نص الشريط
التعامل التعبدي مع الحكم الشرعي ج4
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مسجد الإمام علي (ع) بالقطيف
التاريخ: 19/1/1421 هـ
مرات العرض: 2348
المدة: 00:43:31
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (1429) حجم الملف: 7.48 MB
تشغيل:

بسم الله الرّحمن الرّحيم

﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [1] 

صدق الله العليّ العظيم

ذكرنا في الأسبوع الماضي أنّه هناك شبهة تُطرَح في المقام، وهذه الشّبهة هي عبارة عن التفكيك بين الإسلام وبين فتاوى الفقهاء، هذه الشّبهة تقرّر أنّ الإسلام هو عبارة عن أحكام الله التي بلّغها أو أوصلها اللهُ إلى النبي وبلّغها الأئمة من أهل البيت عليهم السّلام، وأمّا فتاوى الفقهاء فهي عبارة عمّا يفهمه الفقهاءُ ويستفيده الفقهاءُ من خلال نظرهم وتأمّلهم في الرّوايات والنصوص الشّرعيّة، أحكام الله بما أنّها خطابٌ صادرٌ من الله تبارك وتعالى فتكتسب صفة القداسة، ولذلك يجب التعبّد والتديّن بها، أمّا فتاوى الفقهاء فليست هي إلا عصارة فكر بشري وليست هي إلا حصيلة فكر بشري، فتاوى الفقهاء جهدٌ بشريٌ، فكرٌ بشريٌ، فكيف يكتسب صفة القداسة؟! ولماذا يجب التعبّد ويجب التديّن بها مع أنّها حصيلة فكر بشري وليست خطابًا إلهيًا؟! هذه هي الشّبهة في التفكيك بين الإسلام وبين فتاوى الفقهاء.

الجواب عن هذه الشّبهة:

الأحكام الشّرعيّة - أو فتاوى الفقهاء بعبارة أصح - على قسمين:

القسم الأوّل: الفتاوى المتّفق عليها بين جميع الفقهاء.

القسم الثاني: الفتاوى المختلف فيها بين الفقهاء.

اتفق الفقهاء على حرمة الرّبا في كلّ زمان وفي كلّ مجتمع، اتّفق الفقهاءُ مثلاً على حرمة الغناء في كلّ زمن وفي كلّ مجتمع، اتّفق الفقهاءُ مثلاً على أحكام الشّكوك في الصّلاة، هذه أحكامٌ متفقٌ عليها بين الفقهاء، هناك أحكامٌ مختلفٌ فيها، الفقهاء اختلفوا في وجوب صلاة الجمعة في عصر الغيبة، منهم من قال بوجوب صلاة الجمعة، منهم من قال باستحبابها، منهم من قال بعدم مشروعيّتها وحرمتها، اختلف الفقهاءُ في صلاة الجمعة، اختلف الفقهاءُ مثلاً في نجاسة الكتابيّين، منهم من يقول بأنّ الكتابي - أي: اليهودي والمسيحي - طاهرٌ، ومنهم من يقول بأنّه نجسٌ، هذه مسائل خلافيّة.

تارةً نتلكم عن الأحكام المتّفق عليها، وتارةً نتكلم عن الأحكام المختلف فيها، نأتي أوّلاً للأحكام المتّفق عليها، كيف نجيب عن هذه الشّبهة التي تفكّك بين الإسلام وبين فتاوى الفقهاء؟ الشّبهة تقول: نعم نحن مع الإسلام، القرآن يقول: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ، نحن مع الإسلام، نحن نقبل الإسلام، نتديّن بالإسلام، لكنّ الإسلام ما هو؟! أين هو الإسلام؟! الإسلام هو عبارة عن الأحكام الواقعيّة التي وصلت إلى النبي والأئمة، وليس الإسلام هو عبارة عن رسالة منهاج الصّالحين، أو رسالة مثلاً وسيلة النجاة، أو رسالة العروة الوثقى، لا، هذا ليس هو الإسلام، هذا جهدٌ بشريٌ وحصيلة فكر بشري وليس هذا هو الإسلام، فلماذا نتديّن به ونتعبّد به كما نتعبّد بالأحكام الواصلة للنبي ؟! هناك تفكيكٌ:

1 - بالنسبة للأحكام المتّفق عليها:

هناك قانونٌ عقلائيٌ يقرّه علماءُ الحقوق، أيّ إنسان يراجع أيّ كتاب في علم الحقوق يجده يقرّ هذا القانون العقلائي، قانونٌ عقلائيٌ أقرّ به علم الحقوق واعتبره قانونًا ثابتًا، ما هو هذا القانون؟ قانون نسبة الأفكار، متى يصحّ لي أنْ أقول: «هذه فكرتك»؟ متى يصحّ لي أنْ أقول: «هذه مقالتك وهذا هو فكرك»؟ متى ومتى لا يصحّ؟

