نص الشريط
الإنسان بين نقاط الضعف والقوة
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مسجد الإمام علي (ع) بالقطيف
التاريخ: 21/8/1432 هـ
مرات العرض: 5934
المدة: 00:43:51
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (2481) حجم الملف: 10 MB
تشغيل:


أعوذ بالله مِنَ الشّيطان الغويّ الرّجيم

والصّلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمّدٍ وآله الطيّبين الطاهرين

بسم الله الرّحمن الرّحيم

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [1] 

صدق اللهُ العليّ العظيمُ

انطلاقًا مِنَ الآية المباركة نتحدّث في محورين:

  • في التّربية الواقعيّة القرآنيّة.
  • في الخصائص الجوهريّة لشخصيّة الإنسان.

المحور الأول:

هناك بعضُ الباحثين كتب عن القرآن الكريم أنّ الأسلوب التّربوي الذي تعامل به القرآنُ الكريمُ ليس أسلوبًا بنّاءً ومعطاءً، والسّرّ في ذلك أنّ القرآن كتابُ تربيةٍ، فهو الذي قال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [2] ، وقال جلّ وعلا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ [3] ، فبما أنّ القرآنَ كتابُ هدايةٍ وكتابُ تربيةٍ فكتابُ التّربية يتعيّن أنْ يكون أسلوبُه في التّربية أسلوبًا تشجيعيًا وتحفيزيًا، فالتّربية لكي تكون تربية معطاء وتربية منتجة يتعيّن فيها أنْ تركّز على تحفيز الإنسان نحو ميل طموحه واستثارة الملكات الخيّرة والنّبيلة في داخل الإنسان ودعم طموح الإنسان وتشجيعه على مواصلته.

بينما نجد أنّ الأسلوبَ الذي اتخذه القرآنُ الكريمُ هو أسلوب ذمّ الإنسان وتحبيطه وبيان عيوبه وبيان قبائحه والتّركيز عليها بشكلٍ مفصّلٍ في آيات القرآن الكريم:

1/ ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا [4] .

2/ ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [5] .

3/ ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ [6] .

4/ ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [7] .

5/﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [8] .

6/ ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ [9] .

وهكذا مِنَ الآيات الكثيرة التي تركّز على ذمّ الإنسان وعلى بيان الخصائص القبيحة في كيان الإنسان وفي داخل الإنسان، وهذا ليس أسلوبًا تربويًا منتجًا يخلق ويصنع مِنَ الإنسان إنسانًا بنّاءً، إنسانًا منتجًا، إنسانًا معطاءً، وإنما يحبّط الإنسانَ لأنّه يصوّر الإنسانَ صورًا سوداويّة تشاؤميّة تجعل مِنَ الإنسان مخلوقًا لا حلّ له ولا علاج له لأنه ظلومٌ كفارٌ، لأنّه ما أكفره، لأنّه مجادلٌ ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا.

وهذه الفكرة التي طُرِحَتْ حول الأسلوب التّربوي الذي مارسه القرآنُ الكريمُ ينبغي علينا أنْ نتأمّل في الجواب عنها، فهنا ثلاثة وجوهٍ للجواب عن هذه الشّبهة أو هذه الفكرة:

الوجه الأول:

ليس القرآنُ كتابَ تربيةٍ فقط، وإنّما القرآنُ كتابُ فلسفةٍ عن الكون والحياة والإنسان، عندما يكون الكتابُ أو عندما يكون المقالُ مقالاً فلسفيًا فإنّ وظيفة الفيلسوف ودوره يختلف عن دور المربّي، الفيلسوف لابدّ أنْ يقدّم تفسيرًا ولابدّ أنْ يقدّم تحليلاً واقعيًا للموضوع الذي يريد أنْ يتحدّث عنه، فهناك اختلافٌ بين أسلوب التّربية وأسلوب التّحليل الفلسفي، ليس المقصود بالفلسفة هنا علم الفلسفة - وهو العلم الذي يبحث عن الوجود وأطواره وأقسامه وأحكامه - وإنّما المقصود بالفلسفة هنا التّحليل، القرآن كتابٌ تحليليٌ قبل أنْ يكون كتابَ تربيةٍ، قبل أنْ يكون كتابَ توجيهٍ، قبل أنْ يكون كتابَ نصحٍ، فهو كتابُ تحليلٍ وفلسفةٍ، لذلك دور القرآن أنْ يقدّم تفسيرًا دقيقًا للطبيعة، تفسيرًا دقيقًا للإنسان، تفسيرًا دقيقًا للحياة بمجملها، تفسيرًا دقيقًا لمسيرة الوجود، فإنّ هذا دور الفيلسوف عندما يريد أنْ يتحدّث عن الموضوع الذي يريد أنْ يصل إلى بعض أهدافه.

