نص الشريط
التربية المثلى وَالواقع المرير
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 9/1/1432 هـ
تعريف: الليلة التاسعة: التربية المثلى والواقع المرير. {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} المحاور: 1/ غريزة الأبوة. 2/ العلاقة بين التربية والمجتمع. 3/ ركائز التربية الناجحة.
مرات العرض: 2904
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (1132)
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا

الآية المباركة تركز على صفتين من صفات المؤمن وهما:

  1. حب الإيمان.
  2. الطموح نحو تكامل الإيمان.

الصفة الأولى «حب الإيمان»

فقد عبر عنها بقوله ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ هؤلاء لايقولون هبلنا أزواجاً، أو هبلنا ذريتاً، إنما يقولون ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ أي أن المطلوب ليس هو الزوجة بما هي زوجة تشبع الغريزة أو تشبع العاطفة. وليس المطلوب الذرية بما هي ذرية. بل المطلوب أن تكون الزوجة أو الذرية مصدر سرورٍ ومصدر قرة عينٍ بالنسبة للزوج والأب. وذلك إذا كانت الزوجة والأولاد مظهراً للإيمان والصلاح، وكان الأولاد مصدراً للسرور وقرة العين. فالحب أولاً وبالذات ليس للزوجة ولا للأولاد وإنما الحب للإيمان.

الصفة الثانية «الطموح نحو تكامل الإيمان»

المؤمن لايحب الجمود، المؤمن لايحب البقاء على وتيرة معينة، المؤمن يطمح دائماً أن يكون في الطليعة، أن يكون في المقدمة، أن يكون في طليعة المسارعين إلى الخيرات ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فالمؤمن طموح نحو الكمال نحو الطليعة فقال عز وجل ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا أي أن نكون نحن الطليعة والقدوة ونحن المتقدمين والبارزين في مجال الخير والعطاء والعمل.

وانطلاقة من الآية المباركة نتحدث عن الولد الصالح والتربية الصالحة وذلك من خلال محاور ثلاثة: -

المحور الأول «غريزة حب الامتداد»:

هنا مطلبان نتعرض لهما

المطلب الأول: ذكر علماء الفلسفة أن هناك فرقاً بين الوجود الحقيقي والوجود الإعتباري.

«الوجود الحقيقي» هو الذي لايختلف باختلاف الآراء والأنظار. «الوجود الاعتباري» ما يختلف باختلاف بالآراء والأنظار.

مثلاً: وجود الشجرة وجود حقيقي لماذا؟ لأنه لا يختلف باختلاف الآراء سواءً اتحدت الآراء أو اختلفت الشجرة موجودة. لا أحد يشكل أو ينكر وجودها هذا يسمى «وجود حقيقي».

بينما: ملكية الخمر، هل الخمر يملك أو لا يملك؟. ملكية الفائدة الربوية، هل الفائدة الربوية تملك أو لاتملك؟ هذا «وجود اعتباري» لأنه يختلف باختلاف الآراء. القانون الشرعي يرى أن الخمر والفائدة الربوية لاتملك أما القانون الوضعي يرى انها تملك، إذن الملكية وجود يختلف باختلاف الآراء والأنظار لذلك يسمى وجوداً اعتبارياً لأنه يختلف باختلاف الآراء والأنظار.

بينما الإنسان. الإنسان أيضاً له وجودان حقيقي واعتباري.

الوجود الحقيقي للإنسان هو الوجود المادي الذي يبدأ منذ يوم ولادته وينتهي بيوم وفاته.

أما الوجود الاعتباري فهو الوجود العنواني. عنوان الإنسان وجود اعتباري. مثلا عندما يقال دكتور فلان صار له وجود آخر لكنه وجود اعتباري. كلمة العالم وكلمة المهندس هذا أيضاً نوع من الوجود لكنه وجود اعتباري وليس وجود حقيقي.

والوجود الاعتباري قد يكون أوسع من الوجود الحقيقي. وذلك إذا كان الوجود الاعتباري عن طريق المنصب أو عن طريق الأموال أو عن طريق الذرية.

