نص الشريط
الإسلام وَتهمة الإرهاب
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مسجد الإمام علي (ع) بالقطيف
التاريخ: 8/6/1423 هـ
مرات العرض: 2369
المدة: 00:40:48
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (1323) حجم الملف: 7.01 MB
تشغيل:

أعوذ بالله من الشيطان الغوي الرجيم

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

هناك شبهة تكرّرها وسائل الإعلام الأجنبيّة وأقلامٌ تكتب بين الحين والآخر أنّ الدّين الإسلامي دينٌ إرهابيٌ، وأنّ الدّين الإسلامي هو مصدر الإرهاب وهو منشأ الخطر على حريّة الإنسان على الكوكب الأرضي، وإنّما وُسِمَ الدّين الإسلامي بالإرهاب من خلال مظهرين من مظاهر هذا الدّين الحنيف:

المظهر الأول: أنّ الإسلام من مبادئه مبدأ الجهاد في سبيل الله، فهناك الآيات الكثيرة التي تحث على الجهاد، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [1] ، وقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [2] ، الأقلام الغربيّة تتوقف عند هذه الآيات وتقول: هذا هو الإسلام مصدر إرهاب! يشجع أبناءه على إلغاء الطرف الآخر من الوجود! يشجّع أبناءه على إقصاء الطرف الآخر من الوجود! يشجّع أبناءه على أن لا حق في الحياة إلا لمن يعتنقه وإلا لمن يؤمن به وأمّا من لم يؤمن بالإسلام فلا حق له في الحياة! ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ بينما الدّين المسيحي أو غيره من الأديان السماويّة لا يلغي حق الحياة للطرف الآخر، يقول: من حق كلّ إنسان مادام إنسانًا أن يحيا وأن يعيش بكرامةٍ وأن ينعم بحق الحريّة من دون أن يفرض عليه دينٌ أو ملة معيّنة.

المظهر الثاني: هو أنّ الإسلام يلغي قيمة العمل إذا كانت صادرة من شخص غير مسلم، لاحظوا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ [3] ، عمل الكافر هدرٌ لا قيمة له في نظر الإسلام، الذين خدموا البشريّة كأديسون وآينشتاين وغيرهما من العلماء والمخترعين القرآن يقول: لا قيمة لأعمالهم! ﴿أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً، الإسلام إذن في هذه الآيات يلغي قيمة العمل ويلغي أهميّة العمل، ما لم يصدر العمل من مسلم ومن معتنق للإسلام فعمله لا قيمة له ولا اعتداد به! وهذا هو عين الإرهاب، الإرهاب هو أن تقتل قيمة العمل وتسحق أهميّة العمل وتحصر العمل إلا من قِبَلِ معتنقيك والمؤمنين بك كدين وكنظام.

إذن هذه الشبهة أنّ الإسلام دينٌ إرهابيٌ من خلال هذين المصدرين الذين تركّز عليهما بعض الأقلام الغربيّة كيف نجيب عن هذه الشبهة؟

طبعًا المظهر الثاني لا أتعرّض له هذا الأسبوع لأنه يطول الكلام أتعرّض له في أسبوع آخر، وهو الحديث عن قيمة العمل في الإسلام، نتعرّض الآن إلى المظهر الأول: الإسلامُ دينٌ إرهابيٌ لأنه فتح باب الغزو للمسلمين وقال: جاهدوا الآخرين واغزوهم في قعر ديارهم وحمّلوهم الإسلام قهرًا عليهم، هذا هو المظهر الأول من مظاهر الإرهاب في الدّين الإسلامي.

نحن هنا نريد أن نقرر أنّ الجهاد الذي اعتبره الإسلام فرضًا من الفروض ما هو إلا دفاعٌ ليس إلا، ليس مبدأ الجهاد غزوًا ولا هجومًا، مبدأ الجهاد دفاعٌ ليس إلا، حقيقة الجهاد في الإسلام حقيقة دفاعيّة وليس حقيقة هجوميّة، لكي نشرح هذه الحقيقة نتعرّض الآن إلى الموارد، يعني نحن عندما نقرأ القرآن الكريم ونقرأ الأحاديث ونقرأ النصوص الواردة عن النبي محمدٍ وأهل بيته الطيبين الطاهرين نلاحظ أنّ هذه النصوص تدلّ دلالة واضحة على أنّ الإسلام لم يطلب الجهادَ مطلقًا ولم يفرض الجهاد فرضًا مطلقًا، إنّما فرضه في موارد عديدة حصرها القرآن الكريم وأشار إليها القرآن الكريم، ليس عندنا ما يدلّ على أنّ الجهاد فُرِضَ بصورةٍ شموليّةٍ مطلقةٍ، لا، الجهاد له ظروفٌ معيّنة، الجهاد له شروط معيّنة، الجهاد له حدودٌ معيّنة، من خلال قراءتنا لظروفه وشروطه في القرآن الكريم نصل إلى هذه النتيجة: أنّ الجهاد حقيقة دفاعيّة وليست حقيقة هجوميّة.

