نص الشريط
أهمية الثقافة الحقوقية
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 11/1/1432 هـ
تعريف: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} المحاور: 1/ تحديد ماهية الحق. 2/ الحقوق الدولية والإسلامية. 3/ أهمية الثقافة الحقوقية.
مرات العرض: 2834
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (969)
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ[1] 

أمنا بالله صدق الله العلي العظيم.

انطلاقا من الآية المباركة نتحدث عن الثقافة الحقوقية، وذلك من خلال عدة محاور:

المحور الأول: في تحديد ماهية الحق.

الحق له أطلاقات ثلاثة، تارة يطلق الحق بمعنى الصوب ويقابله الخطأ، كما في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ[2] ، تارة يطلق الحق ويراد به الثبات مقابل الباطل الذي لا يثبت ولا يبقى، كما في قوله عز وجل: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ «يعني الثابت» وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ[3] ، ولذلك ورد عن النبي «صلى الله عليه وآله»: ”أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد ألا كل شي ما خلا الله باطلُ وكل نعيم لا محال زائلُ“، وتارة يطلق الحق على الميزة الاعتبارية، وهذا هو محل بحثنا، كما يقال للزوجة حق على الزوج، وللولد حق على أبيه، الحق هنا بمعنى الميزة الاعتبارية وهو الذي اختلف القانون الوضعي مع القانون الشرعي في تعريفه.

في القانون الوضعي كما يقول القانوني البلجيكي دابان، يعرف الحق بأنه ميزة يمنحها القانون لفرد أو جهة له بموجبها أن يستأثر بالتصرف، ما معنى هذا الكلام بالمثال؟!

مثلاُ: تأتي إلى حق السبق نحن عندنا حق شرعي وقانوني وهو حق السبق، من سبق إلى مكان فهو أحق به، مثلاُ: يأتي إنسان وسط السوق يضع بضاعته في مكان معين، إذا وضع بضاعته في مكان معين فهو أحق بهذا المكان، لا يزاحم فيه من قبل غيره، ما معنى الحق هنا الذي يسمى بحق السبق؟! كما ورد عن النبي محمد : ”من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به“.

القانون الوضعي يقول: الحق ميزة منحها القانون، القانون قال: من سبق إلى مكان فله ميزة، وبموجب هذه الميزة له أن يتصرف في هذا المكان بما يشاء من دون مزاحمة، هذا بحسب تعريف القانون الوضعي للحق.

القانون الشرعي: يعني القانون الفقهي في الإسلام لا يقبل هذا التعريف، لماذا؟! لملاحظتين:

الملاحظة الأولى: أن هذا التعريف تضمن السلطنة، لأنه يقول: من ثبت له الحق فله أن يستأثر بالتصرف، معنى الاستئثار السلطنة، بمعنى عندما تقول شخص صاحب حق كأنك تقول شخص صاحب سلطة وسلطنة، بينما الحق لا يساوي السلطنة ليس دائماً إذا هناك حق يوجد سلطنة، لا، كيف؟!

مثلاً: الطفل له حقوق، لكن ليس له سلطة، الطفل أحياناً يرث الحقوق عن أبيه، أبوه له حقوق يموت الأب تنتقل حقوقه إلى أطفاله، الطفل قد يثبت له الحق ومع ذلك ليست له سلطنة لأنه غير رشيد، وإنما السلطنة لوليه، إذن ليس الحق مساوي للسلطنة هذه الملاحظة الأولى.

الملاحظة الثانية: أن التعريف أدخل القانون في الحق قال: «الحق ميزة يمنحها القانون» يعنى أن القانون هو الذي يمنح الحقوق، كأنما القانون هو الذي يعطى الحقوق، وهذا غير صحيح.

دور القانون دور الحماية وليس دور الإعطاء، القانون لا يعطيك حقوق، القانون يحمي الحقوق، فالحقوق ثابتة في رتبة سابقة قبل القانون.

مثلاً: المثال الذي مثلنا به من سبق إلى مكان في السوق فهو أحق به، من سبق إلى مكان في المسجد فهو أحق به، هذا الحق من أين أتى من القانون؟! لا، جاء من السبق، يعني بما أنك بذلت جهداً وسيطرت على المكان نتيجة جهدك يثبت لك حق، القانون لا يعطيك الحق، الذي أعطاك الحق هو السبق، القانون يحمي الحق ويدافع عن الحق.