مثلاً الإنسان إذا حصل على منصب اجتماعي أصبح ملكاً، أميراً، مرجعاً، أديباً، أو غيرها من المناصب الأخرى. هذا المنصب يبقى بعد موته وحتى بعد مئات السنين يظل هو مذكور بأدبه، مذكور بعلمه، مذكور بتاريخه. فيصبح وجوده الاعتباري أوسع من وجوده الحقيقي لأنه تقمص منصباً من المناصب الاجتماعية. وأحياناً عبر المال كتأسيس الإنسان مؤسسة تحمل اسمه، مثلاً شركة فلان أو مؤسسة فلان. حتى بعد موته يبقى اسمه ببقاء أمواله ببقاء اسمه ببقاء مؤسساته.

أو من خلال الأولاد فهناك بعض العوائل تسمى باسم الجد. هذا الجد حتى بعد ألف سنة يبقى اسمه ببقاء ذريته. إذن هذا الوجود الاعتباري بقي وصار أوسع من الوجود الحقيقي. فالوجود الاعتباري قد يكون أوسع من الوجود الحقيقي بمنصب أو مال أو نسل.

المطلب الثاني: الإنسان دائماً يخطط للأولاد، لماذا؟.

أقوى الغرائز المتأصلة في شخصية الإنسان هي غريزة حب الحياة. الإنسان يحب أن يبقى، يحب أن يعيش، لا يوجد إنسان يحب أن يموت.

غريزة حب الحياة تفرض على الإنسان أن يخطط لبقائه دائماً. والتخطيط للبقاء عن طريق الذرية والأولاد. فالإنسان يفكر في الذرية، يفكر النسل لأن غريزة حب الحياة هي التي تبعثه التخطيط للنسل والذرية. لأنه يعتقد أن حياته ستبقى ببقاء ذريته وأبنائه. ولذلك يشير القرآن إلى هذه الغريزة في قوله ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ فغريزة حب الحياة تبعث الإنسان على حب الذرية والنسل. من هنا تكمن ضرورة التربية. أنه ليس المهم الإنجاب وإنما المهم التربية. ليس المهم أن يكون لك ذرية بل أن تكون لك ذرية صالحة. لماذا؟

لأن التخطيط للتربية ليس لأولادك إنما هو لنفسك. لأن حياة أبنائك حياة لك. كما ورد عن الإمام زين العابدين «وأما حق ولدك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره» إن كان شراً قيل هذا ابن فلان. وإن كان خيراً قيل هذا ابن فلان. فالتخطيط للتربية تخطيط للنفس، وتخطيط للسمعة.

لذلك الولد الصالح ذخراٌ لحياة دنيوية وأخروية كما ورد عن النبي محمد «إذا مات ابن آدم انقطع - - عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له». ليس المراد بالولد الولد المباشر حتى لو كان ولد ولد ولد الولد مادام ولداً صالحاً يدعو له فعمله باقي ولذلك ناس أعماله تبقى إلى مابعد خمسة آلاف سنة لأن ذريتهم دائماً صالحة.

إذن التخطيط للتربية تخطيط للحياة: حياة دنيوية وهي السمعة الحسنة وحياة دنيوية وهي بقاء الثواب والعمل الصالح. يقول القرآن الكريم ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ. فالتربية الصالحة ضرورة.

المحور الثاني:

هناك بحث في علم النفس الاجتماعي. هل التربية تشكل المجتمع أم المجتمع يشكل التربية؟ المجتمع هو عبارة عن الثقافة المتولدة من الآداب والعادات والتقاليد هذه الثقافة هذا العقل الجمعي المكون من العادات وآداب والتقاليد يسمى بالمجتمع. هل المجتمع تشكله التربية أي أن الفرد هو الذي يصوغ المجتمع؟ أم المجتمع يشكل التربية؟ بمعنى أن تربية الأبناء تأتي نتيجة ما يكتسبه الأب من المجتمع. هنا ثلاث نظريات: -

النظرية الأولى: نظرية التعري والإرتداء.

ما معنى ذلك؟ بعض علماء النفس يقولون خلق الإنسان عارياً روحاً وبدناً فهو محتاج إلى الرداء بدناً وروحاً. كيف؟ يعني الإنسان خلق عاري بعد سنتين إلى ثلاث من عمره يبدأ يلتفت إلى عورته. ويلتفت إلى أن إظهار العورة قبيح لدى المجتمع الذي يعيش فيه. فيسعى لستر عورته البدنية. خلاف الحيوان الذي ليس له قابلية التأدب بآداب المجتمع الذي حوله.