الظرف الأول:

القرآن الكريم يقول: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [4] ، عندما نقرأ هذه الآية: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، ونقرأ في آيةٍ أخرى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ يعني أولاً قوتِلوا، أولاً قوتل المسلمون ثم شرّع لهم الإسلامُ حق الدّفاع عن أنفسهم، ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ [5] ، لما قوتلوا شرّع لهم الإسلامُ مبدأ الجهاد كحق في الدّفاع عن أنفسهم.

إذن إذا قرأنا هذه الآيات المباركات نجد أنّ الإسلام إنّما شرّع الجهادَ باعتبار أنّ المجتمع الإسلامي في معرض الاعتداء عليه وفي معرض معاملته من قِبَلِ المجتمعات الأخرى معاملة الاحتقار والاستصغار والإذلال والإهانة، في مثل هذه الظروف التي يكون المجتمع الإسلامي مجتمعًا معرّضًا للاعتداء والهجوم والغزو وأمثال ذلك شرّع الإسلامُ الجهادَ، لم يشرّع الإسلامُ الجهادَ بصورةٍ مطلقةٍ كي يقال بأنّ هذا معناه سمة الدّين الإسلامي بسمة الإرهاب، ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا، ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ.

الظرف الثاني - الذي يطرحه القرآن الكريم من ظروف الجهاد في سبيل الله - الدّفاع عن الفئة المستضعفة على الأرض.

لاحظوا قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ [6] ، يعني سبيل الله مثل المستضعفين من الرّجال والنساء والولدان، يعني: كما أنّكم تقاتلون في سبيل الله عليكم أن تقاتلوا في سيبل المستضعفين من الرجال والناس والولدان، ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ يعني: وفي سبيل المستضعفين، ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ وهذا حق فرضته الأمم المتحدّة أنّه من حق أيّ أمّة ومن حقّ أيّ مجتمع ومن حقّ أيّ ملّةٍ من حقّها أن تعيش حياة بحريّةٍ وبكرامةٍ، لذلك الأمم المتحدة ترى أنّ من صلاحيتها أن تتدخل في أيّ مجتمع وأن تتدخل في أيّ أمّة لكي تساعدها على تحقيق الحريّة وعلى تحقيق العيش بكرامة، ما معنى هذا؟! معنى هذا أن ما التفت إليه قانونُ الأمم المتحدة منذ عدة سنوات أن من حقهم ولو كانوا أممًا أخرى ولو كانوا مجتمعات أخرى من صلاحيتهم ومن حقهم أن يدافعوا عن المجتمعات الإفريقيّة مثلاً التي تطلب الأمن وتطلب الاستقرار وتطلب الحياة الكريمة، إذا كان من حق الأمم المتحدة أن تدافع عن المجتمع الإفريقي من أجل أن ينعم بالحياة الكريمة هذا نفسه ما شرّعه الإسلام قبل 1400 سنة، ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ، إذن الظرف الثاني من ظروف الجهاد الذي جعله الإسلام ظرفًا موضوعيًا لتشريع مبدأ الجهاد هو إنقاذ المستضعفين، إنقاذ الأمم والمجتمعات المستضعفة كما ذكرته الآية القرآنيّة المباركة.

ولذلك نجد في بعض الآيات القرآنيّة الأخرى مثلاً قوله تعالى في بعض الآيات القرآنيّة الأخرى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ [7] ، دفع الله الناس بعضهم ببعض يعني الحرب، تشريع الحرب، لولا أنّ الناس يدفعون الآخرين عنهم، لولا أنّ الناس يدفعون من يهاجمهم ومن يعتدي على حقوقهم لفسدت الأرض بمعنى أنّه رزحت هذه المجتمعات المتخلفة المستضعفة تحت ظلّ التخلف وتحت ظلّ الاستضعاف، لذلك القرآن الكريم يقول: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ.

