نص الشريط
شهر رمضان مشروع تغيير روحي
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مسجد الإمام علي (ع) بالقطيف
التاريخ: 25/8/1434 هـ
مرات العرض: 5806
المدة: 01:09:09
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (1141) حجم الملف: 15.8 MB
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[1] .

صدق الله العلي العظيم.

حديثنا انطلاقاً من الآية المباركة في محاور ثلاث:

  •  في مبدأ التقوى.
  •  في عملية التغيير في شهر رمضان المبارك.
  • في هدفية التغيير.
المحور الأول:

إن الآية المباركة وهي قوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[2] . تفيد أن جميع الأمم فُرض عليها الصيام، بكيفيات مختلفة، وذلك لهدف واضحٍ ألا وهو قوله عز وجل: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[3] .

وهنا يتبادر إلى الذهن بأن «لعلّ» إنما تستخدم للترجي كما إذا قلت: أذاكر؛ لعلّي أنجح، وأذهب إلى المسجد؛ لعلّي أنال رحمة من الله، ف «لعلّ» تستخدم للترجي، والترجي هو احتمال حصول النتيجة، لأن النتيجة لو كانت محسومة وكانت قطعية الحصول لما كان هناك حاجة لأن يترجاها الإنسان، فالترجي متقوّم باحتمال الحصول، وبالتالي فكيف يتصوّر الترجي من الله عز وجل، والله بالنسبة إليه تتساوى جميع الأزمنة، وتتساوى جميع الأحداث، فلا يوجد حدث محتمل أو حدث معلوم، فاحتمال الحدوث لا يتصور في حقه تبارك وتعالى، إذن ما معنى الترجي المتصور في حق الباري تبارك وتعالى حتى يُستخدم التعبير ب «لعل» ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[4] ، أو في قوله عز وجل في آية أخرى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى[5] . فما هو المراد من الترجي الصادر من الله عز وجل؟ ما هو المراد من مفاد ومضمون «لعل» إذا صدرت من الله تبارك وتعالى؟

المقصود بالترجي في المخلوق الذي لا يعلم غيب الأمور هو احتمال الحصول، ولكن المقصود بالترجي بالنسبة للعليم الخبير تبارك وتعالى هو المزاوجة بين الغرض الإعدادي والغرض الفعلي. ما هو المقصود بالمزاوجة بين الغرض الإعدادي والغرض الفعلي؟

نأتي مثلاً إلى الصلاة، الصلاة لها هدف يتحدث عنه القرآن الكريم فيقول: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ[6] . الهدف من الصلاة أن ينتهي الإنسان عن الفحشاء والمنكر، النهي عن الفحشاء والمنكر له درجتان: درجة إعدادية ودرجة فعلية. والمصلي يمر بهاتين الدرجتين، إن لم يحصل على الدرجة الفعلية فإنه قد حصل على الدرجة الإعدادية، بمعنى: من صلى الصلاة الحقيقية - لا الصلاة الروتينية، لا الصلاة الصورية - من صلى الصلاة الحقيقية وهي الصلاة المقترنة بالخشوع والتي عبّر عنها القرآن الكريم: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ[7] . من صلى الصلاة الحقيقية كانت صلاته إعداداً له لأن ينتهي عن الفحشاء والمنكر، قد لا ينتهي عن الفحشاء والمنكر دفعةً، وقد لا ينتهي عن الفحشاء والمنكر بمجرد أن يفرغ من الصلاة، ولكن الصلاة الخاشعة وسيلة لإعداد النفس لأن تنصرف عن الفحشاء والمنكر، فالصلاة تسبغ على النفس حالة نورية، وتجعل من النفس منصرفة وآبية عن ارتكاب الفحشاء والمنكر، وهذا الانصراف النفسي وهذا النور النفسي نعبّر عنه بالدرجة الإعدادية، نعبّر عنه بالنهي الإعدادي. هذا النهي الإعدادي قد يتحول - إذا أصرّ الإنسان على التقوى وعلى الفضيلة وبإرادة حازمة - يتحول من نهي إعدادي إلى نهي فعلي، ومن درجة إعدادية إلى درجة فعلية. فالهدف من الصلاة هو المزاوجة بين النهي الإعدادي والنهي الفعلي، وهذه المزاوجة بين النهي الإعدادي والنهي الفعلي هي المراد ب «الترجي»، عندما يقال: كيف الله يترجى؟ الله يعلم الغيب فما معنى أن يترجى؟ الترجي منه تعالى هو عبارة عن هذا التمازج بين هدف إعدادي وهدف فعلي.

فلنأت ولنطبق هذه النكتة على هذه الآية المباركة، عندما يقول الله تبارك وتعالى﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[8] . ما المراد ب «لعلّ»؟ ما المراد بالترجي الصادر منه تبارك وتعالى؟

الترجي في هذه الآية هو عبارة عن المزاوجة بين التقوى الإعدادية والتقوى الفعلية. فالصوم عندما يحصل عند الإنسان، الصوم عملية تدريب روحي على الصبر، مقاومة الشهوة ومقاومة الغريزة ومقاومة النزعات، هذا التدريب الروحي الذي يمارسه الصائم في أيام شهر رمضان المبارك أو أي زمن آخر، هذه العملية يترتب عليها هدفان: هدف إعدادي وهو أن تسبغ على النفس نوراً تنصرف به النفس عن الشهوات والغرائز والنزعات، فهذه تقوىً إعدادية وهذه التقوى الإعدادية إذا اقترنت بالإرادة وصلابة الموقف تتحول إلى تقوى فعلية، تتحول إلى عملية تقوى فعلية.