ولذلك تحدّث القرآنُ بشكلٍ دقيقٍ عن الطبيعة وقال:

1/ ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [10] .

2/﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ [11] .

3/﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [12] .

قدّم تفسيرًا للكون، وقدّم تفسيرًا للإنسان، أي أنّه حلّل الإنسانَ تحليلاً دقيقًا، وقدّم تفسيرًا واقعيًا لخصائص الإنسان وملكات الإنسان، فالقرآن الكريم كما تحدث عن نفسه حينما قال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ تحدث عن نفسه بصفات أخرى: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ [13]  الحكيم يعني الكتاب الموضوع للحكمة ولفلسفة الحياة، وقال القرآن الكريم أيضًا: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ [14]  يعني: تناولنا الإنسانَ بمختلف جوانبه، ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ، تحدث عن القرآن وقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [15] ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [16] ، فالقرآن لا يتناول مجالَ التّربية فقط، وإنّما يتناول فلسفة الكون وفلسفة حياة الإنسان، لذلك تحدّث بأسلوبٍ واقعي دقيقٍ عن خصائص شخصية الإنسان.

الوجه الثاني:

أنّ القرآن الكريم لم يتناول الصّفاتِ الذميمة أو القبيحة في شخصية الإنسان فقط، وإنّما تناول أيضًا الجوانبَ الإيجابيّة في شخصية الإنسان:

1/ ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا [17] .

2/ ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [18] .

3/ ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [19] .

4/﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [20]  جعل الإنسانَ هو محور الكون، هو محور الحياة، هو محور الطبيعة، ولذلك أمر الملائكة بالسجود له، ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ.

5/ تحدث عن الإنسان مِنْ خلال طباعه الخيّرة: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [21]  أي أنّ الإنسان فُطِرَ وجُبِلَ على الدّين وعلى الإقبال على الله وعلى الإقبال على السّماء، ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا.

وتحدّث عن الطيّبين والأخيار والأنبياء والأولياء والأوصياء بأوصافٍ مسهبةٍ وفي مواضعَ ربّما استغرقت ثلثَ القرآن وهو يتحدث عن صفات الطيّبين والأولياء والأوصياء والأنبياء، ممّا يعني أنّ القرآن أراد أنْ يكون في أسلوبه التّربوي الذي يتناول شخصية الإنسان متوازنًا وناظرًا لكلا جانبي الإنسان ولكلا طرفي الإنسان: الطرف المضيء والطرف المظلم، الطرف الخيّر والطرف الشّرير.

الوجه الثالث:

هناك فرقٌ بين التّربية المثاليّة والتّربية الواقعيّة، الفرق بين التّربية المثاليّة والتّربية الواقعيّة مِنْ ثلاثة وجوهٍ:

