نص الشريط
في رحاب الإنتظار
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مسجد الإمام علي (ع) بالقطيف
التاريخ: 16/8/1433 هـ
مرات العرض: 3544
المدة: 00:33:53
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (2206) حجم الملف: 7.75 MB
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

ورد عن النبي أنه قال: ”أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج“

صدق الرسول الكريم

انطلاقًا من الحديث النبوي الشريف نتحدث في محاور:

المحور الأول: في بيان الأفضلية.

ما هو وجه الأفضلية؟ ولماذا يكون انتظار الفرج أفضل من سائر أعمال الإنسان؟ الإنسان تصدر منه صلاة خاشعة، أو صوم خاشع، أو صدقة جارية، ومع ذلك فإن انتظار الفرج أفضل من سائر هذه الأعمال، فما هو وجه الأفضلية؟ في عدة أحاديث نجد ذكرًا لهذه الأفضلية، ونحتاج إلى تفسيره، فمثلًا: ما ورد من أفضلية الإنسان على الملائكة، كما ورد عن الإمام أمير المؤمنين علي : ”إن الله ركّب في الإنسان عقلًا وشهوةً، فمن غلب عقلُه شهوتَه فهو خيرٌ من الملائكة، ومن غلب شهوتُه عقلَه فهو أدنى من البهائم“، ما هو وجه أفضلية الإنسان على الملائكة، مع أنهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون؟

أو عندما نقرأ هذا الحديث: ”علماء أمتي أفضل من أنبياء بني إسرائيل“، إذا كان المراد بالعلماء الفقهاء، فما هو وجه أفضلية الفقهاء على أنبياء بني إسرائيل، مع أن أنبياء بني إسرائيل معصومون عن الزلل، والعلماء - بمعنى الفقهاء - غير معصومين، فما هو وجه الأفضلية؟

أو عندما نقرأ هذا الحديث الشريف: ”إصلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام“، ليس أفضل من الخاصة، وإنما هو أفضل من العامة، الخاصة هي الواجبات، والعامة هي المندوبات، أي أنه أفضل من صلاة الليل، أي أنه أفضل من صيام الأيام المستحبة، لماذا يكون أفضل من هذه الأعمال كلها، مع أننا نعلم أن الصلاة - كما ورد في الأحاديث الشريفة - ”الصلاة خير موضوع، فمن شاء استقل، ومن شاء استكثر“، وورد: ”الصلاة عمود الدين، إن قبلت قبل ما سواها، وإن ردت رد ما سواها“، فكيف يكون إصلاح ذات البين أفضل منها؟!

كل هذه الأحاديث ترجع إلى معنى واحد، كل هذه الأحاديث ترجع الأفضلية فيها لمعنى واحد، فإن الفضل ينقسم إلى قسمين: فضل ذاتي، وفضل عملي، وهذه الأحاديث تشير إلى الفضل العملي لا إلى الفضلي الذاتي. بيان ذلك: نحن عندما نقارن بين الملك وبين الإنسان، إذا قارنا بين الذاتين فالملك أفضل من الإنسان غير المعصوم من حيث الذات؛ لأن ذات الملك ذات مصفاة من الرذائل، لا تعرض عليه الشهوات، لا يميل إلى المعصية، فمن حيث الذات ذات الملك أفضل من ذات الإنسان، ولكن من حيث العمل، عندما نلاحظ الفضل العملي لا الفضل الذاتي، عمل الإنسان المؤمن على الأرض أفضل من أعمال مليون ملك بين السماء والأرض، والفضل العملي يرتكز على تمكين الدين؛ فإن من أعظم الأهداف السماوية التي جاءت بها رسالات الأنبياء والمرسلين تمكين الدين على الأرض، أن يتمكن الدين على الأرض.

قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي، تمكين الدين على الأرض من أهم الأهداف السماوية، كل عمل يساهم في تمكين الدين وترسيخه على الأرض يعد من أعظم الأعمال وأشرفها وأجلها، عبد مؤمن يصلي ركعتين على الأرض يمكّن الدين من الأرض عمله أفضل من عمل الملك المصفى من الذنوب والمصفى من الرذائل، هذا يسمى فضلًا عمليًا، وليس فضلًا ذاتيًا، فالإنسان المؤمن أفضل عملًا؛ لأن عمله يمكّن الدين على الأرض، ويرسّخ الدين على الأرض.

نفس الكلام عندما نقارن بين علماء أمتي وأنبياء بني إسرائيل، أنبياء بني إسرائيل كانوا معصومين، وكانت لهم دعوات ورسائل، ولكن علماء أمتي.. طبعًا له معنيان: المعنى الأول أن المراد به آل محمد، والمعنى الثاني أن المراد به الفقهاء، بناء على المعنى الثاني: فقهاء أمة النبي بأيديهم مُكِّن الدين على الأرض، ما صنعه فقهاء أمة النبي منذ عهد الأئمة إلى يومنا هذا أعظم عملًا مما فعله أنبياء بني إسرائيل، لولا جهود هؤلاء الفقهاء وجهادهم ما تمكن الدين من الأرض، ما ترسّخ الدين في الأرض، فإذا نظرنا إلى الفضل العملي: نعم، علماء أمتي أفضل من أنبياء بني إسرائيل عملًا؛ لأن بجهودهم وجهادهم تمكّن الدين من الأرض.

وأيضًا عندما نلاحظ المقارنة بين هذين الحديثين: ”إصلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام“، الإنسان قد يمارس الصلوات المندوبة، الإنسان قد يواظب على صلاة الليل، ولكن بينه وبين أرحامه حزازات ونزاعات، ولكن بينه وبين جيرانه مشاكل وآلامًا، ولكن بينه وبين المؤمنين حزازات وصراعات، صلاة الليل والصوم المستحب وأمثال ذلك من المندوبات له ثواب، وله فضل، فهو قطعة من الخشوع والخضوع لله، ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، لكن الذي يساهم في تمكين الدين من الأرض هو العمل الجمعي لا العمل الفردي.

العمل الفردي من صلاتك وصومك يساهم بنحو جزئي في تمكين الدين من الأرض، ولكن محو الحزازات، محو الصراعات، القضاء على المشاكل، أكثر مساهمة وأكثر تأثيرًا في تمكين الدين من الأرض، لأن الناس إذا انشغلوا بالصراع بين أنفسهم لم يرسخ الدين على الأرض، وأما إذا انمحت الصراعات من بينهم كانوا أكثر انشغالًا بالدين، نحن ما الذي يؤخرنا؟! صراعاتنا، عندما ندعو في الدعاء الشريف المبارك الذي نقرؤه في صلواتنا: ”اللهم إنا نشكو إليك فقد نبينا صلواتك عليه وآله، وغيبة إمامنا، وكثرة عدونا، وقلة عددنا، وشدة الفتن بنا“، إن الفتن تشغلنا عن الدين، من ينشغل بالفتن، ومن ينشغل بالصراعات ينشغل عن ترسيخ الدين، وعن تمكين الدين من الأرض.

إذن، بالقضاء على الفتن وبمحو الصراعات يظل الهدف الأول للإنسان هو تمكين الدين وترسيخه على الأرض. من أجل ذلك، كان إصلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام؛ لأن إصلاح ذات البين يعبّد الأرضية ويمهّدها لتمكين الدين وترسيخه في الأرض.

من هنا نفهم معنى قوله : ”أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج“، هذا الانتظار هو الذي يرسّخ الدين على الأرض، انتظار ظهور الدين يستلزم الإعداد للدين، فانتظار الفرج يجعلك أكثر استعدادًا لنصرة الدين ولحمايته ولتمكينه ولترسيخه من صلاة الليل، أو من الصوم المستحب، أو من القضايا والمستحبات الروحية التي لها ثواب جزيل وأجر عظيم عند الله، إلا أن انتظار الفرج أكثر تأثيرًا في تمكين الدين على الأرض، من هنا كان أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج. إذن، المراد بالأفضلية الفضل العملي لا الفضل الذاتي.

