نص الشريط
العدالة العامة في دولة المنتظر (عج)
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مسجد الإمام علي (ع) بالقطيف
التاريخ: 9/3/1422 هـ
مرات العرض: 1988
المدة: 00:58:57
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (1422) حجم الملف: 10.1 MB
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

تواتر عن الرسول محمد أنه قال: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملأ الأرض قسطًا وعدلاً كما ملئت ظلمًا وجورًا» صدق الرسول الكريم .

هذا الحديث المتواتر الذي اتفق على روايته جميع كتب المسلمين وجميع صحاح المسلمين كثيرًا ما يمر علينا هذا الحديث من دون أن نتأمل في مداليله ومضامينه، هذا الحديث إذا دققنا النظر في عباراته وفقراته نجده يشتمل على مضامين عالية ونجده يشتمل على قضايا دقيقة تتعلق بدولة الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف، نحن نركز في هذا الحديث على مفردات ثلاث:

المفردة الأولى: التعبير بالبعث.

«لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي» ما هو السر في التعبير بالبعث؟ «لبعث الله رجلاً من أهل بيتي».

المفردة الثانية: التعبير بالامتلاء.

«يملؤها قسطًا وعدلاً كما ملئت ظلمًا وجورًا» ما هو مضمون التعبير بالامتلاء؟ «ملئت ظلمًا وجورًا».

المفردة الثالثة في هذه الحديث: نشر القسط والعدل.

«يملؤها قسطًا وعدلاً» ما هو معنى هذا النشر «نشر القسط والعدل»؟

إذًا لابد لنا من الوقوف أمام كل مفردة من هذه المفردات الثلاث لنتعرف من خلالها على عظمة الدولة الخاتمية ألا وهي دولة الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف.

أما المفردة الأولى وهي التعبير بالبعث «لبعث الله رجلاً من أهل بيتي» البعث استخدم في القرآن الكريم في أربعة معاني:

تارة يستخدم البعث بمعنى الإرسال كما في قوله تعالى: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ يعني أرسل في المدائن حاشرين، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا ابعثوا حكمًا يعني أرسلوا حكمًا، البعث هنا بمعنى الإرسال.

المعنى الثاني الذي استخدمت فيه كملة البعث أن المراد بالبعث هو الإظهار والإبراز، مثلاً في قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ يعني أظهرهم من بين الناس ﴿فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنذِرِينَ مثلاً قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يعني أظهر من بين الأميين رسولاً منهم ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ البعث في هذه الآيات بمعنى الإظهار والإبراز.

المعنى الثالث للبعث أن البعث يستخدم في القرآن الكريم بمعنى إعادة الحياة، ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا بعثنا من مرقدنا يعني أعاد لنا الحياة واليقظة، ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ أو قوله تعالى: ﴿فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ يعني أعاد له الحياة مرة أخرى، ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ البعث هنا بمعنى إعادة الحياة واليقظة مرة أخرى.

المعنى الرابع للبعث أن القرآن يستخدم البعث بمعنى الرفعة والإعلاء، كما في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا يبعثك ربك يعني يرفعك مقامًا محمودًا، يعليك مقامًا محمودًا.

إذًا البعث استخدم في القرآن إما بمعنى الإرسال أو بمعنى الإظهار أو بمعنى الإعلاء والرفعة أو بمعنى إعادة الحياة، جميع هذه المعاني الأربعة تشترك في عنصر واحد مشترك بين هذه المعاني الأربعة ألا وهو عنصر التجديد، البعث متقوم بماذا؟ بعنصر التجديد.

الإرسال يتضمن عنصر التجديد لأنك إذا أرسلت رسولاً جاءك بأنباء جديدة لم تكن تعرفها قبل إرسال الرسول، إظهار النبي من بين الأميين باب لحياة جديدة للأمة وللمجتمع، رفعة النبي من مقام إلى مقام آخر تجديد في مقاماته صلوات الله وسلامه عليه وآله.

إعادة الحياة إلى العظام الميتة تجديد لوجود الحياة وتجديد لنور الحياة.

إذَاً البعث بتمام معانيه الأربعة متضمن لعنصر التجديد، فعندما يقول الرسول المصطفى محمد : «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي» التعبير بالبعث كناية عن أن هذه الدولة «الدولة المهدوية» هذه الحضارة «الحضارة الخاتمية» دولة جديدة لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري، لم يسبق لها نظير في التاريخ البشري، ما يأتي به الإمام المنتظر جديد بتمام تفاصيله وبتمام شؤونه لم ير الناس له نظيرًا ولا مثيلاً ولا أنموذج آخر، ما يأتي على يد الإمام المنتظر تراه الناس شيئًا مستجدًا مبتكرًا لم تعرف له نظيرًا ولا مثيلاً التعبير بالبعث إشارة إلى التجديد الذي يقع على يديه صلوات الله وسلامه عليه.

وهنا قد يطرح الإنسان السؤال: ما هو الجديد؟ ما هو الجديد في دولته وما هو الجديد في حضارته؟

لقد عرف التاريخ البشري دولة النبي محمد ودولة الوصي ودولاً إسلامية أخرى وحضارات كبرى أقامت على الأرض كيانها ومدت جذورها فما هو الجديد في دولته صلوات الله وسلامه عليه؟ ما هو الجديد حينئذ؟

الجديد في حضارته - التفتوا يا إخوان - تزاوج العلوم بعد استقلاليتها وتفصيلها، ما معنى تزاوج العلوم بعد استقلاليتها وتفصيلها؟

العلم، أي علم من العلوم علم الطب، علم الهندسة، علم الفقه، أي علم من العلوم يمر بمرحلتين:

المرحلة الأولى هي مرحلة التفصيل والاستقلالية.

والمرحلة الثانية مرحلة التزاوج مع العلوم الأخرى في تلبية الحاجة البشرية. ما معنى هذا الكلام؟

مثلاً: نحن نأتي لعلم الطب، علم الطب كلما زمان يسير بمسيرة تفصيلية، كان علم الطب علمًا واحدًا، أصبح علم الأسنان علمًا، أصبح علم القلب علمًا، أصبح علم الأجنة علمًا، أصبح كل اختصاص ومساحة من علم الطب علمًا مستقلاً عن العلم الآخر، هذا عبارة عن أن العلم يسير في مسيرة تفصيلية استقلالية فيتنوع إلى علوم متعددة.

علم الفقه أيضًا فيما مضى من قبل خمس مئة سنة علم واحد، أصبح علومًا، فقه العبادات، فقه المعاملات، فقه الحديث، فقه الحضارة، أصبح علم الفقه علومًا متعددة نتيجة لمسيرته التفصيلية الاستقلالية، هذه مرحلة من مراحل العلم.

وهناك مرحلة أخرى من مراحل العلم ألا وهي مرحلة التزاوج بين العلوم، أدنى قضية وأدنى حدث الآن وفي المستقبل وكلما مر الزمان، أدنى حدث يحدث عندك في البيت يحتاج إلى عشرة علوم لمعالجة هذا الحدث، يحتاج إلى عشرين علمًا لمعالجة هذه الظاهرة، أدنى ظاهرة تمر على الإنسان في بيته، في جسمه، في علاقاته، في تصرفاته، أدنى ظاهرة، أدنى حدث إذا أراد أن يعالجها وإذا أراد أن يحيطها يحتاج للرجوع إلى عدة علماء، يحتاج للرجوع إلى عدة اختصاصات لكي يعالج هذه الظاهرة البسيطة ولكي يعالج هذه الجزئية المحدودة، إذًا هذا عبارة عن تزاوج العلوم وتكاملها لأجل تلبية الحاجة البشرية، ومن أجل استمرار مسيرة الحضارة الإنسانية لابد أن تمر العلوم بمرحلة التزاوج كما مرت بمرحلة التفصيل والاستقلالية.

مثلاً: أعطيك مثال لعل هذا المثال في الوقت الحاضر ما صار له تحقق لكنه سيتحقق في المستقبل كما يتنبأ المراقبون والمحللون، مثلاً عندما نحن نريد أن نزرع خلية «خلية كبد» في جسم إنسان آخر، إنسان يحتاج إلى زراعة كبد أو يحتاج إلى زراعة مثلاً كلية أو يحتاج إلى زراعة أي عضو آخر، عندما نريد أن نضع الخلية التي ستنمو في المستقبل وستكون كبدًا، إلى كم علم نحتاج؟ إلى كم اختصاص نحتاج أن يتدخل في هذا المجال حتى تتحقق هذه الظاهرة؟

إننا نحتاج إلى علم الأحياء الذي يدرس لنا خصائص هذه الخلية، الخصائص الفزلوجية المتقومة بهذه الخلية ومدى انسجامها مع الأنسجة الحية لبدن هذا المريض المحتاج لهذه الخلية، لابد أن يتدخل هنا عالم الأحياء ليوضح لنا هذه النقطة وهذه الخصوصية.

إذا تجاوزنا هذا الاختصاص جاءنا اختصاص آخر، ربما يستغرب الإنسان يقول: الذي نعرفه أن المهندس المعماري هو الذي تختص هندسته بعمارة العقارات وبعمارة الكيانات والمباني، لكن لا، يقولون لك في المستقبل حتى المهندس المعماري تكون له مساحة علاقة بالبدن، تشمل هندسته المعمارية حتى هذا البدن الذي تسير به وتتحرك به على الأرض، هنا هذا المهندس المعماري يتدخل بموازينه المجهرية الدقيقة ليحدد الموضع المناسب الذي لا يزيد ولا ينقص لهذه الخلية المعطاة لهذا البدن المحتاج لهذه الخلية.

أنت تحتاج إلى اختصاص آخر، تحتاج إلى علم النفس، علم النفس لابد أن يدرس النفسية لهذا المريض، ما هي أوضاعه النفسية حين وضع الخلية؟ وما هي أوضاعه النفسية بعد التجاوب والتفاعل والتأقلم مع هذه الخلية؟ فإن الأوضاع النفسية دخيلة في صحته وفي نمو خليته.

حتى الفن يتدخل في هذه الأمور، قد يستغرب الإنسان: ما علاقة الفن وما علاقة الموسيقى بهذه العملية الجراحية التي نريد من خلالها أن نضع خلية كبد في جسم الإنسان الآخر؟ علماء الفن يجيبون: بعض أنواع الموسيقى الكلاسيكية تتدخل في نمو الحياة النباتية والحيوانية، ولكي يكون نموه نموًا سريعًا ناجحًا حتى علم الفن يتدخل في هذه العملية الجراحية.

ثم يأتي دور الجراح ليحدد الجراحة زمانًا ومكنًا وأدوات ووسائل وكيفيةً وكميةً وما يحتاج وما تتقوم به هذه العملية الجراحية.

إذًا بالنتيجة مسألة واحدة، ظاهرة واحدة تحتاج إلى علوم متعددة، هنا يتحقق التزاوج بين العلوم، إذا كانت ظاهرة واحدة تحتاج إلى هذا الكم من العلوم لكي تتزاوج وتتلاقح فكيف ببناء حضارة كاملة على الأرض كلها، ألا تحتاج إلى تزاوج في العلوم؟ كيف يبني الإمام حضارة اقتصادية وحضارة علمية وحضارة أخرى متكاملة على هذه الأرض من دون أن يكون هناك تزاوج في العلوم وتلاقح في المعارف والاختصاصات؟!

إذًا الجديد الذي تشرق به دولة الإمام المنتظر دولة العلم ودولة الحضارة ودولة التعمق في المجالات المختلفة، الجديد الذي ستشرق به الدولة الخاتمية المهدوية تزاوج العلوم، سنرى هذه المرحلة بأوضح مصاديقها وأجلى مظاهرها أن العلوم تتزاوج في كل شيء، من أصغر صغيرة إلى أعظم كبيرة نجد العلوم متداخلة متشابكة متزاوجة في دولته صلوات الله وسلامه عليه.

نأتي للمفردة الثانية:

لاحظوا الحديث النبوي الشريف عندما يقول: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملأ الأرض قسطًا وعدلاً كما ملئت ظلمًا وجورًا» هنا يتبادر للإنسان هذا السؤال: هل الامتلاء حقيقي أو أن الامتلاء مجازي؟ ما معنى امتلأت ظلمًا وجورًا؟ هل فعلاً الأرض امتلأت ظلمًا وجورًا؟ هل فعلاً الأرض ستمتلئ يومًا من الأيام ظلمًا وجورًا؟ هل هذا أمر حقيقي أو هذا أمر مجازي؟

كثير من العلماء عندما يمر بهذا الحديث يقول لا الامتلاء مجازي، يعني كثير من مناطق الأرض تعيش حالة من الظلم، تعيش حالة من الجور، تعيش حالة من انفلات الموازين ومن انفلات القانون، لذلك النبي عبر عن هذه الكثرة بالامتلاء، وإلا فالامتلاء ليس حقيقيًا وإنما هو امتلاء مجازي، «امتلأت» يعني أغلب مناطقها.

نحن نؤكد أن الامتلاء حقيقي وليس امتلاءً مجازيًا، ستمتلئ الأرض يومًا من الأيام ظلمًا وجورًا، وماذا يعني هذا الكلام؟

يعني هذا الكلام ويتضح هذا الكلام عندما نلتفت إلى أمرين هنا:

الأمر الأول: الأمر الأول لابد لنا من التفريق بين القسط وبين العدل وبين الظلم وبين الجور، الحديث قال: «يملؤها قسطًا وعدلاً كما ملئت ظلمًا وجورًا» هناك فرق بين القسط والعدل، أستغرب كثير من المفسرين يقولون القسط هو العدل والعدل هو القسط ولا فرق بينهما، مع أن ظواهر آيات القرآن الكريم تؤكد على الفرق بين القسط وبين العدل، هناك فرق بين القسط وبين العدل، وإذا اتضح الفرق بينهما يتضح الفرق بين الظلم وبين الجور.

القسط يقابله الظلم، والعدل يقابله الجور، ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إذًا هناك فرق بين العدل وبين القسط، القرآن الكريم يقول: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ فهناك عدل وهناك قسط، ما هو الفرق بين القسط والعدل؟

نحن عندما نريد أن نعطي لشخص حقوقه، ماذا نصنع؟ نمر بمرحلتين: مرحلة نظرية ومرحلة عملية.

المرحلة النظرية تحديد الحق، ما هي حقوقه؟ عندنا مثلاً جنين في بطن أمه، نحن نبحث في منظمات حقوق الإنسان أن هذا الجنين إنسان، ولهذا الجنين حقوق فما هي حقوقه؟ عندما نحدد الحقوق تأتي النظريات وتأتي القوانين لتحدد الحق، تحديد الحق من خلال القوانين الاجتماعية، من خلال الكيان النفسي لهذا المخلوق، من خلال الدور الطبيعي لهذا المخلوق، يحدد حقه، «ما هو حقه؟» هذا يسمى قسط، القسط هو عبارة عن المرحلة النظرية وهي تحديد الحق بما ينسجم مع المصالح العامة وبما ينسجم مع استقرار النظام الاجتماعي، تحديد الحق، وزن الحق يسمى بالقسط.

ولذلك ترى القرآن الكريم دائما يرادف بين الميزان وبين القسط: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ هذه التعبيرات القرآنية تشير على أن القسط هو عبارة عن الوزن، يعني تحديد الحق، الميزان النظري الذي من خلاله نحدد حق الجنين، حق المرأة، حق الطفل، حق البيئة، حق الطبيعة، حق الإنسان، تحديد الحق بالموازين النظرية يسمى القسط.

بعد أن حددنا الحق، الجنين له مثلاً عشرون حقًا، وضع هذه الحقوق في مواضيعها في المرحلة العملية يسمى عدلاً، فالعدل مرحلة ثانية بعد القسط، هناك مرحلة القسط وهي تحديد الحقوق وتحديد مواطنها ومواضعها، بعد أن ننتهي من هذه المرحلة نصل إلى مرحلة العدل، مرحلة العدل مرحلة العملية، وضع هذه الحقوق في مواضعها، وضع هذه الموازين في مواضعها يسمى بالعدل.

فعندما لا نحدد الحقوق تحديدًا دقيقًا يعد عدم التحديد ماذا؟ ظلمًا، وعندما لا نضع الحقوق في مواضعها يعد عدم الوضع جورًا، فالقسط يقابله الظلم والعدل يقابله الجور والفرق بينهما هو الفرق بالمرحلة النظرية والمرحلة العملية.

الأمر الثاني: هو مسألة أن الظلم لا ينحصر في ظلم الإنسان للإنسان، كثير من الناس إذا قيل له لا تظلم يفكر يعني لا تظلم الإنسان الآخر، يرى أن الظلم منحصر ومتقوقع في ظلم الإنسان للإنسان، لا، الإنسان له علاقات ثلاث: العلاقة مع السماء «مع الله»، العلاقة مع الإنسان الآخر زوجةً أو ولدًا أو جارًا أو مجتمعًا، العلاقة الثالثة التي يتناساها كثير من الناس العلاقة مع الطبيعة، العلاقة مع الأرض، العلاقة مع البيئة.

كما أن لك علاقة مع الله، كما أن لك علاقة مع الإنسان لك علاقة مع الأرض التي تعيش عليها، لك علاقة مع الفضاء الذي تتنفسه وتتحرك فيه، لك علاقة مع هذا الهواء ومع هذه البيئة بزراعتها بكائناتها الحية بمختلف أشكالها وألوانها.

فلك علاقات ثلاث، وبما أن لك علاقات ثلاث فكل علاقة لها ميزان، فإذا وضعتها في ميزانها كان ذلك عدلاً، وإذا لم تضعها في ميزانها كان ذلك جورًا من الإنسان.

ميزان العلاقة مع الله شكره، متى ما كنت شاكرًا فأنت عادل وإلا كنت جائرًا.

ميزان العلاقة مع الإنسان هو الإنسانية، متى ما وضعت الإنسان الآخر في إطار الإنسانية فأنت عادل وإلا فأنت جائر.

ميزان العلاقة مع الطبيعة الاستثمار المتوازن، متى لم يكن هناك استثمار متوازن للطبيعة فالإنسان المتعامل مع الطبيعة إنسان جائر.

إذًا الظلم لا ينحصر في ظلم الإنسان للإنسان، قد يظلم الإنسان السماء، قد يظلم الإنسانُ الإنسانَ، وقد يظلم الإنسان الطبيعة وقد يجور هذا الإنسان على البيئة والطبيعة.

من هنا نفهم «امتلأت ظلمًا وجورًا» ما معنى «يملؤها قسطًا وعدلاً بعدما ملئت ظلمًا وجورًا»؟ لم ينحصر الظلم في ظلم الإنسان للإنسان حتى تقول: أنا ما أرى ظلم الإنسان للإنسان إلا في دول العالم الثالث وإلا فكثير من الدول نقية من ظلم الإنسان للإنسان.. لا، ولكنك غفلت عن ظلم الإنسان للأرض، ظلم الإنسان للطبيعة، ظلم الإنسان لهذا الفضاء الذي يعيش فيه ويتحرك فيه، هذا من أبشع أنواع الظلم والجور، فإذا كانت الأرض لم تمتلئ ظلمًا وجورًا من خلال العلاقة الثانية ألا وهي علاقة الإنسان بالإنسان فقد ملئت ظلمًا وجورًا أو ستملأ ظلمَا وجورًا من خلال علاقة الإنسان بالطبيعة.

لاحظوا هذا الإنسان كيف يستثمر النفط وكيف يستثمر الغاز، استثمار النفط والغاز من قبل هذا الإنسان ماذا ولد؟ ولد انتثار ثاني أكسيد الكربون، انتشار ثاني أكسيد الكربون ماذا ولد؟ ولد ظاهرة الاحتباس الحراري، وظاهرة الاحتباس الحراري من أشد الأخطار وأشنعها على الحياة على الأرض وعلى الكائنات الحية التي تعيش على الأرض.

إذًا الإنسان في علاقته مع الطبيعة لم يستثمرها استثمارًا متوازنًا، استثمر بعض الطبيعة على حساب البعض الآخر، استثمر بعض العناصر على حساب العناصر الأخرى، لما لم يتحقق الاستثمار المتوازن كان ذلك جورًا على الطبيعة وظلمًا للطبيعة.

هذا الإنسان مثلاً أنت تسمع فيضانات تكتسح مجتمعات وفي المقابل جفاف يكتسح مجتمعات أخرى، وهذا جور وظلم للطبيعة، أفتظن أن الإنسان عاجز عن الاستثمار المتوازن لنعمة الماء على الأرض؟ أبدُا ليس عاجزًا، هذا الإنسان الذي استطاع أن يبذل أقصى جهوده في تقنية السلاح، وهذا الإنسان الذي استطاع أن يبذل أقصى طاقاته في أن يتفوق في مجال السلاح وأن يستعد لبناء الدرع الصاروخي كما يقولون أفهل يكون هذا الإنسان قاصرًا عن توزيع نعمة المياه توزيعًا عادلاً وأن يستثمرها استثمارًا جيدًا يجعل الاستثمار متكافئًا متوازنًا؟ فهل الإنسان عاجز عن ذلك؟ هذا الإنسان الذي تعملق في الفضاء وسيطر على نسمات الفضاء وعلى توازنات هذا الفضاء لو بذل بعض الجهد، بعض الجهد الذي بذله في مجال التقنية السلاحية، لو بذل بعض الجهد الذي بذله في مجال السيطرة على الفضاء ليظل رقيبًا على الأرض وعلى دولها ومجتمعاتها، لو بذل بعض هذا الجهد في الاستثمار المتوازن لطاقة الماء، لنعمة الماء لاستطاع أن يستثمر ذلك استثمارًا متوازنًا ولتخلص من الجور على الطبيعة ومن ظلم الطبيعة.

إذًا فبالنتيجة لا يذهب ذهنك إلى أن الظلم منحصر في ظلم الإنسان للإنسان حتى تقول: «لا، متى تملأ الأرض ظلمًا وجور؟! كثير من مساحات الأرض خالية من الإنسان وخالية من السكان» ظلم الإنسان للطبيعة، جور الإنسان في الطبيعة جور امتد واكتسح أغلب مناطق الأرض، وسيمتد هذا الظلم والجور إلى أن لا تبقى منطقة في الأرض إلا وهي تعيش نوعًا من الظلم، إما ظلم الإنسان للسماء وإما ظلم الإنسان لأخيه الإنسان وإما ظلم الإنسان للطبيعية والبيئة التي يعيش فيها ويكون هذا الحديث النبوي المحمدي الوارد عن الرسول محمد حديثًا صادقًا: «كما ملئت ظلمًا وجورًا».

نأتي للمفردة الثالثة «أنتم تعبتم أدري وتنتظرون الغذاء، ولكن نتعرض لها باختصار سريع» المفردة الثالثة ألا وهي نشر القسط والعدل.

هنا يطرح الإنسان سؤالاً وملخص هذا السؤال أن العدالة على قسمين: عدالة قانونية وعدالة شخصية، بإمكان أي جولة أن تفرض العدالة القانونية، يعني أن تؤسس قوانين عادلة وأن تحرص هذه الدولة على تطبيق هذه القوانين العادلة من خلال جهاز القضاء، من خلال جهاز هيأة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من خلال جهاز الأمن والاستخبارات، من خلال جهاز الشرطة، من خلال هذه الأجهزة التنفيذية الحيوية تستطيع أي دولة أن تحقق العدالة القانونية من خلال تطبيقها بمختلف أجهزتها.

ولكن العدالة الشخصية يعني عدالة الإنسان مع زوجته من يضمنها؟ عدالة الإنسان مع أولاده من يضمنها؟ عدالة الإنسان مع صديقه من يضمنها؟ عدالة الإنسان مع جاره من يضمنها؟ ربما تستطيع أي دولة أن تحقق العدالة القانونية ولكن العدالة الشخصية تبقى أمرًا مضيعًا، تبقى أمرًا يستحيل السيطرة عليه ويستحيل ضبطه ويستحيل وضع الموازين الدقيقة لحمايته عن التردي والانفلات والانهيار.

وهذا لم يختص بدولة دون أخرى بل حدث حتى في دولة النبي محمد ، دولة الرسول التي حققت العدالة القانونية لم تستطع أن تحقق العدالة الشخصية، ففي دولة الرسول انتشر المنافقون والمرجفون، ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ولذلك اضطرت الدولة الإسلامية إلى أن تؤسس مؤسستي القضاء ومؤسسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لماذا؟ لكي تخفف من غوغاء الظلم الشخصي والجور الشخصي وأن تحقق بعضًا من العدالة الشخصية.