الوجه الأوّل: التّربية المثاليّة تربية تركّز على هدفٍ قصيرِ المدى، والتّربية الواقعيّة تركّز على هدفٍ طويلِ المدى، أنت كأبٍ تمارس في بيتك نوعَيْن مِنَ التّربية: نوع مِنَ التّربية تربية مثاليّة، ونوع مِنَ التّربية تربية واقعيّة، أنت كأبٍ أحيانًا تأتي مثلاً ليلة النّصف مِنْ شعبان وأنت تريد أنْ تحقّق هدفًا آنيًا، تريد أنْ تحقّق هدفًا قصيرَ المدى ليلة النّصف مِنْ شعبان، ماذا تفعل؟ تقول لأبنائك: أبنائي أنتم ما شاء الله عبّادٌ مقبلون على الصّلاة! أنتم ما شاء الله عاقلون! أنتم ما شاء الله متديّنون! هيا الليلة ليلة تناسب تديّنكم! تناسب إيمانكم! هذه الليلة اصرفوها في العبادة! اصرفوها في إحياء أمر الله! اصرفوها في تعظيم شعائر آل بيت محمّدٍ ... وهذا النّوع مِنَ الأسلوب أنت تمارسه مع أنّه ليس أسلوبًا واقعيًا، ربّما في أبنائك كثيرٌ مِنَ العيوب وكثيرٌ مِنَ الأخطاء وأنت تتغاضى عنها وتغطيها بأساليبَ أخرى، هذا الأسلوب الذي تمارسه الغرضُ منه تحقيقُ هدفٍ قصيرِ المدى، تحقيقُ هدفٍ عاجلٍ، فأنت مضطرٌ لتحقيق هذا الهدف العاجل أنْ تمارس أسلوبَ التّحفيز والتّشجيع وبعث الهمم لأجل إنجاز هذا الهدف المرجو والمطلوب.

ولكنّ التّربية الواقعيّة تنظر إلى هدفٍ طويلِ المدى، مسيرة الإنسان في حياته الدّنيا وفي حياته الأخرى، عندما يكون المنظور الهدف الطويل المدى، الهدف الذي يساير الإنسان منذ عقله وتمييزه إلى أنْ يقف أمام ربه يوم القيامة، هذه المسيرة الطويلة عندما تنظر إليها لابدّ أنْ يكون أسلوبُك أسلوبًا واقعيًا لا تغطية فيه على العيوب ولا إعطاء لشحنات لهذا الإنسان أكثر مِنْ حجمه الواقعي؛ لأنّك تريد أنْ تعالج مسيرة طويلة، وعلاج المسيرة الطويلة يقتضي أنْ تركّز على العيوب الواقعيّة والجوهريّة في شخصية هذا الإنسان الذي تريد تربيته.

لاحظوا مثلاً: هناك فرقٌ بين التّأهيل والتّطبيب، يعني تارة أنت عندك لجنة تأهيل، تارة عندك لجنة طب وعلاج، ما هو الفرق بين دور الطبيب ودور المؤهّل؟ أنت إذا تحضر مريضًا للطبيب، تعرضه على الطبيب، هل الطبيب سيقول له: لا! ما فيك شيء! لا والله أنت زين! لا والله بكرة إنْ شاء الله ستقوم! لا... هذا لم يصر علاجًا! دور الطبيب يختلف عن دور المؤهّل، المؤهّل الذي تأتي وظيفته مع العلاج أو بعد العلاج، المؤهّل هو الذي يمارس الأسلوب التّشجيعي، يقول لك: ما شاء الله! أنت صرت زينًا وأنت الآن قويتَ وتغلبتَ وهذه أزمة غابرة وأنت الآن تجاوزت الأزمة وإنْ شاء الله تنطلق بحياةٍ جديدةٍ وصحّةٍ جيّدةٍ.. إلى غير ذلك، هذا أسلوب تأهيلِ.

لكنّ هناك أسلوبَ علاج، الطبيب لا يستطيع أنْ يقول لك.. والله أنت عندك مشكلة في الكبد أو عندك مشكلة في القلب أو عندك مشكلة في المعدة يعني يقول لك: لا ما في شيء! والله أنت زين! أنت صحتك زينة! أنت ما شاء الله مؤهل ل...!! لا يستطيع الطبيبُ قول هذا، لا يستطيع تجاوز الخصائص الواقعيّة، لابدّ أنْ يضع الطبيبُ النقاط على الحروف، لابدّ أنْ يشخّص المرضَ تشخيصًا دقيقًا واقعيًا لينتقل معك إلى أسلوب العلاج، فلابدّ أنْ يتحدّث معك أو مع أحدٍ مِنْ أهلك عن مرضك الواقعي بتفاصيله لأن ذلك كفيلٌ بتحقيق العلاج الشّافي والكافي.

