نص الشريط
وقفة مع قناة المستقلة
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 28/12/1423 هـ
مرات العرض: 2595
المدة: 00:44:39
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (1978)
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ

صدق الله العلي العظيم

برزت على المجتمع الإسلامي قناة المستقلة بمناظراتها وبحواراتها بين طرفي المسلمين، وهما السنة والشيعة، وأثارت أجواء من التوتر وأجواء من القلق على مصير الوحدة الإسلامية، وعلى مصير تآلف القلوب وتراص الصفوف، وشغلت جزءًا كبيرًا من العالم الإسلامي بمنابره ومساجده وأقلامه ومجالسه المختلفة بالحديث حول أجواء المناظرة ومضامينها تأييدًا أو رفضًا، دفاعًا أو هجومًا، نقدًا أو قبولاً، عندما نتناول هذا الموضوع الذي أثارته قناة المستقلة فنحن نتحدث في محاور ثلاثة:

المحور الأول: في مخاطر هذا الجدال وهذا السجال المتأجج من خلال قناة المستقلة.

والمحور الثاني: في الانفتاح على الحوار بأصوله الموضوعية.

والمحور الثالث: في البديل المقترح لهذا السجال والشجار الدائر عبر قناة المستقلة.

المحور الأول:

فكل من قرأ بعين التأمل والإنصاف والموضوعية ما يجري في شاشة المستقلة يجد أن هناك معركة ويجد أن هناك حالة من الصخب الطائفي وحالة من الهيجان والغليان في شجار وجدال طائفي له مخاطر عدة وآثار سلبية عديدة ومختلفة، نحن نرى أن هناك أخطارًا جسيمة تترتب على هذا الجدال وتترتب على هذا السجال وتترتب على هذا الشجار لا تحمد عقبها تعصف بجسم الأمة الإسلامية وتعصف بوحدة الكيان الإسلامي وتنخر في قوته وتماسكه:

الخطر الأول: أن الأمة الإسلامية تمر في هذه الأوقات بظروف سياسية خطيرة وعصيبة، الأمة الإسلامية تتعرض في هذه الأوقات إلى هجمة شرسة مخطط لها تغزو بلدان المسلمين وتغزو فكرهم وقيمهم ومبادئهم، المجتمعات الإسلامية تتعرض إلى مخطط مدروس يحول هذه الحضارة الإسلامية بقيمهما ومبادئها وهويتها وثقافتها إلى حضارة تابعة للحضارة الغربية ومبرمجة على أساس مبادئ التفكير العلماني، وعلى أساس أصول التفكير الرأسمالي الذي هو تفكير مستحكم على الحضارة الغربية بمختلف حقولها وشؤونها، إذا كان المجتمع الإسلامي معرضًا لهذه الهجمة الشرسة ولهذه الهجمة الخطيرة فعلى المسلمين أن يتحلوا في هذه الظروف بالوعي السياسي الناضج، عليهم أن يتحلوا بما يحاك لهم وبما يدور حولهم وبما يخطط لحاضرهم ومستقبلهم.

وأما أن تأتي قناة المستقلة لتشغل المسلمين عن قضاياهم الأساسية، ولتشغل المسلمين عن التفكير في مصيرهم وعن التخطيط لحضارتهم وهويتهم، وأن تشغل المسلمين بالسجال الطائفي وإصدار الاتهامات والإدانات من كل طرف لطرف آخر فهذا يعني أننا استجبنا للمخطط الغربي الذي يريد لنا أن يأكل بعضنا بعضًا وأن يهجم بعضنا على البعض الآخر من دون أن نلتفت إلى ما حولنا ومن دون أن نلتفت إلى أرضنا وسمائنا.

إذًا الخطر الأول هو أن قناة المستقلة بسجالاتها المتوالية والتي تصر عليها كلما ذكرت وكلما نبهت، الخطر الأول هو أننا نشغل بهذا السجال دون أن نفكر في قضايانا الأساسية، ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ القرآن الكريم يؤكد على وحدة الجسم الإسلامي كيلا يكون منشغلاً بهذه القضايا دون قضاياه الأساسية، ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ.