قانون نسبة الأفكار ونسبة المقالة، لأوضّح ذلك مثلاً: لو أنّ إنسانًا محاضرٌ، أستاذ في الجامعة يحاضِر، حاضَر هذا الأستاذ لمدّة ساعةٍ وقال كلامًا كثيرًا وبعد أنْ فرغ من المحاضرة قال مثلاً طلابه: هذا فكر أستاذنا ومقالة أستاذنا، لو أنّ المحاضر اعتذر، قال: لا، ما قلته لكم ليس هو فكري وليس هو مقالتي وأنا أقصد منه أشياء أخرى لا أقصد منه ما فهمتم من الأفكار وما فهمتم من الكلام، هل يُقْبَلُ كلامه؟! أو أنّ القانون العقلائي يحجّه؟! يقول: أنت تكلمت بكلام يحمل أفكارًا معيّنة، هذه الأفكار تنتسب لك لأنّك تكلمت بهذا الكلام، هل يُقْبَل منه تخلّصه واعتذاره وهو أنْ يقول: لا، أنا لم أقصد من هذا الكلام كله - ساعة كاملة - أنا ما قصدت منها إلا أشياء أخرى غير الذي أنتم فهمتموه! القانون العقلائي يحجّه، يقول: لا، لا يُقْبَل منك هذا الاعتذار، لماذا؟ لماذا لا يُقْبَل منك؟

لاحظوا القانونَ العقلائي: «كلّ من تكلّم بكلام مفيدٍ لمعنى من المعاني بحسب عرف أهل اللغة وهو ملتفتٌ إلى ذلك صحّت نسبة المعاني إليه اعتذر أم لم يعتذر»، إنسانٌ مثلاً صعد المنبر، خطيبٌ صعد المنبر وقال: أنا أدعو الناس إلى تأسيس صندوق خيري لكفالة الأيتام أو مساعدة المتزوّجين أو ما أشبه ذلك، ثم قالوا: هذه مقالة فلان، فاعتذر، قال: لا، أنا لا أقصد هذا! أقصد شيئًا آخر! هل يُقْبَلُ منه؟! يقولون: لا، تكلمت بكلام وهذا الكلام مفيد لمعنى من المعاني وأنت ملتفتٌ إلى أنّ هذا الكلام الذي تكلّمته يفيد المعنى الفلاني فلماذا تكلّمت به؟! مادمتَ تكلمتَ بهذا الكلام المفيد للمعنى الفلاني وأنت ملتفتٌ إلى ذلك إذن يصحّ نسبة المعنى إليك بأنْ نقول: هذا فكرك وهذه مقالتك، هذا ما يسمّى ب «قانون نسبة الأفكار»: كلّ من تكلم بكلام يفيد معنى من المعاني وهو ملتفتٌ إلى ذلك صحّت نسبة هذه المعاني إليه تخلّص أو لم يتخلّص «اعتذر أو لم يعتذر».

هذا قانونٌ عقلائيٌ يُقَرّ به في علم الحقوق، من حقّ المستمع أن يحتجّ على المتكلم بأنّ هذه فكرتك وهذه مقالتك، لِمَ؟ لأنّك تكلمت بالكلام الذي يفيد هذه الفكرة بحسب عرف أهل اللغة وبحسب فهم أهل اللغة، الآن تقول: أنا لا أقصد ذلك! ماذا يفيد؟! أنت انتهيت من الكلام، مادمت تكلمت بهذا الكلام المفيد لمعنى وأنت ملتفتٌ لذلك فهذا الكلام فكرك ومقالتك، قانونٌ عقلائيٌ عامٌ: من تكلم بكلام يفيد معنى معيّنًا يصحّ نسبة المعنى إليه مادام قد تكلم به وهو ملتفتٌ لهذا المعنى.

نأتي نطبّق هذا على الكلام الإلهي، على الخطاب الإلهي، نأتي نطبّق هذا القانون: الله تكلم بكلام، الله جلّ وعلا خلق الكلام، طبعًا نحن نعتقد الشّيعة أنّ القرآن مخلوقٌ من المخلوقات، القرآن ليس قديمًا بقدمه تبارك وتعالى، لا، القرآن كتابٌ مؤلفٌ من حروفٍ هجائيّةٍ خلقه الله تبارك وتعالى وأنزل هذا الكلام المؤلف على النبي بلسان عربي مبين، الله أوجد كلامًا عربيًا بحسب عرف أهل اللغة العربيّة، هذا الكلام يفيد المعنى الفلاني، مثلاً من باب المثال:

