نص الشريط
بيعة الغدير
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مسجد الإمام علي (ع) بالقطيف
التاريخ: 18/12/1420 هـ
تعريف: محاضرات الجمعة 4 بتاريخ 18/12/1420 هـ
مرات العرض: 5106
المدة: 00:36:16
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (1355) حجم الملف: 6.23 MB
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ[1] 

صدق الله العلي العظيم

يوم الغدير - كما عبرت عنه النصوص الشريفة - هو يوم البيعة ويوم الميثاق، اليوم الذي بايع فيه المسلمون أمير المؤمنين عليًا وليًا على الأمة الإسلامية وخليفة للرسول الأعظم ، بما أنّ يوم الغدير هو يوم البيعة فحديثنا فعلاً عن البيعة، حديثنا عن البيعة في ثلاث نقاط:

  • النقطة الأولى: في ضرورة البيعة.
  • والنقطة الثانية: في المدلول العقائدي للبيعة.
  • والنقطة الثالثة: في المدلول الاجتماعي للبيعة.

نتكلم فعلاً عن النقطة الأولى:

هناك سؤال لم أجد مَنْ بحث عن هذا السؤال في الكتب المعنية بقضيّة يوم الغدير، السؤال المطروح: ما هي الحاجة إلى بيعة الإمام علي ؟! أليست إمامة الإمام أمير المؤمنين منصبًا إلهيًا؟! إذا كانت الإمامة منصبًا إلهيًا وليست انتخابًا بشريًا فلماذا أخذ الرسول البيعة؟! البيعة من الناس ماذا تعني بعد أن كانت إمامة الإمام علي منصبًا جعليًا ومنصبًا سماويًا ومنصبًا إلهيًا؟! المنصب الإلهي لا يتوقف على بيعة البشر، المنصب الإلهي وظيفة الرسول أن يبلغه للأمة، الرسول بلغ الأمة أن عليًا منصوبٌ من قِبَلِ الله وليًا على المسلمين: ”ألست أولى بكم من أنفسكم“ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ”فمن كنتُ مولاه فهذا علي مولاه، اللهم والي من والاه، وعادي من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه أينما دار“، إذن عليٌ نُصِبَ من قِبَلِ الله فلماذا البيعة؟! بايع الناس أو لم يبايعوا هو منصوبٌ من قِبَلِ الله، ما هو الهدف من أخذ البيعة من الناس مع أنّ الإمامة والولاية منصبٌ إلهي «منصبٌ تعيّنه السّماء»؟! نعم لو قلنا بأنّ الولاية منصبٌ بشريٌ «الناس يختارون الولي، الناس ينتخبون ولي الأمر» فحينئذٍ تتوقف هذه الولاية على ماذا؟! على البيعة، تأتي الناس، تنتخب شخصًا، تبايعه على أنّه ولي الأمر وقائد المجتمع، أمّا إذا كانت الولاية أمرًا يجعله الله تبارك وتعالى ومنصبًا يختاره الله تبارك وتعالى فبيعة الناس لاغية لا قيمة لها! بايعت الناس أو لم تبايع هذا الشخص منصوبٌ من قِبَلِ الله إمامًا ووليًا، ولذلك لم نجد إمامًا من أئمة أهل البيت أخذ البيعة من الناس، الأئمة من أهل البيت منذ زين العابدين وحتى الإمام العسكري لم نجد إمامًا من هؤلاء قال للناس: «بايعوني أولاً حتى تنفذ عليكم ولايتي»! لم نجد إمامًا من أئمة أهل البيت من الإمام زين العابدين وحتى الإمام الحسن العسكري تصدّى للبيعة أو أخذ البيعة على الأقل من شيعته، أخذ البيعة له أن يبايعوه إمامًا، لم نجد إمامًا فعل هذا الفعل ممّا يدلّ على أنّ الإمامة أمرٌ لا ربط له بالبيعة، بايعت الناس أو لم تبايع الناس ملزمة بإطاعة هذا الإمام وتنفيذ أوامره لأنه منصوبٌ من قِبَلِ الله تبارك وتعالى، فالبيعة لا دخالة لها في مسألة الإمامة، إذن لماذا الرسول .. ما هو الهدف الذي من خلاله فرض رسول الله البيعة يوم الغدير وطالب المتجمهرين في ذلك اليوم 120 ألف أن يبايعوا عليًا بالإمامة مع أنّ عليًا منصوبٌ من قِبَلِ الله ولا يحتاج إلى بيعة الناس ولا إلى بيعة الجمهور؟