وكذلك من جهة الروح. الإنسان يولد عاري من حيث روحه. يعني يولد وروحه عارية من الآداب ومن الأخلاق الاجتماعية. إذا مرت خمس سنوات بدأ الطفل يلتفت إلى أن المجتمع الذي يعيش فيه هو خزانة لمجموعة من الآداب والتعاليم. التلميذ له آداب، الأستاذ له آداب، الابن له آداب، الأب له آداب، الشارع له آداب، الصداقة لها آداب. فالروح خلقت عارية من هذه الآداب ثم اكتسبتها من خلال المجتمع. فسارع الطفل إلى ارتداء الأدب من حيث بدنه ومن حيث روحه. هذه النظرية تشير إلى أن المجتمع هو الذي يشكل التربية. لأن المجتمع يعتبر رداء يستر به الإنسان عورته البدينة وعورته الروحية من خلال ما يكتسبه من آداب وأخلاق وقيم اجتماعية.

النظرية الثانية: - نظرية تأثير الرموز.

لكل مجتمع ثقافة مكتسبة من الرموز الاجتماعية. وهو أقوى عنصر يؤثر في صياغة ثقافة المجتمع وفي العقل الجمعي للمجتمع. فما يطرحه الرموز من ثقافة يتأثر به المجتمع وينعكس على أبنائه. من هنا تكون تربية الرموز هي التي تشكل المجتمع وثقافته. والقرآن يركز على هذه المسألة. مثلاً عندما يتحدث عن تأثر المؤمنين في الجو الاجتماعي العام في قوله تعالى ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ. وعندما يتحدث عن تأثير الرموز الفاسدة على المجتمع يقول تعالى ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا بمعنى نحن عشنا في مجتمع يسيطر عليه مجموعة فاسدة والسيطرة هنا سيطرة ثقافية. ويقول في آية أخرى ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً.

﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا يعني جعلنا مترفيها أمراء ﴿فَفَسَقُوا فِيهَا يعني سرت ثقافة الترف إلى أبنائها ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً. لذلك تركز النصوص على خطورة دور رجل الدين. رجل الدين رمز يؤثر في ثقافة المجتمع ويؤثر في بناء المجتمع. فدور رجل الدين دور خطير جداً. لذلك ورد عن الإمام الحسين «مجارى الأمور بيد العلماء بالله الأمناء على حلاله وحرامه» يعني ليس العلماء مطلقاً بل العلماء الأمناء بالله على حلاله وحرامه. إذن تأثير الرموز يؤثر على ثقافة المجتمع.

النظرية الثالثة: أن علاقة الفرد بالمجتمع وعلاقة المجتمع بالفرد «علاقة تبادلية».

كل منهما مؤثر ومتأثر. المجتمع يتأثر برموزه ورموزه يتأثرون به أيضاً. هناك علاقة تفاعل وتبادل. تأثير وتأثر. كل مجتمع يتغير وتغيره بيد رموزه دائماً. رموزه هم الذين يغيرونه. لذلك يقول الرسول «في كل خلف من أمتي شموس أو نجوم من أهل بيتي ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين وبدع المبطلين» خلف يعني كل مئة سنة «جيل». إذن هناك تغير في المجتمع لثقافة تفرضها الرموز. كذلك الرمز لا يقدر أن يغير إذا لم يتأثر بمجتمعه. الرمز أيضاً يكتسب ثقافته الأولية وقيمه من خلال مجتمعه ثم ينطلق لمسيرة التغيير. فالعلاقة بين الطرفين علاقة تأثير وتأثر «علاقة تبادل».

المحور الثالث:

ذكرنا في المحور الأول ضرورة التخطيط للتربية. وذكرنا في المحور الثاني أن التخطيط للتربية يشكل ثقافة اجتماعية. فما هي ركائز التربية الصالحة والناجحة؟.

في ضمن الواقع المعاصر نعيش تحديات صعبة. الآن تطور وسائل الاتصال وتنوع وسائل الإعلام فرض علينا أن نخطط تخطيطاً آخر لنوعٍ آخر من التربية. يعني الأب قبل أربعين سنة ليس مثل الأب الآن. الأب الآن لابد أن يكون تخطيطه أكبر. لأن الواقع أكثر خطورة وأكثر تأثير. بعبارة أخرى الولد قبل أربعين سنة كان البيت والمدرسة يشكلان 80% من أدوات التأثير على شخصية الولد وصياغة ثقافته. الآن بعد أربعين سنة البيت والمدرسة يشكلان 30% أو أقل من أدوات التأثير ثقافة الابن وشخصيته. فوسائل المعرفة ووسائل الاتصال أصبحت أكبر تأثير على صياغة شخصية الإنسان من الأسرة والمدرسة.