فهناك فرقٌ بين أسلوب التّأهيل وأسلوب العلاج الذي يمارسه الطبيبُ، وهذا ما مارسه القرآنُ الكريمُ مِنْ خلال التّربية الواقعيّة التي طرحها القرآنُ الكريمُ.

الوجه الثاني في الفرق بين التّربية المثاليّة والتّربية الواقعيّة أنّ التّربية المثاليّة تغييرٌ مِنَ الخارج، بينما التّربية الواقعيّة تغييرٌ مِنَ الدّاخل، وفرقٌ بين التّغيير مِنَ الخارج والتّغيير مِنَ الدّاخل، التغيير مِنَ الخارج هو هذا الذي نحن نمارسه، يعني هذا الولد كسول، صح؟! هذا الولد ما يذاكر دروسه، هذا الولد متثاقلٌ في التّفاعل مع دراسته، نحن مضطرون أنْ نمارس تغييرًا مِنَ الخارج، نقول له: أنت ما شاء الله عليك ذكيٌ! أنت ما شاء الله عليك مجدٌ! أنت ما شاء الله عليك مجتهدٌ في دراستك! مبدعٌ! دعنا نرى إبداعَك هذه السّنة! دعنا نرى مذاكرتك! دعنا نرى عطاءك في هذا العام!... هذا تغييرٌ مِنَ الخارج، هذه تدخل ضمن التّربية المثاليّة.

أمّا التّربية الواقعيّة فتغييرٌ مِنَ الدّاخل، لابدّ أنْ يعرف الإنسانُ نفسَه، إذا لم يعرف نفسه لم ينطلق مِنْ داخله لإصلاح نفسه، لابدّ أنْ يتعرّف الإنسانُ على نفسه حتى ينطلق انطلاقة داخليّة، إذا أحسّ بالجرح - إذا أحسّ بالنّقص - انطلق ليسدّد هذا النّقصَ وليداوي هذا الجرحَ، أنت مضطرٌ في التّربية الواقعيّة أنْ تحسّس هذا الإنسانَ بشخصيته الواقعيّة، لابدّ أنْ يشعر بذلك، لذلك أنت تركّز على عيوبه، تقول له: أنت فيك عيوب، أنت فيك نقاط ضعفٍ جوهريّة لابدّ أن تشعر بها لا فقط تتكلم عنها، لا، لابدّ أنْ تشعر بها، فأنا لابدّ أنْ أصل إياك إلى مرحلة الشّعور، إذا شعرتَ بهذا النّقص وشعرتَ بهذه العيوب وشعرت بهذه الثغرات انطلقتَ انطلاقًا داخليًا لإصلاح ذاتك، فالمطلوب هو الانطلاق الدّاخلي، والانطلاق الدّاخلي فرع معرفة النّفس، فرع الوقوف شعورًا وجدانيًا على نقص النّفس وعلى ثغراتها.

لذلك تلاحظ أدعية الإمام زين العابدين كلها في هذا النّهج نهج التّربية الواقعيّة لا التّربية المثاليّة، الإمام زين العابدين في الصّحيفة السّجاديّة لا يلفّ ويدور، لا، يضع يدك على العيب، لا يذهب هنا وهناك، يأخذ بيدك ويضع إصبعك على الجرح نفسه، على العيب الموجود في شخصيتك، على الضعف الموجود في شخصيتك، أنت هكذا، لابدّ أنْ تلقّن نفسَك أنّك هكذا، تعيش نقصًا واقعيًا، تعيش عيوبًا جوهريّة، فإذا شعرتَ بهذه العيوب انطلقتَ لعلاجها وانطلقتَ لدوائها.