الجواب عن هذا السؤال بالنقد والحل «الجواب النقدي، والجواب الحلي»:

1 - أمّا الجواب النقدي: فمّما لاشكّ فيه بين المسلمين وقد نطق به القرآن الكريم أنّ الرسول بويع أيضًا بيعتين، نفس الرسول بويع بيعة الرضوان وبيعة العقبة، نفس الرسول بويع من قِبَلِ المسلمين بيعتين، لذلك نحن نقرأ في زيارة الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه: ”السلام على من بايع البيعتين وهاجر الهجرتين“ بايع بيعتين: بيعة الرضوان، وبيعة العقبة، القرآن الكريم يتحدث عن هذه البيعة: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [2] ، وقال القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ... فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ [3] ، الرسول بويع من قِبَلِ المسلمين، يعني طالب الرسول الأمة أن تبايعه، لماذا؟! لاحظ هذه الآية: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ [4] ، عدم الشرك واجبٌ إلهيٌ لا يحتاج إلى البيعة، يجب على الإنسان ألا يشرك، لماذا يبايع الرسول على ألا يشرك؟! لماذا؟! يجب على الإنسان ألا يسرق، يجب على الإنسان ألا يزني، «عدم الشرك، عدم السرقة، عدم الزنا» واجباتٌ إلهية رضي الإنسان بها أو لم يرضَ، بايع أو لم يبايع يجب عليه ألا يشرك وألا يسرق وألا يزني، إذن لماذا الرسول طالب بأن يبايعوه على ألا يشركوا، على ألا يزنوا، على ألا يسرقوا، على ألا يفعلوا ما حرّم الله؟! لماذا؟! لماذا البيعة طلبها النبي من المسلمين؟! إذن فالسؤال المطروح على بيعة الغدير يتعدّى أيضًا إلى بيعة الرضوان وبيعة العقبة، لماذا الرسول طالب المسلمين في العقبة وطالب المسلمين ببيعة الرضوان مع أنّها أوامر إلهية لا تتوقف على البيعة؟!

2 - الجواب الحلي لذلك:

البيعة عقدٌ عقلائيٌ، والإسلام أمضى العقود العقلائيّة بعضها وخطّأ البعض الآخر بهدف التوصّل إلى «المُلْزِم العقلائي»، أشرح لك هذا المعنى، مثلاً: قبل مجيء الإسلام يوجد عقدٌ عقلائيٌ يسمّى عقد البيع «بيع وشراء»، الإنسان يبيع شخصًا آخر داره أو أرضه فتنتقل الدار من ملك البائع إلى ملك المشتري، هذا عقدٌ عقلائيٌ، قبل الإسلام أيضًا كان يوجد عقد الربا، يقرض الإنسانُ إنسانًا آخر مئة على أن يعطيه مئة وعشرين بعد حلول الأجل، الإسلام قال: ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [5]  يعني العقد العقلائي الأول أمضاه والعقد العقلائي خطّأه ومنع منه، بعض العقود العقلائيّة قبلها الإسلام وأمضاها كعقد البيع وكعقد الهبة، بعض العقود العقلائيّة منع منها الإسلام ورفضها باعتبار ترتّب المفاسد الاجتماعيّة أو الاقتصاديّة عليها، عقدٌ عقلائيٌ من قبل الإسلام، يعني قبل أن يجيء الإسلام كانت سيرة العقلاء وبناء العقلاء على أنّ الناس إذا رضوا بحاكم معيّن وُجِدَ بينهم حاكمٌ مرضيٌ يبايعونه على الطاعة وإخلاص النصيحة، بيعة الحاكم عقدٌ وميثاقٌ عقلائيٌ سبق الإسلام، قبل أن يجيء الإسلام كان العقلاء على هذا الميثاق وعلى هذا العقد، يبايعون حاكمهم المرضي على الطاعة وعلى إخلاص النصيحة، هذا العقد كان سابقًا على مجيء الإسلام، الإسلام أمضى عقد البيعة، رضي بهذا العقد واعتبره عقدًا صحيحًا وطلب به النبيُ في بيعة الرضوان وفي بيعة العقبة، لماذا؟

