نص الشريط
الولاء العلوي
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مسجد الإمام علي (ع) بالقطيف
التاريخ: 15/7/1432 هـ
مرات العرض: 3035
المدة: 00:41:25
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (1671) حجم الملف: 9.47 MB
تشغيل:


أعوذ بالله من الشيطان الغويّ الرّجيم

والصّلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمّدٍ وآله الطيبين الطاهرين

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ [1] 

صدق الله العليّ العظيم

انطلاقًا من الآية المباركة نتحدّث في محاورَ ثلاثةٍ:

المحور الأوّل: في نظريّة الوجود الأممي.

في علم النّفس الفلسفي يُقَسَّم المجتمعُ إلى أصنافٍ أربعةٍ: الصّنف المغبون، والصّنف المثير، والصّنف المؤثر، والصّنف المعبّر عنه بالوجود الأممي، فما هو الفرق بين هذه الأصناف الأربعة؟

الصّنف المغبون: هو الشّخص الذي لا يحبّه أحدٌ ولا يبغضه أحدٌ؛ لأنّه شخصٌ مشغولٌ بحياته ومشغولٌ بمعاشه وليس في موطن الاحتكاك مع النّاس، فهذا الشّخص يعيش روتينًا متكرّرًا ويعيش حياة ونظامًا متكرّرًا كلّ يومٍ من دون أنْ يطرأ عليه أيّ جديد، وهذا الشّخص من الصّنف المغبون الذي تحدّث عنه الإمامُ الكاظمُ عليه السّلام بقوله: ”مَنْ تساوى يوماه فهو مغبونٌ“ بمعنى أنّ مَنْ يسير في نظام واحدٍ لا يتغيّر ولا يتطور فهو مغبونٌ.

الصّنف الثاني هو: الصّنف المثير الذي يكون سلوكه مثيرًا لنظر المجتمع، تارة تكون إثارته إيجابيّة وتارة تكون إثارته سلبيّة، فهناك شخصٌ متواضعٌ متخلقٌ بالخلق الرّفيع، هذا الشّخص يثير نظرَ المجتمع لكن إثارة إيجابية، بمعنى أنّ المجتمع يحبّه لأنّه شخصٌ متواضعٌ يتمتّع بقيم أخلاقيّةٍ رفيعةٍ، ورد عن النبي محمّدٍ : ”أفاضلكم أحاسنكم أخلاقًا الموطؤون أكنافًا الذين يألفون ويؤلفون“، وقد تكون إثارته سلبيّة كما لو كان شخصًا عدوانيًا يظلم النّاس، يعتدي على الناس، فإنّ موقف المجتمع منه موقف الكراهية والنفور والاشمئزاز لأنّه شخصٌ عدوانيٌ ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ [2] .

الصّنف الثالث: الشّخص المؤثر، فهو ليس مغبونًا، ولا مثيرًا فقط، بل هو شخصٌ مؤثرٌ، بمعنى أنّه شخصٌ يضع بصماته ويضع لمساته على الآخرين في حقلٍ من الحقول المختلفة، مثلاً: الشّعراء صنفٌ مؤثرٌ لأنّهم يضعون بصمات أفكارهم على نفوس النّاس في حقلٍ معيّنٍ، الفلاسفة، الأبطال.. غير هؤلاء من النّاس، المتنبي الذي شغل الدّنيا وشغل النّاسَ بأدبه وبشعره شخصٌ مؤثرٌ لأنّه وضع بصماته في هذا الحقل وهو حقل الأدب والشّعر، ابن سينا فيلسوفٌ وضع بصماته الفلسفيّة في فكر النّاس، نيوتن هذا المخترع الكبير والمكتشف الشّهير وضع بصماته ووضع لمساته على النّاس، كلّ هؤلاء يدخلون تحت الصّنف المؤثر؛ لأنّهم وضعوا بصماتهم ولمساتهم على حياة البشرية في حقلٍ معيّنٍ وفي جهةٍ معيّنةٍ.