المحور الثاني: الفرق بين الانتظار الفعلي والانفعالي.

الرسول الأعظم محمد كما ورد عنه أنه قال: ”أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج“، ومقتضى المناسبة بين الموضوع والمحمول - كما يقول العلماء - أن المراد بالانتظار العمل أيضًا، لا بد أن يكون أفضل الأعمال عملًا، لم يقل: أفضل أشياء، أو أفضل أمور، بل قال: أفضل أعمال، مقتضى المناسبة بين الموضوع والمحمول أن يكون أفضل الأعمال عملًا أيضًا، فالانتظار عمل وليس أمرًا آخر. الانتظار على قسمين: انفعال وفعل، ما هو الفرق بين الانتظار الانفعالي والانتظار الفعلي؟

أمثّل لك بمثالين: شخص مريض بمرض مزمن، هذا المريض المرض الشديد ينتظر الشفاء، لكن انتظاره انفعالٌ، لا حول له ولا قوة ولا شيء بيده إلا أن ينتظر الشفاء، فانتظار المريض للشفاء انفعاليٌ، وليس فعليًا؛ لأنه أمرٌ قهريٌ على هذا الإنسان المريض. كذلك الإنسان الأسير، هذا الأسير الذي يقبع داخل السجن، ماذا يصنع؟! ينتظر الفرج، انتظاره للفرج انتظار انفعالي، أمر مفروض عليه، ليس بيده، ليس عملًا من أعماله، وإنما هو أمر مفروض عليه، فهو ينتظر الفرج انتظارًا انفعاليًا.

وهناك انتظار فعلي، وليس انتظارًا انفعاليًا، فمثلًا: أنا عندما أقوم بوضع البذرة في التربة، وأقوم بتسميد التربة، وأقوم بسقي التربة، كل هذا انتظارٌ للثمرة، هذا انتظارٌ فعليٌ، انتظار مختزن للعطاء، مختزن للبذل، هذا الانتظار هو الانتظار الفعلي، سقيت التربة ماء منتظرًا لثمرها وبركاتها، هذا انتظار فعلي. الإنسان إذا دخل الجامعة وكتب رسالة ماجستير أو دكتوراه ينتظر الشهادة، هذا انتظار فعلي، عملت عملًا والآن أنتظر ثمرته، هذا يسمى انتظارًا فعليًا.

إن قوله : ”أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج“ يشير إلى الانتظار الفعلي لا إلى الانتظار الانفعالي، والله ماذا بيدنا؟! الله خلقنا في هذا الزمان - زمان الغيبة - ولا بد لنا ولا حول ولا قوة إلا أن ننتظر الفرج!! انتظار الفرج بهذا المعنى انتظار قهري، شئنا أم أبينا نحن منتظرون، هذا انتظار يفرض نفسه علينا وليس بيدنا، هذا الانتظار انتظار انفعالي وليس عملًا نقوم به، فمقتضى المقايسة بين قوله: ”أفضل أعمال“ أن الانتظار عمل، وأن المراد به الانتظار الفعلي، والانتظار الفعلي بمعنى أن تزرع زرعًا تنتظر ثمرته، أن تقوم بجهد تنتظر عطاءه، هذا هو الانتظار الفعلي.

وبالتالي فالانتظار الفعلي هو مصداق الآية المباركة: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا هؤلاء هم المنتظرون ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ. هذا هو الانتظار الفعلي الذي يتشكل من عناصر ثلاثة: العنصر العقائدي ﴿آمَنُوا، لهم اعتقاد راسخ بمهدي آل محمد «عجل الله تعالى فرجه الشريف»، ثابتون على إمامته، صامدون على خطه، راسخون على نهجه، لا يرون لغير المهدي قيادةً، ولا يرون لغير المهدي إمرةً، ولا يرون لغير المهدي إمامةً، هو القائد الإمام المخلِّص «عجل الله تعالى فرجه الشريف». ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ: بنوا أنفسهم بناءً إيمانيًا تربويًا.

﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ، العنصر الثالث هو المسؤولية الاجتماعية، ليس الإيمان منحصرًا في المحراب، ولا في صلاة الليل، ولا في أن تتصدق على الفقراء، بل الإيمان أن تقوم بمسؤولية اجتماعية، مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ كل يوصي الآخر بالثبات على الحق، بتطبيق الحق، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ، المؤمنون، خصوصًا شيعة آل محمد، يمرون بآلام، بمحن، يمرون بألوان من الظلم والاضطهاد، لكنهم يحتاجون إلى التواصي، أن يوصي بعضهم بعضًا بالصبر والثبات على الحق، وألا يزل ولا ينحرف ولا يشط.

ولذلك، ذكرنا في الأسبوع الماضي أن على المؤمنين - خصوصًا في أيام الاحتفالات والمناسبات الدينية، كاحتفال ليلة النصف - أن يحققوا مسؤولية التواصي، لا ينبغي لأي إنسان أن يقول: لا شغل لي، وليست مسؤوليتي، ولا ربط لي بالناس! لا، مسؤوليتك إذا رأيت منكرًا في الطريق أو في الشارع أو في البيت أو في أي مكان أن تدفع هذا المنكر ولو بالتوصية، ولو بالكلمة الطيبة، ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، أما إذا كل إنسان منا قال: ما علاقتي بالناس؟! لماذا أنصح الناس؟! ما لي بالمشاكل؟! لا علاقة لي بالناس؟!.. إذن شغلك في ماذا؟! فقط في هذا البطن وفي هذه الراحة، وكل الناس لا شغل لك فيهم! هل شغلك أن تعمل وتستلم الراتب وترتاح مع عيالك؟! وهذا المجتمع وهذه المفاسد وهذه المنكرات كلها ليست شغلك، إذن هي شغل من؟! ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ.

إذا قال كل واحد منا: أنا ما شغلي بذلك؟! لماذا أدخل نفسي في كلام وقلق؟! إذا كان كل واحد منا هكذا فالنتيجة: ”لتأمرن بالمعروف، ولتنهن عن المنكر، أو يسلطن عليكم شراركم، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم“، أصحاب المنكرات يتمادون، وفي كل سنة تكون لهم خطط جديدة، وفي كل سنة تكون لهم مظاهر جديدة، إلى أن يسيطروا هم وينعزل المؤمنون؛ لأنهم لا يستطيعون أن يمارسوا إيمانهم بعد سيطرة أفعال المنكرات، وبعد سيطرة الأشرار على المجتمع.

إذن، العنصر الأول: الإيمان، والعنصر الثاني: عمل الصالحات، والعنصر الثالث: التواصي، المسؤولية الاجتماعية، هذه العناصر الثلاثة تشكّل معنى الانتظار الفعلي، وهذه العناصر الثلاثة مظهر لقوله: ”أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج“.

المحور الثالث: معنى الفرج في انتظار الفرج.

ورد في بعض الأحاديث الشريفة: ”الفرج في انتظار الفرج“، كيف يكون الفرج في انتظار الفرج؟ هذا الحديث يلتقي مع الكلمة المشهورة بين علماء العرفان: اللذة في ترك اللذة، ما معنى هذه الكلمة؟

عندما يقترب الإنسان من المعصية والعياذ بالله، عندما تشرف نفس الإنسان على المعصية أو على الرذيلة أو على إشباع الشهوة، وتستحكم عليه اللذة المادية، اللذة الحسية، فهنا إذا استطاع هذا الإنسان وهو في إطار الإشراف على المعصية، وهو في إطار الوقوع في الرذيلة، إذا استطاع هذا الإنسان أن يكون مثالًا لقوله عز وجل: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى، إذا استطاع أن ينهى النفس، ويقف حاجزًا أمامها، مع أنها مشرفة على المعصية، إلا أنه يقف حاجزًا ورادعًا لها، إذا استطاع ذلك فإن اعتصار الألم في قلبه، وشدة الحزن في نفسه وهو مقبل على المعصية ألمٌ لكنه لذةٌ، هذا الألم لذةٌ، والسر في كونه لذةً أن هذا الألم يفتح قلبك على الدعاء، يفتح قلبك على النافلة، يفتح قلبك على العبادة.