مثلاُ: إنسان يخترع جهاز معين يثبت له حق الاختراع، حق الاختراع لم يأتي من قبل القانون، بل جاء من قبل بذل الجهد، الاختراع أعطاك حقاً وأما القانون فدوره حماية هذا الحق والدفاع عنه، إذن القانون لا يعطي حقوق.

إذن ما هو التعريف الإسلامي؟! أو الفقه الإسلامي للحق؟!، الفقه الإسلامي يقول: الحق أولوية تتضمن عنصرين:

  1. المصلحة لدى الحق.
  2. الامتياز.

الحق نوع من الأولوية، طبعاً الأولوية قد تكون في أرض، قد تكون في عمل، قد تكون في مال، مثلاً: كما مثلنا حق السبق أنت إذا سبقت إلى مكان أصبح لك حق في المكان في الأرض.

مثلاً: الأم أحق من الأب بحضانة الطفل لمدة سنتين يعني سنين الرضاعة، بعد سنتين هناك خلاف بين فقهائنا بعضهم يقول الأنثى يمتد حقها إلى سبع سنين والذكر سنتين، بعض الفقهاء يقولون: لا فرق بين الذكر والأنثى الحق مدته سنتين فقط، حق الحضانة الأم لها حق الحضانة، يعني ماذا حق الحضانة؟! يعني حق الأولوية، الحق معناه الأولوية، يعني الأم أولى من الأب في حضانة الطفل لمدة سنتين، أولوية في ارض، أولوية في عمل أولوية في مال، مثلاُ: الزوجة لها حق النفقة، ماذا يعني لها حق النفقة؟! يعني هي أولى بمال زوجها من أي إنسان أجنبي.

الحق: بمعني الأولوية، الأولوية تتضمن عنصرين:

1. عنصر المصلحة: عندما نقول الزوجة لها حق النفقة، يعني بهذه الأولوية تضمن مصلحة الزوجة، فالحق دائماً يستبطن مصلحة لذي الحق.

2. العنصر الثاني: أن الحق امتياز وليس تكليف، كيف؟! متى ما ثبت حقٌ ثبتت مسؤوليته، لكن المسؤولية على الطرف المحقوق لا على الطرف المحق، الزوج له حق على زوجته وهو مثلاُ حق المباشرة الجنسية هذا الحق لا يتضمن تكليف في حق الزوج، وإنما يتضمن تكليف في حق الزوجة، إذا ثبت حق لشخص ثبت تكليفه على شخص أخر وهو المحقوق بهذا الحق، إذن الإسلام أو الفقه الإسلامي يعرف الحق: بأنه أولوية تستبطن مصلحة لذي الحق ومسؤولية على الطرف المحقوق لهذا الحق.

المحور الثاني: ما هو الفر ق بين الحق والامتيازات الأخرى؟!

القانون الوضعي يقول: الامتيازات له ثلاثة عناوين: حق، وحرية، ورخصة.

ما هو الفرق بين الحق والحرية والرخصة؟!

الحق: ميزة خاصة، حق الزوجة، حق التلميذ، حق الطالب، حق التاجر حق العامل الحق ميزة لشخص معين.

الحرية: ميزة عامة، كما نقول لكل مواطن أن يصطاد من البحر، هذا لا يسمى حق هذا يسمى حرية، يعني هذا أمر عام كل مواطن له حق أن يدخل البحر ويصطاد هذا يسمى حرية في القانون الوضعي.

العنوان الثالث لا هو حق، ولا هو حرية، وإنما هو رخصة، كيف رخصة؟! يعني مثلاُ أنا أقول لك أدخل بيتنا أأذن لك بالدخول إلى بيتي بمقدار دقائق معينة، هذا لا هو حق ولا هو حرية، وإنما هو رخصة لأنه ليس لك أي ميزة وإنما لك الانتفاع المحدود بوقت معين أو بعمل معين، هذا ما يذكره القانون الوضعي.

أما يذكره الفقه الإسلامي: الفقه الإسلامي لا يقول حرية وحق ورخصة لا يوجد عنده هذا التقسيم عنده تقسيم أدق من هذا، الفقه الإسلامي يقول: العناوين ثلاثة: حق، وملك، وحكم.

ما هو الفرق بيت الحق والحكم؟! وما هو الفرق بين الحق والملك؟!

الفرق بين الحق والحكم: الحق يقبل الإسقاط، والحكم لا يقبل الإسقاط.

