئات ويرفع الأعمال الصالحة والكلام الطيب إلى الله تبارك وتعالى.

الأثر الثاني: الإفاضة.

بمعنى أن الإنسان الصالح يسري صلاحه إلى غيره، قال تعالى: ﴿أوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ الأنعام «122»، الإنسان الصالح يمشي صلاحه في الناس شاء أم أبى، الإنسان المؤمن له حضوره بين الناس تراهم ينجذبون إليه، ينجذبون إلى صلاحه، ينجذبون إلى إيمانه، ينجذبون إلى أدبه، إذن نور إيمانه لا يتقوقع في نفسه بل يمتد إلى الآخرين فيسري فيهم، ويؤثر بهم.

الأثر الثالث: الصلاح يصبح ملكة.

ما زال الإنسان يعمل صالحًا حتى يصبح الصلاح ملكة جزءً من ذاته، بل جزءً لا يتجزَّأ من ذاته، ويتحوَّل إلى شاكلة بحيث لا تصدر منه إلا الأعمال الصالحة، وتتحوَّل نفسه إلى نفسٍ نورانية.

يقول الفلاسفة الحركة ثلاثة أقسام، هناك حركة مكانية كأنْ يتحرك أحدهم من داخل المسجد إلى الخارج، أما الحركة الكيفية كمثل الماء الذي يغلي فقد تحوَّل من كيفيته السائلة إلى كيفية أخرى وهي البخار، أما الحركة الجوهرية معناها أن النفس تتحوَّل من حقيقة إلى حقيقة، من ماهية إلى ماهية، ومن ملكة إلى ملكة. ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا نوح «13» النفس تتحرَّك من ملكة إلى أخرى، ومن طورٍ إلى آخر، ومن شاكلة إلى شاكلة، فإذا الإنسان درَّب نفسه على الأعمال الصالحة فإنه يعيش حركة جوهريَّة؛ أي أن نفسه تتحرك لتصبح ذا ملكة راسخة لا تزول ألا وهي ملكة الصلاح، تتحول النفس من ظلمة إلى قطعة من النور، وإذا تحوَّلت النفس إلى نور أضاءت للآخرين بأنوارها.

وهذا الأمر ينطبق على الفساد، فالعمل السيئ له آثار كما للعمل الصالح آثار:

الأثر الأول: العمل السيئ يحبط الحسنات.

﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ محمد «9»، ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ الحجرات «2»، العمل السيئ يحبط الأعمال الصالحة، يُزيلها، يبخِّرها، فما أكثر الجهد الذي يبذله الإنسان في الصلاة الواجبة والنافلة، والصوم، والدعاء، وغيرها فإذا بعمل سيئ واحد يحرق هذه الأعمال الصالحة كلها، بإساءة لوالديه، بإساءة لزوجته، بإساءة المرأة لزوجها، بعملٍ سيئ يحرق هذه الصالحات كلها، ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا الفرقان «23».

الأثر الثاني: العمل السيئ يوجب اسوداد النفس.

النفس تصبح قطعةً سوداء، قطعة مفحمة، نتيجة للإصرار على العمل السيئ، لذلك الإنسان يُصاب بمرض قسوة القلب إذا أصرَّ على الأعمال السيئة، ومن يقسى قلبه لا يبالي بذنوبه، ورد على النبي محمد ”إن المؤمن إذا أذنب، كان ذنبه كجبل أبي قبيس على صدره، وإنَّ المنافق إذا أذنب، كان ذنبه كذبابة مرَّت على أنفه فأطارها“ يشعر المؤمن أن الذنب ثقيل، يريد أن يتخلَّص من تبعاته وآثاره، وإذا أصيب الإنسان بمرض قسوة القلب نتيجة كثرة الذنوب لا يبالي بالذنوب ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ البقرة «74».

الأثر الثالث: أن يصبح السوء ملكة.

يصرَّ على السوء إلى أن يصبح السوء شاكلة له، ملكة له راسخة لا تزول، فلا يصدر منه إلا الأعمال السيئة، ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ المطففين «14» و”ران“ من ”الرين“ أي الصبغ؛ بمعنى اصطبغتْ نفوسهم بذنوبهم، ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ المطففين «15» ثم ينقطع عنهم المدد، وتنقطع عنهم الرحمة الإلهية؛ لأنه ذنوبهم حجبتهم عن استمطار الرحمة.