1/ الله تبارك وتعالى قال: ﴿قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [2] ، كما أنّ البيع حلالٌ في أيّ زمان، في أيّ مجتمع، في أيّ مكان، الرّبا أيضًا حرامٌ في أيّ مجتمع، في أيّ زمان، في أيّ مكان، هذا الذي يفهمه أهلُ اللغة، الله تكلم بكلام، يعني: خلق الكلام، الله خلق كلامًا مفيدًا لحليّة البيع في كلّ زمان ومفيدًا لحرمة الرّبا في كلّ زمان، هذا ما يفهمه أهلُ اللغة وهذا ما يعرفه أهلُ اللغة العربيّة، فإذا جاء الفقيهُ وقال: أنا أفهم من هذه الآية أنّ البيع حلالٌ مطلقًا وأنّ الرّبا حرامٌ مطلقًا، ألا يصحّ نسبة كلام الفقيه هذا إلى الله تبارك وتعالى؟! في القانون العقلائي يصحّ، يصحّ للفقيه أنْ يقول: هذا هو حكم الله، هذه هي مقالة الله، هذا هو الفكر الإلهي وهو الفكر السّماوي، تأتي أنت تقول: لا، هذا فهمك أنت! ليس حكم الله! حكم الله شيءٌ آخر! يقول: الله تكلم بكلام يفيد معنى من المعاني وهو عالمٌ بذلك والقانون العقلائي يقول: من تكلم بكلام يفيد معنى من المعاني وهو ملتفتٌ إلى ذلك صحّ نسبة المعنى إليه، فما الفرق بين الله وبين غيره؟!

لو أنّي أنا - أنا الفقيه - ليس الله القائل، أنا الفقيه صعدتُ المنبر وقلت: أحلّ الله البيعَ وحرّم الرّبا، ألا يفهم الناسُ من كلامي حليّة البيع مطلقًا وحرمة الرّبا مطلقًا؟! لو اعتذرتُ بعد ذلك، قلتُ: هذا ليس حكمي! أنا أقصد شيئًا آخر! أنتم لم تفهموا! هل يقبل الناسُ مني؟! يقولون: لا، هذا كلامك، تكلمت بكلام يفيد معنى وأنت ملتفتٌ إلى ذلك، يصحّ نسبة الفكر إليك والكلام إليك، أيضًا بالنسبة إلى الله تبارك وتعالى، لا معنى هنا للتفكيك بأنْ نقول: لا، حكم الله شيءٌ وما فهمه الفقهاءُ بحسب عرف أهل اللغة شيءٌ آخر! حكم الله أمرٌ مقدّسٌ يجب التعبّد والتديّن به لأنّ فيه عنصرًا سماويًا أمّا ما فهمه الفقهاء فليس أمرًا مقدّسًا لأنّه عنصرٌ بشريٌ! نقول: أينكم عن القانون العقلائي؟! الله أوجد كلامًا بلسان عربي وهذا الكلام العربي بحسب عرف أهل اللغة العربيّة يفيد هذه المعاني، أيّ عربي يقرأ الآية يفهم هذا، أيّ إنسان من أهل اللغة يفهم هذا، ومن تكلم بكلام يفيد معنىً ملتفتًا إلى ذلك صحّ نسبة المعنى إليه، إذن يصحّ للفقيه أنْ يقول: هذا حكم الله، هذا فكر السّماء، هذه هي مقالة السّماء، هذا هو كلام السّماء، هذا هو بحسب القانون العقلائي.

2/ مثلاً: يأتي الفقيه إلى قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [3] ، ماذا يفهم أهل اللغة من هذه الآية؟ يفهم أهل اللغة أنّ أيّ عمل جنسي يقوم به الإنسان حرامٌ إلا مع زوجته أو أمته «ملك اليمين»، ﴿إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ - يعني: أنْ يقوم بعمل جنسي مع غير زوجته وملك يمينه فهو عادٍ معتدٍ - فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ الفقهاء يقولون: هذه الآية تدلّ على حرمة العادة السّرّيّة، لأنّها وراء ذلك، الآية تحرّم كلّ عمل جنسي إلا مع الزّوجة أو ملك اليمين، فأيّ عمل جنسي ليس مع الزّوجة أو ملك اليمين فهو حرامٌ، هذا ظاهر الآية: ﴿فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ - يعني: وراء العمل الجنسي مع الزّوجة أو ملك اليمين - فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ، العادة السّرّيّة عملٌ جنسيٌ ليس مع الزّوجة ولا مع ملك اليمين فيكون عملاً محرّمًا بظاهر الآية، يصحّ للفقيه أنْ يقول: هذا هو حكم الله، لماذا هذا هو حكم الله؟ لأنّ الله أوجد كلامًا مفيدًا لمعنى من المعاني وهو عالمٌ بذلك ومن تكلم بكلام يفيد معنى ملتفتًا إليه صحّ نسبة المعنى إليه، فيصحّ لي أنْ أنسب هذه المقالة إلى الله تبارك وتعالى.

