نص الشريط
ليلة النصف من شعبان ليلة البيعة
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مسجد الإمام علي (ع) بالقطيف
التاريخ: 14/8/1435 هـ
مرات العرض: 2604
المدة: 00:41:48
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (993) حجم الملف: 14.3 MB
تشغيل:


 

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ

صدق الله العلي العظيم.

في دعاء العهد الذي يقرؤه المؤمنون في كل صباح يقول الإمام ”اللهم إني أجدد له في صبيحة يومي هذا وما عشت من أيامي عهداً وعقداً وبيعة له في عنقي لا أحول عنها ولا أزول أبداً“. هذه الفقرات الشريفة تنقلنا إلى مضامين ثلاثة نتحدث عنها:

المضمون الاول: ما هو الفرق بين العهد والعقد والبيعة؟ ”إني أجدد له في صبيحة يومي هذا وما عشت من أيامي عهداً وعقداً وبيعةً“ فما هو الفرق بين العهد والعقد والبيعة؟

العهد هو عبارة عن الالتزام؛ تعهّد فلان لفلان يعني التزم له؛ فالعهد إظهار للالتزام، ولذلك العهد بين العبد وبين ربه صيغة ملزمة كالنذر فكما أن النذر صيغة ملزمة فالعهد صيغة ملزمة، فإذا قال العبد: لله علي أن أفعل كذا هذا، فهذا هو النذر، لله علي أن - مثلا - أصلي صلاة الليل في ليلة النصف من شعبان. هذا نذر ملزم، كذلك إذا قال المؤمن: أعاهد الله على أن أفعل كذا، أو لله علي عهدا أن أفعل كذا. أو عهداً لله علي أن أفعل كذا؛ فهذا أيضاً ملزم مثله مثل النذر، العهد صيغة ملزمة يترتب على مخالفتها الكفارة. العهد إظهار للالتزام، ولذلك يقول الله عز وجل ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ. العهد هو أن نظهر إلى الله عز وجل أننا ملتزمون بأمر معين؛ ملتزمون بطريقة معينة؛ هناك عهد بينك وبين الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف في كل يوم في صبيحة كل يوم تمارس عملية العهد ”اللهم إني أجدد له في صبيحة يومي هذا وما عشت من أيامي عهداً“ أظهر الالتزام له. تلتزم له بماذا؟ تلتزم له بمال؟ بثروة؟ تلتزم له بماذا؟ تتعهد له بماذا؟ أنت كل يوم تريد تجدد العهد تتعهد له بماذا؟ ”إني أجدد له في صبيحة يومي هذا وما عشت من أيامي عهداً“ أجدد له التزاماً بأن أظل على القول بإمامته والتمسك بإمامته والسير على رضاه صلوات الله عليه وعلى ابائه الطيبين الطاهرين.

الأمر الثاني هو العقد. يقول علماؤنا: العقد ربط التزام بالتزام بما يوجب علقة وضعية. ما معنى هذا الكلام؟ ربط التزام، العقد مأخوذ من العقدة؛ تعقد مثلاً هذا الخيط بهذا الخيط؛ هذا عقد. عقدت بين الخيطين يعني ربطت بينهما؛ العقد مأخوذ من الربط؛ العقد ربط التزام بالتزام بما يحقق علقة وضعية.

كيف ربط التزام بالتزام؟ هناك فرق - بحسب المصطلح الفقهي - بين العقد وبين الإيقاع، عندنا معاملات تسمى ايقاع وعندنا معاملات تسمى عقد.

الإيقاع طرفي يعني متقوّم بطرف واحد، العقد طرفيني يعني متقوم بطرفين.

الإيقاع مثل ماذا؟ مثل لنفترض مثلاً الإنسان يعتق عبداً في زمن المملوكية الإنسان يملك عبيد ويعتق عبده؛ هذا إيقاع. مثل الوقف، الوقف إيقاع يعني مثلاً أنا عندي دار أقول وقفت هذه الدار على الحسين ؛ وقفت هذه الدار مسجداً؛ هذا ايقاع لأن هذه المعاملة متقوّمة بطرف واحد وهو أنا، أنا وقفت داري للحسين أو وقفت داري مسجد؛ الوقف إيقاع. وهناك عقد، العقد متقوّم بطرفين طرف ملتزم وطرف ملتزم آخر؛ وأنا أربط التزامي بالتزام الآخر، أنا ألتزم مقابل أن يلتزم بشيء؛ ربط التزام بالتزام؛ مثلاً عندما آتي مثلاً أجري عقد معين؛ عندما أعقد عقداً معيناً افترضوا مثلاً عقد تأمين؛ افترضوا مثلاً عقد صلح؛ نأتي مثلاً إلى عقد الصلح: أنا أطالبك بأموال وأنت أيضاً تطالبني ببعض الأموال نتصالح بيننا على أن تسقط ما في ذمتي مقابل أن أسقط ما في ذمتك؛ ربط التزام بالتزام.

ألتزم بأن أبريء ذمتك بإزاء أن تلتزم بإبراء ذمتي وأحياناً ليس بالضرورة أموالاً؛ حتى الكرامة؛ نحن إخوة أحياناً الواحد يغتاب الثاني، يصير بين المؤمنين أحياناً نتيجة الغفلة والاندراج الاستدراج وراء النفس أحياناً الواحد يغتاب الثاني يقصد ما يقصد على أية حال؛ أحياناً أنا أغتابك أحياناً أنت تغتابني أحيانا أنا أتكلم بكلمة نابية في حقك وأحيانا أنت تتكلم بكلمة نابية في حقي.

يوم النصف من شعبان ليلة النصف من شعبان ليلة المصافاة بين قلوب المؤمنين أنت استغل هذه الليلة ليس فقط في إحياء ميلاد الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف؛ إحياء ميلاده عبادة عظيمة. وإحياء هذه الليلة بصلاة الليل من أعظم الأعمال والقربات؛ لكن أيضاً هناك عمل ثالث من قربات ليلة النصف من شعبان؛ من قربات يوم النصف من شعبان؛ المصافاة بين القلوب وتحقق المصافاة بعقد صلح بيني وبينك: أسقطت ما في ذمتي تجاهك بأن تسقط ما في ذمتك تجاهي، ليس لك حقوق علي بإزاء أن ليس لي حقوق عليك، هذا عقد‘ ربط التزام بالتزام؛ ربط التزام بالتزام بما يحقق علقة وضعية. ما معنى بما يحقق علقة وضعية؟

أحياناً ربط التزام بالتزام بما يحقق علقة وضعية مثل ماذا؟

مثلاً يأتيك أناس يتعاقدون على أشياء تافهة ليس لها معنى؛ مثلاً أنا اتفق معك على أنه كلما تطلع أنت من بيتك الساعة السابعة أنا أطلع من بيتي الساعة السابعة مثلاً، هذا اتفاق بين طرفين؛ أنا ألتزم بأن أخرج من بيتي الساعة السابعة صباحاً بإزاء أن تلتزم أن تخرج من بيتك الساعة السابعة صباحاً؛ هذا اتفاق لكن هذا ليس بعقد؛ لماذا ليس عقداً؟ لأنه لا يحقق علقة وضعية بين الطرفين؛ وخير يا طير؛ طلعت الساعة السابعة وطلع الساعة السادسة ماذا تحقق؟ ما الذي حدث؟ لأن الربط هنا لا يحقق علقة وضعية بين الطرفين؛ فهذا لا يسمى عقداً؛ العقد هو الربط الذي يحقق علقة وضعية بين الطرفين مثل عقد الزوج فإنه يحقق علقة بينهما.

عقد الزواج بين المرأة وبين الرجل؛ تلتزم المرأة للرجل ويلتزم الرجل للمرأة؛ نتيجة الربط بين الالتزامين تتحقق بينهما علقة جديدة لم تكن؛ تسمى علقة الزوجية؛ هذا يسمى عقد؛ أو علقة الملكية تأتي مثلاً الآن أنت أبيعك شيء؛ أبيعك هذه السلعة بمائة ريال؛ نتيجة هذا الربط التزمت بان أسلمك السلعة مقابل بأن تلتزم بأن تسلمني الثمن، الربط بين الالتزامين أوجد علقة وضعية؛ ما هي العلقة الوضعية؟ الملكية. ملكت أنا الثمن وأنت ملكت السلعة؛ العقد ما يحقق علقة وضعية بين الطرفين؛ هذا يسمى عقد.

إذن أنت في كل يومٍ في كل صباحٍ مأمور بعهد وعقد يعني إجراء ربط بينك وبين الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف بما يحقق علقة وضعية بينك وبين الإمام، ما هي العلقة التي تتحقق بينا وبين الإمام؟ ما هي هذه العلقة التي تتحقق بيننا وبين الإمام؟ زوجية؟ ملكية؟ حقية؟ ما هي هذه العلقة التي تتحقق بيننا وبين الإمام نتيجة هذا العقد؟ أنا كل يوم أنشئ التزام بالتزام؛ أقول: أنا ألتزم لك يا مولاي يا صاحب العصر والزمان بأن أثبت على إمامتك وأسير على دربك بإزاء عملية عقد؛ بإزاء أن تلتزم لي بالشفاعة والقبول؛ هذا التزام أنت تمارسه والإمام أيضاً يمارسه؛ أنت تمارس هذا الالتزام والإمام أيضاً يمارس هذا الالتزام. أنا أقوم بعملية عقد بيني وبين الإمام؛ التزم بإمامتك والسير على دربك بإزاء أن تلتزم لي بالشفاعة والقبول ”وامنن علينا برضاه وهب لنا رأفته ورحمته“. التزام بالتزام؛ ما هي العلقة الوضعية التي تترتب على ذلك؟ علقة المأمومية؛ تدري ما هي علقة المأمومية؟ الآية المباركة تشير إلى ذلك: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ. أنت تابع أي امام؟ المأمومية عقد، المأمومية التزام؛ أنت تابع أي إمام؟ ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ. " أنت تتبع أي إمام؟ من هو إمامك الثابت على إمامته الثابت على بيعته الثابت على دربه؟ من هو إمامك؟ ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ. تستغرب أنت تسمع الآن من بعض الشيعة عن حساب مثقفين وعن حساب... يقول لك: ليس بالضرورة أن نعتقد أن هناك إمام؛ ليس بالضرورة أن نعتقد أن هناك إمام غائب؛ ليس بالضرورة، طيب ليس بالضرورة جنابك؛ الآن من هو إمامك في هذا الزمان؟ سؤال: أنت تقول: أنا الآن ما أعتقد بالإمام المنتظر؛ من هو إمامك؟ أليس الآية تقول: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ. يعني لازم يوجد إمام؛ فمن هو إمامك؟ أنت تقول أنا ليس بالضرورة أن أعتقد بالإمام المنتظر؛ ولست معتقداً بولادته؛ إذن من هو إمامك؟ لو أنت طلعت عن نطاق الآية ما لك إمام ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ. لا ينفك زمن عن وجود إمام؛ لا تمر لحظة إلا وفيها إمام ومأموم؛ من هو إمامك؟ اذن العقد عقد يحقق علقة المأمومية؛ العقد الذي أجريه بيني وبين الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف في كل صباحٍ في كل يومٍ هذا العقد يحقق علقة المأمومية؛ أنت إمامي الذي سأدعى بك يوم القيامة وأنا المأموم الذي ألتحق بركبك يوم القيامة.

”وبيعة له في عنقي“ البيعة مأخوذة من البيع، البيع يعني التمليك؛ يعني ما أمارسه؛ وبهذا يعرف الفقهاء البيع يقولون: البيع تمليك عين بعوض؛ أملكك السلعة بعوض؛ البيع تمليك عين بعوض؛ تمليك بيعة يعني: أملكك شيء؛ عندي شيء أملكه إياك؛ أجعله ملكاً لك، البيعة التي أجريها كل يوم بيني وبين الإمام المنتظر تمليك؛ أنا أملك الإمام شيء عندي، ما هو أعز شيء عندك تقوم بتمليكه للإمام؟ ما هو أعز شيء؟ النفس؛ أنا أملّك نفسي لك؛ البيعة عبارة عن تمليك نفسي للإمام؛ هذه النفس ملك لك؛ تحت أمرك ونهيك؛ تحت تصرفك؛ وأنت قلت أو ما قلت؛ القرآن يقول: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ. بس أنت في هذه البيعة تظهر المملوكية؛ النبي يملك نفسك أكثر من ملكك لنفسك ”فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم“ النبي يملك نفسك أولى من ملكك لنفسك ”النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم“ والنبي قال يوم غدير خم: أنا أملك نفوسكم؛ هذه الملكية الثابتة لي ”ألا من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من ولاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه أينما دار“ بيعة تمليك؛ أظهار للملوكية؛ أنفسنا ملك له؛ إذن نحن نمارس صبيحة كل يوم ثلاث معاملات: عهد عقد بيعة؛ لنؤكد من خلال هذه المعاملات الثلاث التي نجريها في صبيحة كل يوم لنؤكد أننا ملك الإمام تحت أمره أرواحنا فداه؛ أرواحنا فداه.

نأتي للمضمون الثاني إلى هذه الفقرات الشريفة: كما يذكر علماء العرفان أن مراتب الوصول إلى الله عز وجل: عروج وتسليم وفناء. أنت كيف مرتبتك مع الله؟ واحد صلاته الحمد لله رب العالمين؛ صلاة مجرد لقلقة لسان، هذا تسقط عنه العقوبة، صلى، علاقته مع الله علاقة طقوسية علاقة شكلية صورية، ويوجد واحد لا؛ علاقته مع الله تختلف عن هذه العلاقة الصورية الطقوسية ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ. خشوع إذا دخل الصلاة تحرك قلبه، إذا دخل الصلاة تحركت جوانحه؛ تحركت نحو عالم الغيب؛ نحو العالم الآخر؛ علاقة خشوعية، هذه العلاقة الخشوعية أيضا لها درجات:

درجة تعرج بها النفس؛ نفسك تعرج إلى عالم آخر؛ عالم العظمة؛ عالم الجلال؛ أتدرون؟! - كما يقول الإمام الحسن الزكي سلام الله عليه - أتدرون؟! - كان إذا وقف على باب المسجد وقف مصفر اللون؛ يصفر لونه إذا وقف على باب المسجد - ”أتدرون أني أقف بين يدي من؟ إني أقف بين يدي جبار الجبابرة وملك الملوك، يا محسن قد أتاك المسيء أنت المحسن وأنا المسيء“ هذا العروج، هذا يحقق مرتبة العروج؛ العروج إلى الله عز وجل، الصلاة قربان كل تقي؛ الصلاة معراج المؤمن؛ هذه المرتبة الأولى من الخشوع.

المرتبة الثانية: التسليم؛ التسليم المطلق لله عز وجل؛ سلّمت نفسي وسلمت أنفاسي وسلمت جوانحي وجوارحي ولحظاتي وآناتي وسلمت كل قواي إليك. مرتبة التسليم؛ وهذه المرتبة كما أمرنا بها إلى الله أمرنا بها إلى رسوله لأن التسليم إلى النبي تسليم إلى الله هذه الآية التي نقرأها كل يوم ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا. اللهم صل على محمد وآل محمد.. المعنى ”وسلموا تسليما“ بعضهم يقول: المعنى السلام؛ السلام عليكم يا رسول الله، المعنى الثاني وارد في الروايات وسلموا من التسليم وليس من السلام؛ سلّم؛ سلّم إليه يعني انتقل من مرتبة العروج إلى مرتبة التسليم؛ سلم إليه؛ قل كل ما عندي له؛ لرسول الله؛ مرتبة التسليم.

والمرتبة الثالثة مرتبة الفناء: أن لا ترى لنفسك وجود ولا إنية لا ترى غير الله فنيت نفسك في الله هذه المرتبة التي عبر عنها أمير المؤمنين علي ”ما رأيت شيء إلا ورأيت الله“ أنا ما أرى إلا الله يعني فنيت نفسي في الله ”ما رأيت شيء إلا ورأيت الله قبله وبعده وفوقه وتحته وفيه“ ”والله لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا“ مرتبة الفناء، هذه المراتب كما هي مع الله هي مع حجة الله على أرضه؛ إمام الزمان مظهر لله عز وجل في أرضه؛ خليفة الله في أرضه.

بعضنا علاقته مع الإمام هذا الذي ترى: إن جاء المولد أفضل الصلاة والسلام وقرأنا المولد ومع السلامة؛ فعلاقته مع الإمام علاقة طقوسية صورية، يقرأ المولد ومع السلامة. وهناك من علاقته بالإمام علاقة القرب؛ إذا ذكر الإمام يشعر بحب الإمام في قلبه، إذا ذكر الإمام يشعر بأن في قلبه نزعة نحو الإمام؛ حنو نحو الإمام؛ قرب للإمام؛ هذا عنده علاقة قرب؛ يتصدق عن الإمام يصلي؛ مستحب أن تتصدق عن الإمام المهدي؛ تصلي عنه؛ تطوف عنه؛ واحد عنده علاقة قرب نفسي؛ هذه علاقة القرب النفسي أيضاً لها درجات:

تارة علاقة عروج؛ واحد يفكر في الإمام؛ أما تقرأ زيارة آل يس؟ السلام عليه حين يقوم حين يقعد السلام عليه حين يركع حين يسجد حين يقرأ حين يبيّن؛ هذا يعني تتصور ماذا؟ تتصور الإمام؛ هذي زيارة آل يس تحقق علاقة العروج لأنها تنقل ذهنك إلى الإمام؛ قاعد تتصور الإمام كيف يركع كيف يسجد كيف يدعو كيف يقرأ القرآن كيف يبيّن كيف يفسر؛ زيارة آل يس تحقق علاقة العروج مع الإمام المهدي المنتظر عجل الله فرجه الشريف.

بعد ذلك تأتي مرتبة ثانية وهي مرة التسليم؛ هناك من يعيش تسليماً للإمام بكل ما عنده؛ أنا سلّمت لك أيها الإمام بكل ما عندي؛ أنا ملك لك؛ تحت أمرك ونهيك.

وهناك من يعيش مع الإمام علاقة الفناء؛ يلهج بالإمام صباحاً ومساءاً؛ لا يفكّر إلا فيما يرضي الإمام؛ لا يفكر إلا فيما يقرّبه إلى الإمام؛ نحن ماذا قدّمنا للإمام؟ لا ماذا قدّم الآخرون؟ قدمنا حلاوة ليلة المولد؟ قدمنا كيك ليلة المولد؟ جيد؛ بلا بأس أن الواحد يقدم ليلة المولد كيك حلاوة صحون؛ جيد؛ لا بأس؛ هذا النثار الذي يقدمه ليلة المولد عملٌ مستحبٌ وعبادةٌ وقربةٌ إلى الله لأنه إحياءٌ لأمر الإمام كما ورد عن الباقر ”رحم الله من أحيا أمرنا رحم الله من جلس مجلساً يحيا فيه أمرنا“ أحياء لأمر الإمام بشرط أن لا يكون معه معاصي؛ طبعا ها انتبه جيداً! فهناك أعمال تبطل أعمال أخرى وتمحوها وتنهيها؛ مثلاً أنا أوزّع أشياء يجتمع فيها الرجال مع النساء؛ لا؛ ما يصير؛ هذا ما يصير؛ هذا يبطل العمل ويفسده؛ أنت فاتح مضيف وفاتح بيتك إلى مثلا العطاء؛ جيد؛ ولكن بشرط أن لا يقع اختلاط بين النساء وبين الرجال؛ تجعل لك مضيفاً وتقف وسط الشارع توزع عصير وكيك فهذا شيء جيد لكن بشرط أن لا يستلزم إعداد الناس إلى معصية، إذا كان هذا العمل يستوجب اختلاط النساء بالرجال فهذا إعداد للمعصية؛ وهذا يحبط العمل ويوجب خسارة العمل ويوجب فوت ثوابه، لا تقل أن النساء لا يأتين وإنما فقط الرجال، والنساء يروحون إلى حسينيات النساء ومجالس النساء، في هذا المكان فقط الرجال، فعليك أن تلتزم بذلك، ألست أنت تقول: ”أجدد له في صبيحة يومي هذا“؟ أين ذهب هذا الكلام؟ ”أجدد له في صبيحة يومي هذا عهدا وعقدا وبيعة“ أين البيعة؟ أين العهد إذن؟ إذا كنت أنت فاتح البيت للرجال وللنساء؛ وهذا المضيف للرجال والنساء فما يصير هذا، يجب أن تفصل هذا للرجال فقط؛ والنساء يذهبن لمكان آخر، مجالس النساء؛ لا فتحتين؛ إذا جعلنا فتحتين صارت فتحة وحداة؛ إذا انفتح هذا الباب فلن ينسد؛ النساء لديهم مجالس وأماكن فليذهبوا إليها، لماذا هذا الاختلاط؟ هذا يحبط العمل ويفسده ويحرقه وينسفه نسفا، لماذا الإنسان يخسر ثواب أعماله؟ لا داعي لهذا، وكذلك مسألة النفايات، ومسألة مضايقة المارة في الشوارع، فإذا كان الشارع ضيّق الشارع وكما لا يخفى عليكم فالحمد لله شوارعنا العظيمة ومدينتنا المتطورة والمتحضرة فواضح أن القطيف تزهو على مدن المملكة بشوارعها العظيمة المتطورة أليس كذلك؟ فإذا كان الشارع كله أربعة أمتار وأنت ستضع في وسطه مكان للتوزيع فقد عطلّت أعمال الناس؛ المرضى لا يستطيعوا أن يطلعوا؛ المحتاجين الذين يريدون أن يطلعوا من بيوتهم لا يستطيعون؟؟ ألست أنت تريد ثواباً؟ ”أفضل الصدقة إماطة الأذى“ أنت الآن إذا تميط الأذى عن الطريق صدقة فكيف تخلق أذى للناس؟ كيف تقوم بعمل يخلق أذى للناس؟ الصدقة إماطة الأذى لا الصدقة وضع الأذى! إذا كان الشارع كله أربعة أمتار وتأتي في الوسط وتوزّع فقد خلقت مشكلة؛ لا الناس تقدر تعبر؛ لا السيارات تقدر تعبر؛ المرضى يتورطون؛ النساء يتورطن؛ صار هذا أذى، بل اختر الشوارع الكبيرة الواسعة الفسيحة لا هذه الشوارع الضيقة. أو مثل ما تفضل الحجي هذه النفايات أليست هذه إضرار بالبيئة؟ أما تخلق أمراض؟! نحن نريد أن نحيي أمر آل البيت صلوات الله عليهم أجمعين فهل أمر آل البيت ينحصر بالزغردة والصلوات؟ طبعاً لا؛ نظافة البيئة من أمر ال البيت؛ النظام من أمر آل البيت كما ذكر الإمام أمير المؤمنين علي في آخر لحظات حياته وهو يقول: ”عليكم بنظم أموركم“ الإمام أمير المؤمنين في وصاياه الخالدة يأمرنا بالنظام ”عليكم بنظم أموركم“ ومن نظم أمورنا أن نعين أماكن للنفايات، وإذا لم تزل الناس النفايات فنحن نرفعها ونضعها في مواضعها حتى نبرهن للناس على التزامنا بنظافة البيئة والسير على تعاليم الائمة الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

إذن هناك مراتب ثلاث: مرتبة العروج ومرتبة التسليم ومرتبة الفناء، وهذه المراتب كما هي مع الله هي مع حجة الله على خلقه، وهذه الفقرات الشريفة التي نقولها كل يوم تعبير عن هذه المراتب الثلاث ”إني اجدد له في صبيحة يومي هذا وما عشت من ايامي عهداً وعقداً وبيعةً“ أجدد له عروجاً؛ أجدد له تسليماً؛ أجدد له فناءً؛ أجدد له مراتب العلاقة والاتصال: ”عهداً وعقداً وبيعةً له في عنقي لا أحول عنها ولا أزول أبداً“.