إذن الصلاح يصبح شاكلة، فلا يعمل الإنسان إلا أعمالًا صالحة، والفساد أيضًا يصبح شاكلة، فلا يعمل الإنسان إلا أعمالًا سيئة. ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ الإسراء «84»، وما يستوي الأعمى والبصير، ولا الظلمات والنور، ولا الظل والحرور، وما يستوى الأحياء والأموات، كلٌ له شاكلة اكتسبها، من خلال إصراره على عمله، فكلٌ من هؤلاء يعمل على شاكلته.

المحور الثاني: السنخية بين العمل والجزاء.

هناك شبهة طرحها علماء الكلام منذ مئات السنين ومازال بعض الحداثيين يتشدَّق بهذه الشبهة، مع أنها طُرِحَتْ وأُجِيبَ عنها، وهذه الشبهة هي خلود الكافر في النار، وهذا ظلم له، فكم عام عاش؟ فلو اقترضنا خمسين عامًا من الكفر تقابلها مليارات السنين في النار هذا ظلم، ليست هناك مكافأة بين العمل والجزاء، فحجم الجزاء أضخم من حجم العمل.

هناك وجهان للإجابة عن هذه الشبهة:

الوجه الأول: مبني على نظرية تجسُّم الأعمال، وهذه نظرية يقول بها علماء العرفان، وهي مستقاة من القرآن الكريم، الرابطة بين الجزاء والعمل قد تكون رابطة جعلية وقد تكون رابطة تكوينية، مثلًا الدولة تقول من يقطع الإشارة المرورية الحمراء في الشارع يُعاقب بالسجن لمدة أسبوع، هنا لا يوجد ربط بين العمل والجزاء، وإنما الربط جاء من القانون، إذن الربط هنا ربطٌ قانوني، أو رابط جعلي.

وأحيانا تكون الرابطة تكوينية، فلنفترض أن إنسان قتل طفلًا بريئًا، فيظل هذا الإنسان يتعذَّب نفسيًا، فإن تذكر الجريمة تألَّم، وهذا الألم عذاب، لكن الربط بين العمل والجزاء ربط تكويني، وليس ربطًا قانونيًا، أي تكوينًا هذه الجريمة خلقت ألمًا، فهذه الجريمة البشعة أصبحت سببًا لعذاب تكويني، لم يجعله القانون، هو انجعل بنفسه، إذن هنا الربط بين العمل والجزاء لا يحتاج إلى قانون.

عندما يصبح العمل ملكة عند الإنسان هل يؤثر في آخرته؟ نعم يؤثر في آخرته دون الحاجة إلى الجعل أو التكوين، مثال ذلك الإنسان المرح يزرع المرح أينما كان، يبثه بشكل تلقائي وليس باختياره، ومثله الإنسان الكئيب الذي ينفق وقت يفكر في الهموم والمشكلات والأحزان، إلى أن أصبحت الكآبة شاكلة له، يبث الكآبة أيضًا بشكل تلقائي وليس باختياره، إذن كلًا منهما يبث ما في نفسه.

وكذا الأمر في الأعمال الصالحة، فالإنسان عندما يدرِّب نفسه على العمل الصالح إلى أن يصبح الصلاح ملكة له ويصبح إنسانًا مطمئنًا ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ الرعد «28»، ملكة الصلاح هذه تعطيه في الدنيا هدوءً، استقرارًا، واطمئنانًا وتعطيه في الآخرة: «النفس النورانية» فلو دخل إلى النار لبث نوره في أهل النار، هو لا يكتسب منهم بل يعطيهم. والإنسان الذي درَّب نفسه على العمل السيئ إلى أن أصبحت نفسه ”نفسًا ناريَّة“ هذه النفس إن أدخلت الجنة لا تلتذ بالجنة ولا تنتفع بها، ولا تستفيد منها، وبعد أن تصبح النفس نارية لا تصدر منها إلا النيران، بل ستبث هذه النفس النيران على أهل الجنة.

وبالرجوع للآيات القرآنية نجد قوله تبارك وتعالى ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ البقرة «225» إذ المشكلة في القلب، الذي يكتسب الأعمال إن كان نورانيًا أو ناريًا والجزاء يكون على ذلك، وقال الله عز وجل ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ الطور «16» عملكم جزاؤكم، عملكم يتحوَّل إلى نفس نارية، فلا تستفيد من الجنة شيئًا، مكانها هو النار، وإذا أصبحت النفس نورانية، لا تستفيد من النار شيئًا، فمكانها الجنة. كما قال تعالى ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا آل عمران «30».

