نص الشريط
مظاهر البيت العلوي الفاطمي
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مسجد الإمام علي (ع) بالقطيف
التاريخ: 18/5/1421 هـ
مرات العرض: 4325
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (1432)
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا

صدق الله العلي العظيم

البيت العلوي الفاطمي الذي تشكل من علي وفاطمة والحسن والحسين، البيت الهاشمي المتألف من هذه الأسرة الطاهرة هو المثل الأعلى لكل بيت وهو القدوة الأولى لكل أسرة.

هذا البيت الذي مدحه القرآن الكريم بقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا..

هذا البيت الذي كان الرسول يقف كل فجر على باب هذا البيت لمدة ستة أشهر كما رواه أحمد بن حنبل في مسنده ويتلوا هذه الآية المباركة: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا..

هذا البيت الذي تحدثت عنه آية المباهلة حيث قال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ، فأخرج الرسول علياً وفاطمة والحسن والحسين.. الحسن بيمينه والحسين بشماله وخلف علي فاطمة، فلما رأوهم أسقف نصارى نجران، قال: إن لأرى وجوهاً لو أقسمت على الله أن يزيل جبلاً لأزاله بها فلا تباهلوهم فتهلكوا.. كما روى ذلك الزمخشري في كشافه والرازي في تفسيره.. ماذا نستفيد نحن المسلمين من هذا البيت العلوي الفاطمي؟

هناك مظاهر أربعة في هذا البيت العلوي الفاطمي:

المظهر الأول: عدم التركيز على القضايا المادية.

كيف كانت فاطمة وكيف كان علي؟ علي وفاطمة بنيا أسرة غير معتنية وغير مركزة على القضايا المادية.. مجتمعنا الآن يحتاج إلى ذرة من الاقتداء ببيت علي وفاطمة في هذا المجال.. مجتمعنا الآن غارق في الترف من ناحية القضايا المادية.. الزوج والزوجة يركزان على الأثاث الفخم.. يركزان على المنزل الفخم.. يركزان على اللباس الفاخر.. يركزان على المظاهر الترفية بقدر ما يمكن من ثروتهما وأموالهما.. لا بأس للإنسان أن يظهر نعمة الله التي أنعم الله بها عليه على لباسه وعلى بيته وعلى شكله وعلى أثاثه.. ولكن الإغراق في الترف والتركيز على مظاهر الترف وعلى أن يختار أفخم الأثاث وأن يختار أفخر اللباس وأن يختار أحسن المظاهر.. التركيز على هذه القضايا المادية يجعل الأسرة مطوقة بأجواء المترف.. والأسرة المطوقة بأجواء الترف، تنعكس حالة الترف على أبناءها وأولادها.. الأولاد الذين يعيشون منذ صغرهم على الترف.. ينام على الوسادة الناعمة وعلى الأثاث الفخم ويلبس أفخر الثياب.. الأولاد الذين يعيشون أجواء الترف منذ نعومة أظفارهم، تقل عندهم الروح الاجتماعية.. يضعف عندهم الإحساس بآلام الفقراء.. يضعف عندهم الإحساس بآلام المحتاجين.. يضعف عندهم الانفعال بهموم المجتمع وبقضايا المجتمع لأنهم ولدوا ونشأوا وعاشوا وتربوا على أجواء الترف.

لذلك نجد بيت علي وفاطمة يركز على عدم الاعتناء بالقضايا المادية.. عدم الاعتناء بمظاهر الترف.. ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا

فلننظر إلى بيت علي وفاطمة.. ورد عن علي كما في البحار: «أنطلقت فبعت درعي ب480 درهماً، وأقبلت إلى رسول الله ، فطرحت الدراهم بين يديه.. فأعطى قبضة إلى أم أيمن لمتاع البيت، وقبضة إلى أسماء للطيب، وقبضة إلى أم سلمة للطعام، وأنفذ عماراً وأبا بكر وبلالاً لابتياع ما يصلحها، وكان ما اشتروه: قميص، خمار، قطيفة سوداء خيبرية، صرير مزمل بشريط، فِراشان من خيش مصر، حشو أحدهما ليف وحشو الآخر من جز الغنم، ستراً من صوف وحصير غجري، ورحى يد وسقاء من أُدُم، ومخضب من نحاس، وقعب للبن، وشن للماء، وجرة خضراء، ونطع من أٌدُم، وعباءة وقربة ماء».. هذا أثاث بيت علي وفاطمة..