من هنا تحتاج المؤسسة الدينية يعني المسجد والمنبر والمرجعية أو أي مؤسسة دينية إلى أن تطور من أدواتها حتى تواكب هذا التغير الملحوظ. حتى يكون للمؤسسة الدينية من مسجد ومنبر وقناة وشاشة وأي أداة أخرى تأثير مقابل هذا التطور السريع المتلاحق للإعلام. فتحتاج المؤسسة الدينية إلى تخطيط دقيق ومتجدد حتى تواكب هذه المسيرة كلها. لذلك لابد من التركيز على دعائم وركائز التربية الصالحة.

الركيزة الأولى: التربية قبل التنمية. كيف؟

كثير من الآباء يركز على تعليم ابنه المهم أن يكون تعليم ابنه تعليم ممتاز يدرسه في مدارس خاصة ويصرف عليه أموال طائلة حتى يتخرج ولده على أي مستوى في الطب أو الهندسة أو أي مجال ليكون إنسان متفوق علمياً. هذا الاهتمام جيد. لكن هناك اهتمام أعظم منه رتبتاً ألا وهو الاهتمام بالتربية الصالحة. فالتربية قبل التنمية العلمية. ما لم يكن الولد قد بنيت روحه على أرضية قِيمية. أرضية خلقية. أرضية دينية. فإن علمه وثقافته لن يعطي المجتمع شيئاً. ولن يجدي شيئاً. لابد من تربية روحه أولاً على خلق الدين وقيمه حتى يُضمن عطائه وتأثيره إذا أصبح عالماً عارفاً. وهذا ما ورد عن الصادق «علموا أبنائكم من علمنا ما ينتفعون به لاستبقكم المرجئة». أي علمه العقائد. علمه الفرائض علمه الدين. وأيضاً نلاحظ هذا الاهتمام بالنسبة للقرآن الكريم.

هناك آيتان في القرآن قد يتصور الشخص أن هناك تعارض بين الآيتين. آية تقدم التربية على التعليم. وآية تقدم التعليم على التربية. في سورة الجمعة قوله عز وجل ﴿الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ هنا قدم التزكية على التعليم. بينما في سورة البقرة قال ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ هنا قدم التعليم على التزكية. لكل مقام مقال. الآية الواردة في سورة الجمعة تتحدث عن التكامل. النبي كان مصدر للتكامل. كيف النبي قدم التكامل كمشروع في الأمة؟ قدمه عبر هذه الخطوات ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ. والتزكية سابقة على التعليم في مجال التكامل، تكامل الشخصية يتوقف على التزكية أولاً والتعليم ثانياً، بينما الآية المذكورة في سورة البقرة لا تتحدث عن التكامل بل تتحدث عن الدعاء هناك دعاء صدر من إبراهيم لأمته ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولً الداعي عندما يدعو لا يلاحظ الترتيب بل يلاحظ ما هو بنظره الأكثر تأثيرا ونتاجاً. إبراهيم في دعائه قدم التعليم على التربية. لماذا؟ لأن التعليم أسبق رتبتاً من التربية، التعليم يتعلق بالداخل بينما التربية تتعلق بالجوارح وأدبها، فلأن التعليم سابق رتبتاً على التربية، قدمه إبراهيم في مقام الدعاء. فلكل مقام مقال ينسجم معاً. المهم أن التربية قبل التنمية.

الركيزة الثانية: التربية غير المباشرة. ما معنى ذلك؟

علماء التربية يقسمون التربية إلى تربية مباشرة وتربية غير مباشرة، التربية المباشرة هي التوصيات، يصعد الخطيب على المنبر ويقول يا ناس صلوا صوموا... والتربية المباشرة حث عليها لقرآن الكريم ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وفي آية أخرى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ.