الصّنف الأخير - وهو الأهم - المعبّر عنه بالوجود الأممي، عندما يتحوّل الشّخص إلى أمّةٍ ولا يكون مجرّد شخصٍ بل يتحوّل إلى أمّةٍ ويتحوّل إلى مجتمعٍ ويتحوّل إلى أجيالٍ، عندما يتحوّل الإنسانُ مِنْ كونه شخصًا إلى كونه خطًا وتيّارًا وأمّة ومجتمعًا يعيش في القلوب والنّفوس والأفكار والمشاعر فهذا الشّخص قد بلغ أرقى درجات التأثير وتحوّل إلى وجودٍ أممي، وهذا ما يعبّر عنه القرآن الكريم: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً [3]  إبراهيم لم يكن شخصًا، إبراهيم تحوّل إلى مجتمعاتٍ وأجيالٍ إلى يومنا هذا تنادي بنداء إبراهيم وتلبي بتلبية إبراهيم، هذا الوجود - الوجود الأممي - هو الذي يعبّر عنه الإمامُ أمير المؤمنين عليه السّلام: ”هلك خزّان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدّهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة“، عندما يتحوّل إلى أمثالٍ وقيمٍ تسري في النّفوس وتسري في القلوب والعقول فإنّه يتحوّل إلى وجودٍ أممي.

لذلك يمكن للشّخص أنْ تكون له شخصيّان كما يقول علماء العرفان:

1/ شخصيّة حقيقيّة: وهي شخصيته المحدودة بمكانٍ وزمانٍ ونسبٍ وطولٍ وعرضٍ معيّنٍ.

2/ وشخصيته اللامحدودة: وهي الشّخصية التي تمتدّ في القلوب والنّفوس والمشاعر.

وبهذه الشّخصية الأخرى اللامحدودة يمتلك الوجودَ الأممي، الوجود الأممي له أمثالٌ كثيرةٌ، ولكنّ خير أمثال الوجود الأممي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، أمير المؤمنين لم يؤثر في حقلٍ معيّنٍ ولا في جهةٍ معيّنةٍ، الأدباء عاشوا أدبَ علي عليه السّلام، والفلاسفة عاشوا فكرَ علي عليه السّلام، والعرفاء عاشوا عبادة علي وأنفاس علي عليه السّلام، والأبطال عاشوا إرادة علي وحزم مواقف علي عليه السّلام، وكلٌ من أيّ طبقةٍ، من أي صنفٍ، من أي حقلٍ، من أي جهةٍ، عاش لونًا من ألوان أمير المؤمنين عليه السّلام، فأمير المؤمنين أمّة، بل أمير المؤمنين أمم، بل أمير المؤمنين أجيال، لأنّ أمير المؤمنين تجاوز مكانه وزمانه وحدوده وسرى في النفوس والعقول والقلوب فتحوّل إلى أرقى مراتب الوجود الأممي، وهذا ما عبّر عنه أبو الطيّب المتنبي:

وتركتُ    مدحي    للوصيّ   iiتعمّدًا

وإذا  استطال  الشيءُ  قام  iiبنفسه

 
إذ   كان   نورًا   مستطيلاً   iiشاملاً

وصفاتُ ضوءِ الشّمسِ تذهبُ باطلاً

فالاستطالة والشّمول التي عبّر بها المتنبي هي تعبيرٌ آخر عن الوجود الأممي، هي تعبيرٌ آخر عن الشّخصيّة اللامحدودة التي امتلكها أميرُ المؤمنين عليٌ عليه السّلام، هذا هو الوجود الأممي.

المحور الثاني: ما هو سرّ الوجود الأممي؟

متى يمتلك الإنسانُ الوجودَ الأممي فيسري في القلوب والمشاعر والأفكار؟

العلماء يقولون: الوجود الأممي منوط بالجاذبيّة الفطريّة، وما معنى الجاذبيّة الفطريّة؟

الوجود يبعث على الجاذبيّة لأنّ الوجودَ حقيقة واحدة، نحن عندما ننظر إلى عالم الوجود نرى كثراتٍ، نرى إنسانًا وحيوانًا ونباتًا وجمادًا وشمسًا وقمرًا وسماءً وأرضًا، لكنّ هذه الكثراتِ إذا تأمّلتَ فيها تجدها تشترك وتتسانخ وتتشابه في صفاتٍ معيّنةٍ، جميع هذه الموجودات التي تراها كثيرةً هي في الواقع واحدة، هي في الواقع تتلوّنٍ بلونٍ واحدٍ، تتشأن بشأنٍ واحدٍ، جميع هذه الوجودات لها مسحة متسانخة وصفة مشتركة، وهذا ما يعبّر عنه الفلاسفة: «الوجود حقيقة واحدة»، هناك وجودٌ راكدٌ وهو وجود الحجر، هناك وجودٌ نامٍ وهو وجود النّبات، هناك وجودٌ حسّاسٌ وهو وجود الحيوان، هناك وجودٌ عاقلٌ وهو وجود الإنسان، هناك وجودٌ محدودٌ وهو وجود الكون، هناك وجودٌ لامحدود وهو وجود الباري عزّ وجلّ، لكنّ جميع هذه الأقسام تشترك في صفةٍ واحدةٍ تسمّى بالوجود وتسمّى بالحياة وتسمّى بالعطاء، جميع هذه الوجودات لها صفة واحدة، الوجود يبعث على الجاذبية، كيف الوجود يبعث على الجاذبيّة؟

