نص الشريط
أصالة الإمامة ومساحتها
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 7/1/1432 هـ
تعريف: الليلة السابعة: أصالة الإمامة ومساحتها. {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} المحاور: 1/ الإمامة من الأصول أم الفروع. 2/ الإمامة الدينية والسياسة. 3/ الأثر الروحي لعقيدة الإمامة.
مرات العرض: 7445
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (1093)
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ[1] 

أمنا بالله صدق الله العلي العظيم.

حديثنا حول مبدأ الإمامة في محورين:

  • في أن الإمامة من الأصول.
  • في شمول الإمامة بالإمامة السياسية والدينية معاً.

المحور الأول:

الإمامة: بمعنى الاعتقاد بأن لعلي وأهل بيته الولاية العامة بعد وفاة النبي هل أن هذا المعتقد من الأصول أو من الفروع؟؟

معظم علماء إخواننا أهل السنة ذهبوا إلى أن الإمامة من الفروع والواجبات وليست من الأصول، إلا أن أبا الفتح الأروشتي في كتابه الفصول قال: «من أنكر إمامة أبي بكر فهو كافر» وظاهر كلامه أنه يعتقد أن الإمامة من الأصول، وإذا جئنا لعلماء الشيعة فعلماء الشيعة قد اتفقوا أن الإمامة من الأصول وإن اختلفت تعبيراتهم، فهناك من عبر عن الإمامة بأنها من أصول المذهب كالإمام الخميني «قدس سره» في كتاب الطهارة، والمقدس الأستاذ الشيخ التبريزي «قدس سره» في استفتائه وغيرهم من علماء الإمامية الذين صرحوا أن الإمامة من أصول المذهب، بينما صرح كثير من علماء الإمامية كالصدوق والمفيد، والطوسي، والمرتضى، والعلامة الحلي، والشيخ الأنصاري والسيد الخوئي «قدست أسرارهم» أن الإمامة من أصول الدين، ونحن نريد أن نتحدث هنا عن مطلبين:

ما معنى كون الإمامة من أصول الدين؟! وما هو الدليل على أن الإمامة من أصول الدين؟!

المطلب الأول: ما هو مقصودنا عندما نقول بأن الإمامة من أصول الدين؟! هل المقصود بذلك أن من لم يعتقد بإمامة علي وأهل بيته فليس بمسلم؟! أم أن لها معنى أخر؟!

أغلب علمائنا يقولون لا، ليس المقصود بذلك أن من لم يعتقد بالإمامة فليس بمسلم، لأن الميزان في الإسلام كما ورد عن النبي محمد ”شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله به حقنت الدماء وجرت المناكح والمواريث“، وورد عن الإمام أمير المؤمنين : ”فأما من تمسك بالتوحيد والإقرار بالنبي والإسلام ولم يخرج عن الملة ولم ينصب لنا العداوة وإن شك في الإمامة ولم يعرف أهلها وولاتها فلم يعرف لنا ولاية ولم ينصب لنا عداوة «يعني لم يكن ناصبي» فهو مسلم مستضعف ترجى له الرحمة ويتخوف عليه من ذنوبه“.

إذن ليس المقصود بأن الإمامة أصل من أصول الدين أن الإسلام منوط بالإمامة بحيث ينتفي بانتفاء العقيدة بالإمامة، إذن ما هو المقصود؟! هناك معنيان:

المعنى الأول:

ما ذكره الإمام الحكيم «قدس سره» في كتابه المستمسك، قال: الروايات الواردة في الإمامة على قسمين:

القسم الأول: ظاهر في أن الإسلام بني على الإمامة، كما ورد عن الإمام الرضا : ”الإمامة أس الإسلام السامي وفرعه النامي“، وورد عن الإمام الباقر : ”بني الإسلام على خمس: الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية، وأنه لم ينادي بشيء كما نودي بالولاية“، وفي رواية أخرى: ”والولاية أفضلهم وأنها مفتاحهن والدليل عليهن“، هذا قسم من النصوص الظاهر فيه أن الإسلام منوط بالإمامة.