مثلاً: الأم لها حق الحضانة لطفل لمدة سنتين هذا الحق يقبل الإسقاط تستطيع الأم أن تقول لا أريد هذا الحق أترك ولده يبحث له عن أمرآة تقوم بحضانته أنا لا أريد الحق يسقط بالإسقاط، بينما الحكم لا يسقط بالإسقاط مثل حرمة الغيبة يحرم عليك أن تغتاب فلان، ورد عن النبي محمد : ”ذكرك أخاك بما يكره“، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ[4] ، لو قال لك الشخص المغتاب علشاني أنا اغتابني على كيفك أنا مسقط حقوقي!! لو شخص مثلاً أخذ الميكرفون وقال: يا ناس أنا أسقطت حقوقي أي شخص يريد أن يغتابني بكيفه على راحته يصير؟! لا يمكن ذلك، لا تسقط حرمة الغيبة تبقى الغيبة حرام، حتى لو قال لك الشخص المغتاب لا شيء عليك اغتبني بما تريد الغيبة لا تسقط، لماذا؟! لأنه حرمة الغيبة حكم وليس حق، الحكم نابع من مصلحة عامة ولذلك لا يسقط، الغيبة حرمتها نشأت عن مصلحة اجتماعية عامة ولذلك لا تسقط بالإسقاط، بينما الحق نشأ عن مصلحة خاصة.

الأم لها حق الحضانة هذه مصلحة خاصة، لو أن الأم تنازلت عن مصلحتها وأسقطت حقها يسقط فالحق يسقط لأنه مصلحة خاصة، والحكم لا يسقط لأنه مصلحة عامة.

الفرق بين الحق والملك: ما هو الفرق بين الحق والملك؟! أذكر لك مسألة شرعية كثير من الأخوة غافلين عنها كيف؟! في الفقه الإسلامي يقال: الأرض الموات لا تملك إلا بالأحياء.

مثلاُ: أنت تأتي إلى أرض مبنية أو مزروعة هذه تسمى أرض محياة فيها حياة بالبناء أو بالزراعة، تستطيع أن تشتريها، تستطيع أن تبيعها، تستطيع أن توهبها لشخص أخر، أما الأرض الموات لا، يعني الآن الأرض الذي تدفن، يدفن البحر وتصبح أراضي ويوضع مخطط وتباع هذه الأراضي وأتي أنا وأشتري الأرض هل ملكتها؟! لا أملك شيء، قانوناً أملك أما شرعا ً لا أملك شيء.

الأرض الموات لا تملك إلا بالأحياء، إذا أنا أحييت الأرض أخذتها وبنيتها ملكتها أو زرعتها ملكتها، ما لم تحيى ببناء أو زرع فأنت لا تملكها، نعم لو قمت بتحجيرها وضعت عليها خشب، أو شباك معين يكون لك حق التحجير، أنت لم تملكها ولكن أصبح لك حق وهو حق التحجير، هنا يتبين الفرق بين الحق والملك.

حق التحجير: يعطيك سيطرة محدودة، يعني تستطيع أنت تتنازل عن هذا الحق لشخص بمبلغ وتقول يا جماعة أنا تورطت اشتريت الأرض والشرع يقول لا أملك أنا سوف أرفع يدي عن هذا الحق إلا وهو حق التحجير مقابل مبلغ معين المبلغ الذي دفعته بالأرض أعطيني وياه وأنا جايز من هذه الأرض، هنا لا أستطيع أنا أن أتصرف بغير رفع اليد عن الحق لأنك لا تملك الأرض تستطيع أن تبيع نفس الأرض، لا تستطيع أن توهب نفس الأرض، لا تستطيع أن تصالح على نفس الأرض أبداً.

مثلاً: لو أن إنسان أزوج امرأة وقالوا له ما هو مهر المرأة؟! قال: مهر زوجتي عندي أرض 400 متر في المخطط البحري الفلاني شرعاً العقد باطل لماذا؟! لأنه المهر جزء من العقد، وهذا لا يملك أنت لم تملك شيء حتى تضعه مهر، وبالتالي لابد حتى تملك الأرض من أحياها، إما أن تحيها بالبناء أو بالزراعة وإلا فقط يثبت لك فقط حق التحجير ما دام التحجير موجوداً تستطيع أن تتنازل عن هذا الأرض بمبلغ معين، فلو أمهرت امرأة أرض موات يعتبر أنت لم تمرها شيء يعتبر عقد باطل لا يعتبر عقد غير صحيح يعني عقد فاقد للمهر لأنك لم تذكر المهر الذي هو قابل للملك شرعاُ.