”إلهي ما عصيتُك إذ عصيتُك وأنا بك شاكٌ ولا بنكالك جاهلٌ ولا لعقوبتك متعرّضٌ - لكنّ هناك مشكلة لابدّ أنْ أعترف بها وهي موجودة في شخصيتي - ولكن سوّلتْ لي نفسي وأعانني عليها شقوتي“.

الإمام زين العابدين عندما يقارن بينه وبين ربّه: ”أنت الذي أعطيتَ، أنت الذي أقنيتَ، أنت الذي.. أنت الذي...“ ثم يأتي إلى ”أنا الذي“، ”أنا الذي“ لا يلف ويدور، ”أنا الذي“ لابدّ أنْ أطرح عيوبي الواقعيّة بدقةٍ وبتمام تفاصيلها، ”أنا الذي جهلتُ، أنا الذي فعلتُ، أنا الذي اعتمدتُ، أنا الذي تعمّدتُ، أنا.. أنا.. أنا.. أنا...“ كشفٌ دقيقٌ للعيوب الواقعيّة، هذه التّربية الواقعيّة هي التي تُوصِلُ الإنسانَ للإحساس بالنّقص والجرح كي يمتلك انطلاقة داخليّة وذاتيّة لعلاج دائه ولدواء أمراضه التي قد تفتك بمسيرته.

الوجه الثالث مِنْ وجوه الفرق بين التّربية الواقعيّة والتّربية المثاليّة أنّ التّربية المثاليّة تركّز على العرض وعلى الظواهر، التّربية الواقعيّة تركّز على الجذور لا على الأعراض والظواهر، تُرْجِعُكَ إلى الجذور، ما هي جذور هذه العيوب؟! والله أنا إنسان كثير المعصية، لماذا كثير المعصية؟! لماذا لا أصبح «خوش» آدمي مثل العالم؟! لماذا أنا كثير المعصية؟! ما هو الجذر؟! ما هو الجذر الأساس الذي يبعث على كثرة المعصية؟! هذا الجذر لابدّ مِنَ الوقوف عليه، لماذا الإنسان بخيل؟! لماذا؟! ما هو سبب البخل؟! ما هو الجذر الذي يعيش في كيان الإنسان ويبعثه على البخل؟!

التّربية الواقعيّة تركّز على الجذور، ولذلك هذه الجذور هي ذاتُ حدين، يمكن أنْ تكون جذورًا لصفاتٍ طيّبةٍ ويمكن أنْ تكون جذورًا لصفاتٍ ذميمةٍ، الجذر نفسه يمكن أنْ يكون سببًا لصفةٍ ذميمةٍ، يمكن أنْ يكون سببًا لصفةٍ حميدةٍ وطيّبةٍ، والأمر بمسؤولية الإنسان ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [22]  ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ [23] ، هو الذي يستطيع تحويلَ هذا الجذر المتأصّل في شخصيته إلى منبع ومَغْرَسٍ للصّفات الحميدة الخيّرة، مثلاً تأتي إلى قوله عزّ وجلّ: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا الجدل ليس مرضًا، الجدل عرضٌ، لماذا الإنسان كثير الجدال؟! ما هو منشؤه؟! يجادل حتى يوم القيامة! لا يكتفي بالدّنيا، يأتي يوم القيامة وأيضًا يجادل! ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا [24]  مع أنّ الكتاب معروضٌ، مع أنّ صفحة الأعمال واضحة، مع أنّك ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [25]  أنت ترى أمامك ومع ذلك يجادل ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا لماذا؟! الجدل هذا مرضٌ، عرضٌ لابدّ له مِنْ جذرٍ، الجذر نفسه هو العقل، العقل جذرٌ، الإنسان كيف يستخدم هذا الجذر في استنتاج المعلومات، في الوصول إلى معرفة الكون، صار استخدامًا حسنًا، أو لا، يستخدم هذا الجذر في الجدال والتّعمية والإصرار على الأخطاء والإصرار على الذنوب، يصير ماذا؟ يصير منشأ لصفة ذميمة وهو جذرٌ واحدٌ وليس جذرَيْن، هو العقل، قوّة العقل.