3/ مثلاً: الفقيه مثلاً يقرأ هذه الآية المباركة بالنسبة إلى النساء: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ [4] ، ماذا يفهم أهل اللغة؟ العرب، دعوا الفقيه، العرب بما هم عرب ماذا يفهمون من هذه الآية: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ؟ ماذا يفهم العرب؟ ألا يفهم العربُ أنّ استعمال المرأة لما يثير نظرَ الرّجل حرامٌ؟! لا تضربي برجلك إذا مشيت لأنّ ضربك برجلك إذا مشيت يثير الآخرين، ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ، طبعًا لا توجد خصوصية لضرب الرّجل، لا توجد خصوصية، القرآن يريد أنْ يقول - بحسب عرف أهل اللغة - أنّ المرأة لا يجوز لها استخدام ما يثير نظرَ الرّجال إليها، تستخدم عطرًا يثير نظرَ الرّجال، تستخدم مكياجًا يثير نظرَ الرّجال، تستخدم شكلاً يثير نظرَ الرّجال.. أيّ مثير تعرف المرأة أنّه يلفت أنظار المارّة إليها لا يجوز استخدامه، ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ هنا يصحّ للفقيه أنْ يقول: هذا حكم الله، لِمَ؟ لأنّ هذا هو ما يفهمه أهلُ اللغة عندما يقرؤون هذه الآية.

إذن هذه الشّبهة التفكيك بين الإسلام وبين فتاوى الفقهاء كأنّه الإسلام مختبئٌ في زاويةٍ لا أحد يدري عنه! الإسلام شيءٌ مختبئٌ لا أحد يصل إليه ولا أحد يعرفه! ذاك الإسلام شيءٌ مقدّسٌ يجب التديّن به ويجب التعبّد به أمّا ما يفهمه الفقهاءُ من القرآن ومن السّنة لا! هذا ليس هو الإسلام! هذا جهدٌ بشريٌ فلا يكون مقدّسًا ولا يجب التديّن به! هذا التفكيك مخالفٌ للقانون العقلائي، هذا هو الإسلام لأنّ الإسلام ما جاءنا في قوالب فضائيّة أو قوالب ملكوتيّة، الإسلام جاءنا في قوالب لفظيّةٍ عربيّةٍ مفيدةٍ لهذه الأفكار ومفيدةٍ لهذه المعاني، فيصحّ لنا نسبة الأفكار والمعاني التي نفهمها للإسلام ويجب التعبّد بها والتديّن بها كما يجب التعبّد والتديّن بالإسلام، هذا بالنسبة إلى الأحكام المتّفق عليها.

2 - بالنسبة للأحكام المختلف فيها:

الفقهاء يختلفون في كثير من الأحكام، هل أيضًا هذه يجب التديّن بها مع أنّها أحكامٌ مختلفٌ فيها؟! هل يجب التعبّد بها مع أنّها أحكامٌ مختلفٌ فيها؟!

نحن نجيب عن هذه الشّبهة:

بالنسبة إلى هذه الأحكام نحن نقول: هنا مقدّمات ثلاث:

المقدّمة الأولى: كلّ شخص يؤمن بالإسلام يؤمن بأنّ في الإسلام أحكامًا متعلقة بالعبادات والمعاملات والعلاقات، الإسلام ليس دينًا فارغًا ليس فيه أحكام، الإسلام يعني أحكام، أنا أؤمن بأنّ هناك دينًا اسمه الإسلام، يعني: أؤمن بأنّ هناك أحكامًا، لأنّ الإسلام ليس دينًا بدون أحكام، الإسلام متضمّنٌ لأحكام العبادات كالصّلاة والصّوم والحجّ، الإسلام متضمّنٌ لأحكام المعاملات كالبيع والشّراء والهبة والصّلح وغيره، الإسلام متضمّنٌ لأحكام العلاقات: علاقة الزّوجة، علاقة الأولاد، علاقة الجيران، علاقة الأصدقاء، وهكذا.. الإسلام يعني مجموعة من الأحكام المتعلقة بالعبادات أو المعاملات أو العلاقات، هذه هي المقدّمة الأولى.

المقدّمة الثانية: ما هو واجبي أنا كمسلم تجاه تلك الأحكام؟ أنا أعرف أنّ هناك أحكامًا في العبادات، في المعاملات، في العلاقات، ما هو واجبي كمسلم تجاه تلك الأحكام؟ الفقهاء ماذا يقولون؟ يقولون يجب عليك عقلاً أنْ تطبّق تلك الأحكام إمّا من باب وجوب شكر المنعم أو من باب دفع الضّرر المحتمل، ما معنى هذا الكلام؟

وجوب شكر المنعم: بالنسبة لهذه الأحكام يجب عليك عقلاً تطبيقها، لِمَ؟ عقلك يقول: المنعم شكره واجبٌ، من أنعم عليك بنعمةٍ وجب عليك شكره، المنعم شكره واجبٌ والله منعمٌ فيجب عليك شكره، شكر الله بطاعته وتطبيق أحكامه، فيجب عليك تطبيق أحكام الله وجوبًا عقليًا بمناط وجوب شكر المنعم، هذا المناط الأوّل.

المناط الثاني: وجوب دفع الضّرر المحتمل.