الخطر الثاني الذي يترتب على هذا السجال: تشويه هذه الطائفة الإمامية التي دأبت على خدمة الإسلام وخدمة التاريخ الإسلامي، الطائفة الشيعية الإمامية الاثنا عشرية منذ عصر الإمام أمير المؤمنين وحتى يومنا هذا تقدم التضحيات وتقدم القرابين في سبيل النهوض بالكيان الإسلامي، الطائفة الإمامية تشكل ثلث المسلمين، وما زالت على ممر هذا التاريخ تقدم أروع البطولات وأروع التضحيات في سبيل المحافظة على عزة الدولة الإسلامية وعلى عزة الإسلام والمسلمين.

وبعد هذا التاريخ المليء بالتضحيات والبطولات تشوه سمعتها من خلال شخص أو شخصين لا يراعيان للمصلحة الإسلامية أية أهمية، ويدوسان على التاريخ الإسلامي وتضحياته وبطولاته كأن شيئًا لم يكن، ويلغيان جميع الاعتبارات التي وضعها الإسلام وأكد عليها الإسلام، أي تضحية بأمور نفيسة غالية أعظم من هذا؟ أننا نضحي بتاريخ، تاريخ الشيعة الإمامية، تاريخ البطولات والتضحيات، نضحي به ونلغيه لبضع ليالٍ أو لبضع محاضرات أو لبضع حوارات تنتج لنا هذه النتيجة السيئة.

الشيعة الإمامية صار لهم دور فاعل وصار لهم حضور سياسي واجتماعي واضح في إيران وفي لبنان، وفي العراق مستقبلاً، إذا كان الشيعة الإمامية بهذا الحضور السياسي وبهذا الحضور الفاعل في الأمة الإسلامية وبعد هذا كله «بعد تضحيات شيعة لبنان، وبعد تضحيات شيعة إيران، وبعد تضحيات شيعة العراق» يأتي لنا شخص أو آخر ليلغي هذه التضحيات كلها، ويعتبرها أمرًا مهمشًا لا قيمة له، ويدوس على هذا التاريخ كله ليظهر الطائفة الإمامية أنها عدوة للإسلام وعدوة للتاريخ الإسلامي وعدوة للكيان الإسلام، من النتائج المترتبة ومن الأخطار المريعة المترتبة على هذا السجال إلغاء تاريخ التضحيات الشيعية، إلغاء التاريخ البطولي للشيعة الإمامية، تشويه الصورة الإمامية أمام المسلمين، لكي ينبذهم المسلمون ولكي يفصلوهم تمامًا عن جسم الأمة الإسلامية، وهذا خطر كبير جدًا.

الخطر الثالث الذي يترتب على هذا السجال الطائفي: تربية المسلمين على حرب السجال، هذا السجال، هذه الحوارات المسماة بحوارات وليست بحوارات، هذا الشجار عبر شاشة المستقلة الذي يشهده ثلاثون مليون من المسلمين يربي ثلاثين مليون على الروح العدائية، على الروح الهجومية، يربي ثلاثين مليون من المسلمين على أن يعيشوا الحقد الطائفي، والنعرات الطائفية، وهذه الحروب الكلامية ستتحول إلى حروب أخرى أشد وأفظع، إذا امتدت هذه الحروب الكلامية فإنها ستتحول يومًا من الأيام وستبرمج يومًا من الأيام إلى حروب أخرى، ستتحول إلى عداء وحشي همجي من كل طرف على الطرف الآخر، وهذه هي المصيبة العظمى، وهذا هو مكمن الخطر الذي يخطط له ويكيده الغرب في سبيل هدم الكيان الإسلامي وهدم الوحدة الإسلامية بين صفوف المسلمين.

هذه الأخطار لابد أن نعيها نحن المسلمون شيعة أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وأن نكون أكثر بصيرة وأكثر دراية لواقعنا ومستقبلنا بدل أن تجرنا هذه القنوات إلى المهامه الخطيرة، وبدل أن تستدرجنا هذه القنوات إلى أن ننزلق في هذه السجالات وأن ننزلق في هذا الشجار الذي لا يثمر لنا ولغيرنا إلا الأخطار الفادحة الجسيمة، هذا هو المحور الأول الذي أردت الحديث عنه.