فالتّربية الواقعيّة التي مارسها القرآنُ الكريمُ تختلف عن التّربية المثاليّة في عدّةٍ مِنْ وجوهِ الفرق بينهما تعرّضنا لها.

المحور الثاني:

ركّز القرآنُ الكريمُ على عدّة نقاطٍ جوهريّةٍ في شخصية الإنسان لا يمكننا استيعابها في هذه المحاضرة وإنّما نشير إلى مجموعةٍ منها:

السّمة الأولى: أنّ الإنسان ظلومٌ.

هذه عدّة آياتٍ تعبّر عن الإنسان أنّه ظلومٌ: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ظلوم يعني الإنسان كثير الظلم، الظلوم هو كثير الظلم، الإنسان كثير الظلم، هل الظلم صفة متأصلة في ذات الإنسان لا يمكن أنْ يفارقها كما يقول المتنبي؟

والظلمُ مِنْ شِيَمِ النّفوسِ فإنْ تجدْ   ذا     عفةٍ     فلعلةٍ     لا    يظلمُ

يعني الذي لا يظلم هو الاستثناء وإلا القاعدة هي أنْ يظلم الإنسانُ، فإنْ تجد ذا عفةٍ فلعلة لا يظلمُ، هل الظلم هكذا أم لا؟! القرآن يُرْجِعُ الظلمَ إلى جذرٍ آخر، يقول: الظلم ليس هو الأساس، الظلم عرضٌ له جذرٌ آخر، ما هو؟ ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [26]  متى يطغى؟ متى يظلم؟ إذا رأى نفسه استغنى عن الآخرين، مادام محتاجًا للآخرين فإنّه يعيش الانقيادَ ويعيش التّسليمَ، وبمجرّد أنْ يشعر بالغنى وعدم الحاجة يبدأ في الطغيان والاعتداء والظلم، ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى.

وهذا الطغيان وهذا الظلم منشؤه غريزةٌ وهي غريزة التّملك، كلّ إنسانٍ يعيش غريزةَ التّملك، يحبّ تملك الأشياء، يحبّ أنْ يسيطر عليها، يحبّ أنْ يستولي عليها، ولذلك الله سخّر له هذا الكونَ كله لأنّه ينسجم مع غريزة التّملك لدى الإنسان، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [27]  ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [28] ، غريزة التّملك هي غريزة متأصّلة، لكنّ الدّين عالجها، قال: اصرف غريزة التّملك للأمور المحللة ولا تذهب بها إلى الظلم والطغيان، ”يُسْألُ العبدُ يوم القيامة عن أربع: عن شبابه فيما أبلاه، عن عمره فيما أفناه، عن ماله مِنْ أين اكتسبه، وفيما أنفقه“.

السّمة الثانية: أنّ القرآن الكريم يصف الإنسانَ بأنّه عجولٌ.

﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا [29]  كيف يعني يدعو بالشّرّ دعاءه بالخير؟

نحن نجلس في المسجد ونقرأ آية أمّن يجيب المضطر ونرفع أيدينا لكن ندعو بماذا؟! واحد رافع يده لماذا؟ يا الله حصّل لي سيارة فلانية! واحد رافع يده: يا الله حصّل لي الحرمة الفلانية «تلك تلك المرأة»! يا الله.. يركّز على أشياء ماديّةٍ معيّنةٍ، هو يرى أنّ هذا دعاءٌ بالخير لكنّه أحيانًا يكون دعاءً بالشّرّ، ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا، لا يقول: اللهم ارزقني الصّالح لي، أنت أعرف بالصّالح، ما هو الصّالح لي؟ الصّالح لي هذه الزّوجة أم تلك؟ الصّالح لي هذا البيت أم ذاك؟ الصّالح لي هذا التّخصّص أم ذاك التّخصّص؟ الصّالح لي هذا الأسلوب أم ذاك الأسلوب؟ لا! لا! أنا لا أريد الصّالح! لا! الصّالح لا! أريد ذاك! الصّالح؟! أنا أريد ذاك الموضوع لا أريد غيرَه! فالإنسان بمجرّد أنْ يرى أمرًا معيّنًا ينسجم مع غريزته، ينسجم مع نفسه، ينسجم مع عاطفته، يركّز عليه في الدّعاء، فهو نظر إلى خيريّة هذا الشّيء لا الخيريّة الواقعيّة لا الخيريّة العقلانيّة وإنما الخيريّة النّفسيّة المنسجمة مع ذاته، المنسجمة مع غرائزه، ولو لم يكن عجولاً وتأمّل وتدبّر ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [30]  فلو لم يكن عجولاً وكان متأمّلاً متدبّرًا لركّز على الخير الواقعي لا الخير العاطفي، لا الخير النفسي.

﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ [31]  إذن العجلة أين ترجع؟ لأي جذر؟ إذا نريد نُرْجِع العجلة لجذر واقعي، ترجع إلى الحرص، الإنسان عنده حرص، ما معنى الحرص؟ ليس بخلاً، الحرص بمعنى أنْ يكون حريصًا على أنْ يحصل على منافعه بأسرع وقت ممكن، وهذا ينطلق مِنْ غريزة حبّ الحياة، الإنسان يمتلك غريزة ذاتيّة متأصّلة لا يمكن أنْ ينفكّ عنها هي غريزة حبّ الحياة، حبّ الحياة يدفعه إلى الحرص، يعني: إلى أنْ يركّز على منافعه، والحرص هو الذي يدفعه إلى العجلة، لأنه يخاف أنْ تفوت منه هذه المنافعُ العاجلة العابرة، فيكون عجولاً في استيفائها.

السّمة الثالثة مِنْ سمات الإنسان: أنّ الإنسان كفورٌ.

القرآن يقول: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ يعني شديد الكفران بالنّعمة، ليس الكفور يعني كفور بربّه، يعني كفورٌ بالنعم ومنها نعم ربّه، ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ، ولذلك قال في آية أخرى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [32] ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ [33] ، الكفران بالنعمة موجودٌ عند الإنسان ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ لماذا؟ لماذا يكون الإنسان متسمًا بالكفران بالنعمة؟ الكفران بالنعمة يرجع إلى جذرٍ آخر أيضًا، لماذا يكفر؟ لأنه جهولٌ، هذا الوصف الذي وصفه به في آية أخرى: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا الجهل يقود إلى الكفران بالنعمة، لماذا؟

لأن الإنسان إذا حظي بالنّعم يسترخي وينسى أنّ هذه النّعم زائلة وعابرة، طبيعة الإنسان، لذلك ترى نحن مجتمعاتنا - المجتمعات الخليجيّة - لأنّها مجتمعاتٌ تعيش رخاءً نسبيًا معيّنًا «تعيش استرخاءً، تعيش استمهالاً» تعيش نسيانًا إلى أنّ هذه النّعم ليست نعمًا دائمة، هذا البترول وهذا الغاز وهذه الطاقات المتفجرة في الخليج أرضًا وجوًا ليست نعمًا دائمة، إنّها نعمٌ زائلة، إنّها نعمٌ عابرة، إنّها نعمٌ إذا أسيء استخدامها اضمحلت وذهبت، الإنسان عندما يكون مغرورا بالنعمة ويسترخي ويسترسل مع النعمة ينسى أنّ هذه النّعمة ليست له وإنّما أعطيت له بمثابة أمانة لوقتٍ محدّدٍ، وهذا لجهله، فجهله بحقيقة النّعم هو الذي يدفعه إلى أنْ يكون إنسانًا كفورًا، ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ - عندك غاز وعندك بترول والعالم كله يضرب لك تحية، أنت خليجي بيدك الأموال والثروات! - يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [34]  يعني يبتلى بالحروب، المجتمع يتدمر، كيف يتدمر؟ بالحرب، ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ.

السّمة الرّابعة: سمة الجدل.

