نص الشريط
علاقة النفس بالعبادة
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مسجد الإمام علي (ع) بالقطيف
التاريخ: 8/10/1428 هـ
مرات العرض: 3056
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (2282)
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ «1»

خلق الإنسان لكي يكون متصلاً بربه اتصالاً وجدانياً فهو في تمام اوقاته وفي تمام آناء حياته يشهد الله في قلبه ويعيش اتصالا نفسيا بربه وهذا لاتصال النفسي هو المعبر عنه بالعبادة.

﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَأي اجعل بينك وبين ربك صلة نفسانية تستغرق أوقات حياتك وتستوعب عمرك ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُو اليقين له معنيان:

المعنى الأول: أن المراد به الموت أي حتى تختتم حياتك وأنت متصلا بخالقك كما ورد في آية أخرى قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ «2» أي لا تختتمون حياتكم إلا وانتم متصلون بربكم اتصالا قلبيا نفسانيا والمعنى الثاني لليقين أن المراد به الوصول إلى درجة الشهود كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا «3» العبادة جهاد وطريق لعروج النفس إلى خالقها وعروج النفس إلى خالقها يوصلها إلى مرحلة الشهود وهي شهود ملكوت الله تبارك وتعالى كما ورد في قضية إبراهيم عليه وعلى نبينا واله أفضل الصلاة والسلام قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ «4» بمعنى أن إبراهيم عندما حصل له شهود عالم الملكوت نتيجة عبادته وجهاده لنفسه أصبح من أهل اليقين ويكون من الموقنين.

العبادة: من الطبيعي أن الإنسان يمل من العبادة ويسام من العبادة الإنسان لا يكون على نسق واحد، وعلى وتيرة واحدة في علاقته مع العبادة، أحيانا يتفاعل الإنسان مع العبادة وينصهر فيها، وأحيانا يفتر وتبرد علاقته مع العبادة، فكيف يتعامل الإنسان مع نفسه من اجل ربطها بالعبادة ومن اجل أن لا تبتعد عن أجواء العبادة ولا تنفر منها.

هناك عدة عوامل ركزت عليها النصوص الشريفة في معالجة علاقة النفس بالعبادة:

العامل الأول: تجديد الأوقات

ما هو المقصود بتجديد الأوقات؟

النفس تعيش أطوار مختلفة القرآن الكريم يقول: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً «13» وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً «14» «5» النفس بطبيعتها تعيش حركة تعيش تنقلا من طور إلى طور، ومن حالة إلى حالة تارة تكون النفس أمارة قال تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ «6»، وتارة تنقلب وتكون لوامة قال تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ «1» وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ «2» «7»، وتارة تكون منظرة ومخططة وهي الآية التي عبرت عنها بأنها النفس المطمئنة قال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ «27» ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً «28» «8»، فالنفس لها حالات لها أطوار لها تقلبات مختلفة بما أن النفس تعيش أطوار مختلفة، وتقلبات مختلفة، نرى أن الحكمة الإلهية اقتضت أن تعيش النفس في ظروف مختلفة أيضا، هذه الفصول التي تمر علينا، الإنسان يمر عليه فصل الشتاء، وفصل الربيع، وفصل الصيف وفصل الخريف لماذا؟ لماذا تمر هذه الفصول الأربعة على الإنسان لماذا لا يعيش الإنسان في فصل واحد؟ لماذا تمر على الإنسان أوقات متباينة يمر عليه الليل ثم يمر عليه النهار والنهار ينقسم إلى ضحى وإلى ظهر ٍ وإلى عصر هذه الأوقات المختلفة والفصول المختلفة؟ جعلها الله لكي تعيش النفس حركتها بما أن النفس متقلبة من طور إلى طور، ومن حالة إلى حالة، فتحتاج أيضا إلى ظروف مختلفة تحتاج إلى أزمنة مختلفة، تحتاج إلى أوقات متغيرة، لو عاشت النفس فصلا واحدا أو وقتا واحدا أو طريقة واحدة لانقرضت هذه النفس وماتت هذه النفس من اجل أن تبقى حية متجددة مستمرة في عطائها وفي فعاليتها جعلها الله في ظروف مختلفة جعلها الله في أوقات مختلفة كي يتجدد نشاطها، وتتجدد حركتها، وفعاليتها، كما أن الله تعالى جعل للنفس ظروف مختلفة فتنتقل من صيف إلى شتاء من ربيع إلى خريف، من ليل إلى نهار، من شباب إلى كهولة، وهكذا كي تبقى على فعاليتها ونشاطها، كذلك الله جعل للعبادة أوقات مختلفة حتى تتجدد علاقة النفس بالعبادة لو أن الله جعل الوقت كله عبادة بطريقة واحدة لماتت النفس وماتت علاقة النفس بالعبادة لكن الله حتى يجدد نشاط النفس وإقبالها على العبادة جعل للعبادة أوقات وجعل العبادة بأشكال مختلفة يأتي شهر رمضان له نوع من العبادة تأتي ليلة القدر لها نوع من العبادة، يأتي يوم العيد له نوع آخر من العبادة، يأتي يوم الغدير له نوع رابع من العبادة، أوقات مختلفة وأنواع مختلفة وطرق مختلفة للعبادة هذا التنويع في الأوقات، والتنويع في الطرق إنما هو لمعالجة هذه النفس ولكي تبقى النفس مقبلة متجددة متفاعلة مع العبادة التي خلقت لأجلها والتي هي الهدف من وجودها إذا العامل الأول من عوامل تغيير وتجديد العلاقة مع العبادة اختيار الأوقات المختلفة الإنسان يعبد الله هذا اليوم لأنه يوم جمعة بعبادة بنوع معين يأتي يوم الاثنين يستحب فيه الصوم يعبد الله بنوع آخر وهو عبادة الصوم يأتي شهر رمضان فيعبد الله بنوع ثالث يأتي أيام الحج فيعبد الله بنوع رابع وهو العبادة المتمثلة في مناسك الحج إذا اختيار الأوقات المختلفة عامل من عوامل نشاط النفس وتجديد علاقتها ورغبتها نحو العبادة هذا هو العامل الأول.

العامل الثاني: من عوامل تجديد علاقة النفس مع العبادة المراوحة كما يعبر عنها علماء العرفان المراوحة بمعنى أن الإنسان يراقب نفسه فإذا راقب نفسه يجد نفسه تارة معرضة وتارة مقبلة إذا رأى النفس مقبلة فليستثمر الوقت فليستثمر الفرصة إذا وجد نفسه راغبة مشتاقة مقبلة نحو العبادة فليستثمر هذه الفرصة فليستثمر هذا الوقت في أن يغرق النفس بالعبادة وبألوان العبادة حتى تتزود زاداً وفيرا ينير لها قبرها وينير لها مضجعها ويفرش طريق أخرتها بالرغد والهناء، وإذا رأى النفس مدبرة ومعرضة عن العبادة اقتصر على المقدار الواجب حتى لا تنفر النفس من العبادة نفورا كليا حتى لا تعرض النفس عن العبادة إعراضا تاما وهذا ما ورد في الحديث الشريف عن الإمام علي عن النبي محمد : «للقلوب إقبال وإدبار فإذا أقبلت فاحملوها على الفرائض والنوافل وإذا أدبرت فاقتصروا بها على الفرائض» ما سمي القلب إلى من تقلبه القلب أحيانا يفرح أحيانا يحزن أحيانا يحب أحيانا يبغض أحيانا يشتاق أحيانا ينفر، ما سمي القلب إلى من تقلبه فاحذر من القلب من قلب وتحويل؛ فالقلب تحتاج تقلباته إلى مراقبة تحتاج تقلباته إلى معالجة ليس من الحسن أن يسترسل الإنسان إذا اقبل القلب لا يسال عن إقباله ولا يستثمر الفرصة وإذا أدبر القلب حمله فوق طاقته فان هذا يؤدي إلى نفور النفس من العبادة، لا اقصد أنا أن يعرض الإنسان عن العبادة بالكلية؛ لا، بمعنى أن ينتقل من عبادة إلى عبادة أخرى، لاحظوا هذا الحديث الوارد عن الإمام الكاظم : كان الإمام الكاظم إذا اغتم ترك النافلة وهو إمام معصوم؛ قد يتساءل الإنسان ما معنى ذلك الأئمة معصومون، الأئمة قلوبهم متجهة نحو الله عز وجل، الأئمة في تمام أوقاتهم وآناتهم لا يرون إلا الله، لا يشهدون إلا الله، يعيشون حب الله، متغلغلا نافذا في أعماقهم، فكيف يعرضون عن الله، كيف يقال عن الإمام إذا اغتم ترك النافلة! الإمام الكاظم لم تقل الرواية بان الإمام الكاظم إذا اغتم ترك العبادة قالت ترك النافلة، يعني ترك عبادة واتجه لنوع آخر من العبادة، كان إذا اغتم ترك النافلة ولم تقل ترك العبادة يعني يتجه من عبادة لعبادة، إذا رأى نفسه غير مقبلة على العبادة يوجه نفسه نحو عبادة أخرى، صلة الرحم عبادة، الصدقة عبادة، تعليم الناس الأحكام الشرعية والمعارف الدينية عبادة، إماطة الأذى عن الطريق عبادة، إذا رأى النفس معرضة عن نوع من العبادة؛ إذا المراوحة هي عبارة عن مراقبة تقلبات النفس مراقبة تنقلات القلب فالإنسان دائما في حال دراسة لنفسه في حال مراقبة ومسائلة لنفسه ليرى أين تتجه تدبر عن ماذا؟ وتعرض عن ماذا؟ فإذا رآها معرضة عن نوع من العبادة وجهه لنوع آخر من العبادة كان يحفظ لهذه النفس توازن العلاقة والاتجاه والانصهار بالعبادة.