الجاذبيّة قد تكون تكوينيّة وقد تكون بشريّة، أنتم تعرفون في علم الفيزياء أنّ كلّ هذا الكون - جميع الأجسام الموجودة في هذا الكون - تخضع لقانون الجاذبيّة، لا يوجد جسمٌ يخرج عن قانون الجاذبيّة، جميع الأجسام التي تتحرّك في هذا الكون تخضع لقانون الجاذبيّة، هذه المجموعات الشّمسيّة تسير في فلكٍ يحكمها ويضبط مسيرتَها ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [4] ، قانون الجاذبيّة يحكم جميعَ الأجسام الصّغيرة والكبيرة، هذه الجاذبيّة نشأت عن طبيعة الوجود، طبيعة الوجود تقتضي جاذبيّة بين جسيماته وأجسامه وذرّاته ومجرّاته، فالجاذبيّة من آثار الوجود، وكما أنّ هناك جاذبيّة تكوينيّة فهناك جاذبيّة بشريّة، بعض البشر ينجذب إلى البعض الآخر، بعض البشر يحبّ البعضَ الآخر، ما هو سرّ الجاذبيّة البشريّة؟ كيف أجذبك وكيف تجذبني؟

سرّ الجاذبيّة البشريّة يرجع لعواملَ ثلاثةٍ:

العامل الأوّل هو: التّشابه.

أحيانًا تجد صديقيْن لا يفترقان، لماذا؟ لأنّهما متشابهان، بينهما تشابهٌ نفسيٌ، أو تشابهٌ فكريٌ، فلذلك ينجذب أحدهما للآخر وتحصل بينهما صداقة، وشبه الشّيء منجذبٌ إليه، هذا عاملٌ.

والعامل الآخر هو: الشّعور بالنقص والحاجة.

لماذا الزّوج ينجذب إلى زوجته وبالعكس؟ لأنّ الزّوج يشعر أنّ لديه نقصًا عاطفيًا يحتاج أنْ يملأه من خلال زوجته، والزّوجة تشعر أنّ لديها نقصًا عاطفيًا تحتاج أنْ تملأه من خلال دفئ الزّوج وعاطفة الزّوج ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ [5] ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [6] ، إذن هنا يكون عامل الانجذاب الشّعور بالنّقص.

العامل الثالث: الجاذبيّة الفطريّة.

الإنسان وُلِدَ ولديه فطرة، وهذه الفطرة تنجذب نحو قيم الكمال، كلّ إنسانٍ بفطرته ينجذب نحو قيم الكمال، كلّ إنسانٍ بجبلته يميل نحو قيم الكمال، فإذا توفرت في شخصٍ قيمُ الكمال انجذبنا إليه أردنا أم لم نرد، باختيارنا أو بغير اختارنا، فطرتنا تجذبنا نحو شخصٍ يمتلك قيمَ الكمال، كلّ شخصٍ يمتلك قيمَ الكمال فإنّا ننجذب بطبيعتنا، بجبلتنا لا باختيارنا، هذا الانجذاب الفطري الصّافي النّقي هو سرّ الوجود الأممي الذي تحدّثنا عنه في المحور الأوّل، كلّ شخصٍ نجده كاملاً ننجذب إليه، وهذا الانجذاب هو الذي يحوّل هذا الشّخص من وجودٍ شخصي إلى وجودٍ أممي، فسرّ الوجود الأممي هو الجاذبيّة الفطريّة.

عليٌ يمتلك جاذبيّة فطريّة لأنّ عليًا مجموعة قيم، مجموعة مثلٍ، مجموعة كمالاتٍ، ومَنْ قرأ هذه المثلَ والكمالاتِ انجذب لعلي انجذابًا فطريًا محضًا.

