نص الشريط
الشخصية المبدئية
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مسجد الإمام علي (ع) بالقطيف
التاريخ: 13/7/1431 هـ
مرات العرض: 3614
المدة: 01:00:00
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (1) حجم الملف: 15 MB
تشغيل:

ورد عن النبي محمد أنه قال: ”علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار“ صدق الرسول الكريم

من خلال هذا الحديث النبوي الشريف نتحدث عن عدة مضامين ومطالب ترتبط بهذه النفحات العلوية المباركة:

المضمون الأول: ما هي خصائص مفهوم الحق؟! ”علي مع الحق“، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ[1] ، فما هو المقصود بمفهوم الحق؟!

إن هناك فرقاً بين الحق وبين الواقع، أي أن كل حق فهو واقع، ولكن ليس كل واقع فهو حق، إن عنوان الحق يرتبط بعلم الإنسان وعدم علمه، مثلاً: البذرة تنتج شجرة مثمرة هذا لا يسمى حقاً إلا إذا علم به الإنسان، فالحق لا يطلق على الأشياء الواقعية ما لم يتعلق بها علم الإنسان، وإنما إذا تعلق علم الإنسان والتفات الإنسان بشيء فإن كان التفاته وعلمه مطابقاً للواقع سمي حقاً، وأن لم يكن مطابقاً للواقع فهو باطل.

أما الواقع نفسه إذا لم يتعلق به علم الإنسان ولم يتعلق به التفات الإنسان لا يسمى حقاً، فالحق عنوان ينتزع من علم الإنسان بشيء، لا أنه ينتزع من الواقع وإن لم يعلم به الإنسان.

وهناك أيضاً فرق بين الصحيح وبين الحق، أي ليس كل صحيح فهو حق، وإنما كل حق فهو صحيح.

إن الحق يرتكز على خصوصيتين وعلى ركنين لابد من الالتفات إليهما، لذلك فالحق أخص من كلمة الصحيح، وأخص من كلمة الواقع، ما هما هذان الركنان؟!

الركن الأول: الحق ما كانت له ديمومة وبقاء

إن الله تبارك وتعالى هو منشأ الوجود لأنه تبارك وتعالى هو الوجود المحض الذي لا يشوبه عدم ولا يشوبه حد ولا يشوبه نقص، وهو عندما يفيض الوجود على الأشياء فكل شيء من الأشياء فيه وجود وفيه حد، مثلاً: أنا الإنسان ليّ جنبتان جنبه: هي الوجود، لكن ليّ جنبه أخرى وهي الحد، حيث إن طاقتي محدودة وقدرتي محدودة، وإذا لوحظ جانب وجودي يعبر عني «بالحق»، وإذا لوحظ جانب الحدود التي تحف بيّ يعبر عن هذه الحدود بالباطل، وهو المقصود بقوله عز وجل: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ[2] ، ما معنى هذه الآية؟!

إن هذه الآية تحدد لنا الفاصل بين الحق والباطل، والفاصل بين الحق والباطل أن الحق باقي والباطل زائل، ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً والماء كناية عن الوجود، بمعنى أن الله أفاض الوجود، ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا أي أن كل واحد يأخذ من الوجود بقدر قابليته وبقدر طاقته، مثلاً: هذه النبتة تأخذ طاقة من الوجود لكن الذي تأخذه النبتة لا يوجد به أحساس، والحيوان - أيضاً - يأخذ طاقة من هذا الوجود لكن الوجود الذي يأخذه الحيوان لا يوجد به عقل لا يوجد إبداع، الإنسان - أيضاً - يأخذ طاقة من الوجود لكن الوجود الذي يأخذه الإنسان هو وجود الإبداع، وجود القدرة، وجود التفكير - أيضاً - الإنسان يتفاوت هناك إنسان يأخذ من الوجود بقدر ما يعيش خمسين سنة سبعين سنة لكنه لا يحرك ساكناً.

