نص الشريط
يوم الأربعين: الاصطفاء الإلهي للحوراء زينب
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مسجد الرسول الأعظم - مطرح
التاريخ: 20/2/1428 هـ
مرات العرض: 3324
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (1553)
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ

من آل إبراهيم المصطفين الأخيار آل محمد ومن المصطفين من آل محمد العقيلة الحوراء زينب، فإن زينب كانت من المصطفين، لأن الاصطفاء لا يختص بالأئمة، بل يشمل كل معصوم من أهل البيت، ولذلك نرى الإمام الحسين طبق آية الاصطفاء على علي الأكبر، لما برز علي الأكبر إلى المعركة وقف الحسين وقال: «اللهم اشهد عليهم أنه برز إليهم غلام أشبه الناس بنبيك، وكلما اشتقنا لرؤية نبيك نظرنا إليه» ثم تلا هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ فاعتبر الإمام الحسين ولده علي الأكبر مصطفى من المصطفين الأخيار مع أنه لم يكن إماما.

إذن الاصطفاء يشمل كل من حبي بالطهارة والعصمة من أهل البيت ومن جملة هؤلاء ومن أبرزهم العقيلة الحوراء بطلة كربلاء السيدة زينب عندما نتحدث عن هذه الشخصية العملاقة، السيدة زينب التي اقترن اسمها باسم الحسين، وصوتها بصوت الحسين نتحدث عن ثلاث صفحات:

صفحة العصمة:

كما يذكر علماؤنا في كتبهم الكلامية أن العصمة نوعان: عصمة اقتضائية، وعصمة فعلية.

العصمة الاقتضائية: هي نوع من العلم، بمعنى أن المعصوم تنكشف له أسرار الأفعال، وتنكشف له أخطار المعاصي، وتنكشف له الآثار المترتبة على الطاعات، العصمة الاقتضائية نوع من الانكشاف، انكشاف يقتضي امتناع المعصوم عن المعصية وعن الرذيلة، والمواظبة على الطاعة والامتثال والانقياد، نظير الإنسان العادي هو معصوم عن شرب الدم، أو شرب البول، أو شرب الأوساخ، لأنه انكشف له أضرار هذه الأشياء، فهو معصوم عن شربها، بمعنى أنه يمتنع عن شربها بإرادته واختياره، لأنه انكشف له ضررها وخطرها، المعصوم يرى المعاصي كما نرى نحن القاذورات، كالدم، والبول، وأمثال ذلك، كما أننا نرى هذه القذارات ونشمئز منها لأن أضرارها واضحة أمامنا فنمتنع بإرادتنا واختيارنا عن تناولها، فإن المعصوم يرى المعاصي كما نرى القذارات والأوساخ، فيمتنع عنها بإرادته واختياره.

العصمة الفعلية: هي عبارة عن سيطرة العقل على تصرفات الإنسان، فالعصمة الفعلية ترجع إلى عامل اختياري، عامل بشري، كما يحدث إذا دخل الإنسان إلى قاعة الامتحان وجلس هناك لمدة ساعتين يمتحن، ترى أن عقله يسيطر على معلوماته، ترى هذا الإنسان يجلس في قاعة الامتحان لا يخطئ، يجلس لمدة ساعتين يكتب المعلومات بدقة واتقان، لأن عقله مسيطر على تصرفاته، ومعلوماته، نتيجة سيطرة العقل على المعلومات لا يخطئ هذا الإنسان في تسجيل المعلومات وفي تحليلها وفي تطبيقها على مواردها، مثل الطبيب في العملية الجراحية، أحيانا يجري الطبيب عملية جراحية لمدة خمس ساعات، أو ست ساعات بدقة واتقان ونجاح 100% هذا الطبيب يسيطر عقله على حركاته وتصرفاته لمدة خمس ساعات، أو ست ساعات فلا يخطئ في العملية الجراحية أبدا، هنا العصمة هي عصمة بشرية فعلية، بمعنى سيطرة العقل على تصرفات الإنسان.