هذا البيت وهذه الأسرة التي عاشت خمس سنوات أو ست سنوات على اختلاف الروايات.. هذا هو أثاثها المتواضع.. هذه هي المظاهر المادية المتواضعة التي كانت متوفرة في بيت علي وفاطمة.. أراد علي وفاطمة بذلك أن يضربا المثل الأعلى.. أن الأسرة هي الأسرة التي تهتم بحركة التكامل هي الأسرة التي تهتم بتربية الأجيال تربية روحية.. لا الأسرة التي تركز على المظاهر المادية وعلى الأجواء الترفية.. هكذا كانت أسرة علي وفاطمة.

المظهر الثاني: التعاون.

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، هل كان علي يتكل في سائر الأمور على فاطمة؟ وهل كانت فاطمة تتكلف في سائر الأمور على الخادم أو الشغالة أو العامل؟ أم كان بين علي وفاطمة تعاون؟

كان بين علي وفاطمة تنسيق في إدارة أمور المنزل.. علي يدير بعض وفاطمة تدير البعض الآخر من المنزل.. وهذا درس عملي لكل أسرة متدينة.. تقسيم أمور الإدارة بين الزوج والزوجة مظهراً للتعاون.. كي يتعلم أبناء الأسرة وأطفال الأسرة منذ صغرهم على روح التعاون.. إذا رأى الأبناء الأبوين يتعاونان في إدارة الأمور، تربى الأبناء على روح العمل الجماعي.. تربى الأبناء على روح التعاون.. تربى الأبناء على أن يبذل كل شخص منهم جهداً في سبيل راحة الآخر..

الإمام علي يتحدث كما في بحار الأنوار: يقول لرجل من بني سعد: ألا أحدثك عني وعن فاطمة، إنها كانت عندي وكانت من أحب أهل الرسول إليه.. وإنها استقت بالقربة حتى أثر في صدرها وطحنت بالرحى حتى مجلت يداها وكسحت البيت حتى اغبرت ثيابها، وأوقدت النار تحت القدر حتى دكنت ثيابها.. فأصابها من ذلك ضرر شديد، فقلت لها لو أتيت أباك فسألتيه خادماً يكفيك ضر ما أنت فيه من هذا العمل.. فأتت النبي فوجدت عنده حداثاً «أي أناساً يتحدثون إليه» فاستحت وانصرفت.. قال علي : فعلم النبي أنها جاءت لحاجة، فغدا علينا رسول الله ونحن في لفاعنا، فقال: السلام عليكم، فقلت: وعليك السلام يا رسول الله، أدخل.. فلم يعد أن جلس عندنا، فقال: يا فاطمة، ما كانت حاجتك أمس عند محمد.. قال: فخشيت إن لم تجبه أن يقوم.. قال: أنا والله أخبرك.. إنها استقت بالقربة حتى أثرت في صدرها وجرت بالرحى حتى مجلت يداها وكسحت البيت حتى اغبرت ثيابها.. فقلت لها لو أتيت أباك فسألتيه خادماً يكفيك ضر ما أنت فيه من هذا العمل.. قال : أفلا أعلمكما ما هو خير لكما من الخادم، إذا أخذتما منامكما فسبحا 33 واحمدا 33 وكبرا 34 فذلك 100 باللسان و1000 حسنة في الميزان.. فقالت : رضيت عن الله ورسوله.

مظهر التعاون الذي كان يتجلى بين علي وفاطمة كان درساً للأجيال.. يروي صاحب البحار: دخل يوما رسول الله على علي فوجده وفاطمة يطحنان في الجاروش، فقال النبي : أيكما أعيا «أي أشد تعباً وإعياء».. فقال علي: فاطمة يا رسول الله.. فقال رسول الله : قومي يا بنية.. فقامت وجلس النبي موضعها مع علي، فواساه في طحن الحب.. وعن أبي عبدالله الصادق : كان أمير المؤمنين يحتطب ويسقي ويكنس وكانت فاطمة تطحن وتعجن وتخبز.

المظهر الثالث: حسن المداراة والتركيز على احترام مشاعر الآخر.

تجد الإسلام من خلال نصوصه ومن خلال أحاديثه، كما يركز على المرأة أن تداري الرجل، كذلك يركز على الرجل أن يداري المرأة.. كما يطلب من المرأة حسن التبعل، يطلب من الرجل أيضاً.. لاحظوا الروايات، ورد عن النبي : جهاد المرأة حسن التبعل.. وورد عنه : ما استفاد امروء بعد الإسلام فائدة أفضل من زوجة تسره إذا نظر إليها، وتطيعه إذا أمرها، وتحفظه إذا غاب عنها في نفسها وماله..

أيضاً وردت أحاديث في الرجل أيضاً.. أمير المؤمنين في وصيته لابنه محمد بن الحنفية، قال: يا بني، المرأة ريحانة وليست قهرمانة فدارها على كل حال وأحسن الصحبة معها كي يصفو لك العيش معها..

إسحاق ابن عمار يسأل الإمام الباقر : «ما حق المرأة على زوجها إذا فعل ذلك كان محسنا؟ قال: حق المرأة على زوجها إذا فعل ذلك كان محسناً، أن يشبعها ويكسوها وإذا جهلت غفر لها»..

المرأة قد تغضب، قد تنفعل، قد تصدر منها كلمات نابية، كلمات جارحة في حق الزوج.. وظيفته أن يغفر لها، أن يتجاوز عنها.. «وإذا جهلت غفر لها».. كما يطلب من المرأة أن تتزين لزوجها وأن تتعامل معه بالكلمة الطيبة وبالبسمة العذبة وبالمنظر الجذاب، يطلب كذلك من الرجل أن يتزين لزوجته وأن يتعامل معها بالبسمة وبالكلمة الطيبة كما يطلب من المرأة.. كما يطلب من المرأة أن تكون في موطن الجذب لزوجها، يطلب من الرجل أن يكون في موطن الجذب لزوجته..

وقد ورد في رواية أبي سدير أنه قال: رأيت الإمام الباقر قد اختضب، قلت: اختضبت يا أبا جعفر، قال : إن التهيئ تزيد في عفة المرأة، وما ترك النساء عفافهن إلا لعدم التهيئ لهن من الرجال «هذا يعني أن الرجل إذا لم يتزين إلى زوجته، المرأة قد تخرج عن حدود العفاف، تنجر إلى أمور غير مشروعة»، ثم قال: أيسرك أن تراها على ما تراك عليه، قال: لا، قال : فهو ذاك «أي كما تريد أن تراها متزينة لك، تريدك أن تتزين لها».. ويقول أحد أصحابه، رأيته ذات يوم يلبس قطيفة حمراء، قلت سيدي: ماذا؟ قال: إنها تحبها فلبست لها.. الإمام المعصوم يتزين لزوجته.. يريد أن يُعّلم الرجل كيف يتعامل مع زوجته وكيف يتعامل في سبيل أن يبقي موضع التجاذب بينه وبين زوجته.. وهكذا من النصوص والروايات الورادة في هذا الباب.

لاحظوا عنفوان المشاعر وحرارة العواطف بين علي وبين فاطمة.. النصوص التي ترشد الرجل وترشد المرأة إلى أن يكونا بأحسن طريقة في إبراز العواطف وفي إبراز المشاعر.. ورد عن الإمام الصادق : قول الرجل للمرأة إني أحبك لا يذهب من قلبها أبداً.. أي أن هذه الكلمة يبقى لها أثر ويبقى لها صدى في نفس الزوجة.. تجذب الزوجة إلى الزوج..

لاحظوا كيف كان علي وفاطمة.. علي يتحدث عن فاطمة: فوالله ما أغضبتها ولا أكربتها حتى قبضها الله إليه، ولا أغضبتني ولا عصت لي أمرا قط.. فاطمة تسكن جراحه، تهدئ أتعابه.. فاطمة تقف إلى جنبه في كل خطواته وفي كل أعماله الرسالية.. فاطمة واقفة إلى جنب علي بن أبي طالب..

كلكم سمعتم من الخطباء حديث فاطمة إلى علي حيث وفاتها.. ماذا قالت فاطمة لعلي حين وفاتها؟.. يا ابن عم ما عهدتي كاذبة ولا خالفتك منذ عاشرتني.. فقال : معاذ الله، أنت أعلم بالله وأبر وأتقى وأكرم وأشد خوفاً منه.. والله لقد جددتي علي مصيبة رسول الله وقد عظمت وفاتك وفقدك، فإنا لله وإنا إليه راجعون..

هذه التعبيرات التي وردت على لسان علي وفاطمة.. ترشد إلى عمق الحرارة، وعمق العلاقة العاطفية التي كانت تربط علي بفاطمة.. وهذا هو الغرض القرآني الذي جعله القرآن للأسرة: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا.. شعور الزوج بالسكن، بالاستقرار، بالراحة العاطفية هدف سامِ من أهداف الزواج.. والشعور بالاستقرار والسكن والهدوء العاطفي نتيجة تبادل المشاعر والعواطف بين الزوج وبين الزوجة.

المظهر الرابع: الاهتمام بالتربية.

مجتمعاتنا لابد أن تتعلم من هذه الأسرة العلوية الفاطمية.. علي وفاطمة يركزان على التربية.. التربية هي الأساس.. تربية الجيل تربية صالحة هي الأساس عند علي وفاطمة.. لاحظوا فاطمة كيف كانت تتعامل مع ولدها الحسن .. اقرأوا التاريخ: فاطمة ترسل ولدها الحسن إلى المسجد ليستمع الوحي ويحفظه ويأتي ويقرأه على أمه الزهراء.. إذا أقبل علي عليها رآها تقرأ الوحي، قال: من أين لك هذا؟.. قالت ابنك هذا أحفظني وعلمني.. ذهب المسجد وحفظ الوحي «وكان ابن ثلاث سنوات أو أقل من ذلك»..

يوم من الأيام الإمام أمير المؤمنين اختفى خلف الباب ليسمع ولده الحسن كيف يقرأ الوحي، وإذا ولده الحسن يتلعثم لسانه.. قالت له أمه فاطمة: اقرأ كما كنت تقرأ علي.. قال: أماه، كل لساني وقل بياني، لعل سيداً يرعاني.. فما سمع علي كلامه، خرج إليه وضمه إلى صدره وقال: بأبي أنتم وأمي أهل بيت النبوة الله أعلم حيث يجعل رسالته فيكم أهل البيت..

الإمام الحسن يتحدث عن تربية أمه له، يقول الحسن : ما رأيت أعبد من أمي فاطمة، كانت إذا قامت إلى الصلاة لا تنفتل من صلاتها حتى تتورم قدماها من كثرة الوقوف بين يدي ربها «تريد أن تعلم ولدها كيف يعبد الله.. كيف يواظب على العبادة» يقول لها: أماه، دائماً أسمعك تدعين للمؤمنين والمؤمنات، لم لا تدعين لنفسك؟ فتقول له: بني حسن، الجار ثم الدار.. تربي ولدها الحسن روح الإحساس بالآخرين.. تربي ولدها الحسن على الإحساس بحاجات المجتمع، بهموم المجتمع..

لاحظوا القضية القرآنية التي يرويها القرآن ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا «8» إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا.. المؤرخون يقولون نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين.. كانوا يجعلون أقراص الخبز وقت الإفطار من الصوم.. يريدون أن يفطروا.. يقبل المسكين، يقوم الأطفال يتسابقون على الصدقة، فيعطوا الأقراص المسكين.. يأتي اليوم الثاني، يأتي اليتيم، يقوم الأطفال يتسابقون على الصدقة، يعطوا الأقراص لليتيم.. يأتي اليوم الثالث، يأتي الأسير، يقوم الأطفال يتسابقون على الصدقة.. ما الذي يجعل الأطفال وهم في سن صغير، يتسابقون للصدقة بأقراصهم؟