الآن الإنسان لو عبر شارعًا وهو يعلم أنّه إذا عبر الشّارع يصاب بخطر الكهرباء، هل يجوز له عبور الشّارع؟! العقل يقول له: لا، لا، لا، لا تعبر، لماذا؟ لأنّه يجب عليك دفع الخطر المحتمل، يجب عليك دفع الضّرر المحتمل، إذا احتملت خطرًا وجب عليك دفعه فلا تعبر الشّارع، أيضًا كذلك في الإسلام، يقول لك العقلُ: هناك أحكامٌ إذا لم تمتثلها تعرّض نفسك لخطر العقاب يوم القيامة، فجيب عليك دفع الخطر والضّرر عقلاً.

إذن يجب عليك تطبيق هذه الأحكام، أحكام الله يجب تطبيقها إمّا بمناط شكر المنعم وهو واجبٌ أو بمناط دفع الضّرر المحتمل وهو واجبٌ، إذن يجب تطبيق أحكام الله عزّ وجلّ، هذه المقدّمة الثانية.

المقدّمة الثالثة: أنا من أين أعرف أحكام الله؟ أنا أؤمن بأنّ هناك أحكامًا وأؤمن بأنّه يجب عليّ عقلاً تطبيقها من باب وجوب شكر المنعم أو من باب دفع الضّرر المحتمل، لكنْ أين هي الأحكام التي أطبّقها؟ كيف أعرف تلك الأحكام حتى أقوم بتطبيقها؟

هنا يأتي العقل ويقول: أمامك ثلاثة طرق لتطبيق تلك الأحكام:

1. الاجتهاد.

2. الاحتياط.

3. التقليد.

1/ إمّا أنْ تكون مجتهدًا: تصبح فقيهًا قادرًا على الاستنباط فتصل إلى هذه الأحكام بنفسك وتقوم بتطبيقها.

2/ وإمّا أنْ تكون محتاطًا:

تقول: والله أنا لا أريد تقليد أحد، أريد أنْ أعمل بالاحتياط، لا أدري إذا سافرت 22 كيلو ورجعت عليّ قصر أو تمام وأردت أنْ أصلي بعد 22 كيلو أجمع بين القصر والتمام احتياطًا «أنا لا أريد أنْ أقلّد»، أنا لا أدري مثلاً في الصّلاة في الرّكعة الثالثة يجب مرّة واحدة «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر» أو يجب ثلاث مرّات؟ احتياطًا آتي بثلاث مرّات، أنا مثلاً في مكان لا أدري أنّ القِبْلة هكذا أو القِبْلة هكذا؟ احتياطًا أصلي إلى الجهتين، وإذا كانت ظهر وعصر؟! يعني: ظهر وعصر هنا، ظهر وعصر هنا.. وإذا بعد ما أدري قصر أم تمام يعني: ظهر قصرًا وتمامًا وعصر قصرًا وتمامًا، ثم أيضًا ظهر قصرًا وتمامًا وعصر.. وهكذا! وإذا مثلاً تردّد الأمر بين ثوبين لا أدري هذا الثّوب هو الطاهر أم هذا الثوب هو الطاهر أصلي في كليهما معًا! تارةً مع هذه الصّلاة، تارةً مع هذه الصّلاة، تارةً مع القصر، تارةً مع التمام، تارةً مع القِبْلة، تارةً.. وهكذا الذي يريد أنْ يعمل بالاحتياط! باب الاحتياط بابٌ واسعٌ، إمّا أنْ تكون مجتهدًا تصل إلى الأحكام بنفسك وتطبّقها، أو محتاطًا تعمل بالاحتياط.

3/ أو مقلّدًا: لا يوجد طريقٌ ثالث، والتقليد طريقٌ عقلائيٌ وليس طريقًا شرعيًا، يعني: الإسلام لم يفرض علينا التقليد، العقل فرض علينا التقليد، من باب الرّجوع لأهل الخبرة فيما هم خبيرون فيه، إذا ابتلينا بالأمراض نرجع للأطباء لأنّهم أهل الخبرة في تشخيص المرض، أيضًا إذا ابتلينا بمسألةٍ شرعيّةٍ نرجع إلى أهل الخبرة فيما هم خبيرون فيه، رجوع العقلاء - يعني: هذا بناءٌ عقلائيٌ، بناءُ مجتمع بشري - رجوع العقلاء لأهل الخبرة فيما هم خبيرون فيه هذه السّيرة العقلائيّة أمضاها الإسلامُ، احترمها الإسلامُ، قال القرآنُ الكريم: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [5] ، ارجعوا للخبيرين فيما هم خبيرون فيه، ورد عن الإمام الحجّة عجّل الله فرجه الشّريف: ”فأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله عليهم“.