هؤلاء المعصومون من غير الأئمة الطاهرين مثل العقيلة زينب، العباس ابن علي، على الأكبر، معصومون بالعصمة الفعلية، هؤلاء كان لعقولهم حضور، وهيمنة، وسيطرة، عقولهم تسيطر على تصرفاتهم وحركاتهم وسكناتهم نتيجة حضور العقل وسيطرته، هذا الإنسان ليس بإمام لكن نتيجة سيطرة العقل وهيمنته تراه لا يخطئ، لا يعصي، لا يرتكب الرذيلة، فهو بشر لكنه وصل إلى درجة العصمة الفعلية، لأنه وصل إلى درجة سيطرة العقل على التصرفات والتحركات كلها.

إذن العقيلة زينب كما يظهر من الروايات كانت طاهرة معصومة بهذا النوع من العصمة الذي نسميه بالعصمة الفعلية.

صفحة العلم:

زين العابدين يخاطب العقيلة زينب يقول: «عمة، أنت بحمد الله عالمة غير معلمة، وفاهمة غير مفهمة» هذا الكلام صادر من إمام يعرف الأشخاص ومستوى درجاتهم العلمية، ما قاله الإمام زين العابدين لأحد غير زينب «أنت بحمد الله عالمة غير معلمة، وفاهمة غير مفهمة».

العلم ينقسم إلى قسمين: علم اكتسابي، وعلم لدني

العلم الاكتسابي: هو ما يستقيه الإنسان من شخص آخر.

العلم اللدني: هو المعلومات التي يلهم بها قلب الإنسان من قبل الله تبارك وتعالى، كما ذكر القرآن في شأن أم موسى ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ أم موسى لم تكن إمام، ولم تكن امرأة معصومة، لكنها رزقت علما إلهاميا، لدنيا.

أيضا الإمام علي يخبر عن هاذين النوعين من العلم: علم اكتسابي، وعلم لدني، يقول: ”علمني رسول الله ألف باب من العلم، في كل باب يفتح لي ألف باب“

”علمني“ هذا علم اكتسابي ”يفتح لي“ هذا علم لدني، فهو جمع بين العلمين، هناك علم اكتسابي ”علمني ألف باب من العلم“

أنا   مدينة   العلم  وعلي  iiبابها
إنما    المصطفى   مدينة   iiعلم
  فمن أراد المدينة فليأتها من بابها
وهو    الباب   من   أتاه   أتاها

ولكن من هذه العلوم الاكتسابية لدي علم لدني ”يفتح لي من كل باب ألف باب“

السيدة العقيلة زينب بطلة كربلاء كانت موئلا ومعدنا للعلم اللدني، أنت بحمد الله معلمة بالعلم اللدني، عالمة غير معلمة، وفاهمة غير مفهمة، ولذلك كانت هي مطلعة على مسيرة الأحداث، ونتائجها من أولها إلى آخرها، نتيجة لعلمها اللدني .

صفحة العظمة:

أي عظمة تجسدت في شخصية بطلة كربلاء العقيلة الحوراء زينب عظمة لا حد لها، ولا وصف لها، عظمة يعجز اللسان أن يحدد ذرة منها.

هناك خلط من بعض القراء بين زينب الصغرى المكناة بأم كلثوم، وبين زينب العقيلة الكبرى وهي زوجة عبد الله ابن جعفر، والمشهورة بالعقيلة، والمدفونة بأرض الشام على أشهر الروايات، وزينب الصغرى المكناة بأم كلثوم زوجة مسلم ابن عقيل، وهي على بعض الروايات مدفونة بأرض مصر، فهناك زينب الكبرى، وهناك زينب الصغرى، وأحيانا يحصل خلط بين الزينبين، كثير من روايات المصيبة هي تعني زينب الصغرى، ولا تعني زينب الكبرى، كما ذكر الشيخ جعفر التستري في كتابه الخصائص الحسينية، وهو من الفقهاء المعروفين، قال: هناك خلط بين زينب الكبرى، وزينب الصغرى، في كلمات المؤرخين، أو كلمات القراء.