المحور الثالث: في أهمية الثقافة الحقوقية.

مجتمعنا متخلف في الثقافة الحقوقية مجتمعنا لا يعرف ثقافة الحقوق، ما هي حقوق الأسرة؟! ما هي حقوق الأستاذ؟! ما هي حقوق العامل في الشركة؟! ما هي حقوق الموظف؟! ما هي حقوق الشعب؟! ما هي حقوق الدولة؟!

الثقافة الحقوقية غائبة عن مجتمعاتنا متخلفة عن مجتمعاتنا، بينما الثقافة الحقوقية ضرورية لبناء الحضارة، لا يمكن أن تقوم حضارة لأي مجتمع ما لم يعتمد على ثقافة حقوقية، الثقافة الحقوقية تنبع أهميتها من عدة منطلقات أشير إليها:

المنطلق الأول:

تحقيق العدالة: قال تبارك وتعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى[5] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ[6] ، وقال تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ[7] ، العدالة هدف إنساني لكل مجتمع، والعدالة هي أعطاء كل ذي حق حقه، فلابد من الثقافة الحقوقية أولاً ثم ننتقل إلى مرحلة العدالة، في كل مجتمع مشكلة ما هي المشكلة؟! مشكلة طغيان النزعة الفردية على المصلحة العامة.

دائما الإنسان يطغي بنزعته الفردية بغريزة التسلط لديه على المصلحة العامة ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى «6» أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى[8] ، ونتيجة الطغيان ينشأ الظلم والجور والاستبداد فلابد من القانون العادل، والقانون العادل هو القانون القائم على التوفيق بين النزعة الفردية والمصالح العامة وهذا القانون العادل يحتاج إلى ثقافة حقوقية إذا لم تكن لدينا ثقافة حقوقية كيف يتفعل لدينا القانون العادل؟! وكيف تتحقق العدالة في مجتمعاتنا والثقافة الحقوقية غائبة؟!

أنا كعامل أشتغل في شركة لا أعرف ما هي حقوقي؟! ولذلك مدير الشركة يبلعني ويبلع عشرة من أمثالي لماذا؟! لأنه أنا أساساً لا أعرف حقوقي أنا لا املك ثقافة حقوقية حتى أطالب بحقوقي صح أو لا.

التلميذ لا يعرف حقوقه أمام أستاذه كيف يطالب بها؟! الطفل لا يعرف حقوقه في البيت فكيف يطالب بها؟! الثقافة الحقوقية غائبة عنا، ولذلك منطق العدالة غائب لغياب الثقافة الحقوقية.

المنطلق الثاني:

حفظ النظام: ما معنى حفظ النظام؟! نقارن بين الدول الغربية والدول الشرقية دول الشرق الأوسط، الدول الغربية تسودها لغة القانون، بينما الدول الشرقية تسودها لغة النفوذ وليست لغة القانون.

لغة القانون إذا سادت في الدولة حكمت الحاكم والمحكوم لغة القانون هي الأرفع، القانون يمشى على الحاكم والمحكوم على المواطن وعلى السلطة، كل دولة تعيش لغة القانون تعيش نظام مستقر حفظ النظام، وسد باب الفوضى يعتمد على لغة القانون.

أما إذا سادت لغة النفوذ هذا أبن القبيلة الفلانية له امتيازات صح أو لا، وهذه عنده علاقات عامة له امتيازات، وهذه عنده ثروة له امتيازات، لذلك لغة النفوذ لأجل القبيلة أو لأجل الثروة أو لأجل العلاقات الخاصة والعامة، لغة النفوذ هي باب الفوضى وعدم الاستقرار، لذلك ترى دول الشرق الأوسطية يعيث فيها الفساد المالي والإداري نتيجة غياب لغة القانون، وشيوع لغة النفوذ وعدم الانضباط فالثقافة الحقوقية طريق لحفظ النظام.

المنطلق الثالث:

الثقة المتبادلة: كيف تحصل ثقة بين الشعب وبين السلطة؟! الثقة المتبادلة بين الشعب والسلطة تتوقف على الثقافة الحقوقية، السلطة كيف تؤمن من الشعب؟! الشعب كيف يؤمن من السلطة؟! إذا كان هناك ثقافة حقوقية متبادلة، المواطن يحب السلطة المواطن يحب حكومته إذا وفرت له الحقوق وجعلته في إطار العيش الكريم يحب حكومته يتعاون معها ويدافع عنها، لماذا؟! لأنها وفرت له الحقوق، وبالعكس أيضاً الحكومة والسلطة تؤمن من المواطن وتضمن المواطن، لماذا؟! لأنه المواطن يقوم بواجباته اتجاه السلطة.

إذن بالنتيجة إذا وفرت كل دولة ثقافة حقوقية في مقرراتها الدراسية، في وسائلها الإعلامية، في أنظمتها العامة، في مؤسساتها وشركاتها وتعاملاتها العامة والخاصة حينئذٍ تتبادل وتتحقق الثقة المتبادلة بين المواطن وبين السلطة نتيجة شيوع الثقافة الحقوقية. إذن الثقافة الحقوقية ضرورية لكل مجتمع من منطلق العدالة ومن منطلق حفظ النظام ومن منطلق الثقة المتبادلة.

الإمام علي حاكم، ويخرج ويمشي في الشارع ويدور على بيوت الفقراء آمنناً مطمئناً لماذا؟! لأنه وفر الثقافة الحقوقية تشريعاُ وتطبيقاٌ، ولذلك هو يأمن شعبه وشعبه يأمنه لتوفر الثقافة الحقوقية.

المحور الرابع: في أقسام الحقوق:

نذكر هنا مطلبين:

المطلب الأول: أن علماء القانون قسموا الحقوق إلى حقوق خاصة وحقوق عامة. وقسموا الحقوق العامة إلى حقوق سياسية وحقوق مدينة.

مثل ماذا الحقوق السياسية ومثل ماذا الحقوق المدنية؟!

الحقوق السياسية: مثل حق الانتخاب، حق التصويت، حق الترشيح، حق في صندوق الاقتراح هذا يسمى حقوق سياسية.

الحقوق المدينة: حق التعليم، حق الصحة، حق فرصة العمل، فكل مواطن له حق في التعليم والصحة وفرصة العمل، لكل مواطن لابد أن تتوفر فرصة عمل، لأنه إذا شاعت البطالة قادت إلى الجريمة وقادت إلى العدوان، لذلك الحقوق المدينة تبتني على حق التعليم والصحة وفرصة العمل وأن تكون للمواطن الحرية في ممارسة طقوسه الدينية كما يشاء، كما هو طبق دينه أو مذهبه أو اتجاهه.

المطلب الثاني: هناك فرق بين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والإعلان الإنساني لحقوق الإنسان.

في عام 1948م أعلن لائحة حقوق الإنسان في عصبة الأمم، وفي عام 1981م أعلن لائحة حقوق الإنسان في الإسلام في اليونسكو من قبل منظمة الدول الإسلامية، ما هو الفرق بين اللائحتين؟!

لائحة حقوق الإنسان ذكرت بنود لم تذكرها اللائحة الإسلامية مثل: حق الإنسان في الجنسية، حق الإنسان في تأسيس نقابات وأحزاب، هذه بنود ذكرت في اللائحة الإنسانية لم تذكر في اللائحة الإسلامية.

اللائحة الإسلامية ذكرت حقوق لم تذكرها لائحة حقوق الإنسان مثل: حق الكرامة، يعني ماذا؟! يعني لكل إنسان كرامة، بأن لا يغتاب، ولا يتعرض له بقول أو فعل هذا يسمى حق الكرامة، وحق الإنسان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

في القانون الوضعي ليس لك حق أن تأمر بمعروف مثلاُ أنت ترى شخص يمارس المعصية في القانون الوضعي يقول لك ليس لك دخل فيه صح أو لا ترى إنسان يمارس معصية متعمد وهو ملتفت إلى أنها معصية، افترض عنده علاقة غير مشروعة مع فتاة معينة في القانون الوضعي أنت ليس لك حق تتكلم معه وتقول له هذا لا وهذا ممنوع ليس لك حق.

بينما في القانون الإسلامي لك حق ذلك ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ[9]  من حقك أن تنهاه عن المعصية وأن تتكلم معه حول هذه المعصية، بل إذا احتملت التأثير يكون الأمر واجب عليك وليس مجرد حق من حقوقك.