فإذن التعبير ب «لعل» يراد منه أنه: هناك تقوىً إعدادية يراد منها أن تتحول إلى تقوى فعلية بإصرار الإنسان وصلابته وإرادته كما ورد عن الإمام أمير المؤمنين علي : ”وإنما هي نفسي أروضها بالتقوى“. هذا من ناحية المحور الأول.

المحور الثاني: التقوى.

كيف تحصل التقوى؟ هل التقوى شيء يسير وأمر سهل؟ يحصل بمجرد أن يمارس الإنسان صلاةً أو نافلةً أو قراءة قرآن أو دعاء؟ هل هذه هي التقوى وانتهت المسألة؟ كيف تحصل عملية التقوى؟

التقوى تفتقر إلى عملية تغيير، شهر مضان مشروع تغيير، شهر رمضان عملية عسيرة ومخاض عسير يرجى منه التغيير، شهر رمضان عملية تغيير يراد من هذه العملية فيه أن تتحول إلى مبدأ التقوى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[9] .

كيف يتم مشروع التغيير في شخصية الإنسان من خلال شهر رمضان المبارك؟ حتى تكون عملية التغيير ناجحة فإنها تتوقف على ركنين ودعامتين: الركن الأول: جبلّة التغير. والركن الثاني: هدفية التغيير.

فكيف يعني جبلة التغيير؟ الآن هناك سؤال يطرحه عليك كل إنسان لا يؤمن بالدين: هل الدين ينسجم مع طبيعة الإنسان؟ يعني ان الله عز وجل عندما يأمرنا بشيء فلا بد أن يكون المأمور به منسجم مع طبيعتنا، لأن الإنسان إذا مارس عملاً لا ينسجم مع طبيعته وجبلته فمن المستحيل أن يبدع فيه، حتى تبدع وتتقن العمل لا بد أن يكون العمل منسجماً مع طويّتك وطبيعتك وجبلّتك، فلكي يكون العمل عملاً ناجحاً وإبداعياً فلا بد أن ينسجم مع طبائعنا وسجايانا وجبلتنا. هل الدين الذي أمر الله به ينسجم مع طبيعتنا وسجايانا؟

القرآن الكريم يقول: نعم، الدين ينسجم مع الطبيعة: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا[10] . أنت لم تُؤمر بشيء يتنافر مع طبيعتك، ولا بعمل ترفضه جبلّتك، أُمِرت بعمل يتناغم وينسجم تماماً مع فطرتك وطبيعتك. أنت أيضاً مأمور بعملية تغيير وفلترة وتصفية وتهذيب في شهر رمضان، فهل هذه العملية تنسجم مع جبلتك وطبيعتك؟ هل عملية التغيير تنسجم مع جبلّة الإنسان وطبيعته؟ كيف؟ الآن نطرح نقطة فلسفية بمقدار دقائق لنبين انسجام عملية التغيير مع طبيعة التغيير في شخصية الإنسان.

شخصية الإنسان شخصية تغييرية أصلاً، فمن العناصر الذاتية والمقومات الأساسية لشخصية الإنسان أنه شخصية تغييرية، الإنسان شخصية تغييرية، كيف؟ كيف يكون التغيير خُلقاً ذاتياً في الإنسان وعنصراً ذاتياً فيه؟

عندما نريد أن نشرح حقيقة الإنسان، ما هو الإنسان؟ الإنسان روح تعتمد على أدوات أربعة: الجسم، العقل، القلب، الزمكان. أربعة أدوات تستخدمها الروح، أيّ روح لأي إنسان تحتاج إلى هذه الأدوات الأربعة، لا يمكن للإنسان أن يخطّ مسيرته إلا بهذه الأدوات الأربعة، وكل أداة من هذه الأدوات الأربعة هي أداة غير ثابتة، هي أداة متغيرة، لا يوجد شيء ثابت، فالإنسان يعتمد على أدوات متغيّرة، شخصية الإنسان بروحه، وروحه تركن إلى أدوات أربعة، وهذه الأدوات الأربعة أدوات متغيّرة. إذن بناءً على ذلك سوف تصبح شخصية الإنسان شخصية تغييرية دائماً.

الأداة الأولى الجسم، والجسم دائماَ في حال تغيّر لا يثبت على حال، يرفض ملايين الخلايا ويكتسب ملايين الخلايا من طور إلى طور، ومن حالة إلى حالة ﴿مَّا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا[11] . تمر من طور إلى طور، من طفولة إلى شباب، إلى كهولة، إلى شيخوخة، فجسمك مستمر بالتغير. إذن الأداة الأولى أداة متغيرة لا أداة ثابتة.

تأتي للأداة الثانية ألا وهي القلب، القلب هو مجموعة الشواعر والعواطف، يعبَّر عنها القرآن والفكر الإسلامي بالقلب، القلب ما يثبت، دائماً في حال التغيّر.

ما  سمّي  القلب  إلا  من  iiتقلبه   فاحذر من القلب من قل وتحويل

القلب في حالة تغير: حزين، فرِح، كئيب، منشرح، منقبض، منبسط، ترى الإنسان يشعر أنه منقبض مكفهر كئيب من دون سبب، لا يعرف ما هو السبب، القلب في حالة تغيّر، مستحيل أن تجد قلبك سعيداً دائماً، مستحيل أن تمر عليك أربع وعشرون ساعة فرحاً فيها كلها، القلب دائماً في حالة تغيّر وتقلّب، لا يثبت على حالة واحدة إطلاقاً، مجموعة مشاعر تتعارض وتتزاحم وتتحارب والقلب غير مستقر. ولذلك ورد في الدعاء الشريف: ”يا مقلّب القلوب ثبت قلبي على دينك“. ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ[12] .