المحور الثاني:

نحن لسنا سلبيين، نحن لسنا ضد الحوار، نحن لا نسد الباب أمام الانفتاح على الآخر، نحن ندعو للحوار، هذا العصر هو عصر الحوار، هذا العصر عصر انفجار المعلومات، هذا العصر هو عصر التداخل والتشابك المعلوماتي، نحن لسنا أمام حركة العصر، وأمام دائرة العصر، العصر هو عصر الانفتاح، ونحن لا نقف أمام الانفتاح، نحن مع الحوار ولكن نحن مع الحوار الموضوعي العلمي، ولسنا مع السجال الطائفي، ولسنا مع الشجار الطائفي، نحن ندعو للحوار لا بصورته البشعة التي تمثلت في قناة المستقلة وفي غيرها، وإنما نحن ندعو لحوار السيد شرف الدين، ولحوار الإمام كاشف الغطاء، ولحوار الإمام أبي الحسن الخنيزي «قدس الله أسرارهم» نحن ندعو للحوار الموضوعي العلمي الذي تسيطر عليه أجواء الأخوة الإسلامية، وأجواء الاحترام المتبادل، وأجواء الموضوعية والنزاهة والأمانة، كما كان علماؤنا الأوائل رضوان الله تعالى عليهم.

الحوار يرتكز على ثلاث ركائز لابد لنا ألا ننساها وألا نغفلها ونحن نجري وراء ما نستدرج به ووراء ما يخطط لنا ووراء ما نجر إليه:

الركيزة الأولى: أن يكون حوارًا مبنيًا على الاحترام، الحوار يعني هناك طرفان، كل طرف يملك بيولوجية فكرية معينة، كل طرف يملك خطًا فكريًا معينًا، والحوار بين هذين الطرفين، كل طرف من طرفي الحوار له مقدسات، له رموز يعتز بها ويدافع عنها ويضحي في سبيلها، إذا كان الحوار حوارًا موضوعيًا فلابد أن يبتني على احترام كل طرف للطرف الآخر، أنا عندما أحاورك يعني أعترف بأنك إنسان على الأقل، أعترف بأنك إنسان تملك فكرًا ولذلك أحاورك، وإلا إذا اعتبرتك كسائر الحشرات أو كسائر الأصفار المهمشة فلماذا أفتح الحوار معك؟ هل لأجل أن أظهر أمام الشاشة وأظهر أمام الناس بأني سجلت كذا اتهامًا وسجلت كذا إدانة؟ لا، الحوار يعني أن هناك إنسانًا يملك فكرًا، أنا أنفتح عليه وأحاوره في بنود فكره بندًا بندًا، وهذا يستبطن احترام الطرف الآخر، واحترام مقدسات الطرف الآخر، واحترام رموز الطرف الآخر.

أما عندما ينجر الحوار إلى الاعتداء على أئمة أهل البيت، أو على علماء التاريخ الإمامي، أو ينجر الحوار إلى لغة الشوارع، لغة السباب والشتم، أو ينجر الحوار إلى الأساليب السوقية التي لا تليق بمسلمين متحاورين يظهران أمام شاشة يشهدها الملايين من الناس، عندما ينجر الحوار إلى ذلك فهذا شجار وليس حوارًا، نحن ندعو إلى حوار يرتكز على الموضوعية، أي احترام الطرف الآخر، إعطاء كرامة وإعطاء حرمة وإعطاء شخصية للطرف الآخر الذي نحاوره.

وهذا ما أكد عليه القرآن الكريم والنصوص الشريفة، ﴿وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ”إني أكره لكم أن تكونوا سبابين“ هذه هي أخلاق أئمتنا، وهذه هي سيرة أئمتنا وعلمائنا صلوات الله وسلامه عليهم، ”إني أكره لكم أن تكونوا سبابين، فلو ذكرتم أفعالهم ووصفتم أحوالهم لكان ذلك أصوب في القول وأبلغ في العذر“ سيرة أئمتنا، لاحظوا، الإمام الصادق ناظر ابن أبي العوجاء وكان ملحدًا، هشام بن الحكم ناظر ابن أبي ليلى وكان من علماء المذاهب الإسلامية الأخرى، الإمام الرضا ناظر علماء المذاهب الإسلامية الأخرى في ديوان المأمون العباسي، اقرؤوا مناظرات أهل البيت، هل اشتملت على غير العلم؟ هل اشتملت على غير الفكر؟ مناظرات ترتكز على الفكر، ترتكز على الموضوعية، مناظرات تمثل مبادئ أهل البيت وأخلاق أهل البيت، تمثل عظمة أهل البيت في النبل وفي الخلق الرفيع، لاحظوا منظرات علمائنا الذين استشهدنا بأسمائهم، اقرؤوا كتاب المراجعات، اقرؤوا كتب الشيخ كاشف الغطاء، كتب الإمام الخنيزي وغيرهم، تلاحظون الأدب الرفيع، تلاحظون الموضوعية، تلاحظون كيف يعطي هذا المحاور الطرف الآخر أهمية وشخصية عندما يحاوره.