جلجل    الحقُّ    في   iiالمسيحيِّ

لا    تقل    شيعة    هواة   iiعليٍّ

أنا  مَنْ يعشق الفضيلة والإلهام

فإذا     لم     يكن    عليٌ    iiنبيًا

يا سماء اشهدي ويا أرض قرّي







 
حتى  عدّ  من  فرط  حبّه  علويًا

إنّ    في   كلّ   منصفٍ   iiشيعيًا

والعدل      والخلاق     iiالرضيّة

فلقد      كان      خلقه      iiنبويًا

واخشعي    إنّني    ذكرتُ   عليًا

هذه هي الجاذبيّة الفطريّة التي هي سرّ الوجود الأممي لعلي أمير المؤمنين عليه السّلام، وربّما تعجب أنّ مَنْ يبغض عليًا يحبّ عليًا، قد يستغرب الإنسانُ كيف يكون مبغضوه محبّيه؟! وكيف يكون مناوئوه مريديه؟! عليٌ جمع الأمرَيْن، حتى مَنْ يبغضه هو يحبّه، وكيف يكون كذلك؟!

أنت تحبّ أحيانًا شيئًا واحدًا وتكرهه، في آنٍ واحدٍ تحبّه وتكرهه، الإنسان يحبّ المعصية ويكرهها في آنٍ واحدٍ، يحبّ المعصية لأنّها توفر لها لذة مؤقتة، لذة سماع الأغنية، لذة العلاقة غير المشروعة، لذة الأكل المحرّم.. وهكذا، الإنسان يحبّ المعصية حبًا شهويًا لأنّها توفر له لذة مؤقتة، لكنّه وفي نفس الوقت إذا فتّش وجدانه يرى أنّه يكره المعصية، لكنه يكرهها كراهة فطريّة لا كراهة شهويّة، فالحبّ الشّهوي والحبّ الفطري شيءٌ آخر، يحبّ المعصية حبًا شهويًا ويبغضها بغضًا فطريًا، لأنّ المعصية تعني النّقص، تعني الذلة، لا توجد ذلة أعظم من ذلة المعصية، وقد ورد عن النبي محمّدٍ : ”ما أقبح بالمؤمن أنْ تكون له شهوة تذله“، العاصي ذليلٌ أمام شهوته، وفي الدّعاء: ”ولا ذلة كذلة معصية الله“ الإنسان ذليلٌ والإنسان بطبعه يكره الذلة، إذن الإنسان بطفرته يكره المعصية في الوقت الذي هو يحبّها.

عليٌ عليه السّلام مَنْ نظر إليه نظرًا شهويًا ربّما يكرهه لأنّ عليًا يتصادم مع شهوة الإنسان ويتصادم مع مصالح الإنسان، ولكن إذا نظر إليه نظرًا فطريًا أحبّه، فمناوئو علي ومبغضو علي أبغضوه بغضًا شهويًا وأحبّوه حبًا فطريًا، عمرو بن العاص يقول:

إذا     كانَ     بينكما     iiنسبةٌ

وأين الحصى من نجوم السما

وأين    الثريا   وأين   iiالثرى



 
فأين   الحسامُ   مِنَ   iiالمنجلِ

وأين    اللآلي    من   iiالفلفلِ

وأين    معاوية    من    iiعلي

معاوية نفسه أشدّ النّاس بغضًا لعلي لكنه إذا رجع لفطرته رأى عليًا شيئًا آخر، معاوية يقول لضرار: ”يا ضرار صف لي عليًا“، فيقف ضرارُ ويصف له أبا الحسن: ”كان والله بعيدَ المدى، يستأنس بالليل ووحشته، ويستوحش الدّنيا وزهرتها، يتحبّب إلى المساكين، ويعظم الفقراء“، لمّا تلا هذا الوصفَ على معاوية بكى معاوية وقال: ”صدقت، هكذا أبو الحسن“.

عليٌ يحبّه كلّ مَنْ له فطرة صافية، وكلّ مَنْ له فطرة وجبلة نقيّة فإنّه يحبّ عليًا لأنّ عليًا هو القيم، لأنّ عليًا هو المثل، لأنّ عليًا هو مجموعة من الكمالات، وهذا سرّ الوجود الأممي لعلي بن أبي طالب.

المحور الثالث: الولاء يرتبط بالجاذبيّة الفطريّة التي تعني الوجود الأممي.

الآية التي قرأناها، هناك مجموعة آياتٍ في سورة المائدة تتحدّث عن الولاء:

1/ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [7] .

