نص الشريط
الفلسفة الروحية لزيارة الحسين (ع)
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 20/2/1436 هـ
تعريف: ليلة الأربعين
مرات العرض: 2045
المدة: 00:56:04
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (1102) حجم الملف: 12.8 MB
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ

صدق الله العلي العظيم

حديثنا انطلاقًا من الآية المباركة في محورين:

  • في علاقة المادة بالصورة.
  • في بيان الفلسفة والأبعاد الروحية لزيارة الحسين .
المحور الأول: علاقة المادة بالصورة.

هناك نظرية فلسفية ترتكز على البحث عن علاقة المادة بالصورة، لكي نبين هذه النظرية وارتباطها بالفكر الإسلامي نتعرض إلى أمرين:

الأمر الأول: أبعاد هذه النظرية.

كل موجود من الموجودات المادية يتألف من عنصرين: مادة وصورة. لا يمكن لأي موجود أن يوجد بمادة دون صورة، أو صورة دون مادة. مثلًا: هذا الكرسي الذي أنا أجلس عليه يتألف من مادةٍ وصورة، المادة هي المادة الخشبية الموجودة في هذا الكرسي، في الصندوق، في الطاولة، هذه مادة عنصر مشترك. وهناك عنصر آخر وهو عنصر الصورة، يعني: هذه المادة تشكلت بصورة الكرسي، وأحيانًا تتشكل بصورة الصندوق، وثالثة بصورة الطاولة. كل موجود من الموجودات مؤلف من عنصرين: عنصر المادة وعنصر الصورة، وهذان العنصران متمازجان متحدان، بحيث لا يمكن أن توجد مادة بدون صورة، ولا أن توجد صورة بدون مادة، لا بد من امتزاجهما واتحادهما حتى يوجد الشيء، وإلا فلن يوجد.

الصورة قد تكون: صورة شخصية، وقد تكون صورة نوعية. الصورة الشخصية مثلا: ترى توأمين، يعني: أخوين توأم يولدان من مادة منوية واحدة، التوأم المسانخ مادة حيوانية منوية واحدة، تنقسم إلى قسمين، فيتشكل إنسانان، لكل إنسان صورة يتميز بهذا عن الآخر، حتى أننا لو لم ندرك المائز بين الأخوين، لكن هناك مائز حقيقي بين الأخوين. هذا الأخوان تشكلا من مادة منوية واحدة، لكن لكل منهما صورة تفرزه عن الآخر! إذن امتياز زيد عن أخيه - مثلًا - مع أنهما توأم ليس بالمادة، وإنما في الصورة الشخصية؛ لكل منهما صورة شخصية تفرزه عن الآخر ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ [[1] ] ﴿وهُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ [[2] ].

وقد تكون الصورة نوعية وليس شخصية، الصورة النوعية أيضًا على نوعين: نوع تكامل، ونوع تباين وتغاير وتضاد، مثلا: تأتي أنت فتزرع البذرة، تضعها في التربة، تضع لها السماد، تسقيها الماء، هذه البذرة تبدأ تنتقل من صورة إلى صورة: كانت بذرة، أصبحت جذورًا، الجذور تحولت إلى ساق، الساق تحولت إلى شجرة ذات أغصان، الشجرة تحولت إلى ثمار. هي نفسها البذرة مادة واحد، انتقلت من صورة إلى صورة أخرى. هذا التناقل «حركة الانتقال» من صورة الجذور، إلى صورة الساق، إلى صورة الشجرة المثمرة؛ حركة الانتقال من صورة إلى صورة أخرى، هذه الحركة تسمى حركة تكامل؛ إذن الشجرة انتقلت من صورة إلى صورة أخرى لكن عبر حركة التكامل؛ كل صورة أرقى من الصورة السابقة، إلى أن تصبح شجرة مثمرة.

هذا مثال للعلاقة بين الصور، قد تكون العلاقة بين الصور علاقة تكامل «تنتقل المادة من صورة إلى أخرى عبر حركة تكامل»، مثل الإنسان تمامًا، الإنسان أيضًا ينتقل من صورة إلى صورة لذلك قال تعالى: ﴿صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ، توجد صور متعددة يمر بها الإنسان، وقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [[3] ]، إذن الإنسان أيضًا ينتقل من صورة إلى صورة عبر تكامل، لكن كيف؟ النطفة المنوية تعلق بجدار الرحم، فإذا علقت بجدار الرحم، تبدأ هذه النطفة المنوية تتلون وتتشكل من صورة إلى أخرى.