إذًا فبالنتيجة الحوار المرتكز على الاحترام هو الذي ندعو إليه ولا ندعو إلى غيره.

الركيزة الثانية: أن يكون الحوار مبنيًا على أصول موضوعية «لا أتعرض لها الآن لأن الوقت لا يسع، قد أتعرض لها في المحاضرات القادمة في عشرة محرم الحرام إن شاء الله» من الأصول الموضوعية أنه لا يمكن تسجيل إدانة أو تهمة لأي مذهب إلا برأي الجمهور منه، أنا لا يمكنني أن أحاسب مذهبًا من كلمة صدرت من فرد من أفراد هذا المذهب، ولا يمكنني أن أحاسب ثلث المسلمين بكتاب صدر من أقلام أحد أبناء هذا المذهب، هذا ليس إنصافًا وليس موضوعية وليس أصلا من أصول الحوار، الأصل العلمي للحوار أن أحاسب الشيعة الإمامية أو أحاسب المذهب الآخر على أساس رأي الجمهور من هذا المذهب، لا على أساس رأي فرد، ولا على أساس قلم فرد.

نحن عندما نحاور الأخوة من المذاهب الإسلامية الأخرى نركز على صحاحهم لأنها تمثل رأي الجمهور منهم، نركز على رأي أغلب علمائهم لأنها تعكس رأي الجمهور، وكذلك نريد عندما يحاورنا الطرف الآخر أن يركز على رأي الجمهور من علمائنا، أن يركز على رأي الأغلب من علمائنا لأن هذا هو الذي يمثل مذهبنا، لا أنه يمثل مذهبنا أي رأي وأي كتاب.

إلى اليوم وإلى غد وإلى ما بعد غد لأن الشيخ النوري كتب كتاب «فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب» إذًا تدان الشيعة الإمامية بمختلف ميادينها وبمختلف بلدانها ومجتمعاتها تدان بهذا الكتاب، لماذا؟ أين الإنصاف والموضوعية؟ هذا فرد من أفراد الشيعة، إن صحت النسبة إليه فهذا رأيه، هذا لا يعني أن تدان الشيعة الإمامية إلى يوم القيامة بهذا الكتاب، مع أن تصريح رموز المذهب ومراجع المذهب في كل جيل على عدم التحريف وإقامة الأدلة الوافية والكافية على عدم تحريف القرآن، ومع ذلك لأن النوري كتب كتابًا في التحريف إذًا تدان به الشيعة إلى يوم القيامة! هذا خلاف الأصول الموضوعية للحوار.

الركيزة الثالثة من ركائز الحوار: نحن ندعو للحوار المسؤول، والمقصود بالحوار المسؤول ألا نفتح فرصة للديانات الأخرى على أن تستغل هذا الحوار في إضعاف الإسلام وفي إضعاف الفكر الإسلام، نحن عندما نخوض حوارًا مذهبيًا «يعني بين طائفتين من المسلمين» لنكون منتبهين جيدًا ألا نفتح ثغرة يدخل منها المسيحي أو اليهودي ليسجل نقطة سيئة في الفكر الإسلامي أو في التاريخ الإسلامي أو في الدين الإسلامي فنكون نحن قد ساعدناه وهيأنا له المجال وعبدنا له الطريق لكي ينطلق بهجومه على الفكر الإسلامي نتيجة حوارنا وجدالنا.

لاحظوا معي مثلا مسألة تحريف القرآن، عندما يهاجم كل طرف الآخر، عندما يقول السني للشيعي: أنت عندك روايات صحيحة في كتبك تدل على تحريف القرآن، ويهاجم الشيعي السني ويقول: لا، أنت أيضًا عندك روايات صحيحة في كتبك تدل على تحريف القرآن، هذا ماذا يعني؟

يعني اتفق الطرفان على وجود روايات صحيحة تدل على تحريف القرآن، عندما يقول السني: أنت في كتبك روايات تدل على تحريف القرآن، فيبادر الشيعي: وأنت أيضًا في كتبك روايات تدل على تحريف القرآن، هذه فرصة جيدة للمسيحي أو اليهودي أو أي متبع لملة أخرى ليقول: هاهما قد اتفقا على وجود روايات صحيحة عندهم تدل على تحريف القرآن، وإن اختلفوا في أن الروايات في أي طرف، المهم أنهم اتفقوا على وجود روايات صحيحة عندهم تدل على تحريف القرآن، فكيف يدعي المسلمون أنهم تميزوا عن الديانات الأخرى بأن كتابهم غير محرف؟ كيف يتباهى المسلمون ويفتخر المسلمون على المسحيين واليهود وغيرهم من الملل الأخرى أن كتابهم سليم مصون عن كل تحريف بزيادة أو نقص وهاهم اليوم في حوارهم قد اتفقوا على وجود روايات صحيحة تدل على تحريف القرآن؟

إذًا نحن فتحنا المجال للطرف الآخر، نحن بحوارنا فتحنا للطرف الآخر الأبواب كيف ينفذ لنا وكيف يغزوننا وكيف يحارب كياننا الفكري ويحارب ديننا بكلماتنا وبتصريحاتنا، إذًا الحوار المسؤول هو أن يلتفت كل طرف إلى أن يحاور الآخر بشكل لا يؤدي إلى فتح ثغرة على الإسلام، يحاور الآخر بنحو لا يؤدي إلى فتح فجوة كبيرة في الفكر الإسلامي وفي الكيان الإسلامي، هذا من مظاهر المسؤولية في الحوار.

فالحوار المرتكز على هذه الركائز الثلاث وغيرها هو الحوار الذي ندعو إليه، ولا ندعو إلى الشجار ولا إلى السجال الطائفي.

المحور الثالث:

إذًا فما هو البديل؟ سؤال يطرحه كل شخص، إذا كان هذا الحوار سجالا وأنتم تقفون منه موقف الإدانة، وفي نفس الوقت تقولون: نحن منفتحون على الحوار، إذًا فما هو البديل لهذا السجال الطائفي ولهذا الحوار الذي تنبذونه وترفضونه؟

نقول أمامنا خيارات وبدائل ثلاثة نركز عليها:

الخيار الأول: نحن لسنا ضعفاء يا إخوان، نحن ثلث المسلمين، لماذا تجرنا قناة لها أهدافها المادية ولها أهدافها الموجهة، تجرنا إلى معركة فاشلة خاسرة عقيمة؟ نحن نملتك قوة، نحن ثلث المسلمين، إذًا إذا كنا نشعر بأن لنا قوة ونشعر بأن لنا عزة فلنبادر إلى الاحتجاج، أي شيء فيها، يعني بدل أن نبقى هكذا متفرجين نترقب متى تبدأ المناظرة ونعيش خلال المناظرة متوترين وأعصابنا مشدودة «أين الفائز وأين المغلوب؟ ومن انتصر هذه الليلة؟ وكم هدف حصلناه؟ خمسة بصفر أم خمسة باثنين؟!» وهكذا كأننا نشاهد مباراة رياضية كل منا يتحفز لها بكامل أعصابه متوترًا قلقًا إلى النتيجة وعن ماذا ستتمخض هذه المناظرة..

عوض هذا كله على الأقل عشرة آلاف صوت من الشيعة تخاطب المستقلة، عشرة آلاف صوت من خلال الإنترنت، يكتب للشيعة بعشرة آلاف صوت - على الأقل - أننا نرفض هذا الشجار، نرفض هذا السجال الطائفي الذي يؤدي بالأمة الإسلامية إلى الهاوية وإلى المنحدر، نحن نرفض هذا السجال الطائفي، هذا على الأقل، أين دورنا إذًا؟ دورنا هو دور القلق وتوتر الأعصاب وأن نجري كلما جرونا لشيء جرينا وراءهم؟ لابد أن نسجل نقطة احتجاج، لابد أن نسجل احتجاجًا بكتاباتنا وتوقيعاتنا واتصالاتنا التلفونية إلى أننا نطالب المستقلة بالحوار الموضوعي.

المراكز في الحوزة العلمية في قم، كثير من الناس يقول: أين دور الحوزة؟ ماذا صنعت الحوزة في هذه المناظرات؟ ماذا صنعت لنا المرجعية في هذه المناظرات؟ الحوزة والمرجعية اتخذت جانبًا سلبيًا في هذه المناظرات، اتخذت طرف السكوت ولم تتخذ طرف المبادرة.

يا أخي المرجعية والحوزة ألا تفهم الأخطار التي تترتب على هذا السجال الطائفي؟ هل تريد المرجعية والحوزة أن تجري كما يجري كل إنسان وراء كل مخطط يخطط لها ويدبر لها؟ المرجعية والحوزة تدرك الأخطار الجسيمة التي تترتب على هذا السجال وعلى هذا الشجار وتعيها وعيًا جيدًا فكيف تجري وراءها وتصنع المبادرات التي تساعد على الغليان الطائفي وعلى هيجان النعرة الطائفية؟ عدة مراكز في الحوزة العلمية في قم كتبت للمستقلة كتابة واضحة صريحة أننا نرحب بالحوار ولكن الحوار مع الأزهر، الحوار مع شيخ أزهري، الشيخ الأزهري شيخ متنور، شيخ منفتح، الشيخ الأزهري شيخ يعرف المذهب الإمامي، هذا امتداد لحوارات علمائنا السابقين، السيد شرف الدين ذهب إلى مصر، الإمام كاشف الغطاء، الشيخ عبد الكريم الزنجاني، الشيخ محمد رضا المظفر، السيد محمد تقي الحكيم، وغيرهم من علمائنا الأبرار رضوان الله تعالى عليهم ذهبوا إلى مصر، وانفتحوا على الأزهر، وأجروا حوارات مذهبية مع علماء الأزهر، هذا الحوار صار له تاريخ 60 سنة، لماذا لا نمشي على ما مشوا عليه؟ لماذا لا نتابع المسيرة؟ نحن نريد أن نتابع المسيرة، أي الحوار مع العالم الأزهري، العالم الأزهري يعرفنا، يعرف مذهبنا، لأنه مشى معنا بحوارات سابقة، العالم الأزهري عالم يملك عقلية منفتحة، عقلية واعية، يمكن الحوار معه على أصول موضوعية تحفظ للأمة الإسلامية أجواء المحبة والأخوة الإسلامية، عندما طالبت هذه المراكز قناة المستقلة بالحوار المشروط وبالحوار الذي يبتني على أصول وعلى أهداف معينة رفضت قناة المستقلة، إلا أن تأتي بجماعة خاصة، وإلا أن تأتي بنماذج خاصة، وإلا أن تأتي بفئة خاصة.

وهذا ما تشاهدونه في هذه المناظرة الثالثة، أتفق مع قناة المستقلة من قبل بعض المراكز الشيعية في قم على حوار بطريقة معينة وبأشخاص معينين، وقناة المستقلة أصرت إلا على استضافة أحمد الكاتب الذي هو يحمل فكرًا ورأيًا يخالف الشيعة الإمامية تمامًا، أصرت المستقلة على استضافته كممثل للشيعة الإمامية، إذًا أين القناة الموضوعية؟ وأين القناة التي تريد خدمة الإسلام وتريد خدمة المجتمع الإسلامي؟ تريد أن تجرنا إلى بؤرة ندخل فيها شئنا أم أبينا، هذا لا يكون.

إذًا الاحتجاج الشيعي احتجاج مطلوب على هذه القناة أننا نريد حوارًا مع علماء يتصفون بالموضوعية، ويتصفون بالكفاءة العلمية، ومعروفين في وسط المسلمين بكفاءتهم، ومعروفين في وسط المسلمين بموضوعيتهم وإنصافهم، هذا هو الخيار الأول.

الخيار الثاني: نعم نحن أيضًا نطالب قنواتنا، نطالب قناة المنار ونطالب قناة سحر ونطالب سائر المواقع الشيعية بأن تطرح بديلا لهذا الحوار، عندما يوجد بديل لهذا الحوار يميز الناس أين الحوار وأين الشجار، عندما يرى الناس صورة أخرى عن الحوار الإسلامي الهادف من خلال قناة سحر أو من خلال قناة المنار أو من خلال غيرها من المواقع على الإنترنت، عندما يجدون أن هذه القناة تستضيف عالمين، عالم من الشيعة وعالم من السنة، وهذان العالمان يبدآن حوارًا علميًا موضوعيًا مبنيًا على الأخلاق والآداب والأصول العلمية والمنهجية للحوار، تتعلم الناس كيف الحوار، تربى الناس على إدارة الحوار، تربى الناس على كيفية احترام كل طرف للطرف الآخر، فنحن نحتاج إلى البدائل عن هذا الحوار أو الشجار المحموم من خلال قناة المستقلة.