القسم الثاني: يعبر عن أن من أنكر الإمامة يعتبر ضال تائه لا أنه ليس مسلم، رواية عن الإمام الباقر : ”من أصبح وليس له إمام من الله ظاهر عدل أصبح ضالا تائهاً“، وفي الرواية أن زراره يسأل الإمام الصادق عن قول النبي : ”من مات وليس له إمام مات ميتة الجاهلية“، ما المقصود ”مات ميتة الجاهلية“؟!

هذا موجود أيضا في كتب أخواننا أهل السنة ”من مات وليس في عنقه بيعة إمام“ أو من ”مات وليس له إمام مات ميتة الجاهلية“، قالوا ما هو المقصود ميتة الجاهلية؟! ميتة كفر؟! قال: ميتة ظلال".

إذن من أنكر الإمامة لا يخرج عن الإسلام إنما يعتبر ضالاً تائهاُ، لذلك ذهب السيد الحكيم في المستمسك إلى أن الإمامة دخيلة في الإيمان لا في الإسلام، فالإيمان الحقيقي التام منوط بالإمامة، وليس الإسلام لما ذكرنا من أن الإسلام منوط بالشهادتين بذلك رأى الإمام الحكيم الجمع بين القسمين من الروايات اللذين ذكرناهما.

المعنى الثاني:

ما يذكره سيدنا الخوئي «قدس سره» من أن معنى كون الإمامة أصل من أصول الدين بمعنى الدين الواقعي لا الدين الاعتباري، ما معنى هذا الكلام؟! بعض العناوين لها مرتبتان:

  1. مرتبة واقعية.
  2. مرتبة اعتبارية - شرعية -.

مثلاً: نأتي إلى القذارة، هناك بعض القذرات قذرات واقعية مثلا المني، أو البول، البول قذر سواء قال عنه الشرع قذر أو لم يقل، البول قذر، قذارة البول قذارة واقعية، بينما نأتي إلى قذارة الكافر الغير كتابي إذا عندك شخص هندوسي يعني كافر غير كتابي ليس مسيحي ولا يهودي الفقهاء يقولون الكافر قذر نجس إذا لم يكن كتابي، ما معني نجس؟!

يعني جسمه غير عن جسمنا لا!!؟، ليست القذرة هنا قذارة واقعية وإنما القذارة قذارة شرعية تعبدية ليس إلا، يعني هناك حكم تعبدي بأنك إذا مسست يده برطوبة فعليك تطهير يدك فقط هذا حكم شرعي وإلا ليس معناه أن جسمه قذر أو جسمنا نحن يختلف عن جسمه لا، القذارة هنا قذارة شرعية اعتبارية، وليست قذارة واقعية.

مثلاُ: أعطيك عنوان أخر عنوان الشهادة عندما نقول شهيد الشهادة أيضاً لها مرتبتان، مرتبة واقعية، ومرتبة شرعية، مثلاً: من مات غريقاً مات شهيداً، من مات حريقاً مات شهيداً، من مات وهو في طريق يطلب فيه علم مات شهيداً، بل وردت في الرواية عند السنة والشيعة كما في الصواعق المحرقة لأبن حجر عن النبي «صلى الله عليه وأله»: ”من مات على حب آل محمد مات شهيداً“، ما هو المقصود بالشهادة هنا؟!

ليس المقصود بها الشهادة الشرعية هذا ليس شهيد شرعي هذا شهيداً واقعي، بمعنى إذا مات يعطى درجة الشهادة ولكن يغسل ويكفن وتجري عليه سائر المراسيم الشرعية فهو شهيداً واقعي وليس شهيداً شرعي.

أما من قتل في المعركة وهو يجاهد الكفار أو البغاة يعتبر شهيداً شرعي، يعني حكمه أن لا يغسل ولا يكفن بل يزمل بثيابه ويصلى عليه ويدفن، إذن عندنا شهيد واقعي وعندنا شهيد شرعي اعتباري.

كذلك الدين، الدين له مرتبتان، مرتبة واقعية، ومرتبة اعتبارية.