نأتي إلى الظرف الثالث - من الظروف التي جعلها الإسلام كشرطٍ من الشروط الموضوعيّة لمبدأ الجهاد - فرض الغزو الإعلامي.

مثلاً قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [8] ، ما معنى «حتى لا تكون فتنة»؟ ما هي الفتنة؟

الفتنة هي إثارة الخلافات في المجتمع الإسلامي، اليهود والكفار منذ أول يوم من أيام الإسلام وضعوا مخططًا واضحًا وهو: إثارة الخلاف بين المسلمين، إثارة الخلافات والصراعات والنزاعات بين أبناء المجتمع الإسلامي لكي يستطيعوا القضاء على المجتمع الإسلامي من أسسه ومن جذوره لأنه لا يعيش وئامًا ولا يعيش وحدة ولا يعيش جوًا من الألفة والترابط، وقاتلوهم كي تقضوا على هذا المخطط، وهو مخطط إثارة الصراع بين أبناء المجتمع الإسلامي، ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ القرآن الكريم يرى أنّ وحدة المجتمع الإسلامي، يعني أنّ المجتمع الإسلامي يدخل تحت ظلالٍ من الأخوّة والألفة والترابط، يرى أنّ هذا مبدأ مقدّسٌ، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [9] ، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ مبدأ الأخوّة، مبدأ الترابط مبدأ مقدّسٌ في نظر الإسلام، لذلك أيّ إنسان يخلّ بهذا المبدأ المقدّس - أي: مبدأ الأخوّة - يأمر الإسلام بمحاربته، الإسلام يقول: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ [10] ، ولذلك هنا يركّز على أنّ من الظروف الموضوعيّة للجهاد: سدّ باب الفتنة، ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ.

نأتي إلى الظرف الرابع - من الظروف التي فرضها الإسلام أو جعلها الإسلام كمبدأ وكشرطٍ موضوعي لفرض الجهاد في سبيل الله - هو فرض عدم الأمان.

إذا كان هناك عقد أمان فليس هناك جهادٌ، وأمّا إذا لم يكن هناك عقد أمان فالجهاد حينئذٍ مشروعٌ، ما هو عقد الأمان؟

مثلاً: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ [11]  هو مشركٌ ولكن إذا طلب منك الأمان أعطه الأمان، من حقه أن تعطيه الأمان، ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ، القرآن الكريم يقول: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا [12] ، خلاص مادام اعتزلوكم ولم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم قالوا: دخلنا في عهد الأمان، دخلنا في عقد السلام، لا قتال بيننا وبينكم، ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا، خلاص، انتهى، عقد الأمان عقدٌ ملزمٌ، عقد الأمان تارة يكون عقدًا فرديًا، يعني أنا أرى مشركًا فأجيره، شخصٌ مشركٌ يطلب مني الأمان فأنا أعطيه الأمان، الحاكم الشرعي، الدولة الشرعيّة لو اطلعت على أنّ فلانًا أجار إنسانًا مشركًا ملزمة الدّولة الإسلاميّة بأن تقرّ هذا العقد، عقد الأمان عقدٌ لازمٌ، لا يمكنها نقض هذا العقد، إذا أنا أجرتُ مشركًا، يعني أبرمتُ معه عقد أمان وعقد سلام القانون الإسلامي وقانون الدّولة الإسلاميّة يقرّ هذا العقد ويحترم هذا العقد «عقد الأمان»، فعقد الأمان قد يكون عقدًا فرديًا، وقد يكون عقدًا اجتماعيًا، «عقدًا اجتماعيًا» كيف؟

يعني الآن مثلاً: المجتمع اللبناني، المجتمع اللبناني يضمّ طوائف متعدّدة «مسلمين، مسيحيين، دروز، يهود» اليهود أيضًا موجودين في المجتمع اللبناني، مجتمع يضمّ طوائف متعدّدة، لكنّ هناك ميثاقًا اجتماعيًا ليس ميثاقًا فرديًا بين فردٍ وفردٍ، هناك ميثاقٌ اجتماعيٌ بين أبناء جميع هذا المجتمع، هذا الميثاق الاجتماعي: ألا يعتدي بعضنا على البعض الآخر، كلّ فئةٍ آمنة من جهة الفئة الأخرى، هذا عقد أمان اجتماعي، عقدٌ محترمٌ في الإسلام، الإسلام يقرّه ويأمر بالالتزام به ويأمر بالسير على حذوه، هذا عقد أمان اجتماعي لابدّ من الالتزام به والسير عليه، وتارة يكون عقد الأمان بين الدّولة الإسلاميّة، يعني بين الدّول، بين الدّولة الإسلاميّة والدّولة غير الإسلاميّة، أو بين الدّولة الإسلاميّة ومجتمع غير مسلم، وهذا ما يسمّى في الفقه الإسلامي ب «عقد الذمّة»، ما معنى عقد الذمّة؟