مثلا: زينب التي بكت ليلة العاشر وولولت ومسح الحسين على صدرها، وقالت: أخي ردنا إلى وطن جدنا، قال: «هيهات لو ترك القطا لغفا ونام» هذه زينب الصغرى، وإلا زينب الكبرى كانت عالمة بالموضوع، عارفة بالمسيرة كلها، أولها وآخرها، وما صدر منها شيء في هذا المجال.

مثلا: في يوم العاشر، زينب التي جلست عند جسد الحسين وقت مصرعه هي زينب الصغرى، وأما زينب الكبرى فما خرجت من الخيام، لأنها كانت هي المسؤول عن الإمام السجاد، عن الأيتام، عن الأطفال، كانت المسؤول الأول عن العائلة كلها، وما خرجت من الخيمة حتى أخبرها الإمام زين العابدين بالمصيبة، فخرجت ونطقت بذلك الكلام العظيم حول جسد الحسين .

كذلك الرواية التي تقول بأن زينب نطحت بجبينها مقدم المحمل - إذا صحت الرواية - المقصود بها زينب الصغرى، إذن هناك أحيانا خلط بين زينب الصغرى، وزينب العقيلة.

زينب العقيلة معدن العظمة، والصفحة المشرقة بالجلال والجمال والكمال، زينب العقيلة عظمتها في أنها شريكة الحسين، في أن الحسين حملها مسؤولية يوم كربلاء، في أن الحسين اعتبرها امتدادا له، كما حصل في زمن الإمام العسكري، والإمام الهادي، اعتبروا حكيمة بنت الإمام الجواد بابا للشيعة، المسلمون ما كان يمكنهم في زمن الإمام الهادي والعسكري الرجوع للأئمة للظروف الأمنية، وظروف التقية، فالأئمة أرجعوا الشيعة والمسلمين إلى امرأة وهي حكيمة بنت الإمام الجواد، لأنها كانت عالمة، فقيهة، مطلعة على التشريع وأسراره، فأرجع الإمامان المسلمين والشيعة في ذلك الزمان إلى حكيمة مع أنها امرأة، لكن المرأة قد تفوق ملايين الرجال في عظمتها إذا اتسمت بالكفاءة والجدارة.

الحسين أرجع المسلمين إلى أخته العقيلة زينب حفاظا على الإمام السجاد فكانت مرجعا وملاذا لهم، يرجع إليها في بيان الأحكام، الإمام الحسين ما جعل لها هذا المنصب وهذا الموقع اعتباطا، بل لأن هناك مظاهر لعظمة العقيلة زينب:

الرصيد السياسي:

كانت واعية للأحداث منذ وفاة جدها رسول الله وعمرها ثلاث سنوات إلى يوم مقتل أخيها الحسين، واعية لتسلسل الأحداث وأهداف هذه المسيرة، والدليل على وعيها السياسي أنها لما قتل الحسين خرجت من الخيمة، ما أعولت ولا ولولت، ولم يصدر منها أي نوع من أنواع الهوان أو الانكسار أبدا، يقول حميد ابن مسلم: خرجت تجر أذيالها خفرا وصونا، ولم نكن نعرفها، فقيل: هذه ابنة علي وفاطمة، وصلت إلى الجسد الشريف، مدت يديها من تحت الجسد ورفعته إلى السماء، وقالت: «اللهم تقبل منا هذا القربان» واعية، تعرف أن أهداف الثورة هي الله عز وجل، واعية لأهداف الثورة، وأهداف الحركة، هدف ثورة الحسين إعلاء كلمة الله، وإبقاء دين الله حيا جديدا فاعلا، وربط الأمة بدينها «اللهم تقبل منا هذا القربان» لأنه سفك دمه في سبيلك، كانت تردد كلمات أخيها الحسين «تركت الخلق طرا في هواك، وأيتمت العيال لكي أراك».