2/ ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ.

هذه الآيات تتحدّث عن الولاء، والولاء لغة يقال: عدم الفصل يسمّى ولاءً، كيف؟

مثلاً تقول: صلينا صلاة الظهر والعصر متواليتيْن، يعني: بدون فاصلٍ، الولاء معناه عدم الفاصل، ولذلك يقول الفقهاءُ: ينبغي أنْ ترمي جمرة العقبة بسبع حصيات ولاءً، ولاء يعني ماذا؟ يعني متعاقبة من دون فاصلٍ بينها، الولاء يعني القربَ وعدم الفاصل، إذن مِنْ هنا نفهم معاني هذه الآية المباركة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ يعني: لا يكن بينكم وبينهم ولاءٌ، والولاء بمعنى القرب الرّوحي بحيث لا يكون بينكم وبينهم فاصلٌ، لأنّ القرب الرّوحي بهذه الدّرجة يعني التأثر بأفكارهم ومبادئهم، ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، إذن لمَنْ الولاء؟ لمَنْ نحمل القربَ الرّوحي الذي يعني إلغاءَ الفواصل والذي يعني التأثر، لمَنْ هذا الولاء؟ ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَوقال أبو ذر الغفاري: رأيت بهاتيْن وإلا عميتا وسمعتُ بهاتيْن وإلا صمّتا رسولَ الله وهو يقول: ”عليٌ قائد البررة، عليٌ قاتل الفجرة، منصورٌ مَنْ نصره، مخذولٌ مَنْ خذله“ وذلك إنّ سائلاً أتى مسجدَ رسول الله ولم يكن عند الرّسول ما يعطيه فتصدّق عليٌ عليه بخاتمه وهو راكعٌ، فلمّا سمع ذلك رسولُ الله قال: ”اللهم إنّ أخي موسى سألك، قال: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي [8]  فأنزلت عليه: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا [9]  وأنا أسألك: ربّي اشرح لي صدري ويسّر لي أمري واجعل لي وزيرًا من أهلي عليًا اشدد به أزري“، فنزل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ.

﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ هؤلاء هم حزب الله، حزب الولاء الحقيقي، ولذلك الولاء هو يعني الجاذبيّة الفطريّة، وهو يعني الوجودَ الأممي، والولاء على قسميْن:

1 - ولاء مصالح.

2 - وولاء مبادئ.

أنت أمامك صنفان من الأصدقاء:

1/ بعض أصدقائك ولاؤك لهم ولاء مصالح، أنت مضطرٌ لصداقتهم لا لأنّك تحبّهم أو لأنّك معجبٌ بمثلهم بل لأنّك مضطرٌ لصداقتهم، فولاؤك لهم ولاء مصالح، وشرّ الإخوان مَنْ تُكُلِّف له، وإنّ مِنَ النّاس مَنْ يُكَرّم اتقاءَ شرّه، فالولاء لمثل هذا ولاء مصالح.

2/ وهناك ولاء مبادئ، إنّك توالي بعضَ أصدقائك ولاءَ مبادئ، لأنّك تشعر بصدقهم وإخلاصهم وتفانيهم.

يعرّفك  الإخوانُ  كلٌ  iiبنفسه   وخير أخٍ من عرّفتك الشّدائدُ

فالولاء ولاء مصالح وولاء مبادئ، وهذا هو الفرق بين الولاء الأموي والولاء العلوي، الولاء الأموي ولاءٌ مصحوبٌ باللذة، مصحوبٌ بالرّاحة، ولذلك تجدّ أصحابَ الحكّام وأصحابَ السّلاطين يعيشون راحة ويعيشون رخاءً ولذة لأنّهم يعيشون الولاء الأموي، أمّا الولاء العلوي فهو ولاءٌ مصحوبٌ بالألم، فهو ولاءٌ مصحوبٌ بالشّدة، فهو ولاءٌ مصحوبٌ بالصّبر، فهو ولاءٌ مصحوبٌ بالنّقص، ولاء المبادئ - ولاء علي وأهل بيته - ولاءٌ يحمل معه ألمًا وصبرًا وشدائدَ ومكارهَ يتحمّلها الإنسانُ ويتجرعها في سبيل ولاء علي وأهل بيته، الشّاعر يقول:

واليتُ        آلَ        iiمحمّدٍ

أنا   لم   أجد   منهم  iiإمامًا

حتى      الحرائرُ      iiمنهمُ

حتى     الذي     قد    iiناهزَ





 
وأخذتُ    منهم   كلّ   عادةْ

مات   وهو  على  iiالوسادةْ

قارعن مَنْ غصبوا السّيادةْ

السّبعين   لم  يترك  iiجهادَهْ

هذا هو الولاء العلوي، الولاء المصحوب بالألم، الولاء المصحوب بالصّبر، الولاء المصحوب بالشّدائد والمكاره، فهو يختلف عن الولاء الأموي اختلافًا جذريًا، كيف عاش أصحابُ علي وكيف عاش أصحابُ معاوية وكيف عاش شيعة علي على مدى العصور؟!