أيضاً اللائحة الإسلامية تضمنت حق لم تذكره لائحة حقوق الإنسان وهو حق عدم الإساءة للرموز والمقدسات، عندما تأتي إلى حقوق الإنسان في الأمم المتحدة لا يوجد هذا الحق ولهذا أنت لا تستطيع أن تقاضي أي دولة تسيء إلى النبي لماذا؟! لأن لا يوجد هذا الحق لم يعتبر هذا الحق رسمي.

افترض مثلاً الدينمارك من باب المثال الدينمارك إذا أساء مسئول فيها إلى شخصية النبي أنت لا تستطيع أن تقاضيه رسمي لا تستطيع أن ترفع عليه دعوة لأنه لا يوجد حق!!

بينما اللائحة الإسلامية في منظمة المؤتمر الإسلامي مؤتمر الدول الإسلامية من بنود الحقوق حق عدم الإساءة للمقدسات، عدم الإساءة للرموز الدينية، هذه من الحقوق الذي تكفلت بها لائحة منظمة المؤتمر الدول الإسلامية، لماذا الفرق بين هذين اللائحتين؟! ما هو منشأ الخلاف؟!

منشأ الخلاف في الأسس في الفلسفة، فلسفة الإسلام للحقوق تختلف عن فلسفة القانون الوضعي للحقوق، الفرق بينهما فرق فلسفي فرق في الرؤية كيف فرق في الرؤية؟!

القانون الوضعي يرى أن فلسفة الحق تبتني على العقد الاجتماعي، يعني ماذا العقد الاجتماعي؟!

يعني عندنا مجتمع مكون من سلطة ومواطنين كيف تطبق الحقوق؟! تطبق بعقد اجتماعي بين السلطة والموطنين، هناك عقد وميثاق اجتماعي بين المواطنين وبين السلطة هذا العقد يتضمن أن تتكفل الدولة بتوفير الحقوق في الصحة والتعليم وفرصة العمل للمواطنين ويتكفل المواطنون بالدفاع عن الدولة والدفاع عن حريم الوطن.

إذن بالنتيجة هناك عقد وميثاق اجتماعي بين المواطن وبين الدولة، وهذا العقد هو منشأ ثبوت الحقوق الاجتماعية.

الرؤية الإسلامية كيف ترى فلسفة الحق؟!

الرؤية الإسلامية ترى أن منشأ الحق هو الكرامة الإنسانية، كيف الكرامة الإنسانية؟! الله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا[10] ، الإسلام يقول الإنسان ولد حر كريم فلا بد أن تكون حقوقه في هذا الإطار إطار الحرية والكرامة الإنسانية، بما أنه ولد حر كريم فلابد أن تكون حقوقه ضمن هذا الإطار هذه فلسفة الإسلام للحقوق، حقوق الإنسان هي الأولويات التي تصب في حريته وكرامته، كل أولوية تؤكد حرية الإنسان وكرامته فهي حق وإلا فليست حق، لذلك تختلف فلسفة الإسلام للحقوق عن فلسفة القانون الوضعي للحقوق، ولهذا يختلف تعداد الحقوق.

مثلاُ: مما يؤكد هذا المبدأ، إذا مات الإنسان وصار جثه هامدة، بحسب القانون الوضعي: يقول الإنسان انتهى، القانون الإسلامي يقول الإنسان لم ينتهي لا يزال إنسان كيف؟!

لو افترضنا أن ورثة هذا الميت قالوا نحن نقوم بحرق الميت هذا ونتخلص من هذا الجسد في الإسلام ليس لهم حق، في القانون الوضعي لهم حق لأنه أصبح قطعة جامدة لا حياة فيها.

القانون الإسلامي يقول لا فرق بين الموت والحياة هو إنسان وبالتالي حقوقه ميتاً كحقوقه حياً، كما ورد عن الإمام أمير المؤمنين : ”وإن حرمته ميتاً كحرمته حياً“ نفس الحرمة، ولذلك عندنا نحن في فقهنا إذا أنت اعتديت على إنسان ميت مثلا تجرحه أو تقطع إصبع منه أو يد تثبت عليك الدية، الدية لمن تذهب؟! تذهب إلى الميت نفسه ما زال يعتبر إنسان، أنت لو جرحته حال الحياة ألا تدفع له دية؟! كذلك إذا جرحته وميت بعد الموت تدفع دية، دية تثبت له.

فأساس الحقوق في القانون الإسلامي هو الكرامة الإنسانية، خُلق الإنسان حر كريم فيبقى حر كريم.