وهناك إنسان يأخذ من الوجود طاقة إبداعية حيث يصبح عبقرياً، يصبح عملاقاً، وكل يأخذ من ماء الوجود بقدر طاقته وقابليته ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا، هذا الوادي صغير يأخذ ماء قليلاً، وهذا الوادي كبير يأخذ ماء كثيراً، وهذا الوادي نظيف يأخذ ماء صافياً، وهذا الوادي ملوث يأخذ ماء ملوثاً ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا وكل موجود يأخذ من الوجود بقدر طاقته ووقابليته.

﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا، هناك زبد يطفوا على الماء ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ - أيضاً - أنتم إذا جعلتم الماء على النار سوف يتشكل زبد يطفوا ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّار ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ أيهما الذي يبقى؟! الماء الصافي المترسب أو الزبد الذي يطفوا على الماء؟! أيهما يبقى؟! وأيهما ينفع الناس؟!

أراد الله بهذا أن يضرب لنا مثلاُ فاصلاً بين الحق والباطل، فإن الحق هو ذلك الماء الصافي المستقر النافذ في أوعية الأرض لأنه منشأ الحياة، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ[3] ، وأما هذا الزبد الذي يطفوا سيتبخر سيذوب سيتلاشى يوماً من الأيام ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً «يتبخر» وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ «بمعنى الحق الراسخ الباقي» فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ.

إذاً من خصائص الحق البقاء، ومن خصائص الحق الديمومة لأن الحق وجود مستقى من وجود الله تبارك وتعالى لذلك يأخذ خصوصية البقاء والديمومة، لاحظوا الإنسان من حيث طاقته وقدراته هذا حق لأن هذه الطاقة وجود، وإذا لاحظت الإنسان من حيث حدوده هذا إنسان ضعيف جاهل عاجز هذا كلها حدود عدمية، وهذه الحدود العدمية تتلاشى والذي يبقى هو أصل الوجود ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ[4] .

فالطاقة الوجودية تبقى لكن الحدود العدمية تتبخر وتتلاشى لذلك قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ[5] ، وقال الإمام أمير المؤمنين وسيد الموحدين صلوات الله وسلامه عليه: ”أصدق كلمة قالها شاعر: كلمة لبيد أبن أبي ربيعة، ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل“، إذاً الخصوصية الأولى للحق: الديمومة والبقاء.

الركن الثاني:

أن الحق له أثروالذي ليس له أثر يسمى ضلالاً، أحياناً القرآن يجعل مقابلة بين الحق والباطل، وأحيانا يجعل المقابلة بين الحق والضلال لماذا؟! ما هو الفرق؟!

إذا كانت المقابلة بين الحق والباطل فهذه إشارة إلى خصوصية الديمومة والبقاء لأن الحق يبقى والباطل يفنى لذلك أصبحت هناك مقابلة بين الحق والباطل.

وعندما يجعل المقابلة بين الحق وبين الضلال ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ[6] ، فهو إشارة إلى أن الحق هو الطريق الذي يوصل إلى الأثر، وأما الضلال طريق لا يوصل إلى الأثر وليس له نهاية وليس له نتيجة.

إذاً الخصوصية الثانية من خصوصيات الحق أنه يستتبع أثراً، مثلاً: البذرة تنتج ثمرة إذاً البذرة حق لماذا؟! لأنه لها أثر، أما الحجر الصلد الأصم ليس له ثمرة، وكل شيء يوصل إلى الأثر ويوصل إلى الثمرة فهو حق، والشيء الذي لا أثر له لا نهاية له لا نتيجة له يسمى ضلال، إذاً من خصوصيات وذاتيات الحق أنه له أثر.

من هنا عرفنا الفرق بين الصحيح والحق إذ ليس كل صحيح فهو حق، هناك بعض الأشياء صحيحة لكنها لأنها ليست باقية لا نسميها حقاً، وهناك بعض الأشياء صحيحة لكن لأنها ليس لها أثر وثمرة لا نسميها حقاً، والحق ما كان باقياً وكان له أثر يترتب عليه فكل حق صحيح وليس كل صحيح حقاً.

مثلاً: 2*2=4 هذا حق؟! لا هذا صحيح لأنه لا يستتبع أثراً عملياً، بينما إذا قلنا إمامة علي أبن أبي طالب حق، لماذا نسميه حقاً؟! لأنه تستتبع أثراً عملياً وتستتبع سلوكاً.