يعني إذا قامت دولة إسلاميّة وكان جزءٌ من هذه الدّولة، جزءٌ من المواطنين في هذه الدّولة من المسيحيين أو من اليهود الدّولة الإسلاميّة تجري معهم ماذا؟ عقد الذمّة، تجري معهم الدولة الإسلاميّة عقدَ الذمّة، ما معنى عقد الذمّة وما هي لوازم عقد الذمّة؟

أذكر لك بعض الرّوايات التي تشير إلى أهميّة هذا العقد ألا وهو عقد الذمّة:

يذكر السيد الخوئي - قدّس سرّه - في كتابه الفقهي الاستدلالي كتاب الجهاد معتبرة السكوني عن أبي عبد الله «يعني الصادق» ، قال: قلت له: ما معنى قول النبي : ”يسعى بذمتهم أدناهم“؟ «يعني أدنى المسلمين يقدر يرتب عقد الذمة، أدنى واحد من المسلمين يستطيع أن يعقد عقد الذمة مع الطرف الآخر» ما معنى قول النبي : ”يسعى بذمتهم أدناهم“؟ قال: ”لو أنّ جيشًا من المسلمين حاصروا قومًا من المشركين فأشرفٌ رجلٌ «يعني رجلٌ من المشركين» فقال: أعطوني الأمان حتى ألقى صاحبكم وأناظره «أتفاهم معه» فأعطاه أدناهم الأمان «واحد من الجيش لا هو قائد ولا هو مهم في الجيش، واحد من الناس قال: لك الأمان، خلاص من يقول: لك الأمان، يعني العقد نافذ، مشى عقد الذمة» فأعطاهم أدناهم الأمان وجب على أفضلهم الوفاء به“، حتى قائد الجيش لازم يلتزم بهذا العقد، ”وجب على أفضلهم الوفاء به“ عقد الأمان عقد محترمٌ مقدّسٌ لدى الشريعة الإسلاميّة، ”وجب على أفضلهم الوفاء به“.

أيضًا رواية أخرى: معتبرة محمد بن الحكيم عن أبي عبد الله «يعني الصادق» قال: ”لو أنّ قومًا حاصروا مدينة «مدينة يعني للمشركين» فسألوهم الأمان «قال المشركون للمسلمين: أعطونا الأمان» فقالوا: لا «يعني المسلمون قالوا: لا» فظنوا أنّهم قالوا: نعم «يعني المشركون ظنوا أنهم قالوا لهم: نعم» فنزلوا إليهم «تبيّن أنهم لم يعطوهم الأمان لكن ألئك ظنوا أنهم أعطوهم الأمان» فنزلوا إليهم كانوا آمنين“ يعني حتى لو هم ظنوا ظنًا خطأ نحن نحقق هذا الظن الخاطئ ”فنزلوا إليهم كانوا آمنين“، لاحظ مدى اهتمام الشرع الإسلامي بعقد الأمان وبعقد السلم، ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [13] ، ما هو عقد الذمة؟ يعني كيف الدّولة الإسلاميّة تجري عقد الذمّة مع المجتمع المسيحي أو مع المجتمع اليهودي؟