الإنسان الذي يتألم لأنه انزجر عن المعصية بشكل أوتوماتيكي ينفتح على أبواب الطاعة، ينفتح على الدعاء، ينفتح على النافلة، ينفتح على قراءة القرآن، ويدرك حينئذ أن اللذة في ترك اللذة، لذة انشراح الصدر، ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ، ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ، انشراح الصدر بمعنى إقباله على لذة الدعاء والإيمان والصلاة، فإن هذا الإقبال لذة نتيجة ترك اللذة، لذة روحية نتيجة ترك اللذة الحسية والمادية.

وبهذا المعنى - اللذة في ترك اللذة - يتضح معنى ”الفرج في انتظار الفرج“. هذا الإنسان المؤلم الذي يعتلج ألمًا وهو ينتظر قائده ورائده مهدي آل محمد «عجل الله تعالى فرجه الشريف»، يرى الآلام، المستضعفون المظلومون في شتى بقاع الدول الإسلامية، يراهم يعيشون تحت أمواج من ظلمات الظلم والجور، فيعتصر قلب المؤمن ألمًا، وينادي من صميم نفسه وأعماق قلبه: سيدي متى الفرج؟! متى تنتصر لهؤلاء المظلومين والمضطهدين والمحرومين؟! إن في هذا الاعتصار من الألم، وفي هذه الشدة من الحزن، التي يصحبها إيمان، وعمل صالح، ومسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إن في هذا الانتظار فرجًا لك، والفرج الذي تحصل عليه بذلك أن تكون من الأشخاص الذين تنعكس عليهم رحمة المهدي المنتظر.

إن المهدي لا يفرّط في أحبته، إن المهدي لا يغفل عن أحبته وأعزائه، إن المهدي لا ينسى من يقبلون عليه، إذا كنتَ فعلًا من المنتظرين له إيمانًا وعملًا وتواصيًا، إذا كنت فعلًا من المنشغلين به، تتصدق عنه، تصلي عنه، تأمر بمعروف، تنهى عن المنكر، تدافع عن عقيدته، تدافع عن مذهبه، أنت مشغول به ليلًا ونهارًا، إذا كنت فعلًا من المقبلين عليه فهو من المقبلين عليك، أنت ممن تشملك رحمته، وتشملك دعواتك، ويشملك مدده، ”وهب لنا رأفته ورحمته، ودعاءه وخيره“، والقرآن الكريم يخاطب جده المصطفى : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، ورحمة المصطفى في زماننا في رحمة الإمام المنتظر، فإن رحمة الإمام بنا هي رحمة جده المصطفى .

الإنسان المنتظِر هو إنسان يعيش لذة لا يعيشها غيرُه، الإنسان المنتظِر هو الإنسان الذي يشعر برحمة ومدد وعطاء من قِبَل المهدي المنتظر «عجل الله تعالى فرجه الشريف» بما لا يشعر به غيرُه أبدًا، ففي انتظار الفرج الفرج. وعندما تقوم الأمة بمسؤوليتها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن في هذا القيام بالمسؤولية فرجًا للأمة، من الشرور والآفات والرذائل والأمراض الخلقية والروحية، ففي انتظار الأمة له فرجٌ لها أيضًا، فرج لها من الآثام والمساوئ. إذن، في انتظار الفرج فرجٌ أيضًا.

الأبعاد العلوية لشخصية الأمير (ع)
مهرجاناتنا الدينية مظهر لحفظ النظام