الحركة التي تعيشها المادة المنوية - وهي تنتقل من صورة إلى صورة - تسمى حركة تكامل بين الصور أشار إليها القرآن الكريم: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ، النطفة هذه من أين جاءت؟ من الغذاء، الغذاء من أين جاء؟ من هذا الطين، ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ يعني جدار الرحم، ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [[4] ] نفسها هي مادة واحدة، المادة المنوية تشكلت من صورة إلى صورة، إلى أن أصبحت بهذه الصورة الإنسانية الرائعة، ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [[5] ] إذن هذه تسمى حركة تكامل.

وأحيانًا تكون العلاقة بين الصور، علاقة تضاد وليس علاقة تكامل، كيف؟ ترى الفرس صورة، الإنسان صورة، القرد صورة، الجميع خُلق من الطين! جميع الحيوانات التي تعيش على الأرض ومنها الإنسان ترجع إلى التراب، ترجع إلى الطين. صورة الإنسان مع صورة الفرس، ليست علاقة تكامل، وإنما علاقة تضاد، هذه الصورة مغايرة لهذه الصورة؛ لأن الفرق بين الإنسان وبين الفرس، ليس فرقًا شكليًا، بل فرق جوهري وحقيقي! فصورة الإنسان مع صورة الفرس، بينهما علاقة تباين، وليس علاقة تكامل. إذن الصور قد تكون بينها علاقة تكامل، وقد تكون بينها علاقة تضاد وتباين.

النظرية الفلسفية تقول: كل موجود مادي له عنصران: مادة وصورة، الصورة قد تكون شكلية، وقد تكون نوعية، الصورة النوعية قد تكون العلاقة بينها وبين الصور الأخرى علاقة تكامل، وقد تكون علاقة تضاد وتباين.

الأمر الثاني: تأثير هذه النظرية في الفكر الإسلامي.

هل لهذه النظرية الفلسفية تأثير على الفكر الإسلامي؟ يعني الفكر الإسلامي يعتمد على هذه النظرية الفلسفية؟ هل لها وجود في الفكر الإسلامي؟ هل لها وجود في المعتقدات الإسلامية؟ أم ليس لها وجود؟ الجواب: لها وجود! كيف؟ نضرب مثالًا بثلاثة موارد ترى أن لهذه النظرية - وهي علاقة المادة بالصورة - تأثيرًا على الفكر الإسلامي:

المورد الأول: مورد تجسم الأعمال.

هذا مبحث في علم الكلام الإسلامي، علاقة الجزاء بالعمل، هل هي علاقة أثر بمؤثر؟ أم علاقة صورة بمادة؟ لو أخذنا ماء ثم وضعناه على النار، فماذا يحصل؟ تتحرك جزيئات الماء، وتبدأ تتفكك هذه الجزيئات، ونتيجة هذا التفكك بين جزيئات الماء، يتحول الماء إلى حالة غليان، علاقة الغليان بالنار تسمى: علاقة أثر ومؤثر، فلولا الطاقة الحرارية التي أفرزتها النار في الماء، لما حصلت حركة الغليان، فالغليان أثر والنار مؤثر، فهذه علاقة أثر بمؤثر.

لكن لما نأتي للماء نفسه، هذا الآن الماء يغلي يغلي يغلي، فماذا يحدث؟ يتحول إلى بخار، ما الفرق بين البخار والماء؟ علاقة البخار بالماء، ليست علاقة أثر بمؤثر، بل علاقة صورة بمادة، يعني المادة هي واحدة، نفس المادة التي صارت ماء، هي نفس المادة التي صارت بخارًا. هذه الجزيئات التي تشكلت بصورة مائية، تشكلت مرة أخرى بصورة غازية، بصورة بخار، وترجع مرة أخرى تصير ماء. المادة واحدة، لكن الصور تختلف، إذن علاقة البخار بالماء، علاقة صورة بمادة، بخلاف علاقة الغليان بالنار، علاقة أثر بمؤثر.