المرتبة الاعتبارية:

ليست منوطة بالإمامة، بمعنى كل من تشهد الشهادتين فهو من المسلمين فهو على الدين الإسلامي، قال بالإمامة أو لم يقل بها، الإمامة ليست دخليه في الدين الشرعي، يعني في الدين الذي يترتب عليه حرمة الدم، حرمة العرض، حرمة المال، جريان المناكح، جريان المواريث هذه ليست لها علاقة بالإمامة، إذا كان متشهد بالشهادتين يرث ويورث ويجوز النكاح منه ويحرم دمه وعرضه وماله، لكن الإمامة أصل من أصول الدين الواقعي الدين الأخروي، وليست أصل من أصول الدين الشرعي الاعتباري.

ولذلك يجمع هنا بين الكلمات يعني من قال بأنه الإمامة أصل من أصول المذهب كالإمام الخميني «قدس سره» يقصد الدين الشرعي يعني ليست أصل من أصول الدين الشرعي، ومن قال بأن الإمامة أصل من أصول الدين يقصد الدين الواقعي الدين الأخروي وبذلك يجمع بين الكلمات هذا المطلب الأول.

المطلب الثاني: ما هو الدليل على أن الإمامة أصل من أصول الدين؟!

الدليل على أن الإمامة أصل من أصول الدين هو الدليل على أن النبوة أصل من أصول الدين تماماً ما دل على ضرورة النبوة دل على ضرورة الإمامة، كيف؟! نرجع إلى علماء الكلام، نرجع إلى شرح التجريد للعلامة الحلي «رحمه الله» ماذا يقول عن هذه النقطة؟!

الدليل على ضرورة النبوة هو الدليل على ضرورة الإمامة، ما هو الدليل؟! الدليل مكون من مقدمتين:

المقدمة الأولى:

إن المجتمع البشري محتاج إلى نصب حجة، لولا الحجة لساخت الأرض بأهلها، لماذا؟! لأن المجتمع البشري يحتاج إلى نظام عادل بدون نظام عادل تذهب الحقوق وتتلف الثروات، والنظام العادل يحتاج إلى حجة لماذا؟!

لأن النظام العادل يفتقر إلى وصفين العصمة، والعلم، لا يمكن تشريع وتطبيق النظام العادل إلا بوصفين:

الوصف الأول العصمة: لأنه تطبيق النظام العادل يحتاج إلى إرادة حديدية صارمة في جميع تفاصيل النظام وهذا يتوقف على العصمة ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ[2] .

الوصف الثاني: يحتاج إلى العلم بأسرار التشريع، كيف يكون الإنسان قادر على تشريع النظام العادل وتطبيقه ما لم يكن هو الأعلم والأعرف بأسرار التشريع ”أنا مدينة العلم وعلي بابها“، إذن نحن نحتاج إلى نظام عادل ونحتاج إلى حجة يقوم على النظام العادل، والحجة هو الشخص الذي يجمع الوصفين العصمة، والعلم.

المقدمة الثانية:

إذا كان المجتمع البشري محتاج إلى نصب حجة فلابد لله أن ينصب لهم حجة لأن عدم نصب الحجة من قبل الله إما لجهل منه، أو لعجز منه أو لبخل منه لا يوجد عنده شق رابع، عدم نصب الحجة للمجتمع البشر إما لجهل الله بحاجة المجتمع البشري وهو العليم بكل شيء، أو لعجزه وهو القادر على كل شيء، أو لبخله وهذا يتنافى مع حكمته، إذن مقتضى علمه وقدرته وجوده أن ينصب حجة للمجتمع البشري، وذلك الحجة يتكفل بتشريع النظام العادل وتطبيقه وهذا ما قصده القرآن في قوله ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ - لماذا - لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ[3] ، يعني لأجل النظام العادل، هذا هو الدليل على النبوة هذا الدليل الذي يسيق على النبوة هو نفسه دليل ماذا؟! على الإمامة لأنه نصب الحجة يشمل النبي والإمام.

مثلاُ: النبي لما توفي، هل لبيت الحاجة بمعنى هل اكتفي المجتمع البشري لا يحتاج إلى حجة بعد وفاة النبي لا، لماذا؟!