هناك معلومة لا تستتبع سلوكاً فهي وإن كانت صحيحة لكن لا تسمى حقاً لأنها لا تستتبع أثراً، وهناك معلومة تستتبع أثراً نسميها «حق»، إمامة علي حق، ونبوة النبي محمد حق لأنها تستتبع أثراً، هذا هو الفارق والمائز بين الحق والباطل، بين الحق والصحيح، كما شرحنا في هذا المضمون.

المضمون الثاني: نلاحظ أن النبي قال: ”علي مع الحق“ ولم يقل ”علي هو الحق“ لماذا؟! لماذا عبر بالمعية؟! ولم يعبر بالهوهوية؟! ربما إنسان يقول: الإمام علي معصوم عصمة مطلقة، وبما أن الإمام علي معصوم عصمة مطلقة، فالمناسب أن يقول عنه النبي ”علي هو الحق“ ولم يقل ”علي مع الحق“، بالهوهوية، لا أن يعبر بالمعية، ولا إشكال عند أحد في عصمة علي أبي طالب، وهو الذي يقول عندما يصف النبي : ”ولقد قرن الله به منذ أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ويعلمه أخلاق العالم ولقد كنت اقتدي به اقتداء الفصيل اثر أمه، وكان يرفع لي كل يوم علماً من أخلاقه ويأمرني بالإقتداء به، وما وجد ليّ كذبة في قول، ولا خطلة في فعل“.

لاحظوا كل الآيات القرآنية تتحدث عن الأثنينية بين الإنسان وبين الحق مثلاً: عندما يتحدث القرآن عن القرآن نفسه ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا «1» يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ[7] ، لم يقل القرآن هو الرشد، وعندما عبر عن الأئمة قال ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ[8] ، ولم يقل أفمن هو الحق أحق أن يتبع، قال ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى.

إن الأئمة يهدون إلى الحق والقرآن يهدي إلى الرشد وعلي مع الحق ولم يقل هو الحق، ما هو الهدف؟! الهدف: بيان أن هناك حقانية ذاتية، وهناك حقانية اكتسابية وغيرية.

الحقانية الذاتية: هي الله تبارك وتعالى ولذالك القرآن قال ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ[9] ، ويقول القرآن: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ[10] .

فإن الحقانية الذاتية: هي حقانية الباري عزوجل، لأن حقانيته نابعة من ذاته، نابعة من وجوده فهو الحق، وأما حقانية النبي «صل الله عليه وآله» وحقانية علي فهي حقانية غيريه اكتسابية مفاضه من قبل الله عز وجل، والنبي أراد أن يشير إلى هذه النقطة أن علياً مظهر للحقانية الذاتية وهي حقانية الله عز وجل، لذلك قال: ”علي مع الحق والحق مع علي“ في إشارة إلى أن الحقانية الذاتية للباري عزوجل، وأن الحقانية المظهرية للإمام أمير المؤمنين « صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين».

إذاً هذا الحديث النبوي الشريف: ”علي مع الحق والحق مع علي“ مفاده بيان مظهرية الإمام علي للحق تعالى، فإن مظهر الله علي، والتجلي الذي تجلى به الله لعباده علي بن أبي طالب، إن الله تبارك وتعالى قال: «كنت كنزا مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف» والخلق تجلي لله، الشمس تجلي لله، القمر تجلي لله، لكن أعظم وجود تجلى به الله تبارك وتعالى بين عباده محمدٌ وعليٌ.

علي أعظم تجلي لله تبارك وتعالى فهو أعظم مظهر لله تبارك وتعالى فهو نفس النبي بصراحة القرآن الكريم، والحديث يريد أن يعبر عن هذا التجلي، ويريد أن يعبر عن هذه المظهرية ”علي مع الحق“، إذاً علي معبر عن الحق تبارك وتعالى في تمام حركاته وفي تمام سكناته وفي تمام تفاصيل حياته.