الآن يأتي المسلمون، الفكر الإسلامي يأتي، يقول لك الآن علاقة الجزاء بالعمل من أي نوع؟ يعني أنا الآن أصلي، صلاتي هذه يوم القيامة أجازى عليها بشجرة في الجنة، صلاتك جزاؤها شجرة في الجنة! علاقة الشجرة في الجنة بصلاتك ما هي؟ أهي علاقة أثر بمؤثر؟ أو علاقة صورة بمادة؟ فهل صلاتك أنتجت أثرًا، وذلك الأثر هو الشجرة؟ إذن علاقة أثر بمؤثر، أم أن صلاتك نفسها أصبحت شجرة؟

الجواب: صلاتك أصبحت شجرة! ليس علاقة أثر بمؤثر! علاقة الجزاء يوم القيامة بالأعمال، علاقة صورة بمادة، أي نفس العمل يتحول إلى صورة ثانية! نفس العمل! نفس صلاتك خلعت صورة، ولبست صورة أخرى! فصارت شجرة! إذن المادة الصلاتية، تصورت بصورتين: كانت بصورة ركوع وسجود، أصبحت بصورة شجرة مثمرة! هي المادة نفسها.

ولذلك القرآن الكريم يقول: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [[6] ] أي أن عملكم هو جزاؤكم، فلا نحتاج إلى عنصر آخر؛ عملكم يتحول إلى جزاء! ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [[7] ]. افترض أن الإنسان يرتكب معصية - والعياذ بالله - هذه المعصية تتحول إلى قطعة من النار! هي نفسها! إذن جنتك هي عملك! ونارك هي عملك! وليس شيئًا آخر! ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا [[8] ] نفس العمل تراه! فعلاقة الصورة بالمادة، هذه النظرية الفلسفية جاءت في الفكر الإسلامي، وهي: ما يُسمى بنظرية تجسم الأعمال، أي أن الأعمال تتجسم يوم القيامة بصورة أخرى.

المورد الثاني: نشأة الإنسان.

لما نرجع إلى نشأة الإنسان، وننظر إلى أول إنسان على الأرض، فنسأل: كيف تمت؟ لدينا هنا نظريتان: النظرية الداروينية، والنظرية الأخرى. هذا الإنسان بالتأكيد مر بمراحل، من غير الممكن أنه بدفعة واحدة صار بهذا الشكل! بدفعة واحدة صار واقفًا على أرض! والقرآن الكريم يشير إلى ذلك: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا [[9] ]. الإنسان مر بأطوار، حتى أصبح بهذا الشكل. العلاقة ما بين هذه الأطوار، والعلاقة بين هذه الصور، ما هي؟ هل هي علاقة تكامل؟ أم هي علاقة تباين؟

لنفترض أن الإنسان كان حيوانًا مائيًا - مثله كمثل الحيوانات المائية - ثم صار مثلًا حيوانًا برمائيًا، ثم لنفترض أنه أصبح يحمل خصائص مشابهة لخصائص الشمبانزي، وبعد ذلك صار إنسانًا، لنفترض هكذا! هذا الإنسان عندما انتقل من مرحة إلى مرحلة، ومن طور إلى طور، هل العلاقة بين هذه الأطوار، علاقة تكامل؟ أم علاقة تضاد؟ فلنضع النظرية الداروينية على الميزان، النظرية الداروينية تقول: أن الإنسان انتقل من صورة إلى صورة، هو مادة واحدة، لكن هذه المادة انتقلت من صورة إلى صورة، إلى أن أصبح إنسانًا! السؤال: هل العلاقة بين تلك الصور، علاقة تكامل؟ أم علاقة تضاد؟ إذا كانت العلاقة علاقة تكامل، فإننا نقبل النظرية! ليس هنالك مانع من قبول النظرية الداروينية إذا كانت العلاقة علاقة تكامل! كيف؟

الفلاسفة المسلمون يقولون: الإنسان مر بثلاثة أنواع من الحياة: مر بحياة نباتية، ثم بحياة حيوانية، ثم بحياة إنسانية. ليس دفعة واحدة صار إنسانًا، بل مر بثلاثة أنواع من الحياة، فحتى النطفة - ناهيك عن الإنسان الأول - عندما تعلق بالرحم، أول نوع من الحياة تعيشه: الحياة النباتية، أي: ليس فيها إحساس، وليس فيها عقل؛ بل مجرد نمو! الحياة النباتية هي حياة النمو؛ فإذن النوع الأول من الحياة مر به الإنسان: الحياة النباتية.