بهدف التوصّل إلى «المُلْزِم العقلائي»، يعني كما يُوجَد ملزمٌ شرعيٌ هناك ملزمٌ عقلائيٌ، أضرب لك مثالاً، مثلاً: عقد الذمّة، لاحظ الآن لو وُجِدَ أهل الكتاب «مسيحيون أو يهود» في الدّولة الإسلاميّة، إذا وُجِدَ أهل الكتاب في الدّولة الإسلاميّة الحاكم الإسلامي يعقد معهم عقد الذمّة، يقول لهم: أنتم من أهل الكتاب ولستم من المسلمين، أنتم من اليهود أو من المسيحيين، تجلسون في بلادنا لكم سائر الحقوق ولكن نعقد بيننا وبينكم عقدًا يسمّى بعقد الذمة على أن: لا تحاربوا، على أن: لا تنتهكوا القوانين، على أن: لا تفسدوا عقائد المسلمين.. عقد الذمّة يجري بين الحاكم وبين أهل الكتاب، طيّب هذا عقد الذمّة ما هو الملزم به؟! لو قال أهلُ الكتاب: نحن لا نعترف بشرعيّة حكومتك حتى نعقد معك هذا العقد، نحن أساسًا لا نعترف بشرعيّة هذه الحكومة لأننا أهل كتابٍ ولا نعترف بشرعيّة حكومةٍ إسلاميّةٍ، فلماذا نعقد مع الحكومة الإسلاميّة عقدًا؟! نحن أساسًا لا نعترف بشرعيّة هذه الحكومة فكيف نعقد معها عقد الذمّة؟! يقولون: الملزم العقلائي يفرض عليكم هذا العقد، بما أنّ عقد الذمّة عقدٌ عقلائيٌ فمن خلال هذا الميثاق العقلائي إذا أنتم أضربتم هذا الميثاق العقلائي، إذا أنتم أنفذتم هذا الميثاق العقلائي العقلاء يلزمونكم بتنفيذ هذا الميثاق، فهناك ملزمٌ عقلائيٌ وإن لم يكن هناك ملزمٌ شرعيٌ، هؤلاء يقولون: نحن أصلاً لا نعترف بشرعيّة هذه الحكومة، نقول: نعم أنتم لا تعترفون بشرعيّة الحكومة الإسلاميّة، فلا ملزم شرعي، ولكن هناك ملزمٌ عقلائيٌ؛ لأنكم تعترفون بأنّ عقد الذمّة عقدٌ عقلائيٌ والعقد العقلائي ملزمٌ عند العقلاء فيجب عليكم أن تلتزموا بهذا العقد وإلا تكونون محلّ توبيخ ومحلّ لوم عند المجتمع العقلائي.