القلب متقلب، إذن العنصر الثاني من شخصيتك عنصر متقلب، وغير ثابت، وأنت تعتمد عليه، ألا وهو عنصر القلب. ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ[13] . يعني هذا قلبه قاسي وهذا قلبه منشرح. ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء[14] . أحياناً يأتي وقت الصلاة تشعر أنك مقبل على الصلاة، وأحياناً يأتي وقت الصلاة وتشعر أنك غير مقبل عليها، هذا أمر طبيعي، حتى العبّاد الزهاد تصيبهم فترات، ولذلك ورد عن الإمام الكاظم ”للقلوب إقبال وإدبار، فإذا أقبلت احملوها على الفرائض والنوافل - اغتنم الفرصة ما دام قلبك مقبلاً، صل النافلة، اقرأ الدعاء والقرآن، استغل فرصة إقبال القلب - وإذا أدبرت اقتصروا بها على الفرائض“. إذن القلب في حال تغيّر. هذا هو العنصر الثاني.

العنصر الثالث: العقل، العقل أداة من أدوات الروح. العقل عبارة عن طاقة التفكير، تستغلها الروح في وصول المعلومات ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[15] . من خلال الفكر يصل الإنسان إلى المعلومات، إذن العقل أداة، العقل أيضاً متغيّر، ولا يثبت على حال. القرآن الكريم يتحدث لنا عن العقل ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ - أشده ليس فقط جسمه بل عقله أيضاً، عقله صار ناضج - ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ[16] . ولذلك ورد عن النبي محمد : ”الأربعون سنّ الحكمة.“

إذا وصل إلى الأربعين وصل إلى سنّ القرار الناضج، وصل إلى سن الاستفادة من الخبرة والتجربة.

إذن العقل أيضاً في حالة تغير وفي حالة تكامل، ولذلك في الآية المباركة: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ[17] . يعني يخرجون من حالة إلى حالة أخرى﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ[18] . 

العنصر الرابع: الزمكان. هل يقدر الإنسان أن ينفصل عن الزمان والمكان؟ لا يقدر، والزمكان عنصر متغيّر وليس عنصراً ثابتاً ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا[19] .

إذن بما أن الإنسان متكئ ومستند إلى أدوات أربعة، وتلك الأدوات أدوات متغيّرة، فشخصية الإنسان شخصية تغييرية. وبما أن شخصية الإنسان شخصية تغييرية فلأجل ذلك صار الإنسان مجبولاً على التغير، فُطِر على التغيير، ويهوى التغيير دائماً، الإنسان لا يحب أن يجمد على حال، ولا يحب أن يبقى على روتين معيّن ونمط معين، الإنسان بطبيعته شخصية تغييرية لا شخصية نمطية.

إذن عملية التغيير عملية منسجمة مع فطرة الإنسان، منسجمة مع حقيقة شخصية الإنسان في أن شخصية الإنسان شخصية تغييرية، تهوى التغيير، تريد التغيير، تتوق إلى التغيير. من أجل ذلك إذا جاء شهر رمضان تاقت نفس الإنسان إلى أن تتغير، أريد أن أقول: أنا لا أريد أن استمر في شهر رمضان مثل باقي الشهور، لا أريد أن يكون برنامجي ومشروعي في شهر رمضان كمشروعي في بقية الشهور، إذن ما هي ميزة شهر رمضان على غيره من الشهور؟ أنا أريد تغييراً، أنا أريد أن يتحول شهر رمضان إلى عملية تغييرية في حياتي لأن فطرتي تلحّ عليّ في التغيير، وتقودني إلى التغيير، فما هي عملية التغيير التي أركّز عليها واتطلع إليها من خلال شهر رمضان المبارك؟

هناك الكثير منا مع الأسف نتيجة الثقافة الإعلامية التي نتلقّها - نحن من أين نأخذ ثقافتنا؟ نأخذها من القنوات، ومن النت، ومن وسائل الاتصال. هذه الروافد تتحدث لنا عن شهر رمضان لكن بشكل آخر، رمضان شهر المسلسلات والأفلام، - وترى بعضهم: الوقت الفلاني وقت المسلسل فلا يفرّط به، هذا وقت مشاهدة المسلسل، فمهما حصلت من واجبات أخرى فدعها على جانب، فلا يرفع يده عن المسلسل - شهر المسلسلات، شهر السهر مع الأصدقاء في الأماكن العامة، في الأماكن الخاصة، شهر الرياضة ولعب الكرة، شهر الأسواق: تُعرض فيه البضائع المختلفة بأسعار مختلفة، وتتحول الأسواق في ليلها إلى نهار. إذن بالنسبة إلى المرأة شهر السوق، وبالنسبة لهذا الرجل شهر المسلسل والرياضة والأنس والسهر مع الأصدقاء.

عملية التغيير التي نكتسبها من خلال وسائل الإعلام التي نسترفد منها ثقافتنا ومعلوماتنا تحدّث وتصوّر لنا أن عملية التغيير هي عملية نفسية محضة، هي عملية ترفية محضة، فشهر رمضان شهرٌ لإمتاع النفس، وتسليتها، والترفيه عنها، شهر رمضان موسم مِتعة، وترفيه، وترف. هكذا ننظر إلى عملية التغيير.

ولكن الحق أن عملية التغيير يجب أن تكون عملية روحية وليست عملية نفسية، عملية تقتلع براثن الفساد والانحراف من النفس، عملية تقتلع الأمراض الروحية من صميم القلب، لا بد أن ننظر إلى رمضان إلى أنه عملية تغيير إيجابية. كيف؟

نحن الخاسرون إذا أصررنا على العملية النفسية، نحن الخاسرون، فالوقت لا ينتظرنا، الوقت ماضي، كم قطعنا نحن في حياتنا؟ هناك من قطع خمسين مرة شهر رمضان، وهناك من قطع ثلاثين مرة شهر رمضان، وهناك من قطع عشرين مرة، كلٌ بحسب عمره. أنت الذي قطعت ثلاثين شهر رمضان هل أنتجت ثلاثين مشروعاً؟ أنا قطعت في عمري أربعين شهر رمضان، هل أنتجت من خلالها أربعين مشروعاً؟ هل أنتجت من خلالها مشروعاً تربوياً واحد؟ أو لا، فإذا أتحدث عن شهر رمضان سأقول: شاهدت ثلاثين مسلسلاً بعدد ثلاثين رمضان، أو سافرت ثلاثين سفرة بعدد ثلاثين رمضان، هذا رمضان بالنسبة لي.