مثلاً علي فارس العرب، فارس زمانه، شجاع زمانه لا يختلف فيه أحد، لكن الإمام علي أراد أن ينبه الناس أن هذه الشجاعة ليست شجاعة مادية وليست شجاعة جسمانية عندما تحدث عن قلع باب خيبر «ما اقتلعته بقوة جسمانية ولكن اقتلعته بقوة ربانية» أي أنا حتى في قوتي مظهر لقوة الله تبارك وتعالى.

يا قالع الباب الذي عجز عن هزه

أأقول   فيك   سميدع   كلا  iiولا

بل  أنت  في  يوم  القيامة iiحاكم



 
عجزت    أكف   أربعون   iiوأربع

حاشا  لمثلك  أن  يقال  iiسميدع

في   العالمين   وشافع  ومشفع

والمظهرية مصطلح في علم العرفان، فإن العرفاء عندما يتحدثون عن المظهرية يقولون: «من جمع الأسفار الأربعة فهو مظهر لله» ما هي الأسفار الأربعة؟!

السفر الأول: السفر من الخلق إلى الحق، وهذا ما كان يتمثل في صلاة علي كان يصلي يوم صفين والحرب قائمة والسهام تنفذ إلى بدنه فلا يشعر بها، هو في سفر إلى الله تبارك وتعالى.

السفر الثاني: السفر في الحق بالحق، يعني التأمل، من تتأمل في وحدانية الله، وفي صفاته وفي أثاره، ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ[11] ، فهو في السفر في الحق بالحق، علي كان يبحر في السفر إلى الله، وكان يبحر في التأمل في الله تبارك وتعالى وهو القائل ”بك عرفتك وأنت دللتني عليك“ أنا أسافر فيك بمدد منك وبإضاءة منك ”بك عرفتك وأنت دللتني عليك“، ”يا من دلَّ على ذاته بذاته، وتنزه عن مجانسة مخلوقاته“.

السفر الثالث: السفر من الحق إلى الخلق، علي لم يشغله محرابه عما حوله، هناك من يتقوقعون في محاربيهم، وهناك من يتقوقعون في الدنيا وملابساتها، أما علي فقد مزج الروح المحرابية بالروح الاجتماعية، لم يفصله محرابه عن مجتمعه، ولم يشغله مجتمعه عن محرابه، علي يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، وعلي هو الذي يقضي بين الناس وهو الذي يغدق على الفقراء وينعشهم بالطعام والغذاء.

إذاً علي عنده سفر من الحق إلى الخلق، وقصة الصدقة واضحة كان علي يصلي والمسكين واقف أمامه فمد إليه علي خنصره وكان فيه خاتم له وهو راكع فأخذه المسكين واشترى به طعاماً له فنزل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ[12] ، جمع علي بين علاقة الله والعلاقة بالفقراء، جمع علي بين عبادتين عبادة الصلاة وعبادة الصدقة في آن واحد، والمزج بين العبادتين والدمج بين الروحين يسمى «سفراً من الحق إلى الخلق» وهذا ما قام به علي .

السفر الرابع: السفر في الخلق بالحق، إن من كانت دوافعه ذاتيه مصلحيه فهو إنسان بعيد لم يسافر ولم يتحرك إلى أي مكان، رجله مربوطة وجسمه بالأرض، لماذا؟! لأنه لا يتحرك إلا لأجل بطنه، ولا يتحرك إلا لأجل جيبه، ولا يتحرك إلا لأجل نومته، وهناك أناس تحركهم دائماً وأبداً لأجل الله، دوافعهم دائماً دوافع إلهية سماوية لا ذاتية ومصلحيه وشخصية، هؤلاء تحرروا من الأنانية، هؤلاء يعيشون السفر في الخلق بالحق، هؤلاء الذين عبر عنه القرآن الكريم: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا «5» عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا «6» يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا «7» وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا «8» إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا «9»[13] .