ثم انطلق إلى الحياة الحيوانية، الحياة الحيوانية هي حياة الإحساس والإرادة، ثم انتقل من الحياة الحيوانية إلى الحياة الإنسانية، وهي حياة العقل والتفكير! إذن الإنسان مر بثلاثة أنواع من الحياة وهو في بطن أمه: نفس النطفة كانت نبات، أصبحت حياة حيوانية، أصبحت حياة إنسانية، وهذا ما يقول عنه القرآن: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ الخلق الآخر يعني الإنسان، صار حياة عقل وتفكير، كان مجرد نبتة، مثل أي نبتة تنمو! ثم صار يحمل الخصائص الحيوانية! عنده إحساس، عنده حركة إرادية، ثم أصبح يحمل عقلًا وتفكيرًا ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ.

إذن الفلسفة الإسلامية، تقرر أن الإنسان مر بثلاثة أنواع من الحياة وهو في بطن أمه، إلا أن العلاقة بين هذه الصور علاقة تكامل؛ انتقل من نوع إلى نوع أكمل، كانت العلاقة علاقة تكامل، إلى أصبح إنسانًا سويًا. هل النظرية الداروينية هكذا تفترض؟ يعني الإنسان مر بمراحل تكامل، مر بحركة تكاملية، انتقل من صور إلى صورة عبر حركة تكاملية. إذا النظرية الداروينية هكذا تقول، فإذن النظرية صحيحة لا تناقض الفلسفة.

أما عندما تقول النظرية الداروينية تفترض أن الإنسان انتقل من نوع إلى نوع مضاد، من نوع إلى نوع مغاير، بحيث تكون العلاقة علاقة تضاد وتغاير، يعني الإنسان كان في يوم من الأيام من فصيلة الشمبانزي، ثم صار من فصيلة الإنسان، هذا فلسفيًا غير معقول! من الممكن أن ينتقل الإنسان من صورة إلى صورة، عبر حركة تكامل، لكن من غير الممكن أن يتنقل الإنسان من نوع إلى نوع مضاد، هذا مستحيل! لماذا؟

لأن المادة الواحدة لا يُعقل أن تجمع استعدادين متضادين، استعدادين متنافرين، غير معقول! كيف غير معقول؟! مثلًا لو نظرنا للجسم، الآن هذا جسمك، هل من الممكن أن يكون قائمًا وقاعدًا في وقت واحد؟! غير ممكن! فإما أن يكون قائمًا، أو يكون قاعدًا، أما أن يكون قائمًا وقاعدًا في وقت واحد، غير ممكن؛ لأن الجسم لا يملك هذا الاستعداد: لا يملك الجسم استعدادين متضادين، أن يكون قائمًا وقاعدًا في آنٍ واحد، هذا مستحيل.

أيضًا المادة الطينة التي تشكل منها الإنسان، لا يمكن أن تحمل استعدادين متضادين! أي أن يكون عندها استعداد تصير من فصيلة الشمبانزي، وعندها في نفس الوقت استعداد أن تكون من فصيلة الإنسان، هذا غير معقول! إذن لا يُعقل أن تحمل المادة الواحدة استعدادين متضادين، هذا جمع بين الضدين! نعم يمكن أن تنتقل من صورة إلى صورة عبر حركة تكاملية. إذن علاقة المادة والصورة أثرت في الفكر الإسلامي في هذه الجهة: جهة نشأة الإنسان.

المورد الثالث: الإيمان.