يا إخوان الحياة ماضية، والقبر هو الذي ينتظرنا، ليجعل الإنسان دائماً في ذهنه القبر، هذا بيتك، بيتي هو القبر، ليس بيتي هو الوسادة الناعمة التي أنام عليها مع زوجتي، لا، هذا كله مؤقت، ليس بيتي هو هذه المقاعد الحريرية الناعمة التي أتكئ عليها، هذا كلّه مؤقت، بيتي الحقيقي هو قبري الذي ينتظرني.

ألا إنما الإنسان ضيف بأهله - أنت ضيف، أنا ضيف بين اولادي، وقت معيّن وأرحل -

ألا إنما الإنسان ضيف بأهله   يقيم  زماناً  بينهم  ثم  iiيرحل

إذن عملية التغيير يجب أن تكون ممهدة للبيت الحقيقي، انظر بعض شبابنا الذي يبني بيتاً، ما أكثر تعبه، يظل سنتين أو ثلاثاً مع العمّال ومع المقاول رايح جاي. تسأله: ما بالك تركت واجباتك الروحية والاجتماعية لماذا؟ [يجيبك:] لأني مشغول بالبناء، أريد أن أبني بيتاً جديداً ممتعاً مرفّهاً مريحاً، فلذلك طول وقتي أنا مشغول بالبناء. فليكن عُشر من وقتك مشغول ببناء ذلك البيت، البيت الحقيقي، القبر، هل نحن مشغولون بذلك؟ هل نصرف في اليوم ساعة واحدة في بناء البيت الجديد ألا وهو القبر؟ هل نصرف ساعة واحدة في كل يوم في تمهيد الوسادة المريحة التي سننام عليها في ذلك البيت الجديد، ألا وهو القبر؟ ”وارحم في ذلك البيت الجديد - زين العابدين يقول بيت، هذا بيتنا الجديد - وارحم في ذلك البيت الجديد غربتي، ووحدتي، ووحشتي“.

لا بد أن نلفت أنفسنا، لا بد أن نلقن أرواحنا، لا بد أن نتحدث دائماً: هل تهيأنا للبيت الجديد؟ وهل أعددنا أنفسنا له أم لا؟ الإمام زين العابدين علي يحمل الطعام على ظهره فيقول له أحد اصحابه - ألا وهو ابن شهاب الزهري -: إلى أين سيدي؟ حامل طعاماً على ظهرك، إلى أين؟ قال: إلى سفرٍ أعددت له زاداً، ثم رآه في اليوم الثاني في المسجد فقال: سيدي لم تسافر؟ قال: ليس السفر ما ظننت، إنه سفر الآخرة، سفر، فعملية التغيير يا أخوان في شهر رمضان عملية روحية، فهنيئاً لمن فرّغ نفسه للعبادة في شهر رمضان، هنيئاً لمن استغل ساعتين كل يوم للعبادة والتقوى، هنيئاً لمن صرف ساعتين كل يوم في الإعداد للقبر ولللحد وللبيت الجديد، ”الدنيا دار ممر والآخرة دار مقر فخذو من ممركم لمقركم“ كما ورد عن الإمام علي .

فنحن نتوق لعملية التغيير الإيجابية، لا لعملية التغيير السلبية. ولعملية التغيير الروحية، لا لعملية التغيير الترفية.

المحور الثالث: هدفية التغيير:

كلنا يريد أن يتغيّر في شهر رمضان، ويصبح إنساناً صالحاً في هذا الشهر، فهذا الشهر ثلاثون يوماً أو تسعاً وعشرون يوماً لا ساعة ولا ساعتين، كل يوم أربع وعشرون ساعة، وقت طويل جداً، هذا الوقت كيف تقضيه في عملية التغيير؟

هنا نتحدث عن هدفية التغيير، لماذا أريد أن أتغيّر؟ أريد أن أحصل على أهداف ثلاثة:

الهدف الأول: الشخصية المطمئنة. القرآن يمدح الشخصية المطمئنة: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي[20] .

الاطمئنان، الاطمئنان، نحن كلنا مصابون بمرض القلق، فهل يوجد إنسان ليس لديه قلق؟ عندنا قلق من الأمراض، عندنا قلق من الحروب، عندنا قلق من الكوارث، عندنا قلق حتى من أهلنا، فبعض عنده قلق من زوجته، وبعض عنده قلق من أولاده، وبعض عنده قلق من مستقبل أولاده، وبعض عنده قلق من مستقبل تجارته، وهكذا، لا يوجد أحد ليس لديه قلق، ولكن ليكن قلقي من ذنبي ومعصيتي، ليكن تفكيري دائماً في ذنبي ومعصيتي هو الذي يقلقني، وهو الذي ينغّص علي العيش، وأما ما سواه فأنا شخصية مطمئنة: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ[21] .

القرآن الكريم يقول: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ[22] . ويقول: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ[23] . ما هو الرزق؟ البعض يفكًر أن الرزق أن يحصل على المال، لا، فقد لا يحصل على مال، وربما يظل في فقر مدقع لأنه اتقى الله، فهذا ممكن، ليس الرزق المترتب على التقوى ثروةً أو لقباً أو منصباً اجتماعياً، كلا، الرزق المترتب على التقوى هي حياة الاطمئنان، أن يعيش إنساناً مطمئناً هادئاً، هذا هو الرزق ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ[24] . يعني يرزقه الاطمئنان، ولا يوجد رزق أعظم من الاطمئنان، أن تعيش مطمئناً. ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ[25] . ليس لديهم حزن ﴿وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ[26] . اطمئنان.