نأتي للعامل الثالث من عوامل معالجة علاقة النفس مع العبادة.

العامل الثالث من هذه العوامل: أن الإنسان يختار الأنواع المختلفة لهذه العبادة في طريق علاقته مع الله تبارك وتعالى، هنا نظرية يطرحها علماء الاجتماع وهي نظرية تأثير العقل الجمعي ما معنى تأثير العقل الجمعي انتم تلاحظون أن الإنسان بطبيعته يتأثر بالمشهورات الشائعات يتأثر بها الإنسان، إذا انطلقت شائعة في المجتمع بان فلان مرض أو فلان سافر أو فلان فيه كذا، أو فلان ارتكب جريمة كذا، الإنسان بطبعه يتأثر بالشائعات يصدقها يتفاعل معها، الإنسان بطبعه هذا، هذا ماذا يعني هذا يعني تأثير العقل الجمعي في ثقافة الإنسان، تأثير العقل الجمعي في موروثات ومكتسبات الإنسان العقل الجمعي يؤثر على ثقافة ومعلومات ومكتسبات الإنسان.

ولذلك تجد الإنسان يتأثر بالعادات والتقاليد العادات قهارات الإنسان إذا عاش مجتمعا له تقاليد وله عادات وتقاليد معينة يتأثر بعاداته يتأثر بتقاليده بل ربما تتحول العادات إلى وظيفة يمارسها وإلى دور يمارسه من دون أن يلتفت إلى أنها مجرد عادات وتقاليد اجتماعية ليست إلا مثلاً: بعض المجتمعات من عاداتها إلا تختتم الفواتح ليلة السبت يستنكرون يستثقلون أن يختموا الفاتحة ليلة السبت لان ختام فاتحة الميت أو مأتم الميت ليلة السبت يظنون انه يكرر الموت، وكان اسرافيل ينتظر الناس متى يختمون الفاتحة ليلة السبت فيكرر عمله وهو إماتت شخص آخر مثلا في يوم آخر كأنهم ختموا ليلة السبت يعني كان اسرافيل ليس له شان إلا بهذه الأمور وكأنه لا يسير وفق أمر الله بل يسير وفق عادات المجتمع وتقاليد المجتمع أو انه مثلا ما رفع حجر يوم السبت إلا ورجع إلى محله هذا حديث موجود «ما رفع حجر يوم السبت إلا ورجع إلى محله» لكن هذا الحديث كناية عن استحباب السفر يوم السبت، بمعنى أن السفر يوم السبت مستحب، الإمام حتى يعبر عن استحباب السفر يوم السبت يقول «ما رفع حجر يوم السبت إلا ورجع إلى محله» هذا تعبير كنائي يعني كناية عن استحباب السفر يوم السبت، لا أن كل شي يبدأ يوم السبت يرجع مرة أخرى لما كان، يعني إذا الدراسة تبدأ يوم السبت منذ الابتدائية حتى انتهى من الثانوية فالجامعة تبدأ دائما يوم السبت فهل بعد أن ينتهي من الجامعة يعود من الصفر؟ لأنه بدا يوم السبت ولأنه ما رفع حجر.....» ما معنى هذا الكلام، أو أن الإنسان إذا قرأ كتابا بدا قراءته يوم السبت فانتهى من قراءته يرجع للبداية؟ لم يفهم شي لأنه ما رفع حجر....» وهكذا من الأمور. إذا كان الإنسان يبني بيته وبدا البناء يوم السبت عندما ينتهي سيتهدم البيت لأنه ما رفع حجر........» وأمثال ذلك من الأمور الصغيرة، إذا بالنتيجة المقصود ما رفع حجر إلا ورجع إلى محله يعني أن السفر مستحب يوم السبت لا أن يوم السبت هو يوم مشئوم بل انه يوم مبارك ورد في الحديث عن النبي محمد : «بورك في سبتها وخميسها» إذا يوم السبت يوم مبارك لا انه يوم مشئوم فلذلك لا مانع من أن تبدأ به الأعمال أو تختتم به الأعمال. فإنما لتأثر الإنسان بالعقل الجمعي يعني بالعادات والتقاليد التي يعيش فيها لتأثر الإنسان بالعقل الجمعي يعتقد أحيانا بان هذا العمل وظيفة وانه قانون لا محيص عن الالتزام به مع انه ناشئ عن العادات والتقاليد، تؤثر الإنسان بالعادات والتقاليد معناه تأثير العقل الجمعي في ثقافة الإنسان، تأثير العقل الجمعي حتى في صياغة شخصية الإنسان، وفي صياغة معلومات الإنسان لذلك يتأثر الإنسان بالشائعات تأثير العقل الجمعي راجع إلى أن الإنسان يرى الكم دليلا على اليقين والحال بان الكم ليس دليلا عن اليقين، إذا تراجع كتاب الأسس المنطقية للاستقراء للسيد الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر «قدس سره» في «كتابه الأسس المنطقية للاستقراء» يذكر دليل احتساب الاحتمالات الذي هو من أوضح الأدلة في الرياضيات ويذكر أن هناك عاملان عامل كمي وعامل لفظي ليس العامل الكمي كافيا وحده في وصول الإنسان إلى اليقين الإنسان يحتاج إلى عاملين عامل كمي وعامل كيفي إذا اجتمعا وصل الإنسان إلى اليقين أما مجرد العمل الكمي وحده لا يوصل الإنسان إلى اليقين، لو أنا مثلا اخبرني مئة شخص بان فلان ارتكب الجريمة الكذائية مجرد هذا العامل الكمي وهو أن المخبر مئة شخص ليس كافيا في أن أصل إلى اليقين لابد أن ألاحظ العامل الكيفي أيضا، ما هو العامل الكيفي؟ المائة شخص إذا كانوا من أقوام مختلفة ومن طرق مختلفة ومن مصادر مختلفة حينئذ ينضم العامل الكمي إلى العامل الكيفي فيؤدي إلى الوصول إلى اليقين أما لو كان المائة شخص كلهم من عائلة واحدة ’ بحيث يتأثر الواحد منهم بالأخر، إخبار مئة شخص من عائلة واحدة بان فلان ارتكب جريمة معينة لا يؤدي إلى اليقين إذ لعل هؤلاء المائة شخص تواطئوا على الكذب لعلهم اتفقوا على الكذب، لعلهم اتفقوا على الزور والبهتان إذا مجرد العامل الكمي لا يكفي وحده في الوصول إلى اليقين، لابد من انضمام عامل كيفي وهو أن المائة شخص من طرق مختلفة من مصادر مختلفة حتى تؤدي إلى الوصول إلى اليقين، لذلك تجد أن القرآن الكريم يذم على الاعتماد على العامل الكمي وحده ماذا يقول القرآن: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ «9» أنت لا تهتم بالكثرة لا تعتمد على العامل الكمي فقط، تقول أكثر الناس ليسوا بمؤمنين إذا أنا لن أصبح مؤمن اغلب الناس مثلا يأتون بالفرق الموسيقية اللهوية في أيام الأعراس إذا أنا مع الناس، اغلب الناس مثلا يجعلون أعراسهم في الفنادق ويمارسون بعض الأعمال المحرمة إذا نحن مع الناس. لا العامل الكمي ليس دليلا على الصواب وليس دليلا على الحقيقة ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ وقال تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ «10» إذا بعد أن عرفنا تأثير العقل الجمعي في معلومات الإنسان وفي ثقافة الإنسان وفي مكتسبات الإنسان، نعرف أن من الطرق التي يعتمد عليها الإنسان في معالجة علاقته بالعبادة وفي معالجة قربه بالعبادة أن يعتمد الإنسان أحيانا وفي بعض الأوقات على حساب العقل الجمعي في ناحية عبادته وفي ناحية علاقته مع الله، كيف ذلك؟ أنا الآن لو صليت فرادة في البيت قد لا أتفاعل مع الصلاة ولكن إذا حضرت المسجد ورأيت الأجواء الروحية من خلال المسجد، ورأيت غيري يعبد الله ويبكي ويبتهل إلى الله ويتضرع، هذا العقل الجمعي يشكل لي دافعا نحو العبادة، أحيانا أنا اعبد الله بتأثير العقل الجمعي، العقل الجمعي من خلال المسجد ’ المسجد يشكل عقلا جمعيا ودافعا داخليا نحو ممارسة العبادة.

الدعاء لو قرأت الدعاء وحدي قد لا أتفاعل مع الدعاء ولكن إذا قرأت الدعاء مع جماعة وهم يرددون كلمات الدعاء ويرفعون أصواتهم ويتفاعلون مع الدعاء، يشكل هذا عقلا جمعيا دافعا لي نحو ممارسة الدعاء والانصهار بالدعاء.

إذا من طرق معالجة النفس وتجديد علاقتها بالعبادة الاعتماد على العقل الجمعي فان العقل الجمعي مؤثر في بعض الأحيان في دفع الإنسان نحو العبادة وفي انطلاق الإنسان نحو العبادة لذلك جاءت النصوص المتضافرة الدالة على استحباب صلاة الجماعة وأن صلاة الجماعة تَفضُل صلاة المفرد بسبع وعشرين درجة، وان الجماعة إذا زاد عددهم عن عشرة فلا يحصي ثوابها إلا الله وانه إذا قبلت صلاة احد الجماعة لنفترض الجماعة عشرة.. عشرين.. خمسين... مئة وواحد منهم من المأمومين تقبل صلاته تقبل صلاة الجميع بقبول صلاة احد المأمومين. الإنسان إذا لاحظ هذا الفضل وهذا الثواب الكبير لصلاة الجماعة يشكل ذلك دافعاً ذاتياً له نحو العبادة هذا من طرق تجديد العلاقة مع العبادة.

الطريق الأخير أو العامل الأخير: اختيار الخلوة والظلمة. الإنسان ربما مع الأضواء وصخب الأضواء لا يتفاعل مع العبادة، الأضواء تشتت ذهنه صخب الأضواء يشتت باله، لكن الإنسان إذا جلس في ظلام الليل وخلا بنفسه، الخلوة والظلمة عاملان يسبغان على النفس هدوءا يسبغان على النفس سكينة ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً «11» وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً «12» «11» الليل لباس تلبسه النفس فيسبغ عليها حالة من الهدوء والسكينة والاطمئنان وإذا سكنت النفس، هدوء لا أصوات لا شجار لا أضواء مختلفة لا مثيرات فالأضواء تثير الإحساس الأضواء تحرك الإحساس تثير الإحساس تحرك الأحاسيس.. لا الأضواء خافتة الأنوار باهتة إذا حل الظلام أسبغ على النفس سكينة وهدوء واستقرار هنا تكون الظلمة والخلوة عاملين في تشويق النفس للعبادة، في تشويق النفس نحو الإقبال إلى الله إذا اختار الإنسان ذلك وجلس مع ربه حتى لو صلى ركعتين فقط ليس بالضروري أن يصلي عشرين ركعة أو صلاة الليل حتى لو صلى ركعتين. صلاة ركعتين مع الظلمة والخلوة مع الاستقرار والهدوء، مع الاعتراف لله بالذنوب، مع الإقرار بالمعاصي، مع انحدار الدمعة، وارتفاع الألم، وارتفاع الحسرة والندم والآهة، كل ذلك عامل يقرب الإنسان نحو الله تبارك وتعالى النبي محمد يقول: «يا أبا ذر ركعتان بتفهم خيرٌ من ألف ركعة والقلب لاهي» أنت لا تصلي ألف ركعة والقلب لاهي، صلي ركعتين بخشوع بدمعة باعتراف بالذنب، هذا عامل يجدد علاقتك بالعبادة ويشوقك نحو العبادة والقرب من الله - تبارك وتعالى -. يقول ضرار عندما دخل على معاوية بن أبي سفيان قال: يا ضرار صف لي عليا. قال: أعفني. قال: أبيت عليك إلا أن تصف لي علياً. قال: أن أبيت إلا ذلك فهو كذلك، كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول عدلا ويحكم فصلا، كان والله كثير الدمعة، طويل الفكرة، يحاسب نفسه إذا خلا ويقلب كفيه على ما مضى، كان يستأنس بالليل ووحشته، ويستوحش الدنيا وزهرتها، كان يعظم أهل الدين، ويتحبب إلى المساكين، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب، لا يطمع القوي في ظلمه، ولا ييأس الضعيف من عدله، كان يجيبنا إذا سألناه ¸و يدنينا منه إذا أتيناه، وكان مع قربه منا وحنوه علينا، لا نكلمه هيبة له، فإذا تبسم ثعم مثل اللؤلؤ المنظوم، وقد رايته ذات ليلة، أنظر لعلاقة علي بالليل بالعبادة، وقد رايته ذات ليلة من لياليه وقد أرخى الليل سدوله وهو ماثل في محرابه، قابض على شيبته، يتململ تململ السليم ويقول: إليك يا دنيا غري غيري، إلي تطلعتي، أم إلي تشوفتي، لقد بنتك ثلاثا لا رجعة لي بعدها فعمرك قصير، وعيشك حقير، وخطرك كبير، آه من قلة الزاد.. آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق. هذا علي وهذا شبله علي بن الحسين يقول احد أصحابه: جئت ذات ليلة إلى الكعبة المشرفة وإذا برجل متعلق بأستار الكعبة ودموعه تنهمر على خديه وهو يئن أنينا كأنين الثكلى فالتفت إليه فإذا هو يقول: الهي ما عصيتك إذ عصيتك وأنا بك شاك ولا بنكالك جاهل ولا لعقوبتك متعرض ولا بأمرك مستخف ولكن سولت لي نفسي وأعانني عليها شقوتي وأغرني بذلك سترك المرخى علي فانا الآن من عذابك من يستنقذني وبحبل من اتصل أن قطعت حبلك عني، فوا سوأتاه غدا من الوقوف بين يديك، إذا قيل للمخفين جوزوا وللمثقلين حطوا، أمع المخفين أجوز أم مع المثقلين أحط، ويحي كلما طال عمري كثرت خطاياي، أما آن لي أن استحي من ربي. فلما فرغ ونظرته فإذا هو زين العابدين قلت: سيدي أنت تقول هكذا وأنت ابن رسول الله قال: يا هذا دع عنك حديث أبي وجدي، خلق الله الجنة لمن أطاعه ولو كان عبدا حبشيا وخلق النار لمن عصاه ولو كان سيدا قرشيا. فالإنسان عليه أن يراقب نفسه في طريقة علاقتها مع الله وفي اتجاهها في عبادة الله - تبارك وتعالى - كي يزن هذه العلاقة ويجعلها منسجمة مع أوقات وآنات حياته ومع الهدف الذي خلقت من اجله.

 

«1» سورة الحجر آية99.
«2» سورة آل عمران آية102.
«3» سورة العنكبوت آية69.
«4» سورة الأنعام آية 75.
«5» سورة نوح آية13 - 14.
«6» سورة يوسف آية53.
«7» سورة القيامة آية 1 - 2.
«8» سورة الفجر آية27 - 28.
«9» سورة يوسف آية103.
«10» سورة الأنعام آية116.
«11» سورة النبأ آية11 - 12.

مسائل شرعية شائكة
تراث الإمام الهادي (ع)