الرسول الأعظم محمدٌ ، صحيحة زرارة: رُوِيَ عن أبي عبد الله الصادق قال: ”إنّ رسول الله قَبِلَ الجزية من أهل الذمّة“ ذكرنا في الأسبوع الماضي أنّ الجزية ليست إرهابًا، الجزية كالزكاة، كما أنّ المسلم عليه أن يدفع الزكاة المسيحي عليه أن يدفع الجزية ولا يدفع زكاة، كما أنّ أخذ الزكاة من المسلم ليس إرهابًا كذلك أخذ الجزية من المسيحي ليس إرهابًا، الجميع مواطنون، كما أنّ المسلم مواطن فعليه أن يدفع الزكاة من أجل إنعاش الوطن الإسلامي كذلك المسيحي أو اليهودي مواطن عليه أن يدفع الجزية بدل الزكاة من أجل إنعاش المجتمع الإسلامي ومن أجل حمايته من أيّ اعتداءٍ أو هجوم عليه من أيّ طرف، ”إنّ رسول الله قَبِلَ الجزية من أهل الذمّة على ألا يأكلوا الربا، ولا يأكلوا لحم الخنزير، ولا ينكحوا الأخوات، ولا بنات الأخ، ولا بنات الأخت“ يعني توجد معاصي مسلمة بين جميع الأديان، نحن نؤكّد من خلال القرآن الكريم أنّ هذه المعاصي محرّمة في جميع الأديان، هناك معاصي مشتركة، هناك معاصي مشتركة بين جميع الأديان السماويّة، يعني قوانين مشتركة بين جميع الأديان السماويّة وإن كان أهل الكتاب حرّفوا الكتاب وغيّروا هذه القوانين، لكنها في الواقع قوانين مشتركة بين جميع الأديان السماويّة لذلك نحن نفرضها في ضمن عقد الذمّة، ”ألا يأكلوا الربا، ولا يأكلوا لحم الخنزير، ولا ينكحوا الأخوات، ولا بنات الأخ، ولا بنات الأخت، فمن فعل ذلك منهم برئت منه ذمة الله وذمة رسوله“ يعني خرجوا عن عقد الذمّة.

إذن عقد الذمّة هو عبارة عن أخذ الجزية وإلزام المجتمع المسيحي أو اليهودي أو غيرهم من مجتمعات أهل الكتاب، إلزامهم بالقوانين المشتركة بين جميع الأديان.

فبالنتيجة: نحن نريد أن نقول: الإسلام لم يفرض الجهاد بصورةٍ مطلقةٍ، وإنّما فرضه في ظروفٍ معيّنةٍ محدّدةٍ:

1 - ظرف أن يكون المجتمع الإسلامي معرّضًا للاعتداء والهجوم.

2 - ظرف أن تكون هناك فئة مستضعفة تحتاج لمن ينقذها ويخلصها من الاستضعاف.

3 - ظرف إثارة الفتنة بين أبناء المجتمع الإسلامي.

4 - ظرف عدم وجود عقد الأمان بين هذه المجتمعات ولو كان أمانًا اجتماعيًا ولم يكن أمانًا دوليًا.

بعد أن شرحنا هذه الظروف الموضوعيّة الأربعة التي جعلها الإسلام لمبدأ الجهاد نؤكّد هنا أنّ الجهاد حقيقة دفاعيّة وليس حقيقة هجوميّة، روح الجهاد روح الدّفاع، وليس الجهاد غزوًا ولا نهبًا للثروات ولا إراقة للدّماء ولا قضاءً على حقّ الحياة للطرف الآخر، حقيقة الجهاد حقيقة دفاعيّة، كيف حقيقة دفاعيّة؟

الآن أشرح لك من خلال ذكر أمرين:

«طبعًا الحر والوقت هو يدعنا نستعجل في الكلام فيكون راحة لي ولكم»

الأمر الأوّل الذي من خلاله نوضح أنّ حقيقة الجهاد حقيقة دفاعيّة وليست حقيقة هجوميّة:

طبعًا علماء الحقوق يقسّمون الحقوق إلى ثلاثة أقسام:

1. حقٌ فرديٌ.

2. وحقٌ اجتماعيٌ إقليميٌ.

3. وحقٌ إنسانيٌ.

هناك ثلاثة أقسام للحقوق:

1. الحق الفردي: من حقّ كلّ فردٍ أن يلبس ما يشاء بأيّ كيفيّةٍ يريدها، هذا حقٌ فرديٌ، الإنسان له حريّة في لباسه: أن يلبس ما يشاء وكيفما يريد، ولذلك ورد عن أمير المؤمنين : ”لا تقصروا أولادكم على آدابكم“، «آدابكم» يعني كيفيّة أعرافكم، كلّ مرحلةٍ تمرّ على المجتمع لها آدابٌ معيّنة وأعراف معيّنة، في ذلك الزمن مثلاً قبل خمسين سنة مثلاً كان من آداب المجتمع القطيفي ومن أعراف المجتمع القطيفي أنهم يلبسون الغطرة مثلاً، الذي لا يلبس غطرة يعدّ شخصًا ناقصًا مثلاً، أو الذي يلبس بنطلون يُنْظَر له بنظر الاستغراب مثلاً، الآن الأعراف تبدّلت، صارت الأعراف أمورًا أخرى، فلكلّ جيلٍ أعرافٌ معيّنة، لذلك الإسلام - كما ورد عن الإمام أمير المؤمنين - يقول: لا تعيقوا التطوّر الاجتماعي، أنت تظلّ واقفًا أمام التطوّر الاجتماعي لا يمكن، أنت تظلّ واقفًا حجرًا عثرة وعائقًا حديديًا أمام تطوّر المجتمع تقول: لا! اقعدوا على أوضاعكم قبل خمسين سنة وقبل ستين سنة! هذه القضيّة لا تصير، لا يمكنك أن تقف عائقًا أمام التطوّر الاجتماعي وتغيّر الأعراف من جيلٍ إلى جيلٍ آخر، ”لا تقصروا أولادكم على آدابكم فإنّهم خلقوا لزمانٍ غير زمانكم“.

إذن من حقّ الفرد أن يلبس ما يشاء كيفما شاء، نعم تعرّضنا في الأسبوع الماضي، هذه النقطة لابدّ أن أوضحها حتى يرتفع الالتباس، تعرّضنا في الأسبوع الماضي إلى مسألة الحجاب وأنّ فرض الحجاب على المواطنة المسلمة، فرض الحجاب على المجتمع النسوي الإسلامي هل هو إرهابٌ؟! هل هو إكراهٌ للدّين أم لا؟! تعرّضنا لهذه المسألة ولهذا البحث في الأسبوع الماضي، وقلنا: لا، قلنا في الأسبوع الماضي أنّ هناك حقوقًا نابعة من النظام الاجتماعي المبني على الموازنة بين الحقوق المختلفة لأبناء المجتمع، بعض الإخوة طرح هذا السؤال بعد أن فرغت من البحث، قال بأنّه إذا كان من حقّ أيّ نظام أن يفرض علينا بعض القوانين إذن من حقّ النظام في تركيا أن يفرض السفور على المرأة! المرأة لا تدخل البرلمان التركي إلا إذا كانت سافرة! ليس من حقّ المرأة أن تدخل البرلمان في تركيا إذا كانت محجّبة! هذا معناه من حقهم أن يفرضوا السفور! أو من حقّ النظام في بعض البلدان العربيّة - ولا نسمّيها باسمها - أن تفرض السفور حتى في الجامعات وأن تفرض السفور حتى في المؤسّسات وفي دوائر التوظيف! فهل إذا فرضت نظام عدم الحجاب.. يعني هل إذا فُرِضَ نظام عدم الحجاب يجب الالتزام بهذا النظام على المواطنة المسلمة التي من حقها أن ترتدي الحجاب؟! أيّ فرق بين دولةٍ إسلاميّةٍ تفرض الحجاب على المواطنة المسلمة وبين دولةٍ علمانيّةٍ تفرض السفور على المواطنة؟! لماذا ذاك حق وهذا غير حق؟! فرض الحجاب على المواطنة المسلمة حقّ، أمّا فرض السفور من قِبَلِ النظام على المواطنة ليس بحق! لماذا هذا حقٌ وهذا غير حق؟!

نقول: هناك نظامٌ مبنيٌ على الموازنة بين الحقوق، وهناك نظامٌ اعتباطيٌ وليس نظامًا مبنيًا على الموازنة بين الحقوق، نأتي الآن نشرح النظام الإسلامي: يعني الآن المجتمع الإسلامي يضمّ صنفين من أبناء المجتمع:

1/ صنفٌ يقول: من حقّ المرأة أن تساهم في بناء الحضارة لبنة لبنة وخطوة خطوة، يعني من حقّ المرأة أن تشارك الرّجل وتقف إلى صفّ الرّجل في كلّ خطوة وفي كلّ لبنةٍ من لبنات بناء الحضارة، إذن أعطوا المرأة حقها أن تساهم في بناء الحاضرة صفًا إلى صفّ الرّجل! هذا صنفٌ من المجتمع يدعو إلى هذا الحقّ.