إذن الهدف الأول من عملية التغيير في شهر رمضان المبارك هو الوصول إلى الشخصية المطمئنة. هذا هو الهدف الأول.

الهدف الثاني: التوازن. والتوازن في موضعين: التوازن بين اللذة الوقتية واللذة الدائمة، والتوازن بين النزعة الفردية والنزعة الاجتماعية.

نأتي إلى تحليل التوازن في هذين الموردين، أنا أريد أن أكون شخصية متوازنة، شهر رمضان يعلمني على التوازن، أن أصبح شخصية متوازنة.

المورد الأول للتوازن: التوازن بين الشهوة والعفة. كيف أتوازن؟ لا أستطيع أن أتجرد من شهوتي، أنا إنسان ذو شهوة ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ[27] . لكنني أريد ان أتوازن بين الشهوة والعفة، وبتعبير علماء العرفان: ”بين اللذة المؤقتة واللذة الدائمة“. هناك لذة مؤقتة: أن أشبع شهوتي الجنسية، أن أشبع شهوتي إلى الطعام، أن أشبع شهوتي إلى الأنس والسهر، وهكذا، هذه لذة مؤقتة، وهناك لذة دائمة، وهي إذا وضعت في قبري فأنا مرتاح، كم أنام في قبري؟ الله يعلم متى تقوم القيامة؟ يمكن أنام مليار سنة، يمكن أنام مليون سنة إلى أن تقوم القيامة، ألا أحتاج أن أنام وأنا مرتاح؟، واحد يريد أن ينام مليون سنة، ألا يحتاج أن ينام وهو مرتاح؟ هذه اللذة الدائمة كيف أحصل عليها؟ فأنا أعيش صراعاً بين لذتين: لذة مؤقتة وهي أن أشبع شهواتي، ولذة دائمة أن أنام في قبري مرتاحاً لا يطالبني أحد بمال، ولا يطالبني أحد بجرم، ولا يطالبني ربي بذنب، نائم مرتاح، أنا أعيش صراعاً بين اللذتين. وكما يقول علماء العرفان: ”اللذة في ترك اللذة“. مقاومة الغريزة والصمود أمامها فيه اللذة، فاللذة في الصمود.

إذن رمضان ليس صبراً على الطعام ولا عن الشراب ولا عن المفطًرات التي ذكرها الفقهاء، رمضان تربية للإرادة، تربية للصمود، تربية للنفس على أن تتعلم أن اللذة في ترك اللذة، على تقديم اللذة الدائمة على اللذة المؤقتة، هذه هي عملية التغيير، وهذا هو الهدف من عملية التغيير.

المورد الثاني من التوازن: التوازن بين النزعة الفردية والنزعة الاجتماعية. كل إنسان عنده نزعة فردية، يريد أن يتملك، كلما دخل في تجارة يريد ثروة أكثر، يريد أن يحرّك أمواله وثروته ”منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب مال“ كلما حصل على ثروة أراد ما هو أكثر منها، طبيعة النزعة الفردية لدى الإنسان نزعة الاستئثار، نزعة التملك، نزعة لا تنتهي.

وهناك نزعة اجتماعية موجودة عنده، لاحظ، حتى هذا الظالم، حتى هذا الإنسان الغارق في التجارة عنده نزعة اجتماعية، يحب الناس، ما في إنسان لا يحب الناس، كل إنسان كما يمتلك نزعة فردية وهي نزعة الاستئثار فكذلك يمتلك نزعة اجتماعية وهي حب الناس.

كيف يوفق بين النزعة الفردية والنزعة الاجتماعية؟ كيف يتنازل عن شيء من ثروته التي تعب عليها لأجل الناس؟ ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ[28] . كيف يوفق بين حبه للثروة وبين تضحيته بوقته بجهده بلا مقابل في سبيل الناس؟ هذه تحتاج إلى عملية تغيير، شهر رمضان يتكفل بذلك، فشهر رمضان لا يربيك على الجوع والعطش، بل يربيك على أن تشعر بحاجة المحرومين، وبحاجة المضطهدين والمظلومين، يربيك على أن تشعر ان هناك مجتمعاً يحتاج منك إلى تضحية، التضحية بالوقت، التضحية بالفكر، التضحية بالمال، التضحية بما عندك في سبيل إنعاش مجتمعك، شهر رمضان عملية تغيير لإحداث توازن ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا * كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا[29] . كل واحد، إذن السعي: ﴿سَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ[30]  هذا السعي هو عملية التغيير، عملية التغيير الهدف منها إيجاد شخصية متوازنة، متوازنة بين النزعة الفردية والنزعة الاجتماعية ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ[31] . إذا كنت لا تستطيع أن تتصدق فلا أقل أصرف من وقتك، علّم الناس الدين والعقيدة والفقه. لا تستطيع أن تعلّم الناس فاقض حوائج الناس، ادخل في جمعية خيرية، ادخل في لجان كافل يتيم، اشتغل وليس فقط قاعد، قاعد لراتبي وبطني ونومي وأولادي وخلصنا!! ماذا قاعد تقدّم للمجتمع؟!! للناس؟!! والله أنا اشتغل، ألا تأخذ راتب على عملك؟! هل تقدم للناس شيء؟ أنت ما قاعد تقدّم شيئاً، صدقةً، شيئاً مجانيّاً، شيئاً لله ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ[32] .