إذن عقد البيعة عقدٌ عقلائيٌ، الرسول الأعظم في بيعة الرضوان وفي بيعة العقبة جمع المسلمين: بايعوني على ألا تشركوا، بايعوني على ألا تزنوا، بايعوني على ألا تسرقوا، بايعوني على ألا تفعلوا ما حرّم الله.. لماذا؟! يريد أن يقول لهم: فلو أنّ إنسانًا منكم انحرف أو قال: «أنا بطّلت عن الإسلام وأنا لا أريد أن أكون مسلمًا» عقد البيعة يلزمه لأنّه عقدٌ عقلائيٌ، فلو فرّ من الملزم الشرعي أتاه الملزم العقلائي، إذن لكي يحرز الإلزامَ ، لكيلا يفرّ هذا الإنسان إمّا أنّه يُقْبَض بالملزم الشرعي أو أنّه يُقْبَض بالملزم العقلائي، لو قال إنسانٌ: «أنا بطلت عن الإسلام، أصلاً لا أريد الإسلام، فلماذا لا أشرك؟! فلماذا لا أزني؟! فلماذا لا أسرق؟!» يقال له: «أنت التزمت بميثاق عقلائي فتُلْزَم عند العقلاء بحذافير هذا الميثاق وبقوانين هذا الميثاق»، إذن من أجل التوصّل إلى «المُلْزِم العقلائي» أخذ الرسولُ البيعة من المسلمين.

نفس القضية صنعها النبي يوم الغدير، الرسول جمع المسلمين يوم الغدير، قال: هذا عليٌ وليٌ من قِبَلِ الله تبارك وتعالى فيجب عليكم طاعته وتنفيذ أوامره ”من كنتُ مولاه فهذا عليٌ مولاه“، ربّما شخصٌ بعد هذه الفترة يقول: لا، أنا لا أعترف بشرعية بيعة علي ولا أعترف بشرعية هذه الإمامة، لعلّ هذه الإمامة جاءت من قِبَلِ النبي وليست من قِبَلِ الله عزّ وجلّ! لعلها ترشيحٌ شخصيٌ من قِبَلِ النبي باعتبار أنّ عليًا زوج ابنته وابن عمّه وأقرب الناس إليه! لعلّ هذا ترشيحٌ شخصيٌ! لعلّ هذا انتخابٌ بشريٌ من قِبَلِ النبي ! لعلّ هذا ليس من قِبَلِ الله تبارك وتعالى فأنا لا ألتزم به لأنّه ليس من قِبَلِ الله! الرسول يلزمه، يقول: أنت ألزمت نفسك بالبيعة، والبيعة عقدٌ عقلائيٌ، فحتى لو تنازلت وقلت: هذا ليس من السّماء، مع ذلك أنت ملزمٌ بإمامة علي بمقتضى العقد العقلائي والميثاق العقلائي ألا وهو عقد البيعة.

إذن الرسول أخذ البيعة من المسلمين لأجل إلزامهم بولاية علي بملزمين:

1. ملزمٌ شرعيٌ: باعتبار أنّ عليًا وليٌ من قِبَلِ الله.

2. وملزمٌ عقلائيٌ: باعتبار عقد البيعة.

حتى لا يفرّ أحدٌ ولا يتنصل أحدٌ ولا يقول أحدٌ: لا! أنا لا أؤمن! لا أسلّم! لا أعترف!.. أنت بما أنك بايعت عقد البيعة عقدٌ يلزمك بأن تلتزم بحذافيره وتخضع لولاية علي ، هذه هي الحاجة لعقد البيعة.

النقطة الثانية: المدلول العقائدي لعقد البيعة.

البيعة لم تجب على من عاش في زمن رسول الله فقط، لا، البيعة بيعة علي بالإمامة وولاية الأمر واجبة على كلّ مسلم منذ ذلك اليوم وإلى يوم القيامة، بيعة واجبة على جميع المسلمين، لا تختصّ بمن حضر يوم الغدير ولا تختص بمن عاصر زمن النبي محمدٍ ، فالبيعة واجبة على كلّ مسلم إلى يوم القيامة، وربّما يسأل الإنسان: كيف نبايع عليًا هذا اليوم؟ الآن نحن اليوم نحتفل بعيد الغدير، كيف نبايع عليًا في هذا اليوم؟! نقوم نسلّم على من؟! نبايع من؟! كيف نبايع عليًا في هذا اليوم وهو يوم الغدير حتى نلتزم بالبيعة التي أوجبها النبي على جميع المسلمين منذ ذلك اليوم إلى يوم القيامة؟! كيف نبايع؟!