المضمون الثالث: هذا العصر الذي نعيش فيه هو عصر ظهور حرارة الإيمان بالإمام المنتظر‘ هو العصر الذي يتبين فيه الثابت من غير الثابت، هو العصر الذي تتبين فيه العلاقة الحقيقية مع المهدي المنتظر عجل الله فرجه الشريف. وهذا العصر تحدثت عنه الروايات، فالإمام نفسه تحدث عنه في توقيعه إلى علي بن محمد السمري؛ قال: ”فقد وقعت الغيبة التامة ولا خروج إلا بإذن الله وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب“ طول الأمد وقسوة القلوب؛ فعصرنا هذا عصر قسوة القلوب؛ يقتل المسلم المسلم الآخر بلا رحمة ولا رأفة؛ دم رخيص؛ لا يرحم بعضنا بعضاً؛ لا يدعم بعضنا بعضاً ”قلة عددنا وشدة الفتن بنا“ كل يفتن بالآخر يمزق الآخر يفتك بالآخر؛ هذه مظاهر قسوة القلوب ”وشدة الفتن بنا“. وأيضا حديث آخر ورد عن الصادق ”يغيب غيبة لا يثبت على الإيمان به إلا من امتحن الله قلبه بالإيمان“.

الآن هذه: ”إلا من امتحن الله قلبه للإيمان“ تحتاج إلى محاضرة ثانية؛ ”إلا من امتحن الله قلبه بالإيمان“ الثبات على إمامته في هذا الزمان تحتاج إلى امتحان واختبار ”إلا من امتحن الله قلبه بالإيمان“ لأن هذا الزمان زمان ضغط على القائلين بإمامته؛ زمان ضاغط على القائلين بإمامته، محاربة؛ رصد؛ لذلك كيف يقاوم الإنسان هذه الضغوطات؟ كيف يقاوم الإنسان هذه الشدة؟ كيف يقاوم الإنسان هذا العنف كله؟ يحتاج إلى صلابة ايمان.

هناك بعض قال: خلاص أنا تخليت عن المهدي؛ مثل أحمد الكاتب؛ وهناك شخص يعيش تشكيك ما يدري هذا صحيح أو ليس بصحيح؟ غائب الآن أكثر من ألف وكذا سنة؛ صحيح ليس بصحيح؟ عنده تشكيك في نفسه ويتقلقل؛ وهناك شخص ثابت على إمامته؛ لا يتغير؛ لا يتبدل؛ لكن ما يقدم عطاءً؛ وكما قلنا عطاؤه أحياء المولد؛ هذا عطاؤه؛ وهناك شخص يقدّم نفسه قرباناً هناك أشخاص في مواقع على الأرض كما تعرفون يقدمون أنفسهم قرباناً للإمام وخط الإمام ودرب الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف. إذن العطاء اختلف؛ العلاقة مع الإمام اختلفت.

إذن فبالنتيجة هذا عصر الإرهاب؛ عصر الإغراء؛ من جهة إرهاب فهناك من يخضع لهذا الارهاب ويتنازل عن القول بإمامة الإمام المنتظر إما تنازل قلبياً أو تنازل سلوكياً، وهناك من يخضع للإغراء: الإغراء بالمنصب؛ الإغراء بالوظيفة العالية؛ ونتيجة الإغراء بالمنصب والوظيفة العالية أيضاً يتنازل عن الثبات على إمامة الإمام المنتظر إما تنازل قلبياً أو تنازلاً سلوكياً.

وهناك من يصمد؛ لذلك جاءت هذه الأدعية الشريفة: دعاء العهد؛ دعاء الندبة؛ دعاء الفرج؛ كل هذه الأدعية الشريفة لماذا وضعت؟ وضعت لتعطينا رصيداً روحياً نمارسه كل يوم من أجل تقوية الثبات وترسيخ عقيدة الثبات على إمامة الإمام المنتظر التي تخضع للأعاصير والعواصف الهوجاء من إرهاب وإغراء خصوصاً في هذه الأزمنة؛ خصوصاً في هذه الايام.

اللهم اشف مرضانا؛ فك أسرانا؛ فرج عن المؤمنين؛ انصرهم بنصرك العزيز؛ واخذل أعداء أهل البيت واسحقهم يا رب العالمين....

التفقه في الدين ج1
القيادة الأمينة في مواقف السيد السيستاني