نص الشريط
التعامل الهادئ مع الفترات الساخنة
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مسجد الإمام علي (ع) بالقطيف
التاريخ: 26/1/1422 هـ
مرات العرض: 2275
المدة: 00:35:24
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (1186) حجم الملف: 6.08 MB
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [1] 

صدق الله العليّ العظيم

بعد رحيل العلمين العلامة التقي الشيخ منصور البيات والعلامة الكبير الشيخ عبد الحميد الخطي قدّس سرّهما تمرّ على المنطقة فترة حرجة تختزن الصعوبات وتختزن الأزمات وتختزن المشكلات، كيف يتعامل أبناءُ المنطقة مع هذه الفترة الحرجة التي يشعرون فيها بفقد الأب الرّوحي الذي كانوا يتفيّؤون ظلاله ويتنفسون أجواءه ويعيشون ألطافه ورحماته ورشحاته الرّوحيّة؟

هنا يختلف لون التعامل مع هذه الفترة باختلاف الأشخاص، فهناك من يقف حياديًا أمام هذه الأزمات ولا يعنيه من الأمر شيءٌ، فهو جالسٌ منتظرٌ إلى متى تتمخض الأحداث وإلى أين ستؤول الأمور وعلى أيّ ضفةٍ سترسوا السفينة، وهناك فئة إمّا بدوافع الميول الذاتيّة وبدوافع الخط الفكري الخاص تحاول أن ترفع شخصًا وتضع شخصًا آخر أو تعظم شخصًا وتحطم شخصًا آخر، وهناك فئة قد تستغل هذه الأحداث وقد تستغل هذه الفترات في سبيل إثارة الخلافات أو إثارة الحزازات، فإنّ هناك بعض الناس مع الأسف طُبِعُوا على الإثارة، وطُبِعُوا على الخلاف، وطبِعُوا على روح النزاع والمصادمة، لذلك تعجّ هذه الفترات الانتقاليّة الحرجة، تعجّ بألوان من المواقف وألوان من الخطوات وأشكال من الناس الذين قد لا يقوّمون المرحلة تقويمًا صحيحًا كي يتعاملوا معها معاملة صحيحة، نحن هنا نريد أن نؤكّد على التعامل السويّ السليم مع هذه المرحلة، كيف نتعامل مع هذه المرحلة الصعبة الحرجة تعاملاً سليمًا، تعاملاً سويًا، تعاملاً إيجابيًا؟ كيف نتعامل مع هذه المرحلة؟

التعامل الإيجابي مع هذه المرحلة يرتكز على ثلاثة ركائز:

الركيزة الأولى: الموضوعيّة في الاختلاف.

والركيزة الثانية: قراءة التجربة.

والركيزة الثالثة: الإعداد للمستقبل الأفضل.

نأتي أولاً للركيزة الأولى:

المجتمع مختلفٌ والاختلاف أمرٌ طبيعيٌ، القرآن الكريم يقول: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [2] ، اختلاف المستويات الذهنيّة واختلاف الثقافات واختلاف المخزونات الأسريّة والبيئيّة يفرض الاختلاف في وجهات النظر، يفرض الاختلاف في أساليب العمل وفي خطة العمل، فالاختلاف في أساليب العمل أمرٌ طبيعيٌ وأمرٌ لا يمكن محوه ولا يمكن إزالته، بل قد يكون هذا الاختلاف في بعض المواطن أمرًا إيجابيًا، كثيرٌ من الأفكار لا تتبلور إلا في فترة الاختلاف، كثيرٌ من الأفكار لا تُعْرَفُ سلبيّاتها وإيجابيّاتها ولا يصل الإنسانُ إلى كنهها وجوهرها إلا إذا خضعت للاختلاف بحيث تنكشف زواياها وترتفع لوابسها وغوامضها، إذن الاختلاف أمرٌ طبيعيٌ، بل قد يكون أمرًا إيجابيًا، نحن لا يمكننا نبذ الاختلاف، لا يمكننا إزالة الاختلاف، الذي ندعو إليه التعامل الموضوعي مع الاختلاف، لا أنّنا ندعو إلى إزالة الاختلاف، نحن ندعو للتعامل الموضوعي مع الاختلاف، كيف نتعامل تعاملاً موضوعيًا مع هذا الاختلاف الطبيعي الذي يفرض نفسه في كلّ مرحلةٍ وفي كلّ جيل وفي كلّ فترةٍ حسب العوامل والمقتضيات والظروف؟

التعامل الموضوعي مع الاختلاف له عدّة عناصر:

العنصر الأوّل: تبادل الثقة.

عندما أثق بالطرف الآخر، أحمله على حسن الظن، كما أنا متشرّع وكما أنا متديّنٌ فالآخرون متشرعون والآخرون متديّنون، كما أنا أراعي في مسيرتي وفي أساليب عملي البيّنات والحجج الشرعيّة فالآخرون أيضًا متشرّعون ومتديّنون يراعون في أعمالهم الحجج الشرعيّة والموازين الدّينيّة، إذن لماذا يكون التديّن والتشرّع حكرًا عليّ دون غيري؟! لابدّ أن أحمل سمة حسن الظن بالآخرين، أن أحسن الظنّ بالآخرين، كما أنا أواظب على الشرع وكما أنا أتقيّد بحذافير الشرع فالآخرون أيضًا متشرّعون ومتديّنون، وإذا تبادلنا حسن الظنّ وتبادلنا حسن الثقة «وثقتُ بك وأنك ما اخترتَ طريقًا إلا على حجّةٍ شرعيّةٍ، ووثقتَ بي وأنّني ما اخترتُ طريقًا إلا على حجّةٍ شرعيّةٍ» إذا تبادلنا حسن الظنّ وحسن الثقة عشنا أجواء الوئام وعشنا أجواء الاحترام وعشنا أجواء الإكرام، احترم كلٌ منا رأيَ الآخر واحترم كلٌ منا أطروحة الآخر؛ لأنّ الجميع مشى على طِبْق الموازين الشرعيّة بمقدار ما يهضم وبمقدار ما يعرف وبمقدار ما أعْطِيَ من فقهٍ وتشرع وتديّن.

العنصر الثاني للتعامل الموضوعي مع الاختلاف: أنّنا نرجع الاختلاف إلى الاختلاف في أساليب العمل.

لا حاجة إلى تمديد الاختلاف إلى أشياء أخرى، بعضنا قد يمدّد الاختلافَ إلى أنّه اختلافٌ في الجذور واختلافٌ في الأصول واختلافٌ في الجوهر واختلافٌ في العقيدة! كيف أجتمع مع الآخر وهو يختلف معي في الجذور ويختلف معي في الأصول؟! لا، ليس الاختلاف إلا اختلافًا في أساليب العمل ليس إلا، ليس هناك خلافٌ في العقيدة ولا خلافٌ مذهبيٌ ولا خلافٌ جوهريٌ ولا خلافٌ متجذرٌ، ليس الخلاف إلا خلافًا في طريقة العمل، الأهداف معلومة، الأهداف واضحة، ولكنّ أساليب العمل للوصول إلى هذه الأهداف هي محلّ الخلاف ومحلّ التأمّل، فلابدّ أن نركّز أننا لا نختلف إلا من حيث أساليب العمل، وإلا فكلنا أبناءُ عقيدةٍ واحدةٍ وأبناءُ مذهبٍ واحدٍ وأبناءُ ظلالٍ واحدةٍ ظلالِ أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرًا.

العنصر الثالث: عدم إهدار الطاقات لأجل الاختلاف.

مع الأسف قد يتسرّع بعضنا إلى إهدار الطاقات لأجل ماذا؟! لأجل الاختلاف! فلانٌ اختلف معي إذن فلانٌ ليس بعالم! إذن فلانٌ ليس بأديب! إذن فلانٌ ليس بمفكّر! إذن فلانٌ ليس بخطيب! إذن فلانٌ ليس بكذا..! لماذا؟! لأجل أنّه اختلف معي؟! لماذا؟! فليكن قد اختلف معي ولكن لأحتفظ لفلانٍ بما عنده من الكفاءات وبما عنده من الطاقات وبما عنده من المميّزات، ليس الاختلاف مبرّرًا لِأنْ أتناسى أو أتغافل أو أحاول أن أغضّ النظر على طاقات الآخرين وقدرات الآخرين وكفاءات الآخرين، لأنّهم اختلفوا معي في فكرةٍ أو أسلوبٍ أو طريقٍ من طرق العمل فلا يجوز لي شرعًا أن أرفع كفاءتهم وأن أمحو قدراتهم وطاقاتهم، لا، المجتمع - الحمد لله - المجتمع القطيفي يملك طاقاتٍ علميّة، طاقات فكريّة، طاقات خطابيّة، طاقات أدبيّة.. لا يجوز لنا لأجل الاختلاف أن نقول بأنّ العالم الفلاني ليس بعالم لأنّ أفكاره لا تعجبنا! أو الخطيب الفلاني الكبير ليس بخطيبٍ لأنّ أفكاره لا تعجبنا! لا، يبقى كلٌ في موقعه، يبقى كلٌ في كفاءاته، يُحْتَرَمُ من حيث كفاءاته، يُحْتَرَمُ من حيث طاقته، يُحْتَرَمُ من حيث مواهبه وقدراته التي أعْطِيَت له ووُهِبَت له.

إذن بالنتيجة: الاختلاف لا يكون سببًا لإهدار الطاقات وتناسيها وإغفالها، فليكن تعاملنا مع الاختلاف تعاملاً موضوعيًا وليس تعاملاً مبنيًا على التشنج وعلى التوتر وعلى الغليان العاطفي، هذه هي الركيزة الأولى.

الركيزة الثانية: قراءة التجربة.

لماذا نتعامل مع الماضين بلغة البكاء وبلغة الندبة؟! مضى العلامة الشيخ منصور البيات، مضى العلامة المرحوم الشيخ عبد الحميد الخطي، مضى العلامة الحجّة المقدّس الشيخ فرج العمران، مضوا، هل نبقى نتأسف ونتألم ونتحسّر على أنّ هؤلاء مضوا وبقيت المنطقة تعيش فراغًا هائلاً من يسدّه ومن يشغله أم لابدّ لنا من قراءة التجربة؟! الشيخ منصور كانت له تجربة روحيّة عرفانيّة في المنطقة، فهل قرأناها؟! الشيخ عبد الحميد كانت له تجربة سياسيّة اجتماعيّة في المنطقة، فهل قرأناها؟! غيرهما من الأعلام الذين كانت لهم تجارب وأساليب للعمل هل قرأنا تجاربهم؟! بدل أن ننشغل بلغة البكاء وبلغة الندبة وبلغة الحسرة فلننشغل بقراءة التجربة، أسلوب الشيخ منصور الأسلوب الرّوحي الأسلوب العرفاني الذي كان يفيضه من خلال مسجده ومجلسه وقلمه وبهاءه وخطواته وعباداته ما هي معطيات هذا الأسلوب؟ ما هي إيجابيّات هذا الأسلوب؟ ما هي الآثار التي تنفع المجتمع من خلال هذا الأسلوب؟ الشيخ عبد الحميد كان لسانًا يعبّر عن حقوق الطائفة ويعبّر عن قضايا الطائفة، هل كان أسلوبه أسلوبًا ناجحًا؟ ما هي معطياته؟ ما هي ثمراته؟ إلى أين أوصلنا؟ إلى أيّ درجةٍ أوصلنا هذا الأسلوب؟

لابدّ لنا بدل الانشغال بلغة الندبة والبكاء أن نركّز على قراءة التجربة الماضية، التجربة التي مرّت بها المنطقة إلى أين وصلت؟ وما هي حدودها؟ وما هي معطياتها؟ لابدّ أن نفكّر في أساليب العمل، نحن نريد أن نعمل للمنطقة، كيف نعمل؟ ما هو الأسلوب الناجح للعمل؟

هناك مقوّمات أساسيّة لماذا؟! لتحديد أسلوب العمل:

المقوّم الأوّل: تحديد الهدف.

قبل أن تحدّد الهدف لا يمكن أن تحدّد أسلوب العمل، تحديد أسلوب العمل متمركزٌ على ماذا؟! على تحديد الهدف، هل هدفك هدفٌ ثقافيٌ؟ هل هدفك هدفٌ خيريٌ؟ هل هدفك هدفٌ سياسيٌ؟ هل هدفك هدفٌ اجتماعيٌ؟ بمقدار تحديد الهدف يتحدّد أسلوب العمل، هل هدفك هدفٌ آنيٌ مرحليٌ أم هدفك هدفٌ مستقبليٌ دائميٌ؟ بمقدار تحديد طبيعة الهدف يتحدّد أسلوب العمل، لابدّ لنا من تحديد الأهداف أولاً وعلى إثرها تتحدّد أساليب العمل.

المقوّم الثاني: لابدّ من دراسة الظروف.

نحن نعيش في ظروفٍ إقليميّةٍ وظروفٍ معيّنةٍ، ظروف اجتماعيّة معيّنة، ظروف أمنيّة معيّنة، ظروف مثلاً ثقافيّة معيّنة، لابدّ أن يكون أسلوب العمل الذي ننتهجه منسجمًا مع طبيعة هذه الظروف لا أقلّ منها حجمًا ولا أكثر منها حجمًا، لابدّ أن يكون أسلوبنا نابعًا من الظروف وليس مفروضًا على الظروف، لابدّ أن يكون أسلوبنا من متطلبات الظرف وليس قسرًا على الظرف نفسه، إذن الملاءمة بين الأسلوب وبين الظروف الموضوعيّة مقومٌ أساسٌ لماذا؟! لاختيار أسلوب العمل.

المقوّم الثالث: لابدّ أن يكون لأسلوبنا سمة حضاريّة إعلاميّة.

كثيرًا نحن ما نغفل هذا الموضوع، المهم أن نعمل وإن لم يكن لأسلوبنا سمة حضاريّة إعلاميّة تعبّر عن حضارتنا، تعبّر عن ثقافتنا، تعبّر عن مستوياتنا!

لاحظوا من باب المثال أذكر: أنا حضرتُ يومًا واحدًا في فاتحة العلامة الكبير المرحوم الشيخ عبد الحميد الخطي قدّس سرّه، لم تعجبني أجواءُ الفاتحة أبدًا، الفاتحة لم تكن بالمستوى الذي يعكس حضارتنا، الذي يعكس ثقافتنا، الذي يعكس أفقنا، لابدّ أن تكون حتى فواتحنا، أعراسنا، مآتمنا، فواتحنا.. لابدّ أن تكون بمستوانا أيضًا، كما أنّها لابدّ أن تكون بمستوى الفقيد من حيث مكانته ومقامه العلمي والاجتماعي لابدّ أن تكون أيضًا بمستوانا، لابدّ أن تعكس أنّ لنا حضارة، أنّ لنا ثقافة، أنّ لنا أسسًا، أنّ لنا جذورًا، أمّا إذا كانت الفاتحة مهلهلة غير منظّمةٍ لم تبرز فيها الكفاءات ولم تبرز فيها طاقات المنطقة ولم تعطَ موقعها وحقها الذي يليق بالفقيد المتوفى ويليق بمستوى المنطقة وحضارة المنطقة وثقافة المنطقة فحينئذٍ هذا الأسلوب لا يكون أسلوبًا ذا سمةٍ حضاريّةٍ وذا سمةٍ إعلاميّةٍ، لابدّ أن يكون أسلوب العمل الذي نختاره أسلوبًا له سمة إعلاميّة تعبّر عن حضارتنا وعن مستوانا الثقافي والاجتماعي.

نأتي إلى الركيزة الثالثة من الركائز التي لابدّ من مراعاتها في الفترة الحرجة التي نعيشها والتي لابدّ من الالتفات إليها كي يكون تعاملنا مع هذه الفترة تعاملاً سويًا صحيحًا: الإعداد للمستقبل الأفضل.

الإعداد للمستقبل الأفضل هو وظيفتنا، هو مسؤوليتنا، هو واجبنا، هناك عوامل ثلاثة قد تعقونا عن الإعداد للمستقبل الأفضل، عن القيام بوظيفتنا الدّينيّة والاجتماعيّة:

العامل الأوّل من هذه العوامل: أنّنا لا نحدّد المشكلة.

أنا أسمع من الناس كلماتٍ أستغرب! الناس تركّز: من الذي يقوم بالعقود؟! من الذي يقوم بإجراء صيغ الطلاق؟! من الذي يقوم بتنفيذ المواريث؟! من الذي سيقوم بإثبات الهلال؟! من الذي سيصلي على الجنائز؟!.. هذه صغريات، هذه شكليّات، ليست المشكلة هنا، ليست المشكلة في إبرام صيغ العقود أو صيغ الطلاق أو تنفيذ المواريث أو إثبات الأهلة.. كلها هذه أمورٌ جزئيّة صغيرة لا ينبغي أن ينشغل الإنسانُ بها وأن يركّز عليها أكثر من تركيزه على عمق المشكلة وعلى كنه المشكلة، ليست المشكلة هي هذه الأمور الصغيرة، هذه الأمور الصغيرة: الصلاة على الجنازة، أو إجراء عقد النكاح، أو إجراء صيغة الطلاق، أو تنفيذ المواريث، أو إثبات الأهلة.. ليست هي وظيفة العلماء، وظيفة العلماء أعمق من هذا، وظيفة العلماء أدقّ من هذا، هذه الأمور الصغيرة يستطيع العالمُ أن يفوّض فيها من يشاء، وأن يوكل إليها من يشاء، وأن يحدّد لها من يراه موثوقًا بدينه وموثوقًا بعلمه، العالمُ إذا كان يصلي على الجنائز كما كان المرحوم العلامة الشيخ عبد الحميد الخطي يصلي على الجنازة ويعقد النكاح ويجري صيغة الطلاق وينفذ المواريث ويثبت الأهلة.. هذا دورٌ يتفضل به العالمُ وإلا فليس هو دوره، يستطيع أن يوكّل به من يراه صالحًا لذلك، دوره أكبر من ذلك، دوره أعظم من ذلك، لماذا نحن نشغل مجالسنا ونتعب أنفسنا: من سيقوم بهذه الرسميّات؟! من الذي سيقوم بهذه الشكليّات؟! إلى من ستوكل المهمّة؟! ومن سيعلق الجرس؟! ومن سيرفع هذا الموضوع؟!.. هذه أمورٌ صغيرة، من؟! ليكن من! وليكن أيّ شخص يوثق بدينه وبعلمه فليقم بها.

المشكلة أعظم من ذلك، المنطقة تحتاج إلى دورٍ تثقيفي ودورٍ توعوي ينهض بمستوى المنطقة إلى أفضل المستويات، هذه هي المشكلة، وهذا هو المطلوب، المطلوب: وجود علماء يقومون بالنهوض بهذه المنطقة إلى أفضل المستويات الثقافيّة وإلى أفضل المستويات الاجتماعيّة.

المنطقة تعيش انحرافًا سلوكيًا عند بعض أبنائها، تعيش تخلفًا فكريًا عند بعض أبنائها، تعيش المنطقة مهبًا للرّياح وللأعاصير وللتيّارات العلمانيّة المختلفة، أين الحِصْن؟! أين العالم الذي يعدّ حصنًا أمام التيّارات العلمانيّة المختلفة؟! أين الذي يغذي المنطقة بفكره؟! أين الذي يغذي المنطقة بثقافته؟! أين الذي يرصد كلّ فكرة ويرصد كلّ خطوة ويرصد كلّ تغير ويرصد كلّ أزمة ويرصد كلّ منزلق ويرصد كلّ ظرف ويحيطه بفكره الثاقب ويحاول أن يقود المنطقة إلى أن تفكّر بأفضل طريقةٍ وإلى أن تعالج الأمور بأفضل أسلوبٍ وإلى أن تتعامل مع القضايا بالأسلوب الناجح المثمر؟!

نحن هنا وهذه مشكلتنا وهذه هي حاجتنا، فلابدّ أن نحدّد المشكلة أولاً كي نتعامل مع هذه الفترة تعاملاً ينسجم مع طبيعة المشكلة وحدود المشكلة وواقع المشكلة، هذا هو العامل الأوّل.

العامل الثاني من العوامل التي قد تعوق تحديدنا للأسلوب الصحيح في هذه الفترة، قد تعيق تحديدنا للأسلوب الصحيح المثمر لهذه الفترة، هو: ظاهرة الاتكاليّة.

نحن كسالى! كلٌ يعلق الأمر على الآخر! نحن نعيش حالة من الكسل والاسترخاء، حالة من الدعة والاسترسال، كلٌ يعلق الأمر على الآخر! أنا لست مسؤولاً! الآخر هو المسؤول! الثالث قال: أنا لست مسؤولاً! الآخرون هم المسؤولون! دائمًا نركّز على أنّ المسؤوليّة تتحمّلها المحاريب وتتحمّلها المنابر ونحن ليس علينا مسؤوليّة! المسؤوليّة هي مسؤوليّة المساجد والمنابر وليست مسؤوليتنا!

لا، المسؤوليّة مسؤوليّة الجميع، ”كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته“ كلٌ منا في موقعه يستطيع أن يخدم وطنه، كلٌ منا في موقعه يستطيع أن يرتفع بهذا المجتمع إلى المستوى الأفضل، كلٌ منا من موقعه يستطيع أن يساهم في الأسلوب الأمثل للتعامل مع هذه الفترة، كلٌ منا من موقعه يستطيع الإعدادَ للمستقبل الأفضل.

المعلم، ألا يستطيع المعلمُ من خلال الفصل أن يربّي جيلاً فاضلاً؟! قد يستطيع المعلمُ على ما لا يستطيع عليه إمامُ المسجد وخطيبُ المنبر، قد يكون المعلمُ قادرًا على دورٍ لا يقدر عليه المنبرُ ولا يقدر عليه المحرابُ من خلال الفصل من خلال تربية الجيل، أنت كأبٍ من خلال تربية الأسرة، أنتِ كأم من خلال الأسرة تستطيعين أن تربي أجيالاً فاضلة، لماذا نعلق المسؤوليّة على المنبر والمسجد فقط؟! المنبر مسؤولٌ، المسجد مسؤولٌ، لكن أنت مسؤولٌ أيضًا، أنت كمعلم مسؤولٌ، أنت كأبٍ مسؤولٌ، أنت كصديق مسؤولٌ، أنا صديقٌ ولي صداقات متنوعّة ولي علاقات اجتماعيّة مختلفة، أستطيع من خلال علاقاتي الاجتماعيّة «من خلال صداقاتي» أن أخلق جوًا ثقافيًا، أن أخلق سلوكًا طيبًا، أن أخلق توجهًا روحيًا، من خلال علاقاتي وصدقاتي، أنت أيها الطبيبُ من خلال طبك وتعاملك المخلِص مع المريض ومع سائر الألوان والمذاهب والأشكال أنت تقوم بدورٍ نهضوي وبدورٍ يرفع بهذه الأمّة ويعدّها للمجتمع الأفضل.