وعلي كان هكذا هو يقول: «كلما عرض عليّ أمران اخترت أشدهما على نفسي» أنا لا أذهب للشيء السهل الشيء المريح، أنا أذهب للشيء الصعب لأنني صاحب طموح ولأنني صاحب مبدأ ولأنني صاحب هدف لا أختار السهل، ولقد جاءني أخي عقيل ومعه صبيته شعث غبر كأنما سودت وجوههم بالعظلم واستماحني صاعاً من بركم فأحميت له حديده وأدنيتها منه ففزع منها، فقلت له: ثكلتك الثواكل يا عقيل اتئن من حديده أحماها إنسانها للعبه وتجرنى الى نار سجرها جبارها لغضبه، علي مع أقربائه، علي مع أرحامه مع أقرب الناس إليه يتعامل بالدوافع الإلهية لا بالدوافع الذاتية،

إذاً علي جمع الأسفار الأربعة ولأنه جمع الأسفار الأربعة كان مظهراً لله فأستحق هذا اللقب النبوي المبارك ”علي مع الحق والحق مع علي“.

المضمون الثالث: هل أن علياً يعيش معنا؟! هل أن علياً يتجسد في سلوكنا؟! أم أن علياً مجرد رمز نفتخر به ونعتز به؟! أم أن علياً مجرد نجم يشرق ونحن ننظر إلى ضوءه لنفتتن بهذا الضوء؟! نحن نؤمن أن علياً مع الحق، ولكن هل نحن مع الحق؟! نحن نؤمن أن علي مظهر لله فهل هذه المظهرية نراها في سلوكنا؟!

هناك نقطة مهمة: مبدئية علي: علي إنسان مبدئي وليس إنساناً برجماتياً وليس إنساناً ميكيافليا، علي إنما كان مع الحق والحق معه لأنه مبادئ، لأنه قيم وليس مصالح ولا منافع، كثير كتبوا عن علي، قالوا علي لم يكن سياسياً وعلي لم يكن يفقه في السياسة، ولو كان علي سياسياً لما انتصر معاوية عليه ولما أستطاع أن يحاصر حكومته حتى أن حكومة علي لم تستقر خمس سنوات، لأن معاوية حاصرها من تمام الجهات حتى أجهز عليها بالوسائل المختلفة، لم يكن علي سياسياً، كان رجل محراب، كان درويش بكاء، كان رجل حرب، كان إنساناً شجاعاً لكنه لم يكن سياسياً، إلا أن الإمام علياً يرد على هذه الأقوال كلها فيقول السياسة على قسمين:

هناك سياسة برجماتية. وهناك سياسة مبدئية.

1 - السياسة البرجماتية: هي السياسة التي تكون منطلقاتها منطلقات مصلحيه وعندما تكون اللغة لغة المصالح تكون السياسة برجماتية وعلي أسمى وأعلى من أن يتلوث بهذه السياسة.

2 - السياسة المبدئية: وهي التي تكون منطلقاتها المبادئ والقيم، فإن كانت السياسة مع هذه المبادئ فهي وإلا فلا، هكذا كان علي ، «والله ما معاوية بأدهى مني، ولكنه يغدر ويفجر، وقد يرى الحول القلبّ وجه الحيلة ودونها حاجز من تقوى الله».

علي دار الأمر عنده بين بقاء العرش أو بقاء المبدأ، أيهما أولى؟! علي كان يستطيع أن يبقى في الحكم خمسين سنة، ولكنه إذا بقي في الحكم بقي على حساب المبدأ وبقي على حساب القيم، أقبلوا إليه وقالوا: «يا أبا الحسن قدم الأشراف قدم الوجهاء أغدق عليهم الأموال ويستتب لك الحكم فإذا أستتب لك الملك أصنع ما تشاء بعد ذلك، قال: ويحكم أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور؟! والله لو كان المال ليّ لساويت بينهم فكيف والمال مال الله»، «والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت»، «لو شئت لأهديت الطريق» الدنيا أمامي «لو شئت لأهديت الطريق إلى مصفى هذا العسل ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القز، ولكن هيهات أن يغلبني هواي، أو يقودني جشعي إلى تخير الأطعمة، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع، أو أبيت مبطانآ وحولي بطون غرثى وأكباد حرّى أأقنع من نفسي أن يقال: هذا أمير المؤمنين، ولا أشاركهم في مكارة الدهر».