إذن أنت تؤمن بأحكام الإسلام، هذه المقدّمة الأولى، أنت عقلك يقول لك: يجب عليك تطبيق الأحكام بوجوب شكر المنعم أو وجوب دفع الضّرر المحتمل، هذه المقدّمة الثانية، المقدّمة الثالثة: أنّ التطبيق له طرقٌ ثلاثة: إمّا الاجتهاد أو الاحتياط أو التقليد، فاختر أحد الطرق الثلاث، لا معنى لِأنْ تقول: لا، أنا لا أريد أيّ طريق! لا أريد أنْ أكون مجتهدًا ولا محتاطًا ولا مقلّدًا! أنا أمشي على الطريق الذي يعجبني! لا أريد أيّ طريق من هذه الطرق الثلاثة! إذن أنت خالفت حكم العقل بوجوب تطبيق أحكام الله إمّا بمناط وجوب شكر المنعم أو بمناط لزوم دفع الضّرر المحتمل، وبذلك يتبيّن لنا أمران انتبه إليهما:

الأمر الأوّل: اندفاع أصل الشّبهة.

الشّبهة تقول: الإسلام يجب علينا التديّن به أمّا فتاوى الفقهاء لا يجب علينا التديّن بها، الشّبهة ارتفعت، بل يجب عليك عقلاً الرّجوع للفقهاء لأنّك تعلم بوجود أحكام شرعيّةٍ وهذه الأحكام يجب تطبيقها عقلاً من باب وجوب شكر المنعم أو دفع الضّرر المحتمل فإذا أنت لست بمجتهدٍ ولست بمحتاطٍ تعيّن عليك عقلاً أنْ تأخذ بأحكام الفقهاء، وإلا لو قال شخصٌ: لا! أنا لا أريد! ثم صادف أنّي لا أدري أنّ شرب البيرة حرامٌ أم حلالٌ، إنْ شاء الله حلال! شربها! أنا ما أدري أنّ الغناء حرامٌ أو حلال، إنْ شاء الله حلال! وأسمع الغناء وأعزف على البيانو! أنا ما أدري مثلاً أنّ النظرة للمرأة الأجنبيّة حلالٌ أم حرامٌ، أنظر للمرأة الأجنبيّة! إنْ شاء الله حلال! الأصل هو الحلال! كلّ شيء حلالٌ! الدّين سهلٌ! يسرٌ! لا يوجد شيءٌ حرامٌ في هذا الدّين!

ودائمًا أجْرِي أصالة الحلال وأمشي، كلما شككتُ في شيءٍ أنّه حرامٌ أم حلالٌ أجريتُ أصالة الحلّ ومشيتُ وصادف في الواقع أنّني ارتكبتُ محرّماتٍ كثيرةً، هل أنا معذورٌ؟! هل العقل يعذرني؟! لو صادف في الواقع أنّ البيرة حرامٌ، أنّ الغناء حرامٌ، أنّ النظر للمرأة الأجنبيّة حرامٌ، هل أنا معذورٌ أمام الله؟! هل العقل يعذرني أمام ربّي؟! أم يقول لي عقلي: قلتُ لك بأنّ هناك أحكامًا يجب تطبيقها وتطبيقها له طرقٌ ثلاثة إمّا الاجتهاد أو الاحتياط أو التقليد وأنت لم تختر أيّ طريق من هذه الطرق، اقتحمت في الشّبهات بأصالة الحليّة من دون أنْ تكون مجتهدًا ولا محتاطًا ولا مقلّدًا، فأيّ عذر لك؟!

وهذا ما ورد في الرّواية في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ [6] ، ما معنى هذه الكلمة ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ؟ قال الإمام الصّادق عليه السّلام في الرّواية المعتبرة: ”يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقال له: ما عَمِلتَ «كلّ شيءٍ أنت لم تفعله»، قال: ما عَلِمْتُ «أنا لم أدرِ»، فيقال: هلا تعلمت؟! ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ“ أما كان بإمكانك أنْ تتعلم؟! تكون مجتهدًا أو محتاطًا أو مقلّدًا؟! أنت تركت الطرق الثلاثة وقلت: لا، الإسلام شيءٌ، فتاوى الفقهاء شيءٌ، أنا أتعبّد بالإسلام لا بفتاوى الفقهاء! العقل يقول لك: تعبّد إمّا بالاجتهاد أو بالاحتياط أو بالتقليد وأنت ضربتَ بالطرق الثلاثة عرضَ الحائط فلا يكون لك عذرٌ في ذلك أو في التخلص من ذلك.

لذلك ترى كلّ الفقهاء في رسائلهم العمليّة أوّل مسألةٍ في الرّسالة العمليّة ماذا يقال؟ يجب على كلّ عامّيّ لم يبلغ رتبة الاجتهاد أنْ يكون في جميع أعماله وأفعاله وتروكه وعاديّاته أنْ يكون مقلدًا أو محتاطًا، هذا الوجوب ليس وجوبًا شرعيًا، وجوبٌ عقليٌ بملاك وجوب شكر المنعم أو بملاك وجوب دفع الضّرر المحتمل، هذا هو الأمر الأوّل.

الأمر الثاني الذي تبيّن لنا من هذا الكلام الذي طرحناه: الفرق بين الحكم وبين الفتوى.