الرصيد الروحي:

لم تكن السيدة زينب قلقة أو خائفة، كانت مطمئنة رابطة الجأش، تمر عليها النوائب والمصائب المفجعة والكوارث، وهي لا تتزلزل، ولا تقلق، ولا تهتز أبدا، رابطة الجأش، قوية الإرادة، تملك صمودا حديديا لا تملكه الجبال، دخلت على ابن زياد، فلما رآها ابن زياد وعرفها أراد أن يثيرها، أراد أن يحرك فيها الأشجان، أراد أن يقول لها أنت أنثى، والأنثى عاطفية، تعول وتولول وتنهار، لكنها أثبتت له أنها وإن كانت أنثى لكنها أعظم من الجبال في قوة إرادتها وصبرها.

قال لها ابن زياد: أرأيت صنع الله بأخيك والعتاة المردة من أهل بيتك، قالت: ما رأيت إلا جميلا، هؤلاء قوم كتب عليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم، فتحاج وتخاصم، فانظر لمن الفلج يومئذ، أما سمعت قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ قال لها: لقد خرج من الدين أبوك، وأخوك، قالت: بدين أبي وجدي اهتديت، أنت وأبوك إن كنت مسلما، قال لها: الحمد لله الذي فضحكم، وكذب أحدوثتكم، ونصر الأمير عليكم، قالت: إنما يفتضح الفاسق، ويكذب الفاجر، وهو غيرنا نحن أهل بيت النبوة، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة.

امرأة أمام سلطان جائر، أمام شخص يبطش بكل إنسان، يحوله إلى مشنقة الإعدام، لكنها لم تبال بشيء من سلطانه أو جبروته أو كبريائه، تحدت كل كلامه بصوت هادئ، بقوة إرادة، باطمئنان، بثبات، لتحكي لنا أنها مصداق لقوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً كانت مصداق لقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ارتباطها بربها جعلها مطمئنة، هادئة، لذلك كان الإمام الحسين يوصيها فيقول: «أخية زينب، ولا تنسيني من نافلة الليل» لأنه يعرف حبها للنافلة، حبها للصلاة، علاقتها بالله، وارتباطها بالله، فأوصاها، قال: «أخية زينب، ولا تنسيني من نافلة الليل».

الرصيد الثوري:

امرأة ثائرة بكل معنى الكلمة، حرارة الثورة تتفجر من جوانبها، ما كانت تعرف الاستكانة، ولا الخذلان، ولا التراجع، ولا الانهيار أبدا، كانت تتكلم بكل ثقة، أدخلوها على يزيد ابن معاوية والحبل في عنقها، وجروها وأوقفوها بين يدي يزيد إهانة وإذلالا لها، تصور امرأة فقد أولادها يوم كربلاء، فقدت إخوتها، فقدت عشيرتها كلهم، حملت المسؤولية، عشرين يوما هي تتحمل مسؤولية الأطفال من بلد إلى بلد، تسبى بأعنف صور السبي والإذلال، تضرب، ترفس، يعتدى عليها، ومع ذلك ما وهنت، ولا ضعفت، ولا استكانت، ولا انهارت، إلى أن أدخلوها على يزيد ابن معاوية، وتعمد إذلالها، وإهانتها، تعمد أن يكسر قلبها، لكنها وقفت أمامه، وبمجرد أن استقر المجلس، وأصبح يزيد يتبختر بأنه انتصر على الحسين التفتت إليه أمام الجماهير المحتشدة، قالت: أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض، وآفاق السما، أن بك على الله كرامة، وبنا عليه هوانة، فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك جذلان مسرورا، حيث رأيت الدنيا لك مستوسقة، والأمور متسقة، فمهلا مهلا، لا تطش جهلا، أما سمعت قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، وإن رأيك إلا فند، وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد، يوم ينادي المنادي: ألا لعنة الله على القوم الظالمين.

فجرت قنبلة في مجلس يزيد ابن معاوية، هذه المرأة هي ابنة علي وفاطمة، هذه علي وفاطمة، صورة أخرى عن علي وفاطمة، تحمل بطولة علي، وقوة إرادته، وتحمل روح التضحية والبذل من أمها فاطمة الزهراء جمعت بين النورين، نور علي، ونور فاطمة.