عملية التغيير في شهر رمضان تربيك على أن تكون معطاءً، على أن تكون باذلاً، إما أن تبذل أموالاً، أو تبذل وقتاً، أو تبذل فكراً، أو تبذل خدمةً، المهم أن تبذل، وأن تحصل على عملية توازن بين النزعة الفردية والنزعة الاجتماعية ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ[33] . وورد عن النبي محمد : ”من قضى لأخيه المؤمن حاجة نودي من بطنان العرش عليّ ثوابك ولا أرضى لك بدون الجنة“. إذن هذا الهدف الثاني وهو الشخصية المتوازنة.

الهدف الثالث: الكرامة. هل هناك إنسان لا يريد الكرامة؟ نحن سنتعرض خطبة النبي في استقبال خطبة شهر رمضان المبارك: ”أيّها النّاس أنّه قد أقبل إليكم شهر الله - نحن مررنا بثلاثة شهور: شهر أمير المؤمنين وهو شهر رجب، وشهر النبي وهو شهر شعبان:“ وهذا شهر نبيك سيّد رسلك شعبان"، وشهر الله، الآن نحن نستقبل شهر الله، فنحن نترقى من شهر إلى شهر أعظم منه - بالبركة والرّحمة والمغفرة، شهر هو عند الله أفضل الشّهور، وأيّامه أفضل الأيّام، ولياليه أفضل اللّيالي، وساعاته أفضل السّاعات، هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله، - هل هناك أعظم من هذا؟ - أنت الآن ستصبح ضيفاً عند الله، فخذ من كرمه وخذ من عطائه، شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله، وأيضاً الآن نريد أن نصل إلى الهدف الذي نتحدث عنه: - وجعلتم فيه من أهل كرامة الله، - ما معنى من أهل كرامة الله؟ يعني أنا أطلب في شهر رمضان الكرامة - وجعلتم فيه من أهل كرامة الله - ما معنى من أهل كرامة الله؟

كما يقول علماء العرفان: عندنا رحمة عامة وعندنا رحمة خاصة، القرآن الكريم يقول: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم الرحمن يعبّر عن الرحمة العامة التي شملت الكون كله، والرحيم يعبّر عن الرحمة الخاصة ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ[34] . هذه الرحمة العامة ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ[35] . هذه الرحمة الخاصة، توجد رحمة عامة وتوجد رحمة خاصة. كذلك هناك كرامة عامة وهناك كرامة خاصة، فالكرامة العامة هي التي قال عنها عز وجل: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ[36] . ما من إنسان إلا أعطيناه كرامة ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً[37] . هذه كرامة عامة.

الكرامة العامة كرامة تكوينية: أن أعطي الإنسان الإرادة، فكل إنسان عنده إرادة، هذه كرامة تكوينية.

وكرامة تشريعية وهي قوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا[38] . هذه كرامة للإنسان، فمن كرامته أن لا يُساء الظن به، ومن كرامته أن لا يُتجسس عليه، ومن كرامته أن لا يُغتاب، هذه يطلق عليها «كرامة تشريعية»، فعندنا كرامة تكوينية وهي الإرادة، وكرامة تشريعية وهي ما تحدثت عنه هذه الآية المباركة. وكلا الكرامتين التشريعية والتكوينية كرامة عامة، نحن لا نبحث عنها لأنها موجودة. نحن نبحث عما ليس موجوداً، ألا وهو الكرامة الخاصة.

ما هي الكرامة الخاصة التي تتحقق في شهر رمضان ”وجعلتم فيه من أهل كرامة الله“؟

لاحظ أن هناك عدة آيات من القرآن الكريم ترشد إلى أنه هناك عناية خاصة من الله ببعض الناس، مثلاً: قوله عز وجل: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى[39] . لست أنت الذي ترمي ولكنه الله، كيف يسند الله العبد.

تأتي لآية أخرى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ[40] . كيف «الله» يأخذ الصدقات؟! الصدقات يأخذها الفقير كيف «الله» يأخذ الصدقات؟ كيف نتصور أخذ الله للصدقات؟ هذا إسناد إلهي خاص.

إذن، هناك بعض العباد - بدون ملائكة وبدون وسائط - الله تبارك وتعالى بشكل مباشر يعنتي بهم، ويسبغ عليهم رحمته وحنانه ورأفته وكرامته، هؤلاء هم أهل كرامة الله، أما نحن باقي العباد فتنالنا الرحمة منه بوسائط: بوساطة الملائكة، بوساطة الطبيعة، بوساطة الكون، لكن أهل كرامة الله تنالهم رحمته وعطفه بشكل مباشر، هو يأخذ الصدقات، هو يرمي ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى[41] . هداية خاصة بشكل مباشر من الله تبارك وتعالى، هؤلاء هم أهل كرامة الله، ولذلك يقول القرآن الكريم: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ[42] . هؤلاء هم أهل كرامة الله، ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ[43] . العباد المكرمون من شملتهم عناية مباشرة من الله عز وجل، أنت في شهر رمضان من أهل كرامة الله، أنت في شهر رمضان تمطرك الرحمة الإلهية والعناية الإلهية بشكل مباشر ”وجعلتم فيه من أهل كرامة الله“. كيف جعلتم فيه من أهل كرامة الله؟

يفصّل: أنفاسكم... هذه مظاهر لكرامة الله ومظاهر لعناية خاصة به: ”أنفاسكم فيه تسبيح ونومكم فيه عبادة وعملكم فيه مقبول“ نفَس الصائم كما تعلم فيه رائحة لأنه إنسان جائع وعطش، هذا النفس الذي قد يتقزز منه الإنسان الآخر لأنه نفَس صادر عن معدة خاوية، هذا النفَس تسبيح، النفَس المقترن بالخشوع بالخضوع بالصوم الحقيقي، بالصوم المتصل بالله عز وجل، هذا النفَس يتحول إلى تسبيح من خلال عناية الله ”أنفاسكم فيه تسبيح ونومكم فيه عبادة“. طبعاً النوم عن عبادة وليس النوم طول النهار. أنا أنام من الصبح إلى الساعة أربع، عبادة!! ما في أحسن من هذه العبادة، عبادة مريحة ومستأنس ومتاح. كلا، المقصود ب ”ونومكم فيه عبادة“ يعني النوم الذي يحصل عن العبادة، مارست العبادة إلى أن تعبت فنمت، قرأت القرآن إلى أن نامت عيني، قرأت الدعاء إلى أن نعست، صليت إلى تعبت فنمت، هذا النوم يتواصل، ألست كنت في عبادة؟ تظل العبادة متواصلة حتى بعد نومك ”ونومكم فيه عبادة“.

