نص الشريط
فاطمة (ع) جبل الصمود
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 13/5/1435 هـ
تعريف: شهادة السيدة الزهراء (ع)
مرات العرض: 5235
المدة: 01:02:42
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (2966)
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿قُلِ اللهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ

صدق الله العلي العظيم

انطلاقًا من الآية المباركة نتحدث في محورين:

المحور الأول: ارتباط الآية بالسيدة الزهراء.

ما هو وجه الارتباط بين مضمون الآية وبين السيدة فاطمة الزهراء «صلوات الله وسلامه عليها وعلى آلها الطيبين الطاهرين»؟ لكي يتضح لنا الارتباط بين مضمون الآية المباركة وبين مقام السيدة الزهراء نتعرض هنا إلى أمرين:

الأمر الأول: مراحل وجود السماوات والأرض.

نلاحظ أن القرآن الكريم عندما يتحدث عن وجود السماوات والأرض يعبّر بعدة تعبيرات، تارة يقول: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، تارة يقول: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، تارة يقول: ﴿قُلِ اللهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، تارة يقول: ﴿اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ، فما هو الفرق بين هذه العناوين؟ هل الفرق بين هذه العناوين - عنوان بديع، عنوان فاطر، عنوان خالق، عنوان نور السماوات والأرض - فرق مجازي أم أن هناك مضمونًا حقيقيًا يعبّر عن اختلاف هذه العناوين؟ وجود السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما من وجود الكائنات الحية، وجود السماوات والأرض مر بأربعة مراحل، كل عنوان يعبّر عن مرحلة من هذه المراحل.

المرحلة الأولى: مرحلة الابتداع.

أول مرحلة أنه ابتدع السماوات والأرض من دون مثال يحتذى به، من دون برنامج يقتدى به، الله تبارك وتعالى ابتدع السماوات ابتداعًا أمريًا، لم يسبقها برنامج، لم تسبقها خطة، لم يسبقها مثال يحتذى به في إيجاد السماوات والأرض. هذه المرحلة، مرحلة الابتكار، مرحلة أن لم يسبقها مثال، هذه المرحلة عبّرت عنها السيدة الزهراء في خطبتها بقولها: ”ابتدع الأشياء لا من شيء كان قبلها“، لا يوجد برنامج سار عليه، المسألة مسألة ابتداع وابتكار، وقد عبّر عن هذه المرحلة ببديع السماوات والأرض.

المرحلة الثانية: مرحلة التقدير.

هذه المرحلة هي التي عبّر عنها بعنوان الخلق، الخلق مساوق للتقدير، لا يوجد خلق بدون تقدير، عندما يعبر القرآن عن الخلق فهناك حدود، هناك أقدار، هناك مبدأ، هناك منتهى، الخلق دائمًا مساوق للأقدار، مساوق للحدود، كما قال تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ، هناك أقدار وحدود، فالخلق يعني التقدير. عندما أراد أن يتحدث عن المرحلة الثانية - ألا وهي مرحلة التقدير، مرحلة وضع الحدود، وضع المقادير - قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، ستة أيام، هذا هو القدر، هذا هو الحد.

المرحلة الثالثة: مرحلة الفطر.

﴿قُلِ اللهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا، ما هو معنى فطر السماوات والأرض؟ هذه المرحلة - مرحلة الفطر التي تعلقت بالسماوات والأرض - إشارة إلى جعل الأصل، عندما يقال: فطره، أي: جعل له أصلًا ينبثق منه، جعل له أصلًا ينطلق منه، الفطر يختلف عن الخلق، الخلق يعني وضع الحدود، الفطر يعني جعل مادة ينطلق منها شيء، جعل أصل ينبثق منه الشيء.

لاحظوا مثلًا قوله تعالى في آية أخرى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ، عندما أوجد الإنسان جعل له أصلًا، هذا الأصل الذي ينطلق منه الإنسان هو أصل التوحيد، خُلِق الإنسان وهو يعيش أصلًا لكل حركاته، لكل سكناته، ذلك الأصل الذي ينطلق منه الإنسان في مسيرته يسمى بفطرة التوحيد، ”كل مولود يولَد على الفطرة إلا أن يكون أبواه يهوديين فيهوّدانه أو مجوسيين فيمجّسانه“، إذن الإنسان له أصل، وهو أصل التوحيد، هذا الأصل عبّر عنه القرآن بأنه فطرة، فالفطر هو جعل أصلٍ ينبثق منه الشيء.

السماوات والأرض عندما أراد الله تبارك وتعالى إيجادها وخلقها جعل لها أصلًا تنبثق منه، جعل لها أصلًا تنطلق منه، ما هو ذلك الأصل؟ ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ، الماء هو المصدر، هو الذي به تحقّق انفطار السماوات والأرض، إذن الماء مبدأ الحياة هو أصل السماوات والأرض، وبه تحققت ظاهرة الانفطار، انفطار السماوات والأرض.

المرحلة الرابعة: مرحلة الظهور.

الله جل وعلا له تجليان: تجلٍّ أمري وتجلٍّ خلقي. التجلي الأمري: أول تجلٍ تجلى به الله عز وجل هو نور محمد ، هو العقل الواحد، ”أول ما خلق الله العقل“، هذا هو التجلي الأول، هذا تجلٍ أمري. التجلي الآخر: التجلي الخلقي، وهو عبارة عن أنه ملأ السماوات والأرض بعجائب قدرته، وبمظاهر حكمته، فلما امتلأت السماوات والأرض بمظاهر حكمته وبديع قدرته صار هذا تجليًا آخر لله عز وجل، وهذا ما يسمّى بالتجلي الخلقي، وهذا التجلي الخلقي - ظهور آياته، ظهور قدرته، ظهور حكمته في السماوات والأرض - عبّر عنه بالنور، ﴿اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ. إذن، وجود السماوات والأرض مرَّ بمراحل أربع، والقرآن عبّر عن كل مرحلة بعنوان يناسب تلك المرحلة.

الأمر الثاني: علاقة مراحل وجود السماوات والأرض بأهل البيت .

نحن ذكرنا أنَّ الله عز وجل أول ما خلق وأول ما أوجد وأول تجلٍ تجلى به هو نور محمد وآله، ”خلقكم الله أنوارًا فجعلكم بعرشه محدقين“، مادة الكون كله مادة نورية، هذه المادة النورية محمدية فاطمية علوية حسنية حسينية، هذه المادة النورية كل مرحلة من هذه المراحل الأربع ارتبطت بنوع من هذه الأنوار، كل مرحلة من هذه المراحل ارتبطت بلون من هذه الألوان.

المرحلة الأولى: مرحلة الابتداع والابتكار ارتبطت بنور محمد ، فتحقق بذلك أن الله محمود، لأن المحمود هو الذي يكتسب أعلى المقامات وأعلى الدرجات، أعلى المقامات أنه تبارك وتعالى ابتكر السماوات والأرض بلا مثال يحتذى به، فكان بذلك المحمود، ومن هذه المحمودية اُشْتُقَّ اسمُ محمد .

وفي المرحلة الثانية: ألا وهي مرحلة التقدير، الله عندما وضع الحدود للسماوات والأرض ووضع الأقدار، أيضًا ربط هذه المرحلة بنور معين، ربط هذه المرحلة بنور علي بن أبي طالب ، لوجود ترابط، التقدير هو عبارة عن التدبير، والتدبير يناسب مقام الإمامة، يناسب مقام الولاية، لذلك رُبِطَت مرحلة التقدير باسم علي ، فتحقق بهذه المرحلة العلو له تبارك وتعالى، فكان الأعلى، ومن علوه اُشْتُقَّ اسم علي .

ثم جئنا للمرحلة الثالثة: وهي مرحلة الفطر، أراد أن يجعل أصلًا لهذه السماوات والأرض، أصلًا تنطلق منه، وذلك الأصل مبدأ الحياة، فلما جعل مبدأ الحياة للسماوات والأرض كان ذلك فطرًا لها، ومن هذا الفطر ارتبط وجودها بنور فاطمة الزهراء «صلوات الله وسلامه عليها»، فكان هو الفاطر، وكانت هي فاطمة الزهراء.

والمرحلة الرابعة: مرحلة ظهور قدرته، عجائب حكمته، عجائب آياته جل وعلا، في هذه المرحلة تحقق الحُسن والإحسان، فاشتق من حسنه وإحسانه اسم الحسن والحسين، فلذلك نحن عندما نقرأ الدعاء، هذا دعاء شريف وارد عن أهل البيت ، نجد الدعاء مرتبطًا بمراحل الوجود: ”اللهم إني أسألك بمحمد وأنت المحمود، وبعلي وأنت الأعلى، وبفاطمة وأنت فاطر السماوات والأرض، وبالحسن وأنت المحسن، وبالحسين وأنت قديم الإحسان، وبأهل بيت النبوة «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين“. إذن، هناك ارتباط بين مضمون الآية التي قرأناها وبين مقام فاطمة الزهراء «صلوات الله وسلامه عليها وآلها».

المحور الثاني: معنى لقب أم أبيها.

الزهراء لُقِّبَت بألقاب عديدة: الزهراء المحدِّثة، المحدَّثة، العليمة، الراضة، المرضية، الزاكية، الزكية... إلخ، ومن ألقابها: أم أبيها، فما معنى أم أبيها؟ نركز على هذا اللقب. أم أبيها إشارة إلى ثلاث علاقات: علاقة عاطفية، علاقة وجودية، علاقة نورية، للإشارة إلى هذه العلاقات الثلاث كُنِّيَت ولُقِّبَت بأنها أم أبيها.

العلاقة الأولى: العلاقة العاطفية.

كيف كانت علاقة النبي بالزهراء من الناحية العاطفية؟ سئلت عائشة كما في مستدرك الحاكم: من أحب النساء إلى رسول الله؟ قالت: فاطمة. ومن أحب الرجال إليه؟ قالت: زوجها علي. مستدرك الحاكم عدة أحاديث ينقل عن عائشة، تتحدث عن هذه النقطة: علاقة النبي بفاطمة. تقول: ما رأيت أشبه هديًا وسمتًا ودُلًّا برسول الله من ابنته فاطمة - هي أشبه الناس به، في قيامها، في قعودها، في حديثها - وكانت إذا أقبلت إليه قام إليها، وقبّل ما بين عينيها، وأجلسها مجلسَه «يجلسها مجلسه، ويجلس بين يديها يتحدث إليها».

وقالت له يومًا: يا رسول الله، أراك تكثر تقبيل فاطمة، وهي امرأة ذات زوج! قال: ”يا عائشة، إني لما عُرِج بي إلى السماء أدخلني جبرئيل الجنة، فناولني تفاحة منها، فأكلتها، فنزلت إلى صلبي، ثم واقعت خديجة، فحملت بفاطمة، فكانت فاطمة حوراء إنسية، وإني كلما اشتقت لرائحة فاطمة قبّلتها وشممتها“.

فاطمة بينها وبين الرسول علاقة حميمة، تعرفون أن الرسول عاش يتيمًا، الرسول ما ذاق حنان الأمومة، الرسول ما ذاق حنان الأبوين، كما يذوقه أي إنسان يعيش بين أبوين، فاطمة كانت عوضًا عن أمه، فاطمة ابنته عوّضته عن أمه، أشبعته بالمشاعر والحنان والعطف والرأفة، حتى أنه ما فقد حنان أمه وفاطمة بين يديه، فاطمة ابنته لكنها كانت تغدق عليه الحنان والعطف كأمه. تتلقاه إذا أتى، أول من يستقبل فاطمة، آخر من يودّع فاطمة، هي التي تستقبله، تداوي جراحه، تمسح عرقه، تخفّف عنه، تسليه، تقف إلى جانبه، فاطمة أم أبيها في حنانها، في عطفها.

العلاقة الثانية: العلاقة الوجودية.

كل إنسان له مصدران: مصدر حدوثي، ومصدر بقائي. مصدر الحدوث أمه، أمه هي التي أحدثته من رحمها، لكن مصدر البقاء كيف يتحقق؟ إذا مات الإنسان كيف يبقى؟ الإنسان له مصدران: مصدر لحدوثه، ومصدر لبقائه. كذلك كان رسول الله ، له مصدر لحدوثه، هي أمه آمنة بنت وهب «رضي الله تعالى عنها»، ولكن مصدر بقائه، كيف بقي رسول الله؟

إنما بقي بفاطمة، لولا فاطمة لما بقي ذكر رسول الله، لولا فاطمة لما بقي ذرية رسول الله، شاء الله أن يكون رحم فاطمة مصدرًا لاستمرار رسول الله ولبقائه على الأرض من خلال ذريته ونسله، فكانت فاطمة مصدرًا لبقائه كما كانت أمه مصدرًا لحدوثه، ولذلك سُمِّيَت فاطمة أمَّ أبيها؛ لأنها مصدر بقائه من خلال ذريتها وأولادها، وهذا ما عبّر عنه القرآن الكريم بالكوثر، ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، والكوثر الخير الكثير؛ لأنها مصدر ذريته .

العلاقة الثالثة: العلاقة النورية.

هناك نوران: نور النبوة، والذي اقترن به ابتداع الوجود، وابتداع السماوات والأرض، وهناك نور الإمامة، وهو الذي اقترن به خلق السماوات والأرض، وتقدير السماوات والأرض، وهناك نورٌ شكّل حلقة الوصل بين نور النبوة، وهو نور الابتداع، ونور الإمامة، وهو نور التقدير، ذلك النور الذي شكّل حلقة الجمع بينهما - ألا وهو نور الانفطار - نور فاطمة ، لأجل ذلك كانت فاطمة أمًا له؛ لأنه بنورها تحقق الوصال بين نوره وبين نور الإمامة، نور علي .