الإيمان ليس شيئًا واحدًا، نحن مطلوب منا الإيمان، مثلًا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [[10] ] فنحن مطلوب منا الإيمان، لكن ما هذا الإيمان الذي هو مطلوبٌ من عندنا؟ الإيمان مادة واحدة، لكن لها صور متعددة، الإيمان هو: عبارة عن العقيدة: اعتقاد القلب بالله، وبرسوله، بأصول الدين الخمسة: التوحيد، والعدل، والنبوة، والإمامة، والمعاد؛ اعتقاد القلب بهذه الأصول يُسمى إيمانًا.

لكن هذا الاعتقاد يمر بصور مختلفة، الصورة الأولى: الصورة الفطرية، يقول القرآن الكريم: ﴿فَأَقِمْ وَجْهك لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَة اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاس عَلَيْهَا [[11] ] الصورة الأولى كانت فطرة، كان اعتقادًا فطريًا محضًا، ويقول القرآن الكريم: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا‏ [[12] ] كان الإيمان مجرد إيمان فطري، هذه الصورة الأولى الصورة الفطرية.

ثم تحول الإيمان إلى صورة أخرى، وهي: الصورة العقلية، ما هي؟ هي التي يقول عنها القرآن الكريم: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [[13] ] تحول الإيمان من فطرة إلى فكر، وقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأولَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [[14] ]، يعني تحول الإيمان إلى صورة عقلية.

الصورة الثالثة للإيمان: أن يتحول الإيمان إلى إحساس، جرب نفسك، هل الإيمان عندك إحساس؟ أم مجرد فكر؟ هل تتذوق الإيمان، كما تتذوق الطعام؟ أنت الآن إذا أكلت طعامًا تتذوق، تشعر أن للطعام ذوقًا! تشعر أن للطعام نكهة! تعيش الطعام معيشة إحساسيةً، أي أن الطعام صار يعيش في إحساسك! هل أنت تشعر بالإيمان هكذا؟ هل تتذوق الإيمان؟ هل تشعر بطعم الإيمان؟ هل تشعر أن للإيمان نكهة خاصة وطعمًا خاصًا في قلبك؟! في وجدانك؟! من وصل لهذه الدرجة، فقد تحول الإيمان عنده من صورة عقلانية، إلى صورة إحساسية، وصار يحس بالإيمان.

القرآن الكريم يركز على الصورة الثالثة للإيمان، يراها أعظم الصور! ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [[15] ]، صورة إحساسية، يستمع الوحي فيبكي! هذا الإيمان عنده حالة إحساسية، ليس حالة فطرية، أو حالة عقلية، بل حالة إحساسية، يستمع الوحي فيبكي، القرآن الكريم أيضًا يتكلم عن الجن: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا يعني عشنا الإيمان صورة إحساسية ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ [[16] ].

ولذلك من أدرك النبي والأئمة، أدرك نعمة كبرى، لأنه أدرك الإيمان الإحساسي، فالذين حول النبي يستمعون الوحي في أول حروفه، أول نزل الوحي بأول حروف بالصوت يستمعون إليه! يعني هم أدركوا الإيمان إدراكًا إحساسيًا؛ لأنهم عاشوا الوحي في أول حروفه، في أول نطقه.

ولذلك يقول القرآن: ﴿ربنا إننا سمعنا لم يقل ربننا إن رأينا! يريد أن يبين لك مسألة إحساسية! ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ [[17] ]. النبيُ يخاطب الإمام علي: ”نَّكَ تَسْمَعُ ما أسْمَعُ وتَرى ما أرى إلاّ أنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ“، إذن هذا الإيمان الإحساسي.

المحور الثاني: الفلسفة الروحية لزيارة الحسين .

نحن نقرأ في القرآن الكريم عنوان الشعيرة، ما هي الشعيرة؟ القرآن الكريم يقول: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا [[18] ] ويقول: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ [[19] ] ﴿وَالْبُدْن جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِر اللَّه [[20] ] ماذا تعني الشعيرة؟ ماذا تعني شعائر الله؟ فلنعرف الشعيرة، ونعرف فلسفة الشعيرة.

الأمر الأول: معنى الشعيرة.

الشعيرة هي العمل الذي يتوفر على عنصرين: العنصر الأول: أنه عمل جمعي، وليس عملًا فرديًا، العمل الفردي لا يكون شعيرة. العنصر الثاني: أنه يهدف إلى اتصال عالم المادة بعالم الغيب. هذا الