نص الشريط
تكامل الأدوار في حركة الإمام السجاد (ع)
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مسجد الإمام علي (ع) بالقطيف
التاريخ: 25/1/1424 هـ
مرات العرض: 8133
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (1450)
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا  الذي  تعرف  البطحاء  iiوطأته
هذا   ابن   خير   عباد  الله  iiكلهم
هذا   الذي   أحمد   المختار  iiوالده
هذا  ابن  فاطمة  إن  كنت  iiجاهله
يكاد     يمسكه    عرفان    iiراحته
بكفه     خيزران     ريحه    iiعبق
ينشق  ثوب الدجى عن صبح iiغرته
ما   قال   لا  قط  إلا  في  iiتشهده
إذا    رأته    قريش    قال   iiقائلها
من معشر حبهم دين وبغضهم iiكفر
إن   عد  أهل  التقى  كانوا  أئمتهم










 
والبيت    يعرفه    والحل    iiوالحرم
هذا   التقي   النقي  الطاهر  iiالعلم
بجده    أنبياء    الله    قد   iiختموا
العرب   تعرف  من  أنكرت  iiوالعجم
ركن  الحطيم  إذا  ما  جاء  iiيستلم
بكف   أروع   في   عرنينه   iiشمم
كالشمس ينجاب عن إشراقها iiالظلم
لولا    التشهد    كانت   لاؤه   نعم
إلى    مكارم   هذا   ينتهي   الكرم
وقربهم        منجى       ومعتصم
أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم

كثير من الباحثين وكثير من العلماء والخطباء إذا استعرضوا سيرة إمام من الأئمة كالإمام زين العابدين فإنهم يتعاملون مع السيرة بأسلوب التجزئة وبأسلوب التبعيض، يقولون مثلا الإمام زين العابدين كان له عدة أدوار وكانت له عدة صفحات: الدور الروحي المتمثل في عبادته ومحرابه، والدور الاجتماعي المتمثل في صدقاته ونفقاته، والدور السياسي المتمثل في خطبه في بلاد الشام وفي بكائه ثلاثين سنة على أبيه الحسين، فهناك أدوار متعددة وهناك إشراقات متعددة للإمام زين العابدين .

أنا أقول هذا الأسلوب يشتمل على نوع من التجزئة، هذا الأسلوب يشتمل على لون من التبعيض، أن نقول بأن للإمام دورًا روحيًا ودورًا ثقافيًا ودورًا سياسيًا ودورًا اجتماعيًا، فكأن هذه الأدوار ينفصل بعضها عن البعض الآخر، وينفك بعضها عن البعض الآخر، كأن الإمام إذا مارس الدور الاجتماعي فإنه يمارس دورًا منفصلاً عن الدور السياسي، وإذا مارس الدور السياسي كأنه يعيش عالمًا آخر منفصلاً عن الدور الروحي، وإذا مارس الدور الروحي كأنه يعيش ظلالاً أخرى غير الظلال السياسية، إذا صورنا سيرة الإمام بأنها أدوار مختلفة وصفحات متغايرة فقد أحدثنا التجزئة وأحدثنا الانفصال وأحدثنا الانفكاك بين هذه الأدوار، كأن دوره الروحي مستقل عن دوره السياسي، ودوره السياسي مستقل عن دوره الاجتماعي، ودوره الاجتماعي مستقل عن دوره الثقافي مثلا، هذا التصوير وهذا الأسلوب في العرض ليس أسلوبًا متطابقًا مع واقع سيرة الأئمة ومع واقع حياتهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ما هو الأسلوب الأمثل، ما هو الأسلوب الصحيح في عرض سيرتهم بحيث يكون منسجمًا مع واقع شخصياتهم ومع واقع ذواتهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؟

الأسلوب الصحيح هو إيجاد الوحدوية بين الأدوار لا إيجاد التعددية بين الأدوار، الباحث، العالم، الخطيب، عندما يستعرض سيرة الإمام زين العابدين يحاول أن يخلق نوعًا من التكامل بين هذه الأدوار، يحاول أن يخلق نوعًا من الوحدوية بين هذه الأدوار، بمعنى أن الدور السياسي للإمام هو نفسه دور اجتماعي، هو نفسه دور روحي، هو نفسد دور ثقافي، ليس هناك انفكاك بين هذه الأدوار، ليس هناك مسألة انفصال وانفكاك بين هذه الأدوار، الإمام لا يمارس أدوارًا مستقلة، اليوم يخطط لأن يمارس دورًا سياسيًا، وغدًا يخطط أن يمارس دورًا روحيًا، وبعد غد يخطط أن يمارس دورًا ثقافيًا، فكأن له أدوار مستقلة، وعقول مستقلة، وأنفاس مستقلة!

ليس الأمر كذلك، عظمتهم وإعجازهم وعلو مقامهم يكمن في الوحدوية لا في الاستقلالية، إذا أردنا فعلاً أن نستكشف عظمتهم، إذا أردنا فعلاً أن نقف على مواطن الإعجاز والإبداع في شخصياتهم فعلينا أن نركز على الوحدوية، كيف يكون الدور الواحد منهم أدوارًا متعددة؟ نفس الدور الصادر من الإمام هو يحمل بين طياته ويحمل بين ثناياه أدورًا متعددة وإشراقات متعددة، العمل الواحد الصادر عن الإمام هو بنفسه يحمل في أطرافه إنجازات متعددة، يحمل بين أطرافه وظائف وأدوار متعددة، لا أن هناك أدورًا مستقلة ينفصل بعضهًا عن البعض الآخر.

ولكي أركز وأعمق هذه الفكرة لاحظوا الإمام زين العابدين عندما يخرج من بيته ليلا في وسط ظلام الليل، والليل مخيم على المدينة والناس نيام يخرج الإمام ويحمل جرابًا من الطعام على ظهره مملوءًا من الخبز واللحم يدور به على فقراء المدينة، يقول ابن شهاب الزهري: رأيته ليلة مظلمة يحمل هذا الجراب ويمشي، قلت: سيدي إلى أين؟ قال: إلى سفر أعددت له زادًا، فرأيته بعد أيام في المدينة ولم يسافر، قلت: سيدي رأيتك الليلة الكذائية وقلت بأنك في سفر أعددت له زادًا، قال: ليس السفر ما ظننت، إنه سفر الآخرة، وزاد هذا السفر الورع عن محارم الله وبذل الندى في الخير.

هذا العمل في حد ذاته «حمل جراب الطعام على الظهر، ويدور بين فقراء المدينة» هذا العمل الواحد هو في حد ذاته إنجازات متعددة، هذا العمل الواحد يجب أن يدرس على أساس حلقة متكاملة، لا على أساس أنه دور اجتماعي منفصل عن الأدوار الأخرى، هذا العمل الواحد يحمل بين ثناياه وبين طياته أعمال ومشاريع متعددة، ومشاريع متغايرة.

مثلا هذا العمل في حد ذاته هو دور عبادي، الإنسان الذي يحمل الصدقة على ظهره ويدور بين الفقراء وهو في كل خطوة يسبح الله ويقدسه وهو يتقرب إلى الله بجهده، بطاقته، بصدقاته، بمشيه، بجميع أنفاسه، هذا العمل الذي يقوم به الإمام في وسط ظلام الليل لا يقل عبادة ولا يقل في عطائه الروحي عن صلاة الليل، هذه صورة أخرى عن صلاة الليل، صلاة الليل لها صورتان: صورة أن يقف في محرابه ليصلي أحد عشر ركعة، وصورة أخرى أن يحمل جراب الطعام على ظهره وهو يحمل أنفاس القدس ويحمل أنفاس التعلق والارتباط بالله، هذه صورة أخرى من صلاة الليل، صلاة الليل لا تقتصر على نوافل المحراب، صلاة الليل هي الصداقات السرية الاجتماعية التي يقوم بها قائد الأمة آنذاك ليؤدي الوظيفة كما أمره الله تبارك وتعالى، هذا في حد ذاته عبادة ودور روحي.

ولذلك ترى الإمام عليًا وهو يصلي، وهو غارق في السبحات القدسية يمد إصبعه ليتصدق بخاتمه على الفقير، هو في أثناء العبادة يضم عبادة أخرى، هو في أثناء الصلاة يضم صلاة أخرى، وهي صلاة الصدقة، ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ.

هذا العمل الذي يقوم به الإمام زين العابدين صحيح أنه عمل سري، يحمل جراب الطعام وهو ملثم لا يعرفه أحد ويدور على فقراء المدينة لكنه في نفسه عمل سياسي، هو في حد ذاته عمل سياسي، هو في حد ذاته إعلام مضاد للسلطة الأموية آنذاك، السلطة الأموية تعاملت مع شيعة أهل البيت بالذات معاملة التجويع والحرمان وقطع أسباب الرزق، تضيق عليهم في أرزاقهم، تضيق عليهم في أعمالهم، تضيق عليهم في ثرواتهم، كان المسلمون في زمان الإمام زين العابدين يعيشون مآساة مروعة من التجويع والحرمان، مآساة سياسية مخطط لها ومدروسة من قبل السلطة الأموية آنذاك.

الأئمة لا يحتاجون أن يخرجوا إلى الشوارع ويصرخون ويقولون: هؤلاء بني أمية ظالمون منتهكون للحرمات يتعاملون معنا بسياسية التجويع والحرمان، لا، الإمام عندما يدور على فقراء المدينة بجراب الطعام ليليًا ولسنين طويلة هو يريد أن يقول لهذه الطبقة من الفقراء، هو يريد أن يقول للأمة الإسلامية بأننا لابد أن نعاملكم بما يعوضكم عن سياسة التجويع والحرمان، هذه الصدقات هي وسيلة إعلامية لفضح جرائم الأمويين ولسياسة التجويع والحرمان التي كان يقوم بها الأمويون آنذاك، فالإمام يمارس دورًا سياسيًا في الوقت الذي يمارس فيه دورًا روحيًا ودروًا عباديًا.

الإمام زين العابدين وهو يحمل جراب الطعام على ظهره ليدور به على فقراء المدينة يمارس دورًا اجتماعيًا، لجان التكافل الاجتماعي، لجان التضامن الاجتماعي، من يملك إحساسًا اجتماعيًا، من يملك ضميرًا اجتماعيًا، هل يرى صورة معبرة عن التكافل الاجتماعي أجلى من هذه الصورة؟ هل هناك صورة رائعة تعبر عن التكافل الاجتماعي والتضامن الاجتماعي أعظم من هذه الصورة؟ أن قائد الأمة بنفسه يخرج ليحمل جراب الطعام ليلتقي مع الفقراء ليكسوهم، ليشبعهم، ليطعمهم، هل هناك صورة أعظم من هذه الصورة كمثل وأنموذج للتكافل الاجتماعي وللتضامن الاجتماعي؟ إذًا الإمام يمارس دورًا اجتماعيًا في عين وفي نفس ممارسته للدور الروحي وللدور العبادي وللدور السياسي.

الإمام في هذا الدور الذي يمارسه يمارس دورًا خلقيًا، الإمام زين العابدين يريد أن يعلم الأمة على التواضع، وهذا الدور دور التواضع، الإمام زين العابدين يريد أن يعلم الأمة على أن القائد لا يحجب نفسه عن الفقراء والمساكين، على أن القائد لا يتمنع في بيوت عالية والفقراء يعيشون طبقة، يعيشون حالة حرمانية مأساوية، الإمام زين العابدين بهذا العمل الذي يقوم به في وسط ظلام الليل يمارس التواضع، يمارس الحث، حث الالتقاء بالفقراء، وحث الارتباط بهذه الطبقة المحرومة، ويمارس حسن التعامل الذي قال عنه الرسول محمد : ”الدين المعاملة“ هذه هي المعاملة، هذه هي الدين الواقعي، ليس الدين مجرد أشكال محرابية أو صور محرابية، الدين المعاملة، الدين الذي يتجلى في أن يقوم قائد الأمة بهذه الطاقة وبهذا الجهد بنفسه، ليستشعر العبادة، ليستشعر العلاقة مع المجتمع، ليستشعر الارتباط مع أبناء المجتمع، فالإمام يمارس دورًا خلقيًا في الوقت الذي يمارس فيه دورًا اجتماعيًا.

وهو دور ثقافي أيضًا، هذا الدور ينقل للأجيال، ينقل للتاريخ، ليتعلم منه الناس كيف يتعاملون مع المجتمعات وكيف يؤدون الحقوق الاجتماعية، هذا الدور قرأه ابن شهاب الزهري، لعل الإمام كان متعمدًا أن يمر بطريق فيه ابن شهاب الزهري لينقل له هذه الكلمة: ”ليس السفر ما ظننت، إنه سفر الآخرة، وزاد هذا السفر الورع عن محارم الله وبذل الندى في الخير“ كان الإمام يريد أن يتحول هذا الدور الاجتماعي إلى دور ثقافي، إلى دور تعليمي، إلى دور تربوي.

أرجع للنقطة التي أردت بحثها، أريد أن أقول علينا أن ندرس أدوار أهل البيت كحلقة متكاملة، كل دور يستبطن دورًا آخر، علينا أن ندرس أدوارهم لا بشكل تجزيئي وبشكل تبعيضي فهذا لا يكشف عن عظمتهم وموطن إبداعهم، علينا أن ندرس أدوارهم كل دور كيف يحمل بين طياته وبين ثناياه إنجازات متعددة ومشاريع متعددة وثمار مختلفة، ليتبين لنا أن قوة الإمام وإبداع الإمام في أن يسجل أدوار متعددة بعمل واحد وبحركة واحدة.

والحمد لله رب العالمين

وقفة مع قناة المستقلة
قيمة العمل في الإسلام