كثيرٌ من الإخوة اشتبه عليه الفرق بين الحكم والفتوى، الفرق بين الحكم والفتوى: كما يجب عليّ تطبيق الحكم يجب عليّ تطبيق الفتوى إلا أنّ دائرة الوجوب في الفتوى أضيق من دائرة الوجوب في الحكم، يعني كيف؟

إذا صدر حكمٌ من الفقيه وجب على الكلّ بدون استثناءٍ تطبيقُ هذا الحكم حتى الفقهاء الآخرين، الحكم الصّادر من الفقيه الذي لم يُعْلم خطؤه ولا خطأ مستنده «شرحنا معنى الحكم في الأسبوع الماضي والفرق بينه وبين الفتوى» الحكم الصّادر من الفقيه يجب على الكلّ إنفاذه حتى الفقهاء الآخرين، حكم الحاكم لا يجوز نقضه حتى لحاكم مثله، حتى الحاكم الآخر لا يجوز له نقضه، يجب عليه إنفاذه وإجراؤه وإمضاؤه، حكم الحاكم لا يجوز نقضه حتى لحاكم آخر إلا إذا عُلِمَ خطؤه أو خطأ مستنده كما شرحنا في الأسبوع الماضي، إذن هنا الوجوب وجوبٌ عامٌ حتى على المجتهدين، حتى على العوام، ربّما يقول قائل: أنا لستُ مقلدًا لهذا الحاكم، أنا مقلدٌ لمجتهدٍ آخر، نقول: كنتَ مقلدًا أو لم تكن مقلدًا حكم الحاكم يسري حتى على غير مقلديه، حتى على المجتهدين الآخرين فضلاً عن مقلديه، إذن الحكم يجب تنفيذه ويحرم نقضه على الكلّ، وجوب مطلق، هذا أمرٌ متسالمٌ عليه بين الإماميّة، بين علماء الشّيعة، هذا الأمر متسالمٌ عليه في الحكم.

أمّا الفتوى: إذا قال مثلاً.. السّيّد الخوئي يقول مثلاً: يجب صلاة الجمعة في عصر الغيبة تخييرًا، يعني: أنت يوم الجمعة مخيّرٌ بين أنْ تؤدّي صلاة الجمعة أو تؤدّي صلاة الظهر، إنْ أدّيت الظهر أجزأت عن الجمعة، إنْ أدّيت صلاة الجمعة أجزأت عن الظهر، الإنسان مخيّرٌ، السّيّد الخوئي والسّيّد السّيستاني والشّيخ التبريزي وأمثالهم من الفقهاء يقولون بوجوب صلاة الجمعة تخييرًا، يعني أنّ الإنسان مخيّرٌ يوم الجمعة بين أنْ يؤدّي صلاة الجمعة أو يؤدّي صلاة الظهر، فإذا أتى بأحدهما أجزأ عن الآخر، هذه فتوى وليست حكمًا، هذه الفتوى تجب على من؟ تجب على الشّخص الذي ليس بمجتهدٍ وليس بمحتاطٍ وكان مقلدًا لهذا الفقيه، فدائرة الوجوب في الفتوى أضيق من دائرة الوجوب في الحكم، الحكم يجب تنفيذه على كلّ أحدٍ مجتهدًا أو محتاطًا، مقلدًا لهذا الفقيه الذي حكم أو مقلدًا لغيره، بينما الفتوى يجب إتّباعها على خصوص من تبنّى تقليد هذا الفقيه، لا يجب تنفيذ الفتوى على الفقهاء الآخرين أو على من احتاط أو على من قلّد مجتهدًا آخر معتقدًا بجامعيته للشّرائط، فالفرق بين الحكم والفتوى من حيث الضّيق والسّعة في دائرة وجوب التنفيذ وعدمه.

بهذا نكون تخلصنا من هذه الشّبهة المطروحة حول فتاوى الفقهاء وأحكام الفقهاء، نتكلم إنْ شاء في الأسابيع القادمة عن بحوثٍ حيويّةٍ أخرى ترتبط بالمسائل الطبيّة وبأحكام البنوك وبقضايا عقائديّة أخرى، نسأل الله لنا ولكم أنْ يوفقنا لمرضاتك، وأنْ يجنبنا معاصيه، اللهم اجعل خيرَ أعمالنا خواتمها، وخيرَ أيامنا يوم نلقاك، اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الكفار والمنافقين، أيّد علماءَ الدّين العاملين أينما كانوا في مشارق الأرض وفي مغاربها، وراحم الماضين منهم، خصوصًا شيخنا المقدّس الشّيخ منصور البيات...

قلنا في الأسبوع الماضي:

الحكم هو الخطاب المتعلق بالموضوعات الخارجيّة.