كما ذكرنا، ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا، ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا الجدل عرضٌ له جذرٌ ينتسب إليه، الجذر هو قوّة العقل، قوّة العقل جذرٌ يمكن أنْ يستخدمه الإنسانُ في صالحه كما يقول القرآن الكريم: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [35] ، وورد عن النبي محمّدٍ أنّه قال: ”تفكّر ساعةٍ خيرٌ مِنْ عبادة سنةٍ“ التّفكير الذي يقودك إلى الطاعة، وورد عنه : ”العقل ما عُبِدَ به الرّحمنُ واكْتُسِبَ به الجنانُ“ لكنّ الإنسان يسيء استخدامَ العقل، يحاول دائمًا أنْ يغطي على عيوبه وعلى أخطائه بالجدل وبالإصرار على أهدافه وعلى ما يريد ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا.

الصّفة الخامسة: الضّعف.

﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا [36] ، ومِنْ مظاهر هذا الضّعف ما قاله في آيةٍ أخرى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا [37]  الهلع، الهلع نقطة ضعفٍ في الإنسان، الإنسان الذي يعيش دائمًا قلقًا وخوفًا هذا الإنسان الذي يعيش الهلعَ الهلعُ نتيجة ضعفه، ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا، ما معنى خُلِقَ الإنسان ضعيفًا؟

يعني أنّ الإنسان أعْطِيَ قوى، فكما أعْطِيَ قوّة العقل - وهذه نقطة قوّةٍ - أعْطِيَ غرائز، وهذه الغرائز ما لم تخضع تحت سيطرة العقل فإنّها منشأ ضعف الإنسان وضعف شخصية الإنسان، إذا سيطرت عليه الغرائزُ الشّهويّة صار كالحيوان ينقاد لشهوته تمامًا، ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي [38] ، إذا انصرف إلى شهوته، انقاد إلى النفس الأمّارة، هذه نقطة ضعفٍ.

الإنسان أيضًا يمتلك غريزة الحذر، مثلما يمتلك الغريزة الشّهويّة يمتلك غريزة الحذر، إذا زاد الحذر عن حدّه صار الإنسانُ هلوعًا، لأيّ شيءٍ يجزع، لأيّ شيءٍ يخاف، لأيّ شيءٍ يقلق، لأيّ شيءٍ يضطرب، الهلع نتيجة غريزة الحذر والخوف عند الإنسان.

إذن الإنسان خُلِقَ ضعيفًا يعني أعْطِيَ مجموعة غرائزَ، وأيضًا خُلِقَ قويًا لأنّه أعْطِيَ عقلاً يقتدر به على السّيطرة على هذه الغرائز والتّحكّم في مسيرتها ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [39] .

والحمدلله رب العالمين

[1] الأحزاب: 72.
[2] الإسراء: 9.
[3] الجن: 1 - 2.
[4] الإسراء: 11.
[5] إبراهيم: 34.
[6] عبس: 17.
[7] الكهف: 54.
[8] الانفطار: 6.
[9] الإسراء: 83.
[10] الأنبياء: 30.
[11] هود: 7.
[12] يس: 40.
[13] يس: 1 - 2.
[14] الإسراء: 89.
[15] الأنعام: 38
[16] يس: 12.
[17] الإسراء: 70.
[18] التين: 4.
[19] الشمس: 7 - 9.
[20] البقرة: 34.
[21] الروم: 30.
[22] النجم: 39.
[23] القيامة: 14.
[24] النحل: 111.
[25] الإسراء: 14.
[26] العلق: 6 - 7.
[27] الجاثية: 13.
[28] النحل: 18.
[29] الإسراء: 11.
[30] محمد: 24.
[31] الأنبياء: 37.
[32] سبأ: 13.
[33] البقرة: 152.
[34] النحل: 112.
[35] آل عمران: 191.
[36] النساء: 28.
[37] المعارج: 19 - 21.
[38] يوسف: 53.
[39] الشمس: 7 - 10.

شهر القرآن والدعاء
أهمية البينة في سلوك المؤمن