البيعة لا تختص بيوم الغدير، بدأت يوم الغدير لا أنّ وقتها يوم الغدير، بيعة علي ليس وقتها يوم الغدير، بدأت البيعة يوم الغدير، يوم الغدير كان هو البداية، كان هو المنطلق، وإلا فالبيعة واجبة في كلّ يوم، وفي كلّ حين، يجب على كلّ مسلم بيعة علي كلّ حين وكلّ يوم، وإن كانت بدأت هذه البيعة يوم الغدير لا أنّ وقتها يوم الغدير بحيث أنا في غير يوم الغدير لا أبايع وفي يوم الغدير أبايع! لا، البيعة واجبة في كلّ حين وفي كلّ وقت وفي كلّ يوم، إذن كيف نبايع عليًا كلّ حين وكلّ وقت وكلّ يوم؟!

هناك مظاهر متعدّدة للبيعة، لإبراز عقد البيعة، من المظاهر لعقد البيعة قول: «أشهد أنّ عليًا وليّ الله» في الأذان والإقامة، هذا من مظاهر البيعة، الإنسان الذي يريد أن يُبْرِز أنّه بايع عليًا بالإمامة، الإنسان الذي يريد أن يُبْرِز أنّه بايع عليًا بالولاية من مظاهر البيعة.. لا أقول ينحصر في هذا المظهر، هذا من المظاهر، من المظاهر التي تتحدث عن بيعتك لعلي أنت تقف إلى الصلاة فتؤذن وتقيم تقول في أذانك وإقامتك: «أشهد أنّ عليًا وليّ الله» أو «أشهد أن عليًا أمير المؤمنين»، هذه الشهادة مُبْرِزٌ لعقد البيعة ومظهرٌ لعقد البيعة، الشيعة الإماميّة لماذا تلتزم بهذه الشهادة في الأذان والإقامة؟!

نحن لا نعتقد بأنّ الشهادة الثالثة جزءٌ من الأذان، ولا نعتقد بأنّ الشهادة الثالثة من المستحبات الخاصة «يعني: من المستحبات في الأذان»، لا، لا نعتقد بهذا ولا نعتقد بهذا، من أتى بالشهادة الثالثة في الأذان بقصد الجزئيّة ملتفتًا إلى أنّها ليست جزءًا فقد ارتكب تشريعًا محرمًا، هذا تشريعٌ محرمٌ، لا يجوز للإنسان أن يأتي بالشهادة الثالثة في الأذان بقصد أنّها جزءٌ من الأذان، هذا تشريعٌ محرمٌ، من أتى بالشهادة الثالثة في الأذان بقصد أنّها مستحبٌ خاصٌ «يعني: من مستحبات خصوص الأذان» هذا أيضًا تشريعٌ محرمٌ إذا كان ملتفتًا إلى عدم الاستحباب الخاص، تشريعٌ محرمٌ مأثومٌ عليه، الشهادة الثالثة مستحبٌ عامٌ لا مستحبٌ خاصٌ، يعني: ممّا ينبغي للإنسان وممّا يستحبّ للإنسان في كلّ وقت وفي كلّ حين لا خصوص الأذان، في كلّ وقت وفي كلّ حين أن يجدّد عقد البيعة وأن يُبْرِزَ بيعته لعلي بالإمامة والولاية بأن يقول: «أشهد أنّ عليًا وليّ الله»، فنحن عندما نختار الأذان لإبراز عقد البيعة ولإظهار عقد البيعة باعتبار أنّ الأذان وسيلة إعلاميّة فنختارها لإبراز عقد البيعة ولإظهار عقد البيعة لعلي بالإمامة والولاية، فإذن الشهادة الثالثة من مظاهر ومن مبرزات عقد البيعة، لذلك وردت عندنا نصوصٌ متعدّدة ترشد إلى هذا الأمر، كما ورد في كتاب «الاحتجاج» للشيخ الطبرسي عن القاسم بن معاوية عن الإمام الصادق سلام الله عليه: ”من قال: «لا إله إلا الله، محمدٌ رسول الله» فليقل: عليٌ أمير المؤمنين“، هذه الروايات استفاد منها علماؤنا أنّ الشهادة الثالثة أمرٌ راجحٌ ومن المستحبات العامة في الأذان وفي غيره بلحاظ - أيضًا - أنّها مُبْرِزٌ ومظهرٌ من مظاهر عقد البيعة، بل ذكر السيد الحكيم السيد محسن الحكيم - قدّس سرّه - في كتابه «المستمسك» عند بحثه حول فصول الأذان، قال: «وحيث أنّ هذه الشهادة في زماننا من شعائر الإيمان ورمز التشيّع فممّا لا ريب في رجحانها ولا إشكال في رجحانها، بل تجب في بعض الفروض»، «بل تجب في بعض الفروض» يعني: لو توقف إظهار شعائر الله تبارك وتعالى على قول الشهادة الثالثة وجب إظهارها، لو توقف إظهار شعائر الله على قول الشهادة الثالثة لوجب إظهارها، إذن فبالنتيجة: من مظاهر عقد البيعة هو ماذا؟! هو قول: «أشهد أنّ عليًا وليّ الله».