ميثم التّمّار لأنّه من أصحاب علي أمِرَ بصلبه، وعندما جُعِلَ بإزاء النّخلة التي يُصْلب عليها وإذا به يبتسم ويقول: ألا أحدثكم عن حبيبي أمير المؤمنين وسيّد الوصيّين علي بن أبي طالب؟ فأمر بقطع لسانه والعجلة في صلبه لأنّه يخاف أنْ يؤثر بكلامه على نفوس النّاس فينجذبوا لعلي عليه السّلام انجذابَ الفطرة الصّافية.

ابن السّكيت قرّبه المتوكّلُ العبّاسي وأعطاه ولديْه يعلمهما ويهذبهما وأغدق عليه المواهبَ والجوائزَ، وفي يوم قال له: يا ابن السّكّيت.. أراد أنْ يختبره بعد هذه الفترة الطويلة مِنَ العطاء والجزاء، أراد أنْ يختبره، قال: يا ابن السّكّيت أيّهما أحبّ إليك ولداي أم الحسن والحسين ولدا علي بن أبي طالب؟ فإذا بابن السّكّيت يجيبه ويقول: قنبر خادم علي بن أبي طالب أحبّ إليّ منكم ومِنْ ولديْك فكيف بالحسن والحسين سبطي رسول الله؟! فأمر بقطع لسانه لكي يعرف الآخرون جزاءَ ولاء علي بن أبي طالب ولاء الألم وولاء الشّدة وولاء الصّبر وولاء الإرادة.

الولاء العلوي على مدى العصور ولاءٌ مصحوبٌ بالآلام ومصحوبٌ بالمكاره، هناك شعوبٌ تُقْتَل لأنّها توالي علي بن أبي طالب، وهناك شعوبٌ تتحمّل الآلام والشّدائد والمكاره لأنّها تحمل ولاءَ علي بن أبي طالب، لأنّها لم تخضع لولاء المصالح وأصرّت على ولاء المبادئ «ولاء علي وأهل بيته»، فولاء علي كما ذكرت الآية المباركة: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ، وولاء علي عليه السّلام الذي عبّرت عنه الآية بأنّه حزب الله عبّرت عنه العقيلة زينب عليها السّلام - والتي نحتفل بذكرى وفاتها وشهادتها في هذا اليوم - أمام عبيد الله بن زياد وقالت أنّها تفتخر بمقتل حزب الله النّجباء بحزب الشّيطان الطلقاء، حزب الله النّجباء عليٌ وأهل بيته ومَنْ يواليهم ولاءَ المبادئ، سمّتهم العقيلة زينب حزبَ الله النّجباء، وقالت ليزيد بن معاوية وهي مرهقة متعبة مثقلة بالجّراح، بالمسير، برعاية الأيتام والأطفال، بشماتة الأعداء، كلّ هذا لم يؤثر على قوّتها وإرادتها وحزم موقفها، حيث قالت: ”فكِدْ كيْدَك، واسعَ سعيَك، وناصبْ جهدَك، فوالله لا تمحو ذكرنا - ولم يستطع أحدٌ أنْ يمحوَ ذكرهم إلى يومنا هذا - فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحيَنا، وإنْ رأيك إلا فندٌ، وجمعك إلا بددٌ، وأيامك إلا عددٌ، يوم ينادي المنادي: ألا لعنة الله على القوم الظالمين“ وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون.

والحمد لله ربّ العالمين

[1]  المائدة: 55 - 56.
[2]  البقرة: 205.
[3]  النحل: 120.
[4]  يس: 40.
[5]  البقرة: 187.
[6]  الروم: 21.
[7]  المائدة: 51.
[8]  طه: 25 - 31.
[9]  القصص: 35.

الحسين (ع) ثورة إنسانية
كيف نتعامل مع الشحن الطائفي