الوجه الثاني: روي على الإمام الرضا عندما سُئل عن سبب تخليد الكافر في النار وتخليد المؤمن في الجنَّة، قال: ”لأن المؤمن عزم على أن لو أبقاه الله خالدًا في الدنيا لبقي مؤمنًا، ولأن الكافر عزم على أن لو أبقاه الله خالدًا في الدنيا لبقي كافرًا“ وفي تفسير هذا القول الرضوي هناك في القوانين الوضعيَّة الجريمة على قسمين: جريمة ذاتية، وجريمة تحريضيَّة فأنت إذا قتلت أحدًا وحرَّضت على القتل، التحريض يُعد جريمة أخرى، أو إذا خالفت النظام وحرَّضت على مخالفة النظام، فالتحريض أيضًا مخالفة أخرى، فلو أسقطنا هذا الأمر على المؤمن نجد كل ساعة تمرُّ عليه يقوم فيها بطاعتين، طاعة الإيمان وطاعة الترويج للإيمان، إصرار المؤمن على الإيمان ترويج للإيمان وتحريض عليه، إذن المؤمن في كل دقيقة يحرِّض على الإيمان، الإصرار على الإيمان عمل تحريضي، فهذا المؤمن قد يعيش ستين عامًا وهذه الأعوام تقدَّر بكم يوم، واليوم فيه يُقدَّر بكم ساعة، وبكم دقيقة، وهذا المؤمن في كل ثانية يصر على إيمانه فيحرِّض غيره على الإيمان، وبهذا يملأ المؤمن صفحة أعماله بأعمال تحريضية على الإيمان؛ لذلك هذا المؤمن يستحق الخلود في الجنة.

وقس على ذلك عمل الكافر، فكل دقيقة تمرُّ عليه يقوم بمعصيتين، معصية الكفر، ومعصية التحريض على الكفر، وإن إصرارك على الكفر تحريض عليه، ودعوة له، لذلك يتحمَّل أوزارًا لا عدد لها، نتيجة الإصرار على الكفر الذي يُعدُّ عملًا تحريضيًا على الكفر. وهذا ما ورد عن النبي محمد ”مَنْ سنَّ سُنَّةً حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنَّ سنَّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة“ فأنت أيها المؤمن كل ثانية تمر عليك تعتبر سُنَّة حسنة، وإصرارك على الإيمان هو سنَّة حسنة، وأما الكافر الذي يصر على السوء ويصر على الكفر هي سنَّة سيئة، فأنت تبعث سُننًا على الكفر بمقدار ما عشت في هذه الحياة. فمن هنا نجمع بين الآيتين القرآنيتين، قال تبارك وتعالى ﴿مَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِۖ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ الإسراء «15» أي أن الإنسان لا يتحمَّل أوزار الآخرين، وهناك آية أخرى تقول ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ العنكبوت «13» وأخرى يقول فيها الباري جلَّ جلاله ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ النحل «25» ولا تزر وازرة وزر أخرى إذا كان الوزر ذاتيًا، وأما إن كان وزره وزرًا تحريضيًا فيجب عليه أن يتحمَّله هذا الإنسان وزر الآخرين. إذن خُلِّد الكافر في النار لأن نفسه ناريَّة، والنفس النارية لا يصدر منها إلا النار، وخلِّد الكافر في النار بأعمال تحريضية فبعدد ما حرَّض وبعدد ما أصرَّ عليه من أعمال سيئة اكتسب مليارات من سنين العقاب.

المحور الثالث: الشهادة الملكوتية على الأعمال للأئمة الطاهرين .

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ التوبة «105»، والعمل المقصود في الآية المباركة العمل الصالح.

والناس  همُّهُمُ  الحياة وما iiأرى
وإذا افتقَرتَ غلى الذخائِرِ لم تجد
  طول   الحياة  يزيدُ  غير  خبال
ذخرًا   يكون  كصالح  iiالأعمال

في الآية الكريمة السابقة لماذا حصرت الرؤية للعمل - بعد الله عز وجل والرسول - على المؤمنين بالرغم من أن الذي يرى الأعمال المؤمن وغير المؤمن، فأنت عندما تصلي في المسجد يراك المؤمن وغير المؤمن؟ من هنا نتعرَّف على أحد مقامات أهل البيت ، وهي الشهادة على الأعمال تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: شهادة ملكيَّة.

أي شهادة ظاهريَّة، كأن تحصل جريمة ونحن شهود عليها ولكن شهادة ملكيَّة، أي أننا نشهد أن ظاهر فلان عمل كذا وكذا، فلا نعرف دوافعه، لذلك شهاتنا ظاهريَّة.