من هنا يتبين لنا لماذا أخذها الحسين معه إلى كربلاء، من هنا يتبين لنا السر في قول الحسين: «شاء الله أن يراني قتيلا، وأن يرى النساء سبايا، من هنا يتبين لنا ما معنى أن زينب شريكة الحسين، الحسين قضى، لكن ثورة الحسين كانت تحتاج إلى وسيلة إعلامية قوية، أكبر وسيلة إعلامية امتلكها الحسين هي العقيلة زينب، لسان زينب، صوت زينب، أكبر وسيلة إعلامية نشرت مظلومية الحسين وثورته وأهدافه، لسان زينب وصوتها، فهي من جهة عندما وقفت تتحدى يزيد ابن معاوية أثبتت للأجيال أن الحسين لم يمت، لأن خطه ما زال باقيا في أخته زينب، الحسين كان إرادة، ثورة، انتفاضة، وهذه العناوين كلها بقيت ولم تمت، تجسدت في أخته العقيلة زينب.

إذن فزينب احتفظت بخط الحسين، وإرادته، فزينب امتداد للحسين، العقيلة زينب كانت وسيلة إعلامية تبرهن للأجيال أن الحسين لم ينكسر، أن الحسين لم يمت ما دامت الحركة الثورية موجودة عند العقيلة زينب، وبرهنت للأجيال ظلم يزيد، فوقفت بكل إجلال وقالت: أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك، وإماءك، وسوقك بنات رسول الله سبايا على ظهور المطايا، قد أبديت وجوههن، وهتكت ستورهن، تساق كما تساق العبيد من بلد إلى بلد، يستشرفهن القريب والبعيد، والدنيء والشريف، حيث لا من حماتهن حمي، ولا من ولاتهن ولي، كشفت ما كان يكنه يزيد، كشفت زيف الخلافة الأموية، والسلطة الأموية آنذاك.

العقيلة زينب بهذا الكلام تعلم المرأة المسلمة، والفتاة المسلمة مدى أهمية الحجاب، العقيلة زينب لم يهتك شعرها، كشف الحجاب عن وجهها، لكنها اعتبرت ذلك هتكا لسترها، واعتبرت ذلك اعتداء عليها، العقيلة زينب تبرهن للأمة، للمرأة والفتاة المسلمة أن عليها أن تتحفظ على حجابها، أن الحجاب ليس شكلا، الحجاب ليس مجرد عباءة، الحجاب وقار، عفاف، حياء، لا يكفي أن تلبس العباءة وهي لا تتوقف عن أن تتحدث مع الرجال بحديث مفصل يملأه الضحك والقهقهة، والاقتراب من دون مبالاة، لا يكفي الحجاب وهي تذهب إلى كل مكان، وتسافر إلى كل مكان وحدها بدون أن يكون هناك رقيب أو حفيظ عليها، هذا ليس حجابا حقيقيا، الحجاب الحقيقي هو العفة، الحياء، أن تعرف المرأة أنها قطعة من الحياء والعفاف، هناك جسور وفواصل بينها وبين الانخراط مع الرجال، وبين أن تسافر في كل مكان وحدها، هذا أمر بعيد عن حقيقة الحجاب، الحجاب ليس شكلا وصورة، زينب العقيلة تؤكد على أن الحجاب هو الالتزام باللباس الفضفاض الذي يستر البدن كله، وأن الحجاب معنى عملي وهو عبارة عن الحياء والعفة والوقار.

الرصيد الإثاري:

كان للسيدة زينب مواقف مثيرة، وكانت تصنعها بهدف أن تحرك الواقعة، واقعة الحسين ليست مجرد فكر، وليست مجرد ثقافة، ولكن مع هذه الثقافة وهذا الفكر لهيب عاطفي ووجداني، غليان قلبي، كانت العقيلة زينب تضم إلى ذلك كله اللهيب القلبي، العاطفي، كانت تستخدم بعض المواقف المثيرة حتى تربط الخط الفكري بالخط العاطفي، واللهيب الوجداني بالثقافة الفكرية، رصيدها الإثاري كان رصيدا كبيرا.

مساءً: أربعين الإمام الحسين (ع)
وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً