نص الشريط
فلسفة شهادة الرجل والمرآة في الإسلام
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مسجد الإمام علي (ع) بالقطيف
التاريخ: 3/6/1421 هـ
مرات العرض: 2565
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (963)
تشغيل:

بسم الله الرّحمن الرّحيم

﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى [1] 

صدق الله العليّ العظيم

مدلول الآية المباركة أنّه في مقام الشّهادة إذا وُجِدَ شاهدان رجلان فإنّ الشّهادة تامّة، وإنْ لم يوجد رجلان فإنّما تتمّ الشّهادة بشهادة رجل وامرأتين، ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ - يعني: ممّن كان شخصًا عادلاً - مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ - لماذا جعل امرأتين مقابل رجل واحدٍ؟ - أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، هنا يُطْرَح سؤالان:

السّؤال الأوّل: نرى أنّ الآية جعلت السّبب في تعدّد المرأة هو الحفظ من الضّلال، لأجل التحفّظ من ضلال الشّهادة أوجب القرآنُ تعدّدَ المرأة، أن يكونا امرأتين لئلا تضّل إحداهما، فإذا ضلت إحداهما فتذكرها الأخرى، السّؤال المطروح أنّ احتمال الضّلال والخطأ كما هو موجودٌ في المرأة موجودٌ في الرّجل، كما أنّه يُحْتَمَلُ أن تُخْطِئَ المرأة وتضّل في شهادتها فتذكّرها المرأة الأخرى فإنّ هذا الاحتمال موجودٌ في الرّجل، لعلّ الرّجل يضّل في شهادته أو يُخْطِئ في شهادته، فلماذا لم يجعل القرآنُ للرّجل عِدْلاً يُذكّره كما جعل للمرأة عِدْلاً يُذكّرها؟ لماذا جعل العِدْل للمرأة دون الرّجل مع أنّ احتمال الخطأ واحتمال الضّلال كما هو واردٌ في المرأة هو واردٌ في الرّجل أيضًا؟

السّؤال الثاني: إذا كان السّبب في تعدّد المرأة في مقام الشّهادة هو احتمال ضلالها وخطئها فالمفروض أنْ يرتفع هذا الحكم عند ارتفاع هذا السّبب، السّبب الذي يجعلنا لا نكتفي بشهادة امرأةٍ واحدةٍ بل لابدّ من شهادة امرأتين، ما هو السّبب؟ هو احتمال الخطأ، فلو أنّا لم نحتمل الخطأ، كانت المرأة امرأة موثوقة، امرأة بروفيسور، أو امرأة على درجةٍ عاليةٍ من العلم والعقل والضبط والأمانة والدّقة والإتقان، لو كانت امرأة موثوقٌ بأنّها لا تُخْطِئ وموثوقٌ بأنّها لا تضلّ فهل يجب أيضًا ضمّ امرأةٍ أخرى؟ أنتم تقولون: السّبب في تعدّد المرأة في مقام الشّهادة هو أنّها قد تضلّ فنحتاج إلى من يُذكّرها، فلو أنّنا وثقنا بأنّها لن تضلّ فهل يُكْتَفَى بشهادة امرأةٍ واحدةٍ أم لابدّ من شهادة امرأتين؟

هذان السّؤالان مطروحان حول الآية المباركة، وهما إشكالان على أصل التشريع الإسلامي في شهادة المرأة، لأجل أن نجيب عن هذين السّؤالين هناك عدّة أمور لابدّ أن نلتفت إليها:

الأمر الأوّل:

هناك بعض المجالات التي تُقْبَلُ فيها شهادة امرأةٍ واحدةٍ ولا نحتاج إلى امرأةٍ أخرى، عندنا قسمٌ ونوعٌ من الأمور تُقْبَلُ فيها شهادة امرأةٍ واحدةٍ بلا حاجةٍ إلى ضمّ شهادة امرأةٍ أخرى معها، وهي الأمور التي لا يمكن الإطلاع عليها إلا من قِبَلِ المرأة نفسها.

1/ مثلاً: إذا شككنا هل أنّ المرأة حائضٌ فلا يجوز طلاقها «لأنّ الحائض مادمت حائضًا لا يصحّ طلاقها» هل أنّ المرأة حائضٌ أو أنّها طهرت من حيضها، هنا لو شهدت المرأة أو شهدت امرأة بأنّها في حال الحيض تُقْبَلُ شهادتها بلا حاجةٍ إلى ضمّ شاهدٍ آخر معها «لا رجل ولا امرأة».

2/ لو شُكَّ في ولادة المرأة وعدم ولادتها، هل أنّها ولدت فيرث ولدُها أم أنّها لم تلد فلا يرث ولدها، افترض أبوه مات وهو جنينٌ في بطن أمّه، متى يرث؟ يرث إذا وُلِدَ واستهلّ، يعني: بمجرّد أن يُولَد ويستهّل «يعني: يكون له صوتٌ» ولو مات بعد ذلك فإنّه يرث أباه، لا ندري أنّ هذه المرأة ولدت ولدًا استهلّ أو لم تلد ولدًا استهلّ، إذا شهدت امرأة بأنّها ولدت ولدًا قد استهلّ تُقْبَلُ شهادتها.

هناك أمورٌ لا يمكن الإطلاع عليها إلا من قِبَلِ المرأة نفسها تُقْبَلُ شهادة المرأة فيها بلا حاجةٍ إلى ضمّ شهادةٍ أخرى معها، إذن الإسلام لم يلغِ شهادة المرأة مطلقًا ولم يقل القرآن أنّ المرأة مطلقًا لا تُقْبَلُ شهادتها إلا إذا انضمّت امرأةٌ أخرى إليها، لا، هناك قسمٌ من الموارد تُقْبَلُ شهادة المرأة فيها وحدها وإنْ لم تنضمّ إليها امرأةٌ أخرى، كالموارد التي لا يمكن الإطلاع عليها إلا من قِبَلِ المرأة.

عندنا في الرّواية المعتبرة في هذا الباب: معتبرة عبد الله بن سنان قال: سمعتُ أبا عبد الله - يعني: الإمام الصّادق - سمعتُ أبا عبد الله عليه السّلام يقول: ”لا تجوز شهادة النساء في رؤية الهلال، ولا يجوز في الرّجم شهادة رجلين وأربع نسوة، ويجوز في ذلك ثلاثة رجال وامرأتان“ وقال «يعني: الإمام الصّادق»: ”تجوز شهادة النساء وحدهن بلا رجال في كلّ ما لا يجوز للرّجال النظر إليه - يعني: في الأمور التي لا يمكن الإطلاع عليها إلا من قِبَلِ المرأة لأنّ الرّجل لا يمكن أن يباشِر هذا الأمر، معرفة أنّ المرأة حائض أو لا، معرفة أنّ المرأة وضعت أم لا، معرفة أنّ المرأة نفساء أم لا.. وهكذا من الأمور - وتجوز شهادة القابلة «يعني: المرأة التي تباشِر المرأة الوالِدة» وتجوز شهادة القابلة وحدها في المنفوس «يعني: في حال النفاس»“.

إذن فبالنتيجة: الموارد التي لا يمكن معرفتها إلا من قِبَلِ المرأة تُقْبَلُ فيها شهادة امرأة واحدةٍ وإنْ لم ينضم إليها شاهدٌ آخر «لا رجل ولا امرأة».

الأمر الثاني:

هناك مصطلحٌ عند فقهائنا لابدّ أن نلتفت إليه وهو يحلّ لنا كثيرًا من الإشكالات القرآنيّة أو الإشكالات على السّنة النبويّة والمعصوميّة، وهو الفرق بين الحكمة والعلة، ما هو الفرق بين الحكمة وبين العلة؟ فقهاؤنا يقولون: بعض النصوص سواءً في القرآن أو في السّنة تذكر الحكم ثم تبرّر الحكم، يعني: تذكر تبريرًا لهذا الحكم، تذكر الحكم وتذكر تبريرًا لهذا الحكم، هذا التبرير قد يكون علة للحكم وقد يكون مجرّد حكمةٍ وليست علة، ما معنى «الحكمة» و«العلة»؟

تارة يكون للحكم سببٌ واحدٌ يدور الحكمُ مداره، إذا وُجِدَ هذا السّبب صار الحكم فعليًا، إذا لم يوجد هذا السّبب الحكم لا يكون فعليًا، هنا الرّواية إذا ذكرت السّببَ الوحيدَ للحكم يسمّى هذا السّبب الوحيد بالعلة «علة الحكم»، يعني: الحكم يدور مدار هذه العلة وجودًا وعدمًا، وُجِدَت العلة صار الحكم فعليًا، ارتفعت العلة يرتفع الحكم معها، مثلاً: الرّواية التي قرأناها سابقًا: ”إنّ الله لم يحرّم الخمرَ لاسمها وإنّما حرّمها لعاقبتها - يعني: الإسكار «إسكار نوع الناس» - فما كانت عاقبته عاقبة الخمر فهو خمرٌ“، هذه الرّواية تقول: السّبب الوحيد في تحريم الخمر أنّها تُسْكِرُ نوعَ الناس وإن لم تُسْكِرُ كلّ شخص لكنها تُسْكِرُ نوع الناس، إذن بما أنّ هذه علة للحكم فمتى ما وُجِدَت هذه العلة صار الحكم معها فعليًا، كلّ مسكر يكون حرامًا، لا يختصّ ذلك بالخمر، مادامت العلة في الحرمة هي الإسكار فكلّ مسكر حرامٌ سواءً كان خمرًا أو لم يكن خمرًا، ”فما كانت عاقبته عاقبة الخمر فهو خمرٌ“ هذا نسمّيه علة.

وأمّا الحكمة، تارة يكون للحكم الشّرعي عدّة أسباب لا سبب واحد، والنص يذكر لنا سببًا ولا يذكر بقيّة الأسباب، هنا هذا السّبب المذكور في الحكم ليس علة وإنّما هو حكمة، يعني: الحكم لا يدور مدار هذا السّبب لأنّ هناك أسبابًا أخرى للحكم، بما أنّ هناك أسباب أخرى للحكم فالحكم لا يدور مدار هذا السّبب، فلأضرب مثالاً لكم: مثلاً القرآن الكريم يقول: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [2] ، برّر لماذا الله تبارك وتعالى فرض علينا الصّلاة، لماذا؟ لأنّ الصّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، هل هذا حكمة أم علة؟ يعني: هل النهي عن الفحشاء والمنكر هو السّبب الوحيد في تشريع الصّلاة أو هناك سببٌ آخر أيضًا لتشريع الصّلاة «هذا من أسباب التشريع لا أنّ السّبب الوحيد هو هذا»؟ هنا نقول بأنّ هذا ليس سببًا وحيدًا، كون الصّلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر أحد أسباب تشريع الصّلاة، فهو حكمة، وليس هو السّبب الوحيد كي يكون علة يدور التشريع مداره وجودًا وعدمًا، لو أنّنا فرضنا رجلاً مؤمنًا موثوقٌ بأنّه ينتهي عن الفحشاء والمنكر، إنسانٌ مؤمنٌ ملتزمٌ منتهٍ عن الفحشاء والمنكر، لا يحتاج أن يصلي حتى الصّلاة تنهاه عن الفحشاء والمنكر، لا، هو من الأصل منتهٍ عن الفحشاء والمنكر، لا يفعل المنكر ولا يرتكب الفحشاء ألا تجب عليه الصّلاة؟! المعصوم تجب عليه الصّلاة فكيف بغيره؟! الرّسول تجب عليه الصّلاة، سائر المعصومين تجب عليهم الصّلاة مع أنّهم منتهون عن الفحشاء والمنكر، إذن النهي عن الفحشاء والمنكر ليس هو السّبب الوحيد في تشريع الصّلاة، بل هو أحد الأسباب، وهناك سببٌ آخر يقوم مقام هذا السّبب ألا وهو كون الصّلاة عروجًا للرّوح، عروج الرّوح إلى حظيرة القدس، عروج الرّوح إلى الملأ الأعلى سببٌ من أسباب تشريع الصّلاة، ولذلك ورد في الرّواية المعتبرة: ”الصّلاة معراج المؤمن“ المؤمن هو الذي تعرج روحه أثناء الصّلاة، ”الصّلاة معراج المؤمن“، ”الصّلاة قربان كلّ تقي“، يذكر علماء العرفان، يقولون: الأسفار أربعة:

1 - السّفر من الخلق إلى الحقّ.

2 - والسّفر في الحقّ بالحقّ.

3 - والسّفر من الحقّ إلى الخلق.

4 - والسّفر في الخلق بالحقّ.

لاحظوا كتاب «الأسفار الأربعة» لصدر المتألهين الشّيرازي، ملا صدرا الشّيرازي ألف كتابًا في الفلسفة والعرفان اسمه «الأسفار الأربعة»، هذا الكتاب يشتمل على شرح تفصيلي لهذه الأسفار الأربعة، السّفر من الخلق إلى الحقّ عروج الرّوح، انقطاع النفس إلى الله تبارك وتعالى، هذا العروج يعبّر عنه بالسّفر من الخلق «من عالم المادّة، من عالم الشهوات، من عالم الغرائز» إلى عالم التجرّد، إلى حظيرة القدس، سفر الرّوح من الخلق إلى الحقّ سفرٌ مرغوبٌ، سفرٌ محبوبٌ، سفر الرّوح من الحق إلى الخلق أو في الحقّ بالحقّ.. أنا لا أريد أن أدخل في بيان هذه الأسفار الأربعة، هذه لها بحث مستقلٌ، أريد أن أقول: السّفر الأوّل الذي ندبه الإسلامُ سفر الإنسان من الخلق إلى الحقّ، سفر العروج، سفر اللقاء مع الله، سفر الوصول إلى النور الإلهي، هذا السّفر تحققه الصّلاة، الصّلاة مع قطع النظر عن أنّها ناهية عن الفحشاء والمنكر أم لا، سواءً كان الشخص معصومًا أم لم يكن معصومًا، منتهيًا عن الفحشاء والمنكر أو غير ذلك، نفس الصّلاة سبب تشريعها أنّها سفرٌ من الخلق إلى الحقّ، نفس الصّلاة مناجاة ولقاءٌ مع الله تبارك وتعالى.

الإمام الحسن الزكي سلام الله عليه كان إذا دخل المسجد أو توضأ للصّلاة ارتعدت فرائصه وارتعش بدنه فقيل: ما بالك يا أبا محمّد؟! قال: ”أتعرفون أنّي أقل بين يدي من؟!“ وكان إذا وقف بالمسجد قال: ”مسكينك ببابك، أسيرك بفنائك، يا محسن قد أتاك المسيء، أنت المحسن وأنا المسيء، يا محسن تجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك يا كريم“، الانقطاع - انقطاع النفس إلى الله - سفرٌ جعل الصّلاة فريضة على كلّ مسلم ومسلمةٍ، ولذلك ينبغي للإنسان في صلاته ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [3]  ما هو الخشوع؟ هو استشعار الموقف، أنا واقفٌ بين يدي من؟! تصوّر الإنسان عندما يرتكب جريمة أو مخالفة قانونيّة ويُوقَف أمام إنسان يحقّق معه، يقف أمامه موقفَ الذلّ وموقفَ الهوان وموقفَ الخوف وموقفَ الارتباك، يسأله عن كلّ نقطةٍ نقطة، يحاسبه على كلّ حرفٍ وعلى كلّ لفظٍ، إذا وقف هذا الإنسانُ موقفَ المساءلة أمامَ القانون ماذا يعتريه؟ يعتريه الخوف، يعتريه القلق، لا يدري ما هي العاقبة، لا يدري ما هي النتيجة، استشعر هذا الموقف وأنت في صلاتك، استشعر أنّك واقفٌ أمامَ الحساب يومَ القيامة تُسَاءَلُ عن كلّ خطوةٍ خطوة ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ [4] ، ”لا تخطو قدما عبدٍ يومَ القيامة حتى يُسْأل عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه“.

إذن هناك حكمة وهناك علة، العلة هي السّبب الوحيد للحكم، والحكمة هي أحد أسباب الحكم، لذلك لا ينبغي الخلط بين الأمرين، الآية المباركة ذكرت حكمة للحكم ولم تذكر علة الحكم، الآية المباركة عندما قالت: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى هذا بيانٌ للحكمة وليس بيانًا للعلة، يعني: بيان أحد أسباب التشريع وليس بيان السّبب الوحيد للتشريع كي يدور هذا التشريع مداره وجودًا وعدمًا، هناك فرقٌ بين الحكمة وبين العلة، وما ذكِرَ في الآية حكمة وليس علة.

الأمر الثالث:

هذا الأمر يتضّح الكلامُ فيه أيضًا بذكر مقدمّتين:

المقدّمة الأولى:

الفلاسفة قسّموا العقل إلى عقل نظري وعقل عملي، ما معنى العقل النظري والعقل العملي؟

العقل النظري مرحلة تمهيديّة للعقل العملي، ولأشرح لك ذلك، مثلاً: العقل النظري يدرك أنّ الصّدق خلقٌ جميلٌ، هذا العقل يدركه، يدرك أنّ الأمانة خلقٌ جميلٌ، يدرك أنّ الكذب أمرٌ قبيحٌ، يدرك أنّ الخيانة أمرٌ قبيحٌ، إذا أدرك العقلُ النظريُ جمالَ الصّدق وجمالَ الأمانة وقبحَ الخيانة وقبحَ الكذب ماذا يقول العقلُ العمليُ؟ يقول العقلُ العمليُ: إذن فكن صادقًا، مادام الصّدق جميلاً إذن فكن صادقًا، مادام الأمانة خلقًا جميلاً إذن فكن أمينًا، مادام الكذب أمرًا قبيحًا إذن فلا تكذب، مادامت الخيانة أمرًا قبيحًا إذن فلا تخن... فهناك عقلان: عقلٌ نظريٌ وعقلٌ عمليٌ، العقل النظري يدرك النظريّة، العقل العملي يأمر بتطبيقها وتنفيذها، العقل النظري يقول: العدالة شيءٌ جميلٌ، كلّ البشر هكذا يقولون، العقل العملي يقول: إذن فكن عادلاً، إذن فكن صادقًا، فعندنا عقلٌ نظريٌ وعندنا عقلٌ عمليٌ.

هذا ما يعبّر عنه.. نفس المصطلح الفلاسفة يسمّوه: عقل نظري وعقل عملي، علماء العرفان ماذا يسمّوه؟ يسمّوه: نفس لوّامة ونفس أمّارة، يعني: المصطلح القرآني يسيرون عليه ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ [5]  النفس اللوّامة هي العقل العملي، النفس، القوّة التي تحثك على الخير وتزجرك عن الشّرّ، تلومك على الذنب وتشجّعك على الطاعة، هذه القوّة التي تشجّعك على الطاعة وتوبخك على المعصية تسمّى بالعقل العملي، ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ، عندنا عقلٌ نظريٌ وعقلٌ عمليٌ.

المؤثر في العقل النظري صفاء الذهن، كلما كان الذهن صافيًا كان العقل النظري أقوى، كلما خلا الذهنُ من التشويش والارتباك وتزاحم القضايا، كلما كان العقل صافيًا كان إدراكه للقضايا أوضح وإدراكه للقضايا أعمق، فالعقل النظري يتأثر بصفاء الذهن، لكنّ العقل العملي يتأثر بماذا؟ العقل العملي يتأثر بسيطرة العواطف والشّهوات، إذا سيطرت العواطفُ والشهواتُ على الإنسان ضَعِفَ عقلُه العمليُ، إذا ضَعُفَتْ سيطرةُ الشّهوات والغرائز قَوِيَ عقلُه العمليُ، فالعقل العملي في صراع مرير مع سيطرة الغرائز والشّهوات، القوّة الشهويّة والغريزيّة التي تحاول السّيطرة على العقل العملي والعقل العملي يصارعها هذه المسمّاة بالنفس الأمّارة ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي [6] ، فعندنا عقلٌ عمليٌ وهو النفس اللوّامة وعندنا قوّة شهويّة وهي النفس الأمّارة، وبين النفسين صراعٌ دائمٌ، إذا غلبت النفسُ الأمّارة ضَعُفَتْ النفسُ اللوّامة، ضَعُفَ العقلُ العمليُ، وإذا غلبت النفسُ اللوّامة ضَعُفَتْ النفسُ الأمّارة، ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ - هنا تسيطر النفسُ اللوّامة على النفس الأمّارة - وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ [7]  إذن عندنا عقلٌ نظريٌ وعقلٌ عمليٌ.

المقدّمة الثانية:

لنفترض فرضًا أنّ العلة الوحيدة لتعدّد شهادة المرأة هي حفظ من الضّلال، هو العلة الوحيدة التي ذكرها القرآن الكريم: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، لنفترض هذا أنّه هو العلة الوحيدة، السّبب الوحيد في تعدّد شهادة المرأة هو التحرّز من الضّلال، ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى هذا هو السّبب الوحيد، لنفترض ذلك، مع ذلك نقول: هذا الإشكال لا يرد، كلا السؤالين اللذين طرحناهما في أوّل البحث غير واردين، لِمَ؟ لأنّ العلل في الإسلام يلاحَظ فيها «التأثير النوعي» لا «التأثير الشّخصي»، ما معنى «التأثير النوعي» لا «التأثير الشّخصي»؟

يعني الآن مثل ما ذكرنا بالنسبة إلى الخمر، لماذا حرِّمَت الخمر؟ إنّ الله لم يحرّم الخمر لاسمها وإنّما حرّمها لإسكارها، هل الخمر تُسْكِرُ كلّ شخص؟ لا، هناك أشخاصٌ لا يسكرون، يشرب خمرًا ولا يسكر أصلاً، ولا تؤثر عليه الخمر شيئًا وكأنّه يشرب كأس عصير هكذا من غير أن تؤثر عليه شيئًا! إذن لماذا حرّمت الخمر؟! لأنّها تؤثر في نوع الناس لا في كلّ شخص، يسمّوه: «تأثيرٌ نوعيٌ» وليس «تأثيرًا شخصيًا»، بما أنّ الخمر سببٌ للإسكار النوعي وليست سببًا للإسكار الشّخصي، يعني: الخمر بطبعها تُسْكِرُ نوع الناس وإن لم تُسْكِرْ كلّ شخص، وإسكار نوع الناس بابٌ للجرائم، بابٌ للاعتداءات، بابٌ لهتك الحرمات، بابٌ للفوضى، بابٌ لخلل النظام، لذلك الإسلامُ سدّ هذا الباب، صحيح بعض الناس لا يسكرون، ولكن من أجل سدّ باب الفوضى وباب الجرائم وباب الخلل مُنِعَ الخمر، حرّمت عليكم الخمر، حرّمت الخمر لإسكارها النوعي لا لإسكارها الشّخصي، فالعلة هي التأثير في النوع لا التأثير في الشخص.

نفس الكلام بالنسبة للمرأة: هناك بعض النساء قممٌ في الفضيلة وقممٌ في التقوى وقممٌ في العقل ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا [8]  مثلٌ في الجهاد ومثلٌ في العفاف، إذا أردنا أن نتخذ مَثلاً في قوّة الإرادة وفي قوّة الصّمود أمام التحدّيات، أمام الإغراءات، أمام الإثارات، أمام التنازلات، أمام التجاوزات، المثل الأعلى في قوّة الإرادة امرأة فرعون التي صمدت من داخل القصر أمام إثارات القصر وأمام إغراءات القصر وأمام سيطرة القصر، ومثل آخر في العفاف، المرأة الجميلة الفاتنة التي لم يأخذها جمالها ولم تسقها فتنتها ولم تسقها أنوثتها للرذيلة ولا للانحراف، مريم بنت عمران مثالٌ رائعٌ للعفاف ﴿الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا.

إذن فبالنتيجة: بعض النساء قممٌ في الفضيلة والتقوى فلا تضلّ حتى تحتاج أن تذكّرها الأخرى، لكنّ طبع المرأة بصفةٍ نوعيّةٍ.. هذا الذي نسمّيه التأثير النوعي لا التأثير الشّخصي، طبع نوع المرأة لا كلّ امرأة، طبع نوع المرأة أنّ عقلها العملي أضعف أمام شهواتها وعواطفها، هذا الذي سمّيناه في المقدّمة الأولى العقل النظري والعقل العملي، في العقل النظري لا فرق بين الرّجل وبين المرأة، في نسبة الذكاء لا فرق بين الرّجل وبين المرأة، في قوّة العقل لا فرق بين الرّجل وبين المرأة، الرّجل يعرف علم الرّياضيات ويدرس علم الفلسفة والمرأة أيضًا تقرأ علم الرّياضيات وعلم الفلسفة وتفهم ما يفهم الرّجل، لا فرق في نسبة الذكاء وفي قوّة العقل بين الرّجل والمرأة أبدًا، أين الفرق؟! في العقل العملي، يعني: النفس اللوّامة، يعني: النفس التي تزجر على المعصية وتحث على الطاعة، النفس اللوّامة في نوع الرّجل مواجِهة للنفس الأمّارة، والنفس اللوّامة في نوع المرأة أضعف من النفس الأمّارة، يعني: عقل المرأة «العقل العملي» أضعف من الرّجل أمام سيطرة العاطفة وسيطرة الغريزة وسيطرة الشّهوة، هذا نوع المرأة لا نقول كلّ امرأةٍ، نوع المرأة يكون فيها النفس اللوّامة أضعف من النفس الأمّارة، ونوع الرّجل لا كلّ رجل وإلا بعض الرّجال أحقر وأذل أمام شهوته من المرأة، نوع الرّجل أيضًا النفس اللوّامة في رتبةٍ مساويةٍ ومواجهةٍ للنفس الأمّارة.

فالإسلام.. ما المراد بالضّلال ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا يعني: تخطئ أو تنسى؟! لا، المراد بالضّلال هنا ماذا؟

سيطرة العاطفة، هذا المراد بالضّلال، ليس المراد: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى يعني: تنسى فتقول لها: هيا تذكري أنّ الشهادة كذا! أو أنّها مثلاً تخطئ فتقول لها: اشتبهت كذا!.. المراد بالضّلال هنا سيطرة العاطفة عليها، أنّ عواطفهما تهيمن عليها فتقول لها: لا تشهدي بكذا، اشهدي بكذا، أو قللي من الشهادة، أو كذا، أو اعملي كذا.. العاطفة تؤثر على شهادتها، النفس الأمّارة تغلب على النفس اللوّامة، بما أنّ نوع المرأة غلبة النفس الأمّارة على النفس اللوّامة فالشّرع الشّريف احتياطًا لئلا تنجرّ الشّهادة إلى غلبةٍ للهوى والعواطف قال: المرأة لابدّ فيها من تعدّد الشّهود، يعني: لابدّ من امرأتين، بخلاف الرّجل، هذا من الأحكام الاحتياطيّة، يعني: من الأحكام التي أراد الإسلام فيها سدّ باب سيطرة العواطف والمشاعر، مقام الشهادة مقامٌ يحتاج إلى سيطرة العقل على العواطف لا سيطرة العواطف على العقل، لذلك الإسلام اتخذ حكمًا احتياطيًا، قال: لا يكفي شهادة امرأةٍ واحدةٍ بل لابدّ من شهادة امرأتين، ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى.

هذا ما يتعلق بالآية المباركة، باعتبار أنّ الإخوان رغبوا في أن نتمّ أحكام المرأة فنحن نذكر الآن بقيّة الأحكام على نحو الاختصار وحتى يتبيّن وجه الحكم الشّرعي فيها.

1/ من الأحكام التي تتعلق بالمرأة: بالنسبة إلى الصّبي والصّبيّة.

هذه المشكلة خصوصًا في الرّوضات، في الرّوضات عندنا، الرّوضات إلى ستة سنوات يصير اختلاط بين البنت والولد إلى مدّة ست سنوات، بعد ست سنوات يُفْصَلُ الولدُ عن البنت، بالنسبة إلى الرّجل هل يجوز له بنت لغيره، بنت لغيره ليست ابنته - وهي ابنة ست سنوات أو أكبر من ست سنوات - هل يجوز للرّجل أن يحملها أو يقبّلها أو يضمّها «ابنة غيره وليست ابنة له، وهي ابنة ست سنوات» أم لا؟

أغلب فقهائنا يحرّم ذلك، إذا بلغت البنت ستّ سنوات فلا يجوز لا تقبيلها ولا الوضع في الحجر، أغلب الفقهاء على ذلك، إذا ابنته فهذا شيءٌ آخر، أمّا إذا كانت ابنة غيره فلا يجوز ذلك، واستدلّ على ذلك بعدّة رواياتٍ:

1. منها رواية أبي أحمد الكاهلي، قال: سألته عن جاريةٍ ليس بيني وبينها محرم تغشاني فأحملها وأقبّلها، فقال: ”إذا أتى عليها ست سنين فلا تضعها في حجرك“.

2. الرّواية الأخرى رواية زكريا المؤمن، قال: قال أبو عبد الله عليه السّلام: ”إذا بلغت الجارية ست سنين فلا يقبّلها الغلام «يعني: الصّبي لا يقبّلها» والغلام لا يقبّل المرأة أيضًا إذا جاز سبع سنين“ يعني: إذا بلغ الولد سبع سنين فلا يقبّل المرأة التي هي أجنبيّة عنه، يعني: ليست خالة ولا عمّة ولا أم ولا أخت... إلى آخره.

بالنتيجة: لا مانع من الاختلاط بين الولد والبنت قبل مرحلة ست سنوات، لا مانع، شرعًا لا مانع، إلا إذا بَدَرَتْ بوادرُ لا سمح الله، بعض الأطفال لا سمح الله هناك نوعٌ من الشذوذ، فبعض الأطفال عنده نظرة مريبة للبنت قبل ست سنوات، إذا بَدَرَتْ بوادرُ من هذا النوع يُجَنّب الأطفال، يعني: يُفْصَلُ بين الأولاد والبنات، أمّا إذا لم تبدر، كلٌ يمشي على طبيعته وعلى سليقته خصوصًا الطفل في هذه المرحلة لا يتنبّه للإثارات ولا للقضايا الجنسيّة، لا بأس بالاختلاط، لكن إذا بلغوا ست سنوات كيلا يحصل نوعٌ من الضّمّ أو من التقبيل أو من الوضع في الحجر الذي منعت عنه الرّوايات لابدّ من الفصل بين الولد والبنت بعد هذه السّن، بعد سنّ ست سنوات كما في الرّواية.

2/ الحكم الآخر عندنا: سماع صوت المرأة.

طبعًا يحرم على المرأة ترقيق صوتها، يعني: أن تتكلم برّقةٍ، ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ يعني: لا تتكلمي.. تكلمي بصوتٍ طبيعي، تتكلم بصوتها الطبيعي لا حاجة للترقيق وتصغير الصّوت وكأنها طفلة صغيرة، هذا أمرٌ لا يجوز، ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا [9]  يعني: تتكلم بصوتها الطبيعي ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا، إذن إخضاع أو ترقيق الصّوت حرامٌ.

أمّا إذا تكلمت المرأة بصوتٍ طبيعي لا يحرم الاستماع إليها، يستمع إلى صوت امرأة تتكلم هذا ليس حرامًا إذا كانت تتكلم بصوتٍ طبيعي، مادام لم يكن بتلذذٍ وريبةٍ، ما لم يكن الاستماع بلذةٍ وريبةٍ لا يحرم استماع صوت المرأة حتى لو كانت تلقي محاضرة، تتكلم في الإذاعة مثلاً، أو كان مثلاً معه امرأة في العمل تشرح له أمورًا كثيرة، لا مانع من استماع صوت المرأة ما لم يكن هناك تلذذ وريبة.

نعم إذا كان هناك مَعْرَضٌ، يعني: يخشى على نفسه أنه إذا استمع إلى صوتها يكون عنده لذة وريبة، هنا بعض الرّوايات تؤكّد على منع ذلك، لاحظوا الرّواية الواردة عن أمير المؤمنين : إنّ أمير المؤمنين عليه السّلام كان يكره أن يسلّم على الشّابة «يكره أن يسلّم على المرأة الشّابة» وكان يقول: ”أتخوّف أن يعجبني صوتها فيدخل عليّ أكثر ممّا طلبت من الأجر“ أنا لماذا أسلّم غير لأطلب الأجر والثواب؟! أنا أخاف أن يدخلني أكثر ممّا طلبت من الأجر، العلماء استفادوا من هذه الرّواية كراهة ابتداء السّلام، يعني: يُكْرَهُ للرّجل أن يبتدئ المرأة الشّابة بالسّلام، استفادوا من هذه الرّواية، نعم إذا كان آمنًا كأنْ تكون رحمًا له، هذه رحمٌ له يسلّم عليها من باب صلة الرّحم، أو مثلاً توقف العمل معها أو توقف الارتباط معها في سفر، في عمل على أن يسلّم عليها وأن يبادلها بالتحيّة، هذا لا بأس به، ولكنه في الحالات الاعتياديّة يكون الأمر مكروهًا.

3/ من الأحكام أيضًا: المصافحة.

كثيرٌ من الإخوة يتساءلون في المصافحة خصوصًا إذا سافر، راح إلى مثلاً بريطانيا أو أمريكا أو مثلاً.. سلّمت، ما يخالف غير مرّة واحدة! ما يخالف! السّلام عليكم!.. طيّب هذه مرّة واحدة وبعدين مرة ثانية ومرة ثالثة... أين الدّين؟! يعني: أين الصّمود أمام الدّين؟! وأين الثقة بالدّين؟! لابدّ أن نكون نحن المسلمون مظهرًا للالتزام بديننا، «واللهِ هؤلاء يأخذون عنا نظرة سيّئة إذا لم نصافح المرأة! إذا لم نصافح المرأة الأجنبيّة تُؤْخَذ علينا نظرة سيّئة! يقال: انظر أخلاق المسلمين التعبانة!» لا، إذا رأوك ملتزمًا بدينك ثابتًا على القوانين صامدًا عندها كان هذا سمعة حسنة لدينك وسمعة حسنة للمسلمين أنّهم ملتزمون بالدّين ولا يفرّطون في الالتزام به.

في الرّواية الصّحيحة صحيحة سماعة بن مهران قال: سألتُ أبا عبد الله عليه السّلام عن مصافحة الرّجل للمرأة، قال: ”لا يحلّ للرّجل أن يصافح المرأة إلا امرأة تحرم عليه أن يتزوجّها «أخت أو بنت أو عمّة أو خالة أو بنت أخت أو نحوها» وأمّا المرأة التي يحلّ له أن يتزوّجها فلا يصافحها إلا من وراء ثوب «مثلاً عليه منديل أو عليه مثلاً قفاز، ما يخالف يصافحها من وراء ذلك» فلا يصافحها إلا من وراء ثوب ولا يغمز كفها“ يعني قال: مادام من وراء الثوب يلا! لا، ما يصير، ”ولا يغمز كفها“ لا يصافحها ولا يغمز كفها، يعني: يتجنّب أيّ نقطةٍ تكون نقطة مثيرة.

4/ من الأحكام أيضًا: كراهة الاختلاط.

لاحظوا الأحاديث الواردة: معتبرة غياث بن إبراهيم عن أبي عبد الله عليه السّلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السّلام: ”يا أهل العراق، نبّئْتُ أنّ نساءكم يدافعن الرّجال في الطريق، أما تستحون؟!“ استفاد الفقهاءُ من هذه الرّواية أنّه يُكْرَهُ للمرأة أن تختلط مع الرّجل اختلاط المدافعة كما في الأسواق أو في الطرقات، بل بأنْ تمشي بسكينةٍ ووقار في محلّ معتزل عن المحلّ الذي يمشي الرّجالُ فيه، لا نقول: حرام، لكن نقول: مكروه، يُكْرَهُ الاختلاط لقول علي عليه السّلام: ”أما تستحون؟!“.

وفي معتبرة يونس بن يعقوب: سألتُ أبا عبد الله عليه السّلام عن خروج النساء في العيدين والجمعة «خروج المرأة لصلاة العيد أو لصلاة الجمعة» قال: ”لا، إلا امرأة مسنة“ استفاد الفقهاءُ من هذه الرّوايات كراهة اختلاط المرأة مع الرّجل حتى في الصّلاة فضلاً عن الأمور الأخرى.

5/ من الأحكام أيضًا: حرمة الخلوة.

هذا الشّيء لابدّ من التنبّه له يا إخوان، معتبرة أبي سيّار عن الإمام الصّادق عليه السّلام: ”إنّ رسول الله أخذ البيعة على النساء ألا يحتبين ولا يقعدن مع الرّجال في الخلوة“ ما معنى الخلوة؟

يعني الآن هذا محلّ ابتلاءٍ: سائقٌ يوصِلُ امرأة، هل هذه خلوة؟ ليس معهم أحدٌ، سائقٌ وامرأة يوصِلُهَا إلى مكان، هل هذه خلوة؟ أو مثلاً رجلٌ طبيبٌ تشتغل عنده ممرّضة مثلاً معه فهو يقفل البابَ أحيانًا لبعض الأمور، لمثلاً كتابة شيءٍ، هل هذه خلوة؟ الخلوة محرّمة عند الفقهاء، خلوة الرّجل بالمرأة أمرٌ حرامٌ، ولكن ما هو ميزان الخلوة؟

يقولون: ميزان الخلوة أمران:

الأمر الأوّل: ألا يتمكن أحدٌ من الدّخول عليهما، يعني: أن يكون الرّجل مع المرأة في مكان لا يتيسّر لأحدٍ الدّخول عليهما، أمّا لو كان لا، يمكن لأحدٍ أن يدخل عليهما في أيّ وقتٍ، هذا بابٌ مفتوحٌ، صحيح الآن هو الباب مقفلٌ لكن أيّ واحدٍ يستطيع أن يفتحه ويدخل عليهما، هذا لا يسمّى خلوة، خلوة بحيث لا يتيسّر لأحدٍ الدّخول عليهما، هذا الأمر الأوّل.

الأمر الثاني: ألا يأمن على نفسه من الفتنة، أمّا لو كان آمنًا على نفسه من الفتنة، يعني: الخلوة لم تحرّم لذاتها وإنّما حرّمت لأنّها مَعْرَضٌ للفتنة، فلو كان آمنًا على نفسه من الفتنة، واثقٌ من نفسه إمّا لأنّ المرأة التي معه عجوزٌ فأيّ فتنة! أو لأنّه مثلاً شيءٌ آخر، لا، هو واثقٌ منها، وهي واثقة منه، كلٌ منهما واثقٌ من إيمان الآخر وليس هناك مجالٌ لاحتمال الرّيبة والفتنة، إذا كان واثقًا وآمنًا بعدم الفتنة والرّيبة يجوز ذلك وإلا فلا يجوز.

6/ الحكم الأخير هو: مسألة الزينة.

تعرّضنا لهذا مرارًا ونؤكّد عليه: يحرم على المرأة إبداء الزينة الغير متعارفة، لاحظ عندنا في الرّوايات المعتبرة استثنت الكحل والخاتم، يعني: الكحل يجوز إبداؤه، الخاتم يجوز إبداؤه، لأنّ هذه زينة متعارفة لا تثير نظر الرّجال، أمّا الزينة الغير متعارفة التي تجلب نظر الرّجل كأنْ يكون العطر عطرًا نافذًا، كأنْ يكون على وجهها مكياجٌ مثلاً، كلّ زينةٍ غير متعارفة تجلب أنظار الرّجال، تُلْفِتُ أنظارَ الرّجال لا يجوز للمرأة إبداؤها، وذلك للآية المباركة: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ [10]  يعني: أيّ حركة تعملها المرأة تُلْفِتُ نظرَ الرّجل إليها فإنّ هذه الحركة أمرٌ محرّمٌ، ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ.

والحمدلله رب العالمين

 

[1]  البقرة: 282.
[2]  العنكبوت: 45.
[3]  المؤمنون: 1 - 2.
[4]  الصافات: 24.
[5]  القيامة: 1 - 2.
[6]  يوسف: 53.
[7]  النازعات: 40 - 41.
[8]  التحريم: 11 - 12.
[9]  الأحزاب: 32.
[10]  النور: 31.

حوار حول ملكية الحقوق الفكرية
طريق الوصول للنور