”وعملكم فيه مقبول“ قبول العمل منوط بالإخلاص والتوجه. أحياناً الإنسان يصدر منه عمل بدون توجه، كأن أكون جالس في السجد ويقرؤون الدعاء وقرأت معهم، لا أعلم ما الدعاء، ولست ملتفتاً للدعاء أبداً، أنا بالي مشغول: متى أطلع للعمل، وألقى رئيسي، وأتحدث معه، وأنا أقرأ الدعاء لكني لست مع الدعاء، هذا العمل ربما في غير رمضان غير مقبول، لأنه لا توجه فيه، أما في رمضان فهو مقبول: ”وعملكم فيه مقبول“ وإن لم يكن عن توجه. ”وعملكم فيه مقبول“ هذا كرم الله تبارك وتعالى " أنفاسكم فيه تسبيح ونومكم فيه عبادة وعملكم فيه مقبول.

”أيّها النّاس إنّ أبواب الجنان في هذا الشّهر مفتحة فسلوا ربّكم أن لا يغلقها عليكم“ حاول أن لا تعصي ربك، ألا تستطيع ان تضبط نفسك خمسة عشر ساعة عن المعصية؟!! أنت الآن تضبط نفسك خمسة عشر ساعة عن الأكل فاضبط نفسك خمسة عشر ساعة عن المعصية، فما الفرق؟ أنت تشتهي أن تأكل وتضبط نفسك، وتشتهي أن تشرب وتضبط نفسك، أيضاً عن المعصية اضبط نفسك. لتكن لك إرادة أمام شهوة المعصية وغريزة الرذيلة، فإذا كانت لديك إرادة فأنت مع الأبواب المفتوحة للجنة، فاسألوا الله أن لا يغلقها بالمعصية.

”وأبواب النّيران مغلقة فسلوا ربّكم أن لا يفتحها عليكم“ لا تفتح لك باباً من النار، هذه المعصية الصغيرة باب من النار ”فسلوا ربكم أن لا يفتحها عليكم والشياطين مغلولة، فسلوا ربكم أن لا يسلطها عليكم“. إذن حاذر حاذر أن لا تقع في وحل المعصية.

شهر رمضان، أعدّوا أنفسكم للأعمال الأربعة ولو ساعتين في كل يوم:

العمل الأول: قراءة القرآن فإنه نور لقبرك ونور لآخرتك فقد ورد في الحديث عن النبي ”إن درجات الجنة يوم القيامة بآيات القرآن وكلما قرأ آية رقى درجة“. ”من قرأ خمسين آية كُتب من الذاكرين، من قرأ ثلاثين آية كُتب من القانتين، من قرأ عشرين آية كُتب من الخاشعين، من قرأ عشر آيات لم يكتب من الغافين“. اقرأ، اقرأ كل يوم لك جزء، اقرأ لك كل يوم مقدار من الآيات، هذا نور.

العمل الثاني: الدعاء، وما أجمل أدعية الإمام السجاد: دعاء أبي حمزة، المناجاة الخمسة عشر. اقرأ، إذا كنت لا تقرأ دعاء أبي حمزة فاقرأ المناجاة الخمسة عشر: مناجاة التائبين، مناجاة الخائفين، مناجاة الراغبين، اقرأ هذه المناجاة بخشوع وتأمل ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ[44] . متى يصير قريب منك؟ قريب منا إذا دعانا ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ[45] .. يعني إذا توجه إلي بالدعاء، إذا توجه قلبه إلي بالإنابة ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ[46] . ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ[47] . كيف تريد أن يعتني بك الله ويعبأ بك وأنت معرض عن الدعاء؟ إن حضرت المسجد وإلا فلا دعاء، هذا مفاتيح الجنان في البيت لا يُفتح، إما أن تأتي المسجد أو لا تقرأ القرآن ولا الدعاء!!! ما يصير، إذن كيف تربي أولادك على الدعاء؟ كيف تربي أسرتك على الدعاء؟ إذا رأى أولادك أنك تفتح مفاتيح الجنان وتقرأ تربوا على جو الدعاء، إذا رأوا أسرتك أنك تجلس وتقرأ القرآن تربت على قراءة القرآن، هكذا، فهذه تربية لنفسك وتربية لأسرتك. إذن العمل الثاني الدعاء: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ[48] .

العمل الثالث في شهر رمضان صلة الرحم، هذه فرصة مؤاتية لصلة رحمك، خالات عمات أخوال أعمام، أجداد جدات، ما يُعد رحماً لك، فقد ورد عن النبي : ”إن للرحم لساناً طلقاً ذلقاً يوم القيامة يقول: يا رب صل من وصلني واقطع من قطعني“. ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ[49] .

إن صلة الأرحام تزكي الأعمال، تنمي الأموال، تعمر الديار، تنسئ الأجيال، الأجل يطول.

العمل الرابع الإنفاق. وهذا أجل الأعمال وأشرفها في شهر رمضان، عندك مال انفق في شهر رمضان، وليس ضروري أن تُعِدّ طعاماً، هناك فقراء كثيرون في بلدك ومجتمعك أوصل إليهم بعض الأموال وبعض الطعام وبعض الهبات.