لولا التربية الصالحة.. لولا تربية علي وفاطمة لهذا الطفل على أن يكون إنساناً اجتماعياً، على أن يشعر بهموم المجتمع.. لولا تربية علي وفاطمة لهم على هذا النفس، لما تسابقوا للصدقة بالأقراص الوحيدة التي ليس لهم بدلها وليس لهم غيرها.. ثلاثة أيام يبيتون لا يشربون إلا الماء.. جاء إليهم رسول الله وهم يرتعشون كالفراخ.. قال ساءني ما أرى بكم، فأخبروه بأنهم كانوا يتسابقون بأقراصهم على الصدقة.. فنزلت فيهم هذه الآيات ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا «8» إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا.. فلنُعّلم أطفالنا على الصدقة.. فلنعلم أطفالنا على الإحساس بالفقراء.. فلنعلم أطفالنا على الإحساس بالمجتمع وبهموم المجتمع كما كانت أسرة علي وفاطمة.

الإسلام يرى أن القاعدة هي التربية، والخروج من البيت إلى العمل هو أمر استثنائي.. بعكس المفاهيم الآن.. الآن المفهوم الغربي هو الذي طغى على مجتمعاتنا وهو أن المرأة تعمل وأن لها وظيفة.. الإسلام يرى أن القاعدة أن المرأة مربية.. مربية للجيل.. مربية للأسرة.. استثناء أن تكون المرأة عاملة.. المفهوم الإسلامي يرى أن القاعدة كون المرأة مربية تتفرغ لتربية أطفالها وأبنائها.. نعم، استثناءاً المجتمع يحتاج إلى طبيبات إلى ممرضات إلى مدرسات، تخرج المرأة للعمل لتغطية هذه الحاجة بحيث لا يؤثر على تربيتها على أطفالها وأبنائها.. أو تكون المرأة مضطرة للعمل فتخرج بحيث لا يؤثر على تربية أطفالها وأبنائها.. أما القاعدة الأساس هي كون المرأة مربية لا كون المرأة موظفة وعاملة كما هي المفاهيم الغربية الآن التي طغت على مجتمعاتنا.. فإذا خرجت المرأة للعمل، فهناك أحكام لابد أن تلتفت المرأة والرجل إلى هذه الأحكام الشرعية.

أذكر هذه الأحكام وفق منهجنا في بيان الأحكام.. إن منهجنا في بيان الأحكام الفقهية على نحو بيان الفتوى ومستند الفتوى «دليل الفتوى».. لذلك نذكر هذه الأحكام مؤيدة ومؤكدة بالروايات والنصوص الواردة في الكتاب والسنة.

أحكام النظر إلى الجنس الآخر

لا يجوز للمرأة ولا للرجل أن ينظرا إلى الطرف الآخر «الأجنبي» نظرة مع الشهوة والريبة.. ودليلنا على ذلك معتبرة الكاهلي عن الصادق : «النظرة بعد النظرة تزرع في القلب الشهوة وكفى بها لصاحبها فتنة».

وفي رواية أخرى: النظرة سهم من سهام إبليس كم أورثت حسرة طويلة.. سيدنا السيد الخوئي قدس سره يقول: نفس الآية «وقل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن».. لماذا عبرت الآية ب «مِن»؟ لاحظوا الدقة في التعبير.. لماذا ذكرت الآية أن يغض المؤمنين «من» أبصارهم ولم تقل «يغضوا أبصارهم»؟ «وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن» ولم تقل «يغضضن أبصارهن».. ليش هذا الفرق في التعبير؟

هذا الاختلاف في التعبير يدل على أنه لا يحرم على الرجل أن ينظر إلى المرأة كلياً، يحرم نظرة خاصة لأن ال «من» تفيد التبعيض.. يعني بعض أنواع النظر.. المقصود أن النظر المحرم هو بعض أنواع النظر لا كل أنواع النظر.. ما هو هذا البعض؟ هو النظر بالشهوة وبالريبة.. النظر بالتلذذ والريبة.. نظر الرجل إلى المرأة أو نظر المرأة إلى الرجل يكون محرماً إذا كان بتلذذ وريبة..

أما النظر بدون تلذذ.. كالنظرة العابرة أو أن الرجل اضطر إلى أن يتحدث إلى المرأة أو اضطرت المرأة أن تتحدث إلى الرجل فنظرت إليه من دون شهوة ولا ريبة.. نظر المرأة للرجل بدون شهوة ولا ريبة، أغلب الفقهاء يقولون جائز.. تنظر إلى وجهه.. إلى كفيه.. إلى ما تعارف إبرازه من بدنه من غير عورته ومن غير ما يلتزم بستره.. السيد الخوئي كان يحتاط فيقول: الأحوط عدم النظر.. السيد السيستاني يقول: يستحب ترك المرأة النظر للرجل ولكنه يجوز..

أما نظر الرجل إلى المرأة من دون شهوة ولا ريبة.. تارة يكون هذا النظر لغير الوجه والكفين، فهذا محرم.. تارة ينظر الرجل إلى المرأة في الوجه والكفين من دون شهوة ولا ريبة.. المقصود بالشهوة والريبة هو ألا ينظر إليها مقترناً تخيل العلاقة الغير المشروعة.. إذا نظر للمرأة في الوجه والكفين من دون شهوة ولا ريبة، فما هو الحكم؟

يقول السيد الخوئي: نفس الآية المباركة التي تقول ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ تدل على أن المرأة يحرم عليها إبداء الزينة.. إذا حرم على المرأة إبداء الزينة، بالتالي حرم على الرجل النظر إلى هذه الزينة.. المقصود بالزينة مواضع الزينة.. صدرها موضع زينة، ذراعها موضع زينة، رجلاها موضع زينة.. إذا حرم على المرأة إبداء الزينة، حرم على الرجل النظر إلى مواضع الزينة.. متلازمان عرفاً.

أما بالنسبة إلى الوجه والكفين: لدينا روايات كصحيحة الفضيل بن يسار، قال سألت أبا عبدالله عن الذراعين للمرأة «أي ما قبل الكتف»، أهما من الزينة التي قال الله تعالى: ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر.. قال: نعم هما من الزينة وما دون الخمار فهو من الزينة.. وما دون السوارين فهو من الزينة.

الخمار الذي كان يستعمله العرب: تستر شعرها ثم تسدل الخمار على صدرها.. ما فوق الخمار هو الوجه وهو ليس من الزينة.. وما دون «تحت» الخمار فهو من الزينة.

ما فوق السوار وهو الكف ليس من الزينة.. ما تحت السوار وهو ما فوق الكف يعد من الزينة.. لذلك يقول السيد السيستاني دام ظله: يجوز للمرأة إبراز الوجه والكفين إذا لم يكون هناك عنوان ثانوي يوجب سترهما مستنداً إلى هذه الآية ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ.

سيدنا الخوئي قدس سره كان يحتاط، يقول: الأحوط وجوباً ستر الوجه والكفين.

أيضاً عندنا مما يدل على جواز النظر إلى الوجه والكفين.. سيدنا السيد الخوئي قدس سره يقول: الأحوط وجوباً ستر الوجه والكفين، وعدم النظر إلى الوجه والكفين حتى إذا كان دون تلذذ أو ريبة.

السيد السيستاني دام ظله يقول: يجوز كشف الوجه والكفين إذا لم يترتب عنوان ثانوي يحرم ذلك كعنوان إثارة الفتنة أو كعنوان هتك كرامة المرأة أو ما شاكل ذلك من العناوين.. ويجوز عنده نظر الرجل إلى المرأة في الوجه والكفين فقط إذا لم يكن بتلذذٍ أو ريبة.. نظراً لرواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام، قال سألته عن الرجل ما يصلح له أن ينظر إلى المرأة التي لا تحل له، قال: الوجه والكف وموضع السوار.

يستثنى من مسألة حرمة النظر وعدم جواز النظر عدة موارد:

مورد معالجة المرأة.

البعض لا يصدق أن هذه التفاصيل وردت عن أهل البيت ، فيظن أنها صادرة عن الفقهاء.. ولكن الفقهاء يجرون وفق روايات أهل البيت .. لو تقارن بين أحاديثنا وأحاديث إخواننا أهل السنة، تجد فرقاً في الكم فرقاً كبيراً.. في الكتب الأِربعة يوجد 45000 حديث.. في حين أحاديث أهل السنة لا تصل إلى 20000 حديث.. 45000 وردت فقط في الكتب الأربعة عدا الكتب الحديثية الأخرى.. هذه ال 45000 كم حكم فيها؟ أحياناً الرواية الواحدة تتعرض لعدة أحكام.. العبارة الواحدة يستفاد منها عدة أحكام.. فلنقل أن من هذه الخمسة والأربعون ألف حديث استخرج الفقهاء 30000 ألف حكم.. أنت إذا تراجع منهاج الصالحين، ترى أن آخر مسألة فيه هي مسألة 1611، أين ال 30000 حكم؟ 45000 حديث تعرضت لتفاصيل الأحكام وتفاصيل التفاصيل.. أهل البيت تعرضوا لكثير من تفاصيل تفاصيل الأحكام.. فمن كان متعبداً بأحكام أهل البيت فهذه أحكامهم؟

كما ذكرنا سابقاً مسألة الجامعة، أحد أصحاب الإمام الصادق يسأله في رواية معتبرة عن الجامعة، قال: إن عندنا الجامعة، قيل: وما هي الجامعة؟ قال: كتاب بإملاء رسول الله وخط علي بن أبي طالب فيه جميع ما يحتاجه الناس من حلال وحرام حتى أرش الخدش إلى يوم القيامة.. يعني جميع تفاصيل الأحكام الشرعية «الحلال والحرام» عهد بها النبي إلى علي بن أبي طالب.. وعلي أوصلها إلى الأئمة من بعده صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

إذاً يستثنى من ذلك مقام المعالجة.. في صحيحة أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر ، قال: سألته «أي سألت أبي جعفر الباقر » عن المرأة المسلمة يصيبها البلاء في جسدها، إما كسر وإما جرح في مكان لا يصلح النظر إليه، يكون الرجل أرفق بعلاجها من النساء؟ «أي يكون الطبيب أحدق من الطبيبة» أيصلح له النظر إليها؟ قال: إذا اضطرت إليه فليعالجها إن شاءت.

أي أن المرأة إذا اضطرت إلى أن يعالجها الرجل لعدم وجود الطبيبة أو أن الطبيبة موجود ولكنها غير حادقة، ويكون الرجل طبيباً حادقاً.. حينئذٍ يجوز للطبيب أن ينظر إليها بل يجوز له أن يعالجها «أن يمس جسدها» في مواضع الجرح أو الكسر بمقدار الضرورة.

لذلك تلاحظون عبارة السيد السيستاني في المنهاج، استخدم العبارة ذاتها.. السيد السيستاني عادته التقيد بعبارات الروايات، يقول: إذا كان الطبيب أرفق بعلاجها من المرأة واضطرت إلى العلاج عنده، جاز ذلك.

إذاً فبالنتيجة، مقام العلاج مقام مستثنى.

مورد النظر إلى نساء أهل الذمة.

يجوز أيضاً النظر إلى نساء أهل الذمة من يهود ونصارى و«الكفار من غير اليهود والنصارى من باب أولى» للوجه والكفين بل ما سوى الوجه والكفين إذا لم يكن عن تلذذ وعن ريبة.

لاحظوا هذه الرواية: معتبرة السكوني.. هذا السكوني كان من أهل السنة لكن يروي عن أهل البيت .. بعض أهل السنة يعتقدون بأن أئمتنا علماء وفقهاء لذلك يروون عنهم، منهم السكوني والنوفلي وحفص بن غياث وغياث الكليبي.. جماعة من أهل السنة في زمن الأئمة، كانوا يروون عن أئمتنا ونحن نقبل روايتهم.. نحن ليس لدينا موقف من روايات أهل السنة.. أي راوٍ من أهل الجماعة ومن أهل السنة ثبتت عندنا وثاقته «يعني أنه لا يكذب»، نروي عنه ونعتمد على روايته.. إذا تلاحظ الشيخ الطوسي شيخ الطائفة في كتابه كتاب ”العدة“ يقول: عملت الطائفة بروايات كثير من العامة «أي أهل السنة» مثل السكوني والنوفلي وحفص بن غياث وجميل بن دراج وأمثال هؤلاء الذين عرفوا بالوثاقة وعدم الكذب.. عن أبي عبدالله قال: قال رسول الله : لا حرمة لنساء أهل الذمة أن ينظر إلى شعورهن وأيديهن «والكافرات من باب أولى».

من لا تنتهي إذا نُهيت.

صحيحة عباد بن صهيب، قال: سمعت أبا عبدالله يقول: لا بأس بالنظر إلى رؤوس «أي شعور» أهل تهامة والأعراب وأهل السواد والعلوج لأنهم إذا نُهوا لا ينتهوا.. هذا يستفيد منها الفقهاء كبرى وهو أن كل امرأة إذا نُهيت لا تنتهي فلا حرمة لها وبالتالي يجوز النظر لها.. في الرسائل العملية، يعبرون عنها بالمرأة المتبدلة أي التي لا تبالي لا بطاعة ولا بمعصية.. امرأة لا تستر شعرها ولا بدنها ولا تبالي بالأحكام ولا تنتهي إذا نُهيت ولا تبالي بأي نصيحة.. المرأة المتبدلة التي لا تنتهي إذا نُهيت - كما في الرواية - هي أسقطت حرمتها بنفسها، فيجوز النظر إلى شعرها أو وجهها أو يديها.. نظير الشخص الذي لا يبالي بالمعصية ويتجاهر بالمعصية يجوز غيبته فيما تجاهر فيه لأنه هو أسقط حرمته.. لما تجاهر بالمعصية سقطت حرمته، ولما سقطت حرمته جازت غيبته.. لذلك ورد في الحديث الشريف: من ألق جلباب الحياء «أي جاهر بالمعصية» فلا غيبة له.

المهم أن قدوة كل أسرة بيت علي وفاطمة عليهما السلام.. بيت الصفاء والطهارة والنقاء.. فاطمة القدوة المثلى للرجال والنساء.. وعلي القدوة المثلى لكل المسلمين.. ولذلك علي تأثر تأثراً بالغاً عند فقد فاطمة الزهراء وحزن لفقدها حزناً شديداً..

أقرأ لك فقط هذه الكلمات التي وردت بروايات معتبرة عندنا وعند أهل السنة على لسان علي .. لما أودعها في قبرها «والأرجح أنها دُفنت في بيتها، في حجرتها» وقف على قبر رسول الله وتلا هذه الكلمات التي تعبر عن حزن شديد وألم شديد بمصاب السيدة الزهراء ، قال: السلام عليك يا رسول الله وعلى ابنتك النازلة بجوارك والبائنة في الثرى ببقعتك.. يا رسول الله قل عن صفيتك صبري ورق عنها تجلدي.. ولكنني في التأسي بسنتك والحزن الذي دخلني لفراقك موضع التعزي، فلقد وسدتك في ملحودتك بعد أن فاضت نفسك على صدري وغمدتك بيدي وتوليت أمرك بنفسي.. يا رسول الله.. نعم، وفي كتاب الله أنعم القبول: إنا لله وإنا إليه راجعون.. لقد اسُترجعت الوديعة وأخُذت الرهينة واُختِلفت الزهراء فما أقبح الخضراء والغبراء.. يا رسول الله أما حزني فسرمد وأما ليلي فمسهد لا يبرح الحزن قلبي حتى يختار الله لي دارك التي أنت مقيم بها.. فكمد مقيح وهم مهيج، سرعان ما فرق الموت بيننا فإلى الله أشكو.. وستنبؤك ابنتك بتظافر أمتك على هضمها فأحفِها السؤال واستخبرها الحال، فكم من غليلٍ معتلجٍ بصدرها لم تجد إلى بثه سبيلاً والسلام عليك سلام مودع لا سأمٍ ولا قال.. فإن أنصرف لا عن ملالاة وإن أقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين فالصبر أنبل وأجمل.

لكل اجتماع من خليلين iiفرقة

وإن افتقادي فاطمة بعد أحمدِ

 
وكل  الذي  دون الفراق iiقليل

دليلٌ   على   ألا   يدوم  خليل

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

طريق الوصول للنور
القاعدة الشرعية: لا ضرر ولا ضرار