نأتي إلى النقطة الثالثة: المدلول الاجتماعي لعقد البيعة.

نحن نريد أن نبايع عليًا يوم الغدير، عليٌ ماذا يريد منّا ؟

عليٌ يريد منّا أن نكون دعاة له ولسيرته ولحياته، ولا يريد أن ندعو له بخطاباتنا ولا بكتبنا ولا بألسنتنا فقط، يريد أن ندعو له من خلال سلوكنا، عليٌ كما ورد عن الإمام الصادق : ”كونوا دعاة لنا بغير ألسنتكم“، ”كونوا زينًا لنا ولا تكونوا شينًا علينا“، أنا عندما أقول: «بايعتُ عليًا» يجب أن يبايعه سلوكي قبل أن يبايعه لساني، أنا قبل أن أقول: «أشهد أنّ عليًا وليّ الله» يجب أن يشهد بذلك سلوكي قبل أن يشهد بذلك لساني، يجب أن تنعكس هذه الشهادة الثالثة على عملي وعلى سلوكي وعلى حياتي، عليّ في يوم الغدير ألا أظهر فقط أنّ عليًا ولي الله، بل عليّ في يوم الغدير أن ألتزم بأن أكون علويًا في سلوكي، علويًا في عملي، علويًا في منطلقاتي، يجب أن يعيش عليٌ في قلبي، ويعيش عليٌ في ضميري، ويعيش عليٌ في سلوكي وحركاتي، عليٌ هكذا يريدني.

ورد عن الإمام العسكري سلام الله عليه: ”إنّ الرّجل منكم ليكون في القبيلة فيكون زينها“ يعني أفضل شخص فيها، ”فيكون زينها، أدّاهم للأمانة، وأقضاهم للحقوق، وأصدقهم في الحديث، وأورعهم في الدين“ الشيعي المبايع لعلي دائمًا هو المتميّز، دائمًا هو النموذج المتميّز، شيعة علي دائمًا هم المتميّزون، المتميّزون بأخلاقهم، المتميّزون بحسن سلوكهم، المتميّزون بنظافة قلوبهم، المتميّزون بطهارة جوانحهم، المتميّزون بصدقهم في المعاملة، يجب أن يكون الشيعي المبايع لعلي متميّزًا معروفًا بين المسلمين بأنّه إنسانٌ صادقٌ، إنسانٌ طاهرٌ، إنسانٌ ملتزمٌ بالصدق والأمانة وقضاء الحقوق، هذه هي البيعة الحقيقيّة، وهذا هو المدلول الحقيقي لبيعة علي .