وهناك إنفاق من نوع آخر، ابذل... أنت مدرس فيزياء، درّس بعض الشباب الذين يحتاجون إلى فيزياء بلا مقابل، فهذا إنفاق، أنت لديك طاقات، عندك علم رياضيات أو إدارة أو هندسة درّس من يحتاج إلى ذلك بلا مقابل، هذا إتفاق﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ[50] . ادخل في الأعمال الموجودة في المساجد، فالمساجد فرصة للعمل، الآن عندكم في بلدنا من الأعمال ما يرتاح إليه الإنسان ويفخر بها، هذه «لجنة ناصفة» في هذه السنة عملوا لهم أسبوع أسموه «أسبوع المسجد» لجنة من شبابنا الخيّرين وأبنائنا الطيّبين المخلصين الغيورين على الدين، ليس لأنه ليس لديهم شغل، قد يقول قائل: هؤلاء قاموا بذلك لأنهم ليس لديهم شغل، كلا، هؤلاء أيضاً عندهم شغل، وموظفون، وعندهم أُسر أيضاً، لكن أيضاً يشتغلوا للمجتمع ويفيدوا الناس.

«لجنة ناصفة» «أسبوع المسجد» يدورون على المساجد ويقومون بتنظيفها ورعايتها وتقديم بعض الخدمات للمساجد، هذا يسمونه «أسبوع المسجد»، لديهم موقع إسمه «أسبوع المسجد».

المساجد تحتاج إلى عمل وتنمية، المسجد ليس فقط صلاة وخرجنا، كيف كان مسجد رسول الله هل صلاة جماعة فقط؟ لا، مسجد رسول الله كان منطلقاً للجهاد، منطلقاً للصدقات، منطلقاً للعطاء، منطلقاً لتغيير المجتمع، رسول الله غيّر المجتمع من خلال ماذا؟ من خلال المسجد، المسجد ليس صلاة جماعة وخرجنا، كلا. صحيح أن صلاة الجماعة ركن أساسي. لكن أيضاً المسجد مدرسة ومنطلق للتغيير ولعملية التغيير، وهذه العملية تحتاج إلى سواعد شباب خيّرين، فهناك دورات ثقافية في المساجد، صناديق خيرية في المساجد، دورات تعليمية في المساجد، ادخل أنت في هذه الدورات، علّم، أنفق من وقتك، أنفق من فكرك، أنفق من طاقتك.

إذن هذه الأعمال الأربعة: قراءة القرآن، قراءة الدعاء، صلة الرحم، الإنفاق، ولا نريد أن نتحدث عن النوافل فهي معلومة: نافلة الظهر ثمان ركعات، والعصر ثمان، والليل أحد عشر ركعة...، لا نحتاج أن نتحدث عن النوافل فهي معلومة. لكن كل الذي ذكرناه لا يستغرق من وقتك ساعتين في اليوم، فلا تبخل على نفسك، ولا على قبرك، ولا على مستقبلك في الآخرة، حاول أن تزود نفسك بزاد التقوى، ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى[51] . حاول أن تخوض عملية التغيير في شهر رمضان عملية توصلك إلى التقوى ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[52] .

نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا من الصالحين، والقائمين، والذين تبنوا منهج التغيير لأجل التقوى، واجعلنا من المتقين، ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء[53] .

[1]  سورة البقرة: 183.
[2]  سورة البقرة: 183.
[3]  سورة البقرة: 183.
[4]  سورة البقرة: 183.
[5]  سورة طه: 44.
[6]  سورة العنكبوت: 45.
[7]  سورة المؤمنون: 1 - 2.
[8]  سورة البقرة: 183.
[9]  سورة البقرة: 183.
[10]  سورة الروم: 30.
[11]  سورة نوح: 13 - 14.
[12]  سورة إبراهيم: 27.
[13]  سورة الزمر: 22.
[14]  سورة الأنعام: 125.
[15]  سورة النحل: 68.
[16]  سورة الأحقاف: 15.
[17]  سورة الزمر: 17 - 18.
[18]  سورة الزمر: 17 - 18.
[19]  سورة النبأ: 10 - 11.
[20]  سورة الفجر: 27 - 30.
[21]  سورة الفجر: 27 - 30.
[22]  سورة الرعد: 28.
[23]  سورة الطلاق: 2 - 3.
[24]  سورة الطلاق: 2 - 3.
[25]  سورة يونس: 62.
[26]  سورة يونس: 62.
[27]  سورة يوسف: 53.
[28]  سورة الذاريات: 19.
[29]  سورة الإسراء: 18 - 20.
[30]  سورة الإسراء: 18 - 20.
[31]  سورة آل عمران: 92.
[32]  سورة الإنسان: 9.
[33]  سورة آل عمران: 92.
[34]  سورة الاعراف: 156.
[35]  سورة الاعراف: 156.
[36]  سورة الإسراء: 70.
[37]  سورة الإسراء: 70.
[38]  سورة الحجرات: 12.
[39]  سورة الأنفال: 17.
[40]  سورة التوبة: 104
[41]  سورة الأنفال: 17.
[42]  سورة الأنبياء: 26.
[43]  سورة الأنبياء: 26 - 27.
[44]  سورة البقرة: 186.
[45]  سورة البقرة: 186.
[46]  سورة البقرة: 186.
[47]  سورة الفرقان: 77.
[48]  سورة الفرقان: 77.
[49]  سورة محمد: 22.
[50]  سورة آل عمران: 92.
[51]  سورة البقرة: 197.
[52]  سورة البقرة: 183.
[53]  سورة إبراهيم: 40.

كيف نتعامل مع الأحداث الدامية