التربية الغير مباشرة هي الاستقامة إذا كان الأب مستقيماً، فاستقامته تربية حتى لو لم يتلكم، الأب المستقيم يغرز استقامته وقيمه في نفوس أبنائه، إذا سمع الابن صوت الأب يقرأ القرآن يتأثر، وكذلك إذا سمع صوت الأم تقرأ الدعاء يتأثر، استقامة الأبوين هي في حد ذاتها تربية غير مباشرة. مع الأسف هذا موجود في الجيل القديم حيث تستيقظ من النوم وتسمع أبيك يقرأ القرآن والزيارة، الجو الأسري كان جوا استقامة. أما الآن في بعض البيوت يستيقظ الطفل ويسمع الموسيقى أو التلفزيون. كذلك الأستاذ في الفصل متى ما كان مستقيماً، صادقاً، أميناً، مبدئي أثرت شخصية الأستاذ في نفوس طلابه. لذلك القرآن مدح النبي في هذا النوع من التربية ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ يعني خلقك هو بنفسه تربية لكن تربية غير مباشرة ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ.

الركيزة الثالثة: الانسجام بين الجيلين، جيل الآباء وجيل الأبناء.

هناك اختلاف بين جيل الآباء وجيل الأبناء، هناك كثير من الأبناء يشكون، يقولون أن الأب دكتاتور لا يسمح لي في داخل البيت أن أتكلم أو أبدي رأيي أو أبدي مناقشتي، دائماً أبي يفرض علي آرائه، يفرض علي أبي ثقافته ’ يفرض علي أبي آدابه. وبالعكس نرى آباء كثيرين يشكون من الأبناء، يقولون أولادنا عنيدين، لا يسمع الكلام، صلب، كيف أسيطر عليه؟ كيف أفهمه؟، لا أستطيع.

إذن هناك مشكلة من الطرفين، الابن يشكو الدكتاتورية من الأب، والأب يشكو العناد من الابن. فإذن هناك اختلاف بين الجيلين، هذا الاختلاف مسألة كثر البحث فيها من علماء التربية كتبت فيها دراسات كثيرة «صراع الأجيال أو اختلاف الأجيال».

الاختلاف بين الجيلين ليست مشكلة بل هي أمر طبيعي تفره التغيرات الثقافية الاجتماعية، كل مجتمع يمر بتغير ثقافي وفي النمط الاجتماعي، يحصل فيه اختلاف بين الآباء والأبناء، ممكن مجتمعنا قبل مئة سنة كان خمسين سنة جاهل لم يكن هناك أي تغير ثقافي، طبيعي كان الأبناء على نسق الآباء، لكن بعدها مجتمعنا في الستينات والسبعينات بدأ يعيش تغيرات ثقافية. التغير الثقافي خصوصاً إذا كان تغيراً سريعاً ملحوظاً كما في عصرنا الحاضر، يفرض الاختلاف بين جيل الآباء وجيل الأبناء في كيفية التعامل مع هذا التغير، وفي كيفية التعامل مع هذا التبدل.

وسر الاختلاف كما يركز عليه علماء التربية هما عاملين:

العامل الأول: أن الجيل الجديد جيل اتصال وليس تواصل.

ما لفرق بين الاتصال والتواصل؟ الجيل القديم جيل تواصل يعني أن الشاب في الجيل السابق لا يجد وراء الأسرة والمدرسة إلا الصديق، لذلك يعتبر الصديق جزء من حياته وجزء من شخصيته ولذلك يكون الجيل السابق أكثر إخلاصاً وارتباطاً في الصداقة من الجيل الآخر، لأن هذا الجيل يرى أن المتنفس بعد الأسرة والمدرسة الصديق. بينما الجيل الجديد ليس جيل تواصل بل جيل اتصال، فالجيل الجديد يرى المتنفس أمامه هو الكمبيوتر، الجوال، الفيس بوك، أي شيء آخر، فالجيل الجديد جيل اتصال مستغلي أن يجلس مع شخص ويتكلم معه، أمامه ما يشبع وقته، أمامه ما يشبع نهمه. لذلك ترى الجيل الجديد سريع الصداقة سريع الإنفكاك، هو سريع في إحداث علاقة مع الآخرين لكنه سريع في التخلص منها، لأنه يستغني عن الصداقات بما يجد من وسائل الاتصال فهو جيل اتصال وليس جيل تواصل.

العامل الثاني: أن الجيل الجديد أكثر نقداً.

يعني عنده عقلية ناقدة أكثر من الجيل السابق. لماذا؟ في الجيل السابق وسائل ومصادر المعرفة محصورة تنحصر في ثقافة الأب والأم والمدرسة، أما الجيل الجديد فقد تنوعت أمامه وتعددت أمامه مصادر المعرفة بما لا حصر لها، لذلك يجد الجيل الجديد أن ثقافة الأب لا تلبي حاجاته ولا تجيب على أسئلته، وأن ثقافة الأب بنظر الولد ثقافة محدودة وثقافة ضيقة، لأنه يجد مصادر أخرى للمعرفة والتعلم، بدل عقل الأب وعقل الأم والأسرة وغيرها. هذان عاملان أساسيان من عوامل الاختلاف بين الجيلين الجيل الجديد والجيل القديم.

قلنا أن الاختلاف بين الجيلين أمر طبيعي، المهم أن لا يتحول إلى صراع، وطيعة، وان الأب لا يطيق ابنه وان الابن لا يطيق الأب. كيف نرشد هذا الاختلاف بين الجيلين وكيف نتعامل معه بمنهج لا يؤدي إلى الصراع والقطيعة؟، هذا المنهج يبتني على عدة عناصر:

العنصر الأول: عنصر التفهم.

عليك أن تتفهم شخصية ولدك، على الأم أن تتفهم شخصية بنتها، والتفهم يعني أن تنفتح عليه، أن تدخل إلى قلبه، أن تدخل إلى فكره، أن تتفهم أن ولدك يعيش مرحلة خطيرة، وهي مرحلة المراهقة مرحلة غليان العواطف والمشاعر، مرحلة كثرة الأفكار وكثرة الآراء والكلمات، هذه المرحلة أنت مررت بها بحدود معينة، عليك أن تتفهم أن ولدك يعيش هذه المرحلة، وإذا تفهمتها استطعت أن تنفذ إليه وإلى قلبه بما ينسجم مع هذه المرحلة.

ولذلك ورد عن الإمام أمير المؤمنين «لا تقسروا أبنائكم على آدابكم فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم»، أنت تريد أبنك أن يصير نسخة مطابقة، لا تستطيع لأن هو من زمن وأنت في زمن، هو من ظرف وانت من ظرف، لابد أن تتفهم أنه شخصية يعيش في زمن تطورت فيه وسائل التكنولوجيا ووسائل المعرفة واصبح في خضم آخر، غير ما كنت أنت تعيش فيه، فأنت اقتصر على الأمور الشرعية، لاتضعط عليه في الأمور الأخرى، في شكله وفي لباسه وفي دراسته وفي علاقاته، هذه الأمور ما لا يتنافى مع الشرع، وما لا يتنافاى مع الدين، لا تقسر على أمور معينة الزمن غيرها وأبدلها، أو جل منفسخاً من ناحيتها، فالتفهم ضروري جداً.

ربما بعض الآباء يقول أنا كيف أضمن أن أبني مسيرته صحيحة؟، في الماضي كنا نعرف من خلال الأصدقاء، ولكن الآن لانعرف أصدقائه على الإنترنت، فهو في خلال ساعة واحدة يتكلم مع ألف شخص، فإذن كيف أنا أضمن مسيرة ابني وكيف أضبطها من هذا الوضع؟.

من هنا الأب لابد أن يتعلم الإنترنت، كيف تكتشف ابنك؟، الأم كيف تكتشف ابنتها؟، الأم حتى تكشتشف ابنتها عليها أن تتعلم وسائل الإتصال، الأب حتى يتكشف ولده عليه أن يتعلم وسائل الإتصال، حتى يكتشف العالم الذي يعيش فيه ابنه. طبعاً تتبع الإبن وتتبع قضاياه في حد ذاته حرام شرعاً ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا لكن إذا ترتب عليه أمر خطير وهو وقاية الإبن أو البنت بالذات من الوقوع في مصيدة الإنحراف، هنا يجوز للأب يجوز للأم أن تتبع اتصالات البنت وما تنفتح عليه بطريقة هادئه، بطريقة ذكية، إنما يجوز لدليل آخر حاكم على هذا الدليل هو قوله عز وجل ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا من باب الوقاية للبنت والولد عن الإنحراف يجوز للأب أن يدخل في العالم ليكتشف شخصية ابنه أو شخصية ولده.

العنصر الثاني: الصبر.

الآن بعض الآباء لا يصبر فيقول «هذا عنيد ولايسمع الكلام ولا فائده»، عليك أن تبذل مزيداً من الصبر على أخطاء ابنك، على أخطاء ابنتك، في سبيل أن تنقذه مما هو فيه، ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ.

العنصر الثالث: الحوار.

لا تكون دائماً تفرض آرائك وثقافتك على ابنك، وبالعكس الإبن أيضاً لاتكون عنده روح السيطرة وروح التمرد، يقول «هذا والدي رجعي ومتخلف، ثقافته ثقافة قديمة، أنا الحمدلله صرت مهندس، أو صرت طبيب، أوكذا» لا، لابد أن تكون هناك روح الحوار بين الطرفين.

الأب ينفتح على الابن، اعطيه حرية التعبير، اعطيه حرية النقد. الابن أيضاً ينفتح على الأب، بالنتيجة هو أبوك يحمل ثقافة معينة يحمل، يحمل قيماً معينة، أنت تستفيد منه ولو على مستوى التجربة الإمام أمير المؤمنين يقول «رَأْيُ الشَّيْخِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ جَلَدِ الْغُلاَمِ» هذا الإنسان الكبير تجربته تنفعني أكثر من ماينفعني حماس الشباب.

الرأي قبل شجاعة الشجعان   هو  أول  وهي المحل الثاني

إذن بالنتيجة أنت تستفيد من تجربة الأب، فالأب ينفتح عليك لتأخذ حريتك في التعبير والنقد، وأنت تنفتح على الأب لتستفيد من تجربته.

العنصر الرابع: الحب الصادق.

لابد أن يعيش بن الأب والابن حب صادق، بين الأم والبنت حب صادق، كيف؟

يشعر الأب أن ولده يحبه، هذا صروري، ويشعر الابن أن أباه يحبه، هذا ضروري أيضاً، أن يشعر الجميع أن الطرف الآخر يحبه حباً صادقاً، كيف ننمي هذه الروح؟، عندما كان الولد طفل كان يشعر أن أبوه يحبه وهو يحب طفله، لكن بعد أن كبر وصار يقف مع أبيه وجهاً لوجه يتوهم الأب أن الاب لايجبه، أو يتوهم الابن أن الأب صار لا يحبه، لابد من تحسيس كل طرف لطرف آخر بالحب الصادق.

يعني مثلاً ابنك ليس دائماً تقول له «قوم وأقعد»، لا بل تكلم معاه بلغة أخرى «حبيبي، عزيزي»، حتى لو صار عمر ابنك خمسة وعشرين سنة، يستاهل كلمة «حبيبي، عزيزي، بارك الله فيك، والنعم، وهذا هو المأمول»، إعطاء عبارات التشجيع، عبارات الثناء، عبارات المدح لشخصيته ولإجازاته ولأعماله تشعره بالحب الصادق وتجذبه إليك وتربطه بك.

الابن أيضاً في المقابل «دائماً على أمرك، إيش ماتقول حاضرين، أنت أبونا.. أنت كذا» تشعر الأب بحنان الابن ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً نظر الولد لوالديه رحمة بهما عبادة، وكذلك الهداية مهمة الأب يهدي ابنه والولد يهدي أباه، الهدية تقوي العلاقة القلبية، تقوي روح الحب الصادق الطرقين، الحب الصادق يغرس القيم ويزرع المحبة ويفتح كل طرف على الآخر.

لذلك ركز أهل البيت صلوات الله عليهم على تربية أبنائهم على الحب الصادق، ركزو على تربية الأبناء على تبادل المحبة والمودة.

نرجع إلى أن الأئمة الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ركزو على التربية الصالحة وركزوا على علاقة الحب والمعزة بين الولد ووالده الإمام علي يقول لابنه الحسن «رأيتك بعضي بل رأيتك كلي حتى كأن الشيء إذا أصابك أصابني».

ويقول الإمام الحسين في علاقته الحميمة مع ولده علي الأكبر، في الطريق الحسين يخفق خفقة يجلس ويقول «إنا لله وإنا إليه راجعون» يقول له ابنه علي الأكبر «لما استرجعت يا أبه» قال لقد سمعت هاتف يقول «القوم يسيرون والمنايا تسير من ورائهم» قال «أولسنا على الحق؟» قال «بلا» قال «إذاً لا نبالي وقعنا على الموت أم وقع علينا» قال «جزاك الله خيراً من ولد عن والده»...

كلمة سماحة السيد للموكب العزائي
المثقف الإمامي وأزمة النص