البديل الثالث والخيار الثالث: أما وقد أصرت قناة المستقلة على أن يكون الحوار بهذه الصورة وبهذه الطريقة وأصر بعض إخواننا - وفقهم الله تعالى لمرضاته - على أن يدخلوا في قناة المستقلة كمحاورين ولو بهذه الصورة المشتملة على الشجار والمشتملة على الحرب الكلامية، مع هذا كله أقول ينبغي لمن يدخل في هذا الحوار سواء كان محاورًا أو مداخلا، بعض الشيعة يدخلون محاورين وبعض الشيعة يدخلون كمداخلات أثناء الحوار، ينبغي لمن يدخل أثناء الحوار، ينبغي لمن يدخل معركة الحوار محاورًا أو مداخلا أن يعي المجتمعات الشيعية الأخرى وألا يضحي بها بكلمة تصدر من فمه أثناء هذا الحوار، أنت مسؤول، أنت عندما تتصدى للحوار أو تتصدى للمداخلة أنت مسؤول عن مجتمعات شيعية أخرى، لابد أن تكون كلماتك فيها صيانة وحفظ لهذه المجتمعات الشيعية الأخرى، أنت مسؤول عنها، هل يصح من إنسان بدافع الغيرة على الدين وبدافع الغيرة على المذهب وبدافع الغيرة على الطائفة الإمامية أن يكون كلامه سببًا لمذابح طائفية في باكستان؟ هل يرضى الإنسان على نفسه بذلك؟ هل يرضى الإنسان أن يدخل هذا الحوار بدافع الغيرة على المذهب وإن أدى ذلك إلى مذابح في باكستان؟ وإن أدى ذلك إلى تولد أضرار على الأقليات الشيعية في مجتمعات أخرى؟ لا يمكن أن يكون كذلك، لابد أن ننهج منهج أئمتنا وعلمائنا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، هذه ليست نقطة ضعف، كثير منا يعتبر هذه نقطة ضعف، نحن عندما ننهج منهج الحذر والمداراة فهذه نقطة ضعف فينا، هذه ليست نقطة ضعف، هذا عقل وحكمة، نحن عندما ننهج منهج المداراة فهذا هو مبدأ التحفظ على المجتمعات الشيعية، هذا هو المبدأ المسؤول، هذا هو المبدأ الذي يبتني على العقل والحكمة والروية في الأمور، لا يمكن لكلمة واحدة تصدر من فمي تودي بآلاف أو بمئات أو بأخطار أو بأضرار أو على الأقل توترات.

حتى التوتر ضرر، المجتمعات الشيعية تعيش بجوار مجتمعات سنية، والمجتمعات الشيعية والسنية في كثير من البلدان مجتمعات منسجمة متواصلة مترابطة بينها لقاءات، بينها علاقات، بينها تجارات، بينها مبادلات، المجتمعات الشيعية في أغلب البلدان منسجمة مع المجتمعات السنية في تعاملها، في أخلاقها، في علاقاتها، فلماذا بكلمة مني في قناة المستقلة سواء كنت محاورًا أو مداخلا أضحي بهذا الانسجام وأضحي بهذه العلاقات وتكون كلمتي سببًا لخلق حالة من التوتر وحالة من انشداد الأعصاب وحالة من الكراهية أو الضغينة أو الحقد الذي قد يتفشى بمرور الأيام بين أبناء المجتمع الواحد وبين أبناء الوطن الواحد ليؤدي إلى آثار لا تحمد عقباها؟

إذًا الحوار المسؤول يرتكز على الشخص المسؤول، لابد أن يكون الشخص المتصدي للحوار أو المتصدي للمداخلة شخصًا مسؤولا، والشخص المسؤول هو الذي يراعي حفظ المجتمعات الشيعية، ويراعي سلامتها، ويراعي بقاءها على التأقلم والانسجام والارتباط مع المجتمعات الإسلامية الأخرى في علاقات ودية وحميمة تحفظ للمجتمع الإسلامي تماسكه وتراصه وقوته وعزته، كما ذكرنا الآية المباركة: ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ.

نسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا للسير على سيرة علمائنا الأبرار وأئمتنا الأطهار، أن يوفقنا للحوار الهادئ المفيد المثمر، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يصلح أمورنا وأمور المسلمين عامة.

والحمد لله رب العالمين

الأصوليون والاخباريون تعدد فكري وهدف موحد
تكامل الأدوار في حركة الإمام السجاد (ع)