القسم الثاني: شهادة ملكوتيَّة.

أما المعصوم هو الذي يشهد شهادة ملكوتيَّة؛ أي أن المعصوم يرى حقيقة العمل لا ظاهره فقط، فهو يدرك دوافع العمل، ويدرك بواطنه، إذن المعصوم يدرك حقائق الأعمال لذلك شهادته شهادة ملكوتيَّة.

القسم الثالث: شهادة أمريَّة.

أي بأن تكون سيرته الصالحة الزاكية في حد نفسها شهادة على الناس.

وفي ذلك عدد من الرويات محمد بن مسلم يسأل الإمام الصادق كما في بصائر الدرجات يقول له ”هل تُعرض الأعمال على رسول الله ؟ فقال له: ما في ذلك شك، فقال: هل تعرض الإعمال على الأئمة ؟ قال نعم، أو ما قرأت قوله تعالى ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ فالمؤمنون نحن، نحن شهداء الله على خلقه“. إذن عندما تعرض الأعمال على الله عز وجل يراها رؤية ملكوتية، وكذلك الرسول الأعظم يراها رؤية ملكوتية، وكذلك المؤمنون، فالسياق قرينة على أن الرؤية رؤية ملكوتيَّة؛ أي رؤية حقائق الأعمال. إذن الإئمة لهم ثلاث شهادات الشهادة الملكية والشهادة الملكوتية والشهادة الأمرية.

فلنمثل لذلك بسيدنا ومولانا الإمام الرضا ، له هذه الشهادات الثلاث، الملكية والملكوتيَّة والأمرية، عندما وصل الإمام الرضا إلى نيشابور خرج إليه علماء نيشابور، وضُرِبَتْ عليه قبَّة من قِبل المأمون العباسي؛ كي لا يراه أحد، وكان من بينهم محمد بن أسلم الطوسي، فقالوا له: ”يا ابن رسول الله أرنا طلعتك الرشيدة، وغرَّتك الحميدة، واقرأ علينا حديثًا عن آبائك الطاهرين“ فهؤلاء لم يكونوا من الشيعة بل كانوا من الشوافع ولكن لعلمهم أن الرضا هو عالم آل محمد «9 ويعلمون أنه مُحدِّث مباشر عن جده محمد . عن الإمام الباقر قال: ”لو كنا نفتي الناس برأينا وهوانا، لكنّا من الهالكين، ولكننا نفتيهم بآثار من رسول الله وأصول علم عندنا، نتوارثها كابرًا عن كابر، نكنزها كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم“. فهم يدركون أن الشافعي مجتهد يُخطئ ويصيب، وأن الإمام الرضا منصبه منصب الإخبار الصادق المباشر عن رسول الله ؛ لأن كتب النبي بيده، وفي ذلك يقول الإمام الصادق : ”عندنا الجامعة، كتاب طوله سبعون ذراعًا، أملاه رسول اللّه وخطّه علي بيده، فيه واللّه، جميع ما يحتاج إليه الناس إلى يوم القيامة. إن فيه أرش الخدش والجلدة ونصف الجلدة. وفي جملة من الاخبار المروية عن أئمة أهل البيت، ورد التعبير بكتاب علي بدلا عن الجامعة“.

”يا ابن رسول الله أرنا طلعتك الرشيدة، وغرَّتك الحميدة، واقرأ علينا حديثًا عن آبائك الطاهرين“ فأطلع وجهه المنير عليهم، وقال: ”سمعت أبي موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أخيه الحسن بن علي، عن أبيه علي بن أبي طالب، عن أخيه رسول الله ، عن أخيه جبرئيل ، عن الله جل جلاله أنه قال: كلمة لا إله إلا الله حصني، فمن دخل حصني أمن من عذابي... ثم قال ولكن بشرطها وشروطها، وأنا من شروطها“ هذا مثال للشهادة الملكيَّة، أي شهد على الخلق الذين حوله شهادة ظاهرية ملكية أنه لا تُقبل أعمالكم إلا بشرط الإمامة.

أما الشهادة الأمرية معناها كما يقول علماء النفس «الكارزميَّة» أي أن هناك أناس يؤثّرون في الآخرين حتى لو لم يتكلَّموا ولعل هذا التأثير بالشكل أو المنظر أو بسلوكهم، وهذا التأثر الكارزمي الذي لا يأتي عبر الكلام وإنما يأتي عبر العمل يسمى التأثير الأمري، والأئمة الطاهرون لهم شهادة أمرية، تأثير كارزمي وإن لم يتحدَّثوا، وللإمام الرضا مظهران أمريان لشخصيته:

المظهر الأول: مظهر الأدب الرفيع.

مثالًا لجده محمد ، ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ القلم «4» يقول إبراهيم بن العباس الصولي: ”صاحبتُ علي بن موسى الرضا مدة مديدة، ما رأيته زبر إنسانًا في وجهه قط، وما رأيته شتم أو سب أحدًا قط، وما رأيته مدَّ رجليه بين يدي جليس قط، وما رأيته بصق أمام إنسان قط، وما رأيته تقهقه وإنما ضحكه التبسُّم“ هذا هو الأدب العظيم الرفيع الذي يحاكي فيه جده المصطفى ، له تأثير كارزمي على الناس وإن لم يتكلَّم فتأثير السلوك أعظم من تأثير الكلام. وهو تأثير أمري، تأثير ذاتي وهو عبارة عن انتقال النور من إنسان إلى آخر، الإنسان المنير ينتقل نوره إلى غيره.

المظهر الثاني: مظهر الرحمة.

مثالًا لجده رسول الله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ الأنبياء «107»، كان رسول الله يقطر رحمة، وكان علي بن موسى الرضا يفيض حنانًا ورحمة يقول من صاحبه من المدينة إلى خُراسان فكان إذا نصب المائدة على الطريق دعا غلمانه فيأكلون معه فيقول له بعض من حضر ”يا سيدي لو عزلت لهؤلاء السود مائدة“ فقال له الإمامك "مه، إن الرب واحد، والأب واحد، والأم واحدة، والجزاء بالأعمال، إن أكرمكم عند الله أتقاكم. يأكل مع خدمه ويعيش معهم ولا يترفَّع عليهم وهو يحكي بذلك تأثيرًا كارزميًا من خلال الرحمة التي يفيضها على الآخرين صلوات الله عليه وعلى آبائه. وهذا التأثير الكارزمي باقٍ بعد كل هذه السنون علينا وتأثرنا بهم، وممن عاصر الإمام أبو نؤاس، عندما رآها على بغلته الشهباء وهو بتلك الهيبة القدسيَّة فيتأثر لهذا المنظر العظيم فيمسك بلجام بغلته ويقول:

مطهرون      نقيات      iiثيابهم
فأنتم    الملا   الأعلى   وعندكم
تجري  الصلاة  عليهم كلما ذكروا
علم الكتاب وما جاءت به السور


 
والله   لمّا   برى   خلقًا   iiفأتقنه
من  لم  يكن  علويًا حين iiتنسبه
صفاكم   واصطفاكم  أيّها  iiالبشر
فما  له  في  قديم  الدهر مفتخر

وأما الشهادة الملكوتيَّة فالإمام الرضا يشهد على الخلائق شهادة ملكوتيَّة، يشهد حقائق الأعمال كما هي وظيفة آبائه الطاهرين ، ومما ورد في ذلك قول الإمام: ”من زارني على بعد مداي ضمنت له على الله الجنة“، وحديث آخر عن الأئمة الصادق والكاظم والرضا : ”ستُدفن بضعة منِّي بأرض خراسان، من زاره عارفًا بحقه ضمنت له على الله الجنة، قيل وما عرفان حقه؟ قال العلم بأنه إمام مفترض الطاعة، غريب، شهيد“، هذا نوع من الشهادة الملكوتية؛ لأن الإمام وهو في قبره يرى زائريه، يشهد أعمالهم وينظر إلى حقائق قلوبهم فمن عارفًا بحقه، أي أن الإمام اطّلع على قلبه وعرف أنه يعرف حق الإمام فهو يشهد على عمله شهادة ملكوتيَّة، تكون سببًا لضمان الجنَّة له، ويجب على الزائر أن يعرف أنه غريب شهيد، فالإمام كان يتكلَّم عن شهادته في حياته، فعندما دخل عليه دعبل الخزاعي وقد رآه حزينًا كئيًا، وقد لبس الثياب السود، فسأل الإمام ”مالي أراك حزينًا كئيبًا، قال: يا دعبل أما تعرف أن هذه الأيام هي أيام عاشوراء أيام حزن وأسى علينا أهل البيت؟ 

ليلة 18 : النفس النورية و النارية
ليلة 16 :  الغيب وأثره في سلوك الإنسان