الآن نحن عندنا مشكلة يعيشها الكثير منّا، هذه لا تختصّ بنا كشيعة، لا، عامة ككثير من الناس، لكن يجب نحن كشيعة ألا تكون عندنا، «مشكلة التسيّب وعدم الانضباط تحت النظام الحافظ للأعراض والأنفس والأموال»، هناك أنظمة شرّعت ومعروفٌ لماذا شرّعت، شرّعت هذه الأنظمة وقنّنت هذه الأنظمة لحفظ الأعراض، لحفظ الأنفس، لحفظ الأموال، أنا كإنسان مبايع لعلي عليّ أن أنتظم بهذه الأنظمة لأنّ الانتظام تحتها يعني مراعاة الهدف الأعلى وهو حفظ النفوس والأعراض والأموال، التسيّب من أنظمة المرور، كثيرٌ منّا من أبنائنا وإخواننا لا يبالي بمراعاة أنظمة المرور، لا يبالي بمراعاة الأنظمة المجعولة في الشوارع، لماذا؟! «والله ما أكو ضرورة وأنا الآن مستعجل وما عندي وقت..» وإلى آخر الأعذار والمبرّرات! أنت تعرف أنّ هذه الأنظمة لم تُوضَع اعتباطًا وإنّما هي أنظمة وُضِعَت لحفظ الأنفس ولحفظ الأموال، التفريط في إتّباع هذه الأنظمة ومحاولة التسيّب والفرار على هذه الأنظمة يعني عدم مبالاة بالهدف منها، وهو حفظ الأعراض وحفظ الأموال وحفظ الأنفس، لماذا لا نربّي في أنفسنا روح الانتظام؟! لماذا نربّي أنفسنا على روح التسيّب وروح اللامبالاة وروح عدم الاعتناء؟! لماذا لا نعلّم أنفسنا وندرّب أنفسنا على أن نكون نظاميّين؟! على أن نكون منتظمين تحت النظام الحافظ للأعراض والأنفس والأموال؟!

التسيّب مثلاً من أنظمة العمل، التسيّب مثلاً من أنظمة المدرسة، أنظمة الأعمال وُضِعَت لقضاء حقوق الناس وحوائج الناس، الكثير من الوظائف إنّما جًعِلَت هذه الوظائف لقضاء حقوق الناس ولخدمة المجتمع، التفريط في وقت العمل، التسيّب من نظام العمل، عدم مراعاة أنظمة العمل، عدم مراعاة أنظمة الدراسة، عدم مراعاة قوانين الدراسة.. هذه الروح «روح التسيّب، روح اللامبالاة، روح عدم الاعتناء، المهم أنا أن أتحرر من هذه الأنظمة..» هذه الروح روح التسيّب تجعلك بمظهر غير لائق أمام المجتمع الإسلامي، المجتمع الإسلامي يأخذ عليك نظرة أنّك إنسانٌ غير نظامي، أنّك إنسانٌ متسيّبٌ، أنّك إنسانٌ تعيش اللامبالاة وعدم الاعتناء، أنت إذا أردت أن تكون أنموذجًا متميّزًا بين فئات المجتمع الإسلامي بحيث تجذبهم بتميّزك وبسلوكك إلى نضارة المذهب الشيعي وإلى نقاء المذهب الشيعي فعليك أن تكون نظاميًا، عليك أن تكون منتظمًا تحت إطار النظام الحافظ للأعراض والأنفس والأموال حتى تكون مظهرًا متميّزًا وحتى تكون شخصًا معروفًا بالانتظام والسير وراء النظام.

إذن فبالنتيجة: بيعة علي بن أبي طالب لا تنحصر في أن تكون فقط وفقط قولاً لسانيًا وكلامًا خطابيًا وإنّما هي التزامٌ وسلوكٌ عمليٌ يجعلك علويًا بمرور الوقت إذا درّبت شخصك وروحك على أن تكون علويًا ملتزمًا بسيرة علي بن أبي طالب و”عليٌ مع الحق، والحق مع علي“.

والحمدلله رب العالمين

[1]  سورة المائدة: آية 67.
[2]  سورة الفتح: آية 18.
[3]  سورة الممتحنة: آية 12.
[4]  سورة الممتحنة: آية 12.
[5]  سورة البقرة: آية 275.

أحكــام الأسهــم
التفقه في الدين ج2