2/ صنفٌ آخر من المجتمع يدعو إلى حق آخر، ماذا يقول؟ يقول: أنا أتأثر بمفاتن المرأة، أنا إذا رأيت مفاتن المرأة أنجرّ إلى الرذيلة، أنساق إلى الرذيلة، أنقاد إلى الرذيلة، ظهور المرأة أمامي بمفاتنها من خلال الوظيفة، من خلال السوق، من خلال مكان العمل، ظهور المرأة أمامي بمفاتنها، ظهور المرأة أمامي بزينتها يشجّعني على الرذيلة، يقودني إلى الرذيلة، كيف تطرحوا أمامي.. مثلاً: شخصٌ يأتي أمامك بوجبةٍ شهيّةٍ لذيذةٍ، ماذا تشتهي أنت أن تأكل؟! الآن أنت تنتظر الغداء، أليس كذلك؟! تشتهي أن تأكل في الغذاء مثلاً وجبة لذيذة شهيّة مثلاً، فأنت الآن مثلاً تشتهي وجبة لذيذة معيّنة، افترض مثلاً بيتزا مثلاً، البيتزا وجبة شهيّة لذيذة، يوضع أمامك البيتزا ويقال لك: لا تشتهي! وأبعد وجهك عنها! وأبعد أنفك عنها! وأبعد لعابك عنها!.. إذن لماذا جعلتموها أمامي؟! إذا كنت أنا إنسانًا طبيعيًا الإنسان الطبيعي يقوده ذوقه وتقوده فطرته وتقوده نزعاته الإنسانيّة إلى أن يتعامل مع اللذة معاملة طبيعيّة، كيف تطرحون أمامي وجبة لذيذة شهيّة ثم تقولون لي: أبعد حواسك ومشاعرك عنها كأنها ليست أمامك! هذا ضربٌ للطبيعة البشريّة ومقاومة للطبيعة الإنسانيّة، إذن كيف تبرز أمامي المرأة بمصادر الإثارة والإغراء والزينة والفتنة ثم يقال لي: من حقّ المرأة أن تبرز أمامك لكن ليس من حقك أن تمارس معها أيّ لونٍ من ألوان العلاقة الالتذاذيّة بهذه المفاتن وبهذه الزينة! هذا لا يمكن، صح لو لا؟! إذن من حقنا إذا أردنا أن نحافظ على أنفسنا عن الانجرار في الرذيلة وعن الانسياق للخطيئة والإثم أن تُحَجّب المرأة.

فهناك صنفان من المجتمعات:

1/ صنفٌ يدعو إلى أن تشارك المرأة إلى جنب الرّجل في بناء الحاضرة.

2/ صنفٌ يدعو إلى أن تُحَجّب المرأة حتى لا ينساق الرّجل إلى الرذيلة.

كيف نجمع بين هذه الحقوق المختلفة؟

النظام الذي يجمع بين الحقوق المختلفة يقول: على المرأة أن تتحجب وتخرج إلى العمل وتساهم في بناء الحاضرة، فبالتالي يكون نظامًا جامعًا بين الحقين، وهذا هو النظام الإسلامي، إذن على المواطنة المسلمة أن تلتزم بالحجاب إذا فُرِضَ الحجاب من قِبَلِ الدّولة الإسلاميّة، لماذا؟ لأنّه نظامٌ مبنيٌ على الموازنة بين الحقوق، أمّا إذا فرض النظام في دولةٍ علمانيّة السفورَ فأيّ جمع بين الحقوق؟! أين الحقوق؟! النظام الذي يفرض السفور وعدم الحجاب ليس نظامًا نابعًا من الجمع بين الحقوق الإنسانيّة في المجتمع كي يكون نظامًا ملزمًا وكي يكون نظامًا واجب الإتباع.

إذن من خلال ذلك عندما نقول: من حقّ كلّ إنسانٍ أن يلبس كيفما شاء وبالطريقة التي يشاء ما لم يكن هذا اللباس معارضًا لنظام اجتماعي مبني على الموازنة بين الحقوق المختلفة والميول المختلفة.

والحمد لله ربّ العالمين

[1]  التوبة: 73.
[2]  التوبة: 41.
[3]  النور: 39.
[4]  البقرة: 190.
[5]  الحج: 39 - 40.
[6]  النساء: 75.
[7]  البقرة: 251.
[8]  الأنفال: 39.
[9]  الحجرات: 10.
[10]  البقرة: 191.
[11]  التوبة: 6.
[12]  النساء: 90.
[13]  الأنفال: 61.

قيمة العمل في الإسلام
الحجاب بين الشرعية والحرية