لأن المدة التي عاشها النبي 23 سنة عمر الرسالة غير كافية، هذه المدة لم تكن كافية لبيان أسرار التشريع كلها، التشريع أكتمل لكن مسألة بيانه لم تكن المدة كافية لبيان جميع أسرار التشريع، ولم تكن المدة كافية لبيان تفاصيل النظام العادل، ولم تكن المدة كافية لبيان جميع أسرار الكتاب، مات النبي والحاجة مازلت باقية، المجتمع كان يحتاج إلى شخص هو الأعرف بأسرار التشريع، كان محتاج إلى شخص هو الأعرف بأسرار الكتاب كان يحتاج إلى شخص هو أقوى الناس إرادة على تطبيق النظام، إذن المجتمع البشري محتاج إلى نصب حجة بعد موت النبي كما كان محتاج إلى نصب حجة في زمن النبي المصطفى .

أنت الآن أي إنسان يناقشك قول له أنا عندي آيات من القرآن إذا يستطيع أحد من الصحابة يحلها، إذا نحن نغض النظر عن علي وأهل بيته نتركهم يفسرون لنا الآيات ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا[4] ، هل اليد من الكتف، اليد من المرفق، اليد من الزند اليد من أصول الأصابع نريد شخص عارف بأسرار الكتاب يشرح لنا هذا القانون هذا من قوانين النظام العادل، حتى على مستوى الأمور الأخرى مثلاُ قوله عز وجل ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ[5] ، ما معنى ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ؟! لو تجلس مئة سنة لن تصل إلى الحل بدون الرجوع إلى شخص عالم بأسرار الكتاب لا يمكن.

إذن الآيات المتشابهة في القرآن تحتاج إلى شخص عارف بأسرار الكتاب، وتطبيق النظام العادل يحتاج إلى شخص هو الأعرف بأسرار التشريع.

الآن عندما نأتي إلى القضاء الإسلامي كتاب القضاء في الفقه الإسلامي ترى فيه مأزق لماذا؟! لأن الوارد عن النبي في باب القضاء كله أربعة أحاديث فقط، هذا المفصل المهم في الفقه الإسلامي وفي النظام العادل يعتمد فقط على أربعة أحاديث؟! مأزق لذلك غرف المسلمون في علم القضاء من بحر علي بن أبي طالب ، أربع سنين وتسعة أشهر الإمام علي حكم فقط هذه الأربعة سنين وتسعة أشهر أخذوا منها أحكام القضاء ”أقضاكم علي لا أبقاني الله لمعضلة لم يكن فيها أبو الحسن لولا علي لهلك عمر“، هي أربع سنين وتسعة أشهر حكم فيها علي، فكيف لو حكم المسلمين ثلاثين سنة؟!

إذن المسلمون لم تلبى حاجتهم في بيان النظام العادل وأسراره وفي بيان تفسير الكتاب وأسراره إلا بنصب حجة عليهم من قبل النبي المصطفى فالدليل على ضرورة النبوة هو الدليل على ضرورة الإمامة وهو ضرورة نصب الحجة وما دل على أن النبوة أصل هو الذي يدل على أن الإمامة أصل وهو نصب الحجة.

هنا سؤالان قد تبادران للذهن:

السؤال الأول:

لو كانت الإمامة أصل للدين لما انتشر الدين بدون الإمامة، مع أننا نرى أن الأئمة لم يحكموا إلا فترة الإمام علي لكن الدين لم يتوقف على حكمهم بل انتشر الدين في شرق الأرض وغربها وأقام حضارة إسلامية شامخة ولم يحتج انتشاره إلى حكم الأئمة ولا إلى سلطة الأئمة من أهل البيت مما يؤكد أن الإمامة لا دخل لها في الكيان الإسلامي ربما يقول قائل هكذا؟!

والجواب: هذا خلط بين الدين الشعائري والدين وبين الدين النظامي، أشرح لك: الإسلام يعتمد على دعائم ثلاث:

  1. قيم: مثل الصدق والأمانة والزهد.
  2. شعائر: مثل الصلاة والصوم والحج والزكاة.
  3. نظام: يعني نظام الحدود، كالتعزيزات، والقضاء والمعاملات.