إذن كلٌ من موقعه، كلٌ من موقعه داعية، كلٌ من موقعه مسؤولٌ، كلٌ عليه أن يُحَسّس نفسه ويُشْعِرَ نفسه بالمسؤوليّة، ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ.

العامل الثالث الذي قد يعيق الإعداد إلى المستقبل الأفضل: الاسترسال وراء التفاهات المجلسيّة ووراء الأحاديث الهامشيّة.

مع الأسف الشديد إذا مرّت علينا أزمة «فقدنا عالمًا أو فقدنا مفكرًا» بماذا ننشغل؟! ننشغل بالمجالس! صار كذا وحصل كذا واليوم قيل كذا واليوم سمعنا كذا وغدًا سيقولون كذا.. وهكذا! ننشغل بالأحاديث المجلسيّة! هكذا مستوانا؟! أهذا مستوى تفكيرنا؟! أهذا هو حدّ أفقنا «أن ننشغل بهذه القضايا التافهة، بهذه القضايا الصغيرة، بهذه القضايا الجزئيّة»؟! بدل أن نثير في مجالسنا: ما هو الدّور الأفضل؟ ما هو واجبنا؟ ما هي مسؤوليتنا؟ ننشغل بالحديث على فلان وكشف عورات فلان وفضح سريرة فلان ونضع كلّ شخص على الميزان ونجرّحه ونشوّهه ونكشف أوراقه ونُعِيدُ سيرته بين كرٍ وفرٍ! إلى متى؟! إلى متى نترفع عن هذه المجالس؟! إلى متى نعلو عن هذه التفاهات؟! إلى متى نسمو بأنفسنا عن هذه الأحاديث التافهة الجانبيّة حول فلان وحول فلان؟! إلى متى نشيع في مجالسنا أن نتحدّث عن «دورنا الدّيني، دورنا الثقافي، دورنا الخيري، دورنا الاجتماعي»؟! أفهل من الصحيح أن يجلس أحدنا ويستند إلى المخدة ويقول: فلانٌ أنا أنتقده! فيه عيب كذا! وفيه خطأ كذا! وفيه ما فيه وعليه ما عليه!.. وأنت الذي استندت إلى المخدّة ماذا قدّمت وماذا أعطيت؟! لماذا تصبّ النقد على فلان وتحمّل فلانًا العيوبَ والأخطاءَ وكأنك صفحة بيضاءُ نقيّة لا عيب فيها ولا لبس فيها؟! أنت ماذا قدّمت للمجتمع؟! أنت ماذا أعطيت للمجتمع؟! أنت ماذا أنتجت للمجتمع؟! هل سألت نفسك يومًا بدل هذا النقد وهذا التعداد للعيوب والأخطاء لفلان ولفلان ولفلان هل سألت نفسك يومًا: وأنا ما هي عيوبي؟! وما هي أخطائي؟! وما هي تجاوزاتي؟! وماذا قدّمت أنا وماذا أعطيت؟! ”رحم اللهُ عبدًا انشغل بعيوبه عن عيوب الناس“.

إذن إذا أردنا أن نعيش هذه الفترة وأن نتعامل معها تعاملاً سويًا صحيحًا فعلينا أن نلتفت إلى هذه الركائز الثلاث وأن نكون بعيدي النظر، وأن نكون دقيقين في حديثنا وفي مجالسنا، وأن نختار الأساليبَ المدروسة دراسة تامّة في مجال عملنا وفي ساحة تحركاتنا وتصرّفاتنا، وأن نكون مصداقًا للآية المباركة: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، أسأل الله تعالى أن يخلف علينا وعلى هذه المنطقة بالخلف الصالح، أسأل الله تبارك وتعالى أن يمنّ علينا بالطريق الصحيح المستقيم وأن يهدينا إلى سلوكه.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على محمّدٍ وآله الطيّبين الطاهرين

[1]  آل عمران: 104.
[2]  هود: 118 - 119.

العدالة العامة في دولة المنتظر (عج)
الشعائر الإلهية في الرحاب الحسينية