1/ فلو قال مثلاً الفقيهُ: هذه الأرض لفلان وليست فلان، قامت عنده بيّنة على أنّ هذه الأرض لفلان، قال الفقيهُ: هذه الأرض لفلان، لا يجوز لأحدٍ نقض حكمه، حتى فقيه آخر لا يجوز له، حتى مقلد لمجتهدٍ آخر لا يجوز له، الكلّ يجب أنْ يعترف بهذا الحكم «أنّ هذه الأرض لفلان».

2/ مثلاً: الفقيهُ يقول: وليتُ فلانًا على المسجد الفلاني، خلاص، هذه الولاية لا يصحّ لأحدٍ نقضها حتى من قِبَلِ فقيهٍ آخر أو من قِبَلِ مقلّدٍ لمجتهدٍ آخر.

3/ الفقيه مثلاً قال: يحرم التّعامل مع الشّركة الفلانيّة، افترض مثلاً شركة كرافت مثلاً، كان السّيّد الصّدر قدّس سرّه يحكم بحرمة التّعامل معها كحكم، شركة كرافت لا يجوز لك التّعامل معها ببيع أو شراءٍ أو تداول أو ما أشبه ذلك لأنّها شركة.. في ذلك الزمان، في هذا الزمان تغيّر الأمر أو ما تغيّر، أنا ما أدري، التشخيص عليكم، السّيّد الصّدر في ذلك الزمان كانت الشّركة تابعة لمثلاً جماعةٍ من اليهود المحاربين للمسلمين فقال: هذه الشّركة يحرم التّداول معها، يحرم التّعامل معها لأنّ أموالها ترجع لجماعةٍ يهوديّةٍ محاربةٍ للمسلمين، هذا حكمٌ، الحكم إذا صدر وجب تنفيذه حتى على حاكم آخر وحتى على المقلدين والمحتاطين الآخرين، هذا حكمٌ.

أمّا الفتاوى: السّيّد الخوئي مثلاً يفتي مثلاً لنفترض بوجوب صلاة الجمعة تخييرًا، السّيّد الخوئي مثلاً يفتي ببعض الفتاوى، هذه الفتاوى من قلّد السّيّد الخوئي يجب عليه تنفيذها، أمّا غيرهم: المجتهدون لا يجب عليهم تنفيذ فتاوى السّيّد الخوئي، أو مثلاً مَنْ احتاط «لا يقلّد أحدًا» لا يجب عليه تنفيذ الفتوى، أو من كان مقلدًا لشخص آخر ويعتقد أنّ الشّخص الآخر جامعٌ للشّرائط لا يجب عليه تنفيذ الفتوى، فتنفيذ الفتوى خاصٌ بكذا.

الأسبوع الماضي قلنا: الحكم يحرم نقضه والفتوى لا يحرم نقضها، هو هذا معنى الكلام، لأنّ الحكم لا يوجد أمامك خيارٌ آخر، إذا نقضته أين تذهب؟! الحكم ليس أمامك خيارٌ آخر حتى يجوز لك نقضه، لو صدر الحكم وجب عليك تنفيذه، أنت مجتهدٌ، أنت محتاطٌ، أنت مقلدٌ، لا يوجد أمامك خيارٌ آخر حتى تنقض الحكم، أمّا الفتوى، لو صدرت الفتوى، أنا لا أريد أنْ أتعبّد بهذه الفتوى! ليس حرامًا، إذا لا تريد صر مجتهدًا، إذا لا تريد صر محتاطًا، إذا لا تريد قلد من تراه جامعًا للشّرائط وتراه مساويًا بحسب العلميّة لهذا المجتهد، إذن لا يحرم عليك نقض الفتوى لأنّ أمامك بدائلُ أخرى، بالنسبة للحكم يحرم عليك نقضه على كلّ حال مجتهدًا كنت، محتاطًا كنت، مقلدًا لهذا الفقيه، مقلدًا لغيره، أمّا الفتوى لا، أنت تقول: والله هذه الفتوى لا تعجبني! طيّب لا تعجبك أنت لم ترتكب معصيّة عندما تقول: «هذه الفتوى لا أريدها، لا تعجبني»، لا بأس، تفضّل، صر مجتهدًا وخلص نفسك! خلّص نفسك، لماذا أنت الآن تستعطف فتاوى الفقهاء؟! صر مجتهدًا وصل إلى الحكم بنفسك ولو في هذه المسألة، لا تريد، لا تستطيع أنْ تصير مجتهدًا صر محتاطًا، اعمل بالاحتياط، وهكذا..

إذن فبالنتيجة: فرقٌ بين الحكم والفتوى من حيث ضيق دائرة الوجوب ومن حيث سعته.

والحمد لله ربّ العالمين

 

[1]  آل عمران: 85.
[2]  البقرة: 275.
[3]  المؤمنون: 1 - 7.
[4]  النور: 31.
[5]  النحل: 43.
[6]  الأنعام: 149.

الأعراف والعادات والتقاليد وعلاقتها بالحكم الشرعي
التعامل التعبدي مع الحكم الشرعي ج3