والإمام علي سيد الفلسفة فلسفة الحقوق، الإمام علي هو أول من تحدث عن هذا الميدان ميدان حقوق الإنسان، وكتب في عهده إلى مالك الاشتر: «أوصيك بالرعية واستوصي بكم خيرا ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا فإن الناس صنفان أما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق».

لا يوجد عندنا مسلم وغير مسلم، لا يوجد عندما مسلم وكذا ومسلم كذا لا يوجد في حكومة الإمام علي، حكومة الإمام علي مسلم أو غير مسلم خارجي، الخوارج لما خرجوا عن الإمام تصور أنت فئة تقاتل السلطة، الخوارج قاتلوا الإمام علي وحاربوه مع ذلك الإمام علي لما انتهى من الحرب قال: «أنتم معنا لكم ما لنا وعليكم ما علينا» أنتم مواطنين وإن رفضتم هذه السلطة «لكم ما لنا وعليكم ما علينا فإن الناس صنفان أنا أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق».

ورأى نصراني يتسول قال ما عنده؟! قال هذا نصراني كان يشتغل عامل بعد ذلك كبر سنه وصار لا يستطيع على العمل فلا يوجد عنده أموال وصار يتسول قال ويحكم استخدمتموه حتى إذا كبر تركتموه يتكفف الناس أعطوه من بيت مال المسلمين، هذا مثل مسلم مواطن أعطوه من بيت مال المسلمين، يعني الدولة لابد أن توفر له ما يضمن عيشه الكريم ضمان اجتماعي أعطوه من بيت مال المسلمين.

الإمام علي يوم صفين لما سيطر معاوية على الفرات، معاوية يعرف أن أقوى سلاح فتاك هو منع الماء فبدأ الحرب بالسيطرة على الفرات ومنع جيش الإمام علي من الماء وضج الجيش من العطش والضما ولجئوا إلى الإمام علي وقالوا له لا بد من حل لا نستطيع أن نقاتل ونحن عطشى وضما، الإمام علي أنجلى على الفرات وفرق جيش معاوية عن الفرات وسيطر عليه لما سيطر على الفرات أباح الماء للجميع.

بالنتيجة: هؤلاء مسلمون وأنتم مسلمون وإن كانون فئة باغية لكنهم مسلمون فلهم حقوق المسلمين، هذا هو النفس العلوي وهذه هي الشيمة العلوية مقابل الشيمة الأموية، يبقى هذا هو المذهب العلوي مقابل المذهب الأموي، مذهب لغة القانون ولغة الحقوق وليست لغة الانتقام أو لغة التشفي أو لغة العاطفة.

لذلك هذه الشيمة العلوية سرت من علي لأبناء علي، الإمام الحسين لما أقبل الحر بن يزيد الرياحي وعنده ألف فارس أقبلوا لحرب الحسين، ووصولوا وهم عطشا ضما قال الحسين لقومه قوموا واسقوا القوم ورشفوهم ترشيفا قالوا له أصحابه يا أبا عيدالله نحن لا يوجد عندنا إلا قرب بسيطة إذا أعطيناهم الماء ينفذ الماء من عندنا لا يبقى لدينا ماء، قال: أعطوهم الماء ورشفوهم ولا تتركوا كبدا حر، يقول علي بن المحاربي: كنت أخر من وصل وصلت والعطش يأكل كبدي والجماعة مشغولين بسقي القوم وأنا لم يأتي ليّ أحد يسقيني فأراني الحسين وقام بنفسه أقبل إليّ وناولني القربة وفتح فمها وسقاني وسقى فرسي بيده الشريفتين الطاهرتين هاتان اليدان اللتان تمثلان المروءة وتمثلان السخاء وتمثلان النبل الإنساني هاتان اليدان يوم عاشوراء فحصان في التراب!!..

والحمدلله رب العالمين

[1]  سورة ص، آية 26.
[2]  سورة يونس، آية 35.
[3]  سورة الحج، آية62.
[4]  سورة الحجرات، آية 12.
[5]  سورة المائدة، آية 8.
[6]  سورة النحل، آية90.
[7]  سورة الحديد، آية 25.
[8]  سور العلق، أية6 - 7.
[9]  سورة التوبة، آية 71.
[10]  سورة الإسراء، آية 70.

التجديد في الخطاب الديني، هدف أم وسيلة؟
الحسين (ع) عنفوان لا ينضب