إذًا إذا لم يمكن لأي دولة واستحال على كل دولة تحقيق العدالة الشخصية وإن استطاعت تحقيق العدالة الاجتماعية فكيف يقول الحديث بأن الدولة المهدوية الخاتمية ستحقق العدل الكامل، «يملؤها قسطًا وعدلاً كما ملئت ظلمًا وجورًا» يعني كما أن العدالة القانونية ستهيمن على المجتمع والأمبروطورية الإسلامية فإن العدالة الشخصية ستهيمن على بيت الإنسان، أسرة الإنسان، بيت الإنسان، داخل الإنسان، تصرفات الإنسان، «يملؤها قسطًا وعدلاً» كيف ستستطيع هذه الدولة أن تحقق العدالة الشخصية كما حققت العدالة القانونية؟

إذًا هذا السؤال يحتاج إلى جواب والجواب عنه باختصار أن وحي السماء وشريعة السماء شرعت القوانين على قسمين: قوانين رادعة وقوانين وقائية، القوانين الرادعة هي المسؤولة عن ضبط الظواهر الاجتماعية «محاربة الزنا، محاربة الفساد، محاربة الفواحش، محاربة المعاصي الظاهرة، إقامة الحدود والتعزيرات» هذه قوانين رادعة، القوانين التي تكون وظيفتها ضبط الظواهر الاجتماعية تسمى بالقوانين الرادعة.

وهناك قسم آخر من القوانين هي القوانين الوقائية التي لا علاقة لها بالظواهر الاجتماعية وإنما وظيفتها بناء الداخل، بناء الإنسان، هذا الإنسان يحتاج إلى بناء، يحتاج إلى صقل، إذا صار هذا الإنسان إنسانًا يسيطر عقله على غرائزه فقد تحققت القوانين الوقائية، «علم الأخلاق، علم التربية، علم التعليم» هذه العلوم تسمى قوانين وقائية لأنها لا علاقة لها بالظواهر الاجتماعية، وظيفتها نداء الداخل، وظيفتها الاتجاه الداخلي، وظيفتها تنقية الباطن، بناء الباطن بناءً زكيًا نظيفًا عادلاً.

إذا بني الإنسان من الداخل وصار هذا الإنسان إنسانًا الحاكمية لعلقه لا لشهواته وغرائزه حينئذ قضينا على الظلم الشخصي، لن يظلم هذا الإنسان لا زوجته ولا أولاده ولا أصدقاءه ولا جيرانه، لِمَ؟ لأنه يعيش قوانين وقائيًا، لأنه بنى داخله بناءً وقائيًا فصار محصنًا بحصانة تمنعه من الظلم والجور الشخصي.

دولة الإمام كما ستركز على القوانين الرادعة ستركز على القوانين الوقائية التي لخصتها الآية المباركة: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ثلاثة عناصر تعرضت إليها الآية المباركة: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمٍْ يقوم بثلاثة عناصر، وهذه العناصر الثلاثة هي القوانين الوقائية:

﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ عبارة عن الإعلام، الإعلام هو تلاوة الآيات، لابد لدولة الإمام المنتظر أن تصفي الإعلام، جميع القنوات الفضائية التي تغزو أذنك ووجهك ونظرك وقلبك وعاطفتك، جميع وسائل الإعلام بيد مؤسسة الإعلام في دولة الإمام المنتظر، جميع القنوات الفضائية ربما تصل في زمانه وفي دولته إلى مليار قناة كل هذه القنوات تحت سيطرة المؤسسة الإعلامية الإسلامية، تنقية وسائل الإعلام من أدران الغزو العاطفي وأدران الغزو الشهوي وأدران الغزو المادي، إذا نقيت وسائل الإعلام تحقق أول عنصر للبناء الداخلي للقوانين الوقائية الذي عبرت عنه الآية المباركة: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ لا يسمعون إلا نداء السماء، ولا يسمعون إلا ثقافة السماء، ولا يسمعون إلا ملامح السماء من خلال وسائل الإعلام.

﴿وَيُزَكِّيهِمْ العنصر الثاني عنصر التزكية، اعتقد أن في كل أسرة وفي كل منزل مربيًا عرفانيًا مربيًا أخلاقيًا، نحن الآن في هذا العصر بعض المجتمعات فيها مربي عرفاني وبعض المجتمعات لا يوجد فيها أي مربٍ عرفاني، حتى على مستوى المجتمعات نحن ما نملك مربين فضلاً عن البيوت والأسر، على مستوى المجتمعات نلاحظ أن المجتمعات الإسلامية اترك المجتمعات الأخرى، حتى المجتمعات الإسلامية إذا استقرأتها وتتبعتها تجد أغلب هذه المجتمعات الإسلامية خالية من المربي، المربي الذي يربي الناس بأخلاقه، يربي الناس بعرفانه، يربي الإنسان بعبادته، يربي الناس بطهارته، يربي الناس بسلوكه الذكي، هذا الإنسان العرفاني الذي هو متخلق بأخلاق السماء ومؤدب بآداب السماء الذي يكون في كل مجتمع منارًا لتزكية الناس وتهذيب سلوكهم وتنظيف أخلاقهم وخصالهم، هذا لا يوجد على المستوى الحاضر، أما في عصر الإمام فلا تخلو أسرة صغيرة أو كبيرة عن وجود المربي العرفاني الذي يكون في الأسرة منارًا لأخلاقها ومنارًا لسلوكها المهذب النقي، ﴿وَيُزَكِّيهِمْ.

﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ كثير من التجاوزات وكثير من الانحرافات مصدرها الجهل، الإنسان الجاهل ينحرف، الإنسان الجاهل يتجاوز الحدود، الجهل مصدر كثير من الانحرافات ومصدر كثير من التجاوزات، لذلك عصر الإمام المنتظر عصر العلم، عصر المعرفة، لا يبقى عقل إلا وهو يسمع المعارف منذ نعومة أظفاره، ولا يبقى بين إلا وتدخل إليه العلوم والمعارف منذ بداية تكوينه، إذًا ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ انتشار العلم والمعرفة في كل بيت، في كل أم، في كل أب، في كل طفل، في كل ولد، في إنسان، انتشار المعرفة هو العنصر الثالث من القوانين الوقائية.

الآية المباركة: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ تعرضت للقوانين الوقائية التي تبني شخصية الإنسان، وهذه القوانين الوقائية إذا كان الزمان لم يحالف النبي والفرصة لم تكن كافية بالنسبة أن يدعم القوانين الوقائية وأن يقوم بتطبيقها تطبيقًا كاملاً فإن الفرصة ستتحقق على شبل النبي وسمي النبي ألا وهو الإمام المنتظر القائم عجل الله فرجه الشريف، وسيتبين لنا بذلك كيف أنه صلوات الله وسلامه عليه سيملأ الأرض قسطًا وعدلاً كما ملئت ظلمًا وجورًا.

قد يطرح الإنسان سؤالاً وهو أنكم ذكرتم أن بعض أنواع الموسيقى الكلاسيكية لها تأثير في نمو الحياة النباتية والحيوانية فهل استماع هذا النوع من الموسيقى جائز أم محرم؟

الجواب: أن الموسيقى إذا كانت لهوية أي مناسبة لمجالس اللهو والفسوق فاستماعها محرم سواء كانت مما يؤثر في نمو الحياة النباتية أو لم تكن كذلك، وإذا كانت الموسيقى غير لهوية بمعنى أنها غير مناسبة لمجالس اللهو والفسوق فلا بأس باستماعها إذا لم تكن مطربة ولا لهوية كما أفاد الفقهاء في هذا المجال.

وأما ما ذكرناه من أن بعض أنواع الموسيقى الكلاسيكية لها تأثير في نمو الحياة النباتية والحيوانية فقد ذكرناه كمثال لتقريب فكرة تزاوج العلوم وتداخلها ولم نطرحه كمثال للحكم الشرعي المباح.

فهناك فرق بين البحث في مسألة عملية وهي مسألة تجاوز العلوم وبين البحث في تحديد الحكم الشرعي في السلوك والفعل، فلا يؤخذ الكلام على إطلاقه بل لابد من الرجوع إلى الحكم الشرعي في هذه المسألة.

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

العناصر الرسالية في شخصية الداعية ج1
التعامل الهادئ مع الفترات الساخنة