وحسبك داءً أن تبيت ببطنة   وحولك  أكباد تحن إلى القدِّ

أمير المؤمنين أراد أن يعلم الأجيال أن المبدأ هو الأهم، قال ليس مهماً عندي أن اخسر السلطة، وليس مهماً عندي أن اخسر المنصب والموقع، وليس مهماً عندي أن يقال علي فشل في تأسيس حكومة مستقرة، المهم عندي أن يقال علي بقي مع المبدأ ولم يتنازل عنه «علي مع الحق والحق مع علي»، ولو أن علياً ساوم وجامل وداهن وقدم المصالح الفئوية أو الشخصية أو الذاتية لحكم عشرات السنين، لكن لم يبقى مائز بين علي وغيره، وكثير من السلاطين حكموا لكن علياً أراد أن يبقى المائز بينه وبين غيره في أنه مع المبادئ، في أنه مع القيم وإن خسر كل شيء مادياً دون ذلك.

فلنتعلم روح المبدئية ونحن نحتفل بميلاد سيد الموحدين وأمير المؤمنين علي ، فلنتعلم الإصرار على مبادئناً والإصرار على قيمناً ولو كلفتنا تضحيات وجهوداً، فلنتعلم أن لا نساوم ولا نداهن ولا نجامل ولا نصانع على حساب مبادئنا وقيمنا.

ومن أهم قيمنا ولاية أمير المؤمنين «صلوات الله وسلامه عليه»، قال معاوية يا ضرار صف ليّ علياً قال: اعفني من ذلك قال: يا ضرار لا بد لك من ذلك قال أن أبيت إلا هذا كان علي بعيد المدى شديد القوى، يقول عدلا ويحكم فصلا، يحاسب نفسه إذا خلا، ويقلب كفيه على ما مضى، يستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل ووحشته، يعظم أهل الدين، ويتحبب إلى المساكين، وكان يجيبنا إذا سألناه، ويدنينا منه إذا أتيناه، وكان مع قربه منا وحنوه علينا لا نكلمه هيبة منه فإذا تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، لا يطمع القوي في ظلمه، ولا ييأس الضعيف من عدله، ولقد رأيته في ليلة من لياليه ماثلاً في محرابه، يتململ تململ السليم، وهو يقول: إليك يا دنيا! غري غيري لقد بنتك ثلاثا، لا رجعة ليّ بعدها، فعمرك قصير وعيشك حقير وخطرك كبير، آه من قلة الزاد، وبعد السفر ووحشة الطريق.

يامن   إذا  عدت  مناقب  iiغيره

إني  لأعذر حاسديك على iiالذي

إن  يحسدوك على علاك iiفإنما

لا   تقل   شيعة   هواة   iiعلي

جلجل  الحق في المسيحي حتى

أنا من يعشق الفضيلة iiوالإلهام

فإذا    لم   يكن   عليٌ   iiنبيناً

ياسماء  اشهدي ويا أرض iiقري













 
رجحت  مناقبه  وكان  iiالأفضلا

أعطاك  ربّك  ذو الجلال وفضّلا

متسافل الدرجات يحسد من علا

إن   في   كل   منصف  شيعيا

عد    من   فرط   حبه   iiعلوا

والعدل      والخلاق     الرضيا

فلقد     كان     خلقه    iiنبويا

وأخشعي    إني   ذكرتُ   iiعليا

والحمدلله رب العالمين

[1]  سورة يونس، آية 32.
[2]  سورة الرعد، آية17.
[3]  سورة الأنبياء، آية 30.
[4]  سورة القصص، آية 88.
[5]  سورة لقمان، آية 30.
[6]  سورة يونس، آية 32.
[7]  سورة الجن، آية2.
[8]  سورة يونس، آية 35
[9]  سورة الحج، آية6.
[10]  سورة البقرة، آية 147.
[11]  سورة آل عمران آية 191.
[12]  سورة المائدة، أية 55
[13]  سورة الإنسان آية 5 - 9.

أحيوا أمرنا
القضية الأساسية هي الإسلام والتشيع