فالإسلام يعتمد على ثلاث دعائم، فما الذي انتشر من الدين؟! هل الذي أنتشر من الدين هو الدين النظامي لا، الذي انتشر من الدين والإسلام هو الشعائر فقط هذا الذي انتشرت شرقاً وغرباُ أن الناس تصلي وتصوم وتحج، أما نظام الإسلام لم ينتشر، نظام الإسلام منذ حكومة الإمام علي لم ينتشر الإسلام نظاماً شرقاً وغرباً لأن النظام الأموي والنظام العباسي لم يكن نظام إسلامي بمعنى النظام الحقيقي للإسلام، إذن عندما يقول القائل الدين قد انتشر ولم يكن بحاجة إلى الإمامة حتى ينتشر؟!

الجواب: إن الذي انتشر الدين الشعائري وأما الدين النظامي فإن انتشاره وتطبيقه يتوقف على ماذا؟! على الإمامة يتوقف على نصب الحجة، أصلاً لا يعقل تحقيق النظام العادل بدون حجة هذا غير معقول فالدين بمعنى النظام العادل لم ينتشر في الأرض بدون الأئمة كي يقال هذا دليل على أن الإمامة ليست دخليه في الدين وفي الإسلام.

السؤال الثاني:

ربما يقول قائل الإمام غائب عند الشيعة وغيبة الإمام تعني تعطيل النظام العادل وتعطيل النظام العادل يتنافى مع إرادة الله وحكمته؟!

الجواب: ليس المقصود بالإمام شخص الإمام لماذا؟! لأن نحن عندنا تراث الأئمة النظام العادل يحتاج إلى الحجة إما بنفسه أو بتراثه وبأحاديثه الآن مثلاُ إذا ترجع إلى أحاديثنا نحن عندنا «خمسة آلاف حديث وأكثر» تتعلق بالنظام غير الأحاديث المتعلقة بالعبادات غير الأحاديث المتعلقة بالأمور الوضيعة عندنا خمسة آلاف حديث على الأقل متعلقة بالنظام بالحدود بالقضاء بالمعاملات بالعلاقات العامة والخاصة كل ما يرتبط بالنظام العادل نحن عندنا تراث يغطيه ويسعه ويملئه ويشرحه.

إذن بالنتيجة نصل إلى هذه النتيجة:

أولاً: أن النظام العادل يحتاج إلى الحجة إما بوجوده وأما بتراثه الوارد عنه، فغيبة الإمام الحجة لا تعني على عدم القدرة على تطبيق النظام العادل ما دام التراث المعصومي موجود.

ثانياُ: غيبة الإمام الحجة لتقصير من المجتمع البشري نفسه، ورفض المجتمع البشري للنظام العادل لا يعني إلغاء الإمامة، أنت الآن عندما تأخذ التاريخ من يوم نوح إلى يوم النبي أستطاع نبي من الأنبياء أن يقيم نظام عادل أبداً، هل هذا يعني إلغاء الإمامة إبراهيم كان إمام موسى كان إمام ﴿أُولُو الْعَزْمِ[6] ، يعني الأئمة ﴿أُولُو الْعَزْمِ، كانوا أئمة إبراهيم وموسى وعيسى ونوح كانوا أئمة ومع ذلك لم يقدروا على تحقيق النظام العادل لرفض المجتمع البشري إقامة النظام العادل فهل يعني ذلك عدم الحاجة إلى النبوة؟! هل يعني ذلك عدم الحاجة إلى الإمامة لأن المجتمع البشري رفض ذلك؟! أبداً رفض المجتمع البشري شيء وضرورة الإمامة كحجة على النظام العادل شيء أخر.

كذلك في غيبة الإمام المجتمع البشري هو الذي قصر في حفظ الإمام فغاب الإمام عن المجتمع البشري تمحيص لهم وامتحان لهم فتقصير المجتمع البشري في حفظ الإمام لا يعني عدم الحاجة إلى الإمامة ولا يعني عدم ضرورة الإمامة ولذلك القرآن يركز على هذه النقطة ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ[7] ، هم محتاجون إلى النظام لكن هم الذين رفضوا النظام وقال تبارك وتعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ «يعني أتبعوا النظام العادل» لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا[8] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ[9] ، إذن الإمامة أصل من أصول الدين كما أن النبوة أصل من أصول الدين.

المحور الثاني: هل الإمامة تختص بالإمامة الدينية أم تشمل الإمامة السياسية المعبر عنها بالخلافة؟!

بعض الباحثين الشيعة ذهب إلى أن الإمامة دينية وليست سياسية، أي أن الإمامة التي هي أصل من الأصول هي عبارة عن كون الإمام مصدر لتشريع، وأما السلطة السياسية فليست من الأصول بل السلطة السياسية تدور مدار البيعة فإن بويع من قبل المجتمع البشري كانت له سلطة سياسية وإلا فلا لماذا هذا الكلام؟!

ذكر عدة أدلة على مدعاة وعلى كلامه:

الدليل الأول:

الذم الصادر من الأئمة للرئاسة وبيان فشل السعي للرئاسة واحتقارها، مثلاً: ورد عن الإمام الصادق : ”ملعون من ترأس، ملعون من سعى لها، معلون من حدث نفسه بها“، وورد عن الإمام الصادق بيان لفشل السعي نحو الرئاسة يعني كل شخص يسعى نحو الرئاسة سوف يفشل على كل حال ورد عنه : ”كل راية ترفع قبل قيام قائمنا فهي راية ظلال وصاحبها طاغوت يعبد من دون الله“ لا يوجد فائدة.

لو كانت السلطة السياسية جعل إلهي لما ذمها الإمام الصادق!! لو كانت السلطة السياسية جعل إلهي لما نبه الإمام الصادق على فشلها وعلى عدم جدواها.

الدليل الثاني:

أن الإمام علي تهرب من السلطة السياسية وطلب من الناس أن يتجهوا إلى غيره أقرأ نهج البلاغة لما جاءه الناس للبيعة قال: «دعوني والتمسوا غيري فإن مستقبلون أمر له وجوه وألوان، لا تثبت فيه القلوب ولا تستقر عليه العقول وإن الآفاق قد اغامت والمحجة قد تنكرت وإني والله لو أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ولم أصغي إلى قول قائل ولا إلى عتب عاتب وإن تركتموني فإني كأحدكم ولعليّ أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم وإني لكم وزيراً خير لكم مني أمير».

ودخل عليه أبن عباس وهو في منطقة ذي قار رآه يصلح نعله الإمام التفت الإمام إلى أبن عباس قال له: «يا أبن عباس ما قيمة هذه النعل؟! قال: درهمان، قال: أنها خير لي من أمرتكم لزلا أن أقيم حق أو أدفع باطلا»، فلو كانت الإمامة جعل إلهي لما تهرب الإمام منها لو كانت السلطة السياسية جعل إلهي لما تهرب الإمام ولما طلب من المسلمين أن يتكلوا على غيره ولما أحتقرها ولما أعتبرها بقيمة النعل التالف.

الدليل الثالث:

أن الإمام علي كتب إلى معاوية بن أبي سفيان وأقر بأن الإمامة بيعة وليست جعل قال: «أما بعد فقد بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للحاضر أن يختار ولا للغائب أن يرد وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار فإذا اجتمعوا على رجل وأسموه أمام كان ذلك لله فيه رضا» فالإمام يقر بأن السلطة السياسية بالشورى وليس بالجعل الإلهي، إذن نستخلص من هذا أن الإمامة الدينية هي الجعل الإلهي وأن الإمامة السياسية ليست جعل إلهي بل تدور مدار البيعة والانتخاب.

الجواب عن هذه الشبهة من وجوه:

الوجه الأول:

التفصيل بين الإمامة الدينية والإمامة السياسية خطأ هو في حد ذاته تفصيل خطأ، لماذا؟! لأن ما هو معنى الإمامة؟! معنى الإمامة لا يقبل التفصيل.

الإمامة: هي عبارة عن نفوذ الحكم، من ينفذ حكمه فهو الإمام هذا معنى الإمامة، الإمامة يعني الولاية، الإمامة بمعنى نفوذ الحكم الشخص الذي ينفذ حكمه سواء كان في الأنفس أو في الأعراض أو في الأموال أو في القضايا العامة أو في القضايا الخاصة الشخص الذي ينفذ حكمه فهو الإمام، ولذلك ذكر القرآن عن النبي: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى «هذا معنى الإمامة» بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ[10] ، يعني حكمه نافذ، عندما يعلق على قضاء النبي: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ[11] ، فإذا كانت الإمامة تعني نفوذ الحكم يا ينفذ حكمه أو لا، لا معنى أن نقول إمامة دينية وإمامة سياسية، وهذا معنى لا معني للتفصيل فيه فهو أم أن ينفذ حكمه أو لا ينفذ وانتهى المطلب التفصيل ليس تفصيل فني صناعيا.

الوجه الثاني:

ما صدر عن الإمام علي والإمام الصادق من ذم الرئاسة، أو بيان أن كل راية تخرج قبل قيام القائم راية ظلال أو احتقار الإمام علي للإمرة: ”أنها خير لي من امرأتكم“، كل ذلك ينصب على السلطة الفعلية وفرق بين السلطة الفعلية وبين الإمامة قلنا الإمامة تعني نفوذ الحكم سواء كانت له سلطة أو لم تكن له سلطة، الإمام هو الذي لو صدر منه حكم لكان نافذ إلى سلطة أو لم تكن له سلطة ليس لها علاقة بالإمامة، السلطة السياسية الفعلية هذه ليس مقوم للإمامة، وإلاّ نأتي نحن الآن ونحاسب ما رأيك في النبي أليس إمام؟! النبي كان نبياً وإماماَ مع ذلك النبي 13 سنة من الدعوة لم تكن له سلطة سياسية، متى أصبحت للنبي سلطة سياسية؟!

عندما ذهب إلى المدينة وتوفرت الظروف وإلا هو لم تكن له سلطة سياسية 13 سنة قضاها في مكة لم تكن له سلطة سياسية لكنه كان إمام، الإمام من يجب تنفيذ حكمه سواء تمكن من تحصيل السلطة السياسية أو لم يتمكن، وإلا لزم أن نفصل هذا الكلام ونقول النبي أيضا النبوة قسمين!! نبوة دينية جعل من الله!! ونبوة سياسية وهي ليست جعل من الله؟!

هذا لا معنى للتفصيل الإمام من ينفذ حكمه تمكن من السلطة أو لم يتمكن إذاً ذم الإمام الصادق واحتقار الإمام علي كله منصب على السلطة القائمة آنذاك وليس ذم لمنصب الإمامة ولا احتقار لمنصب الإمامة.

الوجه الثالث:

نحن نريد الآن أن نراجع النصوص هل النصوص ناظره للإمامة الدينية؟! أو النصوص ناظرة للإمامة السياسية والدينية معاً؟!

نذكر النصوص:

حديث المنزلة الذي ورد في كتب السنة والشيعة: ”ياعلي أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي“، هارون كان إمام في الدين أو فقط؟! أو بالعكس كان إمام في السياسة لأن موسى استخلفه على قومه حاكما لم يستخلفه رجل دين استخلفه حاكم كانت لموسى سلطة سياسية كان حاكم واستخلف أخاه هارون على الحكومة على السلطة على إدارة المجتمع ”أنت مني بمنزلة هارون من موسى“، يعني ما كان لهارون إمامة سياسية فهي لك أيضاً.

حديث الغدير: ”ألست أولى بكم من أنفسكم؟! «يعني أليست لي سلطة سياسية عليكم إلا ينفذ عليكم حكمي» قالوا: بلى يا رسول الله، فقال: فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه «يعني السلطة تنتقل إليه الولاية السياسية تنتقل إليه» ألا فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم والي من ولاه وعادي من عاده وانصر من نصره وأخذل من خذله وأدر الحق معه أينما دار“، وقوله في حديث الدار: ”أنت أخي ووصي وخليفتي“، مطلق للإمام السياسية والإمامة الدينية.

الوجه الرابع:

أن ما صدر من الإمام علي لمعاوية:

أولاً:

البيعة طلبها النبي قبل الإمام، النبي طلب من المسلمين البيعة هل يعني أنه نبوته منوطة بالبيعة لا، إنما طلب النبي البيعة كما قال القرآن الكريم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ[12] ، وقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ[13] ، النبي طلب البيعة من المسلمين!! لماذا مع أن نبوته جعل من الله ولا تحتاج إلى البيعة؟!

إنما طلب البيعة كعقد عقلائي ملزم، أراد أن يلزم المسلمين بطريقين من الإلزام، إلزام شرعي وهو الجعل من الله، وإلزام اختياري عقلائي عن طريق عقد البيعة لأن عقد البيعة عقد ملزم لدى العقلاء، فأراد أن يلزمهم بتباعه من جهتين، من جهة التشريع السماوي، ومن جهة عقد البيعة، وهكذا صنع الإمام علي عندما أصر على البيعة.

ثانياُ:

الإمام علي عندما قال: «دعوني والتمسوا غيري» كان امتحان منه لإرادتهم يريد أن يراهم هل هم مستعدين لحكمه؟! أم لا؟! لأن حكمه كان قاسياً شديداً، أراد أن يختبر إرادتهم ويختبر قدرتهم هل هم مصممون على قبول حكمه أم لا؟! لذلك قال لهم: «فإنا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان وأني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغ إلى قول قائل ولا لعتب عاتب» لم يكن يريد الهروب من الإمامة وإنما أراد اختبار إرادتهم.

ثالثاً:

كيف نركز على مقالة الإمام علي يخاطب بها معاوية ونغض النظر عن الخطبة الشقشقية التي وردى إلينا بأسناد كثيرة وطرق متضافرة والإمام فيها يتظلم فيها من البيعة ومن الشورى ويقول: «فَيَا لَلَّهِ وَ لِلشُّورَى مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الْأَوَّلِ مِنْهُمْ حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلَى هَذِهِ النَّظَائِر»

فإن  كنت بالشورى ملكت iiأمورهم

وأن كنت بالقربى حججت خصيمهم

 
فكيف  بالشورى  المشيرون iiغيّب

فغيرك     أولى    بالنبي    iiواقرب

فالإمامة: تعني أن الإمام أولى بك من نفسك، ولهذا يقول فقهائنا الدفاع عن الإمام واجب، لو تعرضت حياة الإمام لخطر يجب بذل الأرواح شرعاً يجب بذل الأرواح في سبيل حفظ حياته لأنه: ﴿أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ[14] ، بل يجب مواساته في كل حالاته يعني لا يمكن أن يحزن الإمام وأنت فرح ولا يمكن أن يشقى الإمام وأنت مرتاح، مواساة الإمام في كل حالاته واجبه لأنه أولى بك من نفسك، وهذا ما صنعته السيدة الزهراء عندما وقفت وهي امرأة تدافع عن إمامها الإمام أمير المؤمنين «مسؤولية شرعية» وهذا ما صنعته أم البنين الأربعة بأبنائها الأربعة، بدلتهم في سبيل إمام زمانها الحسين بن علي..

وصلى الله على محمد وآل محمد

[1]  سورة البقرة، آية124.
[2]  سورة يونس، آية 35.
[3]  سورة الحديد، آية 25.
[4]  سورة المائدة، آية 38.
[5]  سورة الذاريات، آية 47.
[6]  سورة الأحقاف، آية 35.
[7]  سورة الأعراف، آية 96.
[8]  سورة الجن، آية16.
[9]  سورة الرعد، آية 11.
[10]  سورة الأحزاب، آية6.
[11]  سورة الأحزاب، آية36.
[12]  سورة الفتح، آية 18.
[13]  سورة الممتحنة، آية12.
[14]  سورة الأحزاب، آية6.

المثقف الإمامي وأزمة النص
حوار حول النسبية والقداسة والحرية