فاطمة الجوهرة القدسية، حلقة الوصل بين النبوة والإمامة، حلقة الوصل بين عالم الابتداع وعالم التقدير بعالم الانفطار، لذلك ابتدأ حديث الكساء بفاطمة، ”ما خلقت سماء مبنية، ولا أرضًا مدحية، ولا قمرًا منيرًا، ولا شمسًا مضيئة، ولا فُلكًا يسري، ولا بحرًا يجري، إلا لأجل هؤلاء الخمسة الذين هم تحت الكساء. قيل: ومن تحت الكساء؟ قال: هم فاطمة وأبوها وبعلها وبنوها“.

صفحات من عطائها ونضالها:

فاطمة نهرٌ من العطاء، العطاء الاجتماعي، والعطاء [...]، فاطمة التي تحث أطفالها على الصدقة، تحث أبناءها على التضحية بأقراصهم التي لولاها سيبيتون كالفراخ، فاطمة كانت تشجع أبناءها على الصدقة، وباتوا ثلاثة أيام لا يذوقون إلا الماء، يرتعشون كالفراخ، حتى نزل فيهم قوله عز وجل: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا.

فاطمة هي التي ألهمتهم، هي التي ربتهم، هي التي سقتهم روح التضحية، روح العطاء، فاطمة نهر من العطاء، فاطمة جبلٌ من الشموخ، جبلٌ من الصمود، جبلٌ من قوة الإرادة الحديدية، ما توانت، ولا ضعفت، ولا وهنت، رغم ما جرى على جسدها من الآلام، لكنها ما ضعفت ولا وهنت.

خرجت إلى المسجد، وخطبت في الناس، وخطبت أمام نساء المهاجرين والأنصار، بكل قوة إرادة، وبكل شجاعة، وقالت: ”أنّى زحزحوها عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوة والدلالة، ومهبط الروح الأمين، والطبن بأمور الدنيا والدين، ألا ذلك هو الخسران المبين، وماذا نقموا من أبي الحسن؟! نقموا منه والله نكير سيفه، وقلة مبالاته بحتفه، وشدة وطأته، ونكال وقعته، وتنمره في ذات الله. أما والله لو سلّموها أبا الحسن لسار بهم سيرًا سجحًا، لا يكلم خشاشه، ولا يملّ راكبه، ولأصدرهم بطانًا، ونصح لهم سرًا وإعلانًا، ولأوردهم منهلًا رويًا فضفاضًا، لا تطفح ضفتاه، ولا يترنق جانباه“.

فاطمة هي امتداد لتاريخ النضال، هي امتداد لتاريخ الجهاد، مبدأ هذا التاريخ خديجة بنت خويلد، المرأة العظيمة، وفاطمة هي التالي في هذا التاريخ، وزينب هي التالي في هذا التاريخ، تاريخٌ افتتحته خديجة، واختتمته زينب العقيلة، وكانت فاطمة وسطًا بين هذين النورين العظيمين. فاطمة امتدادٌ لخديجة بنت خويلد، خديجة وما أدراك ما خديجة! بذلك أموالها وموقعها الاجتماعي، ضحت بكل ما عندها في سبيل الإسلام، في سبيل الدين، خديجة بنت خويلد التي ما نسيها رسول الله أبدًا.

يتصدق، يقول: الصدقة لخديجة، يهدي، يقول: الهدية عن خديجة، يصل رحمه، يقول: الصلة هذه عن خديجة، خديجة دائمًا على لسانه، حتى قالت له عائشة: ما تذكر في عجوز حمراء الشدقين أبدلك الله خيرًا منها؟! قال: ”ما أبدلني خيرًا منها، آمنت بي حين كفر بي الناس، وآوتني حين طردني الناس، ورُزِقت منها الولد وحُرِمته غيرها“. خديجة التي نزل جبرئيل من السماء يقول للنبي: يا رسول الله، بشّر خديجة أن لها بيتًا في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.

هذه المرأة العظيمة، هذه المرأة الجليلة، عندما جاءها الموت، واقترب الموعد، دخلت عليها أم أيمن، ورأتها تبكي بكاءً مريرًا، قالت لها: يا أم المؤمنين، يا خديجة، ما يبكيكِ؟ أنت أم البنين، وقد بشّركِ الله بأن لك بيتًا في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب، علام بكاؤكِ؟ قالت: ما بكيتُ لنفسي، أبكي لحبيبتي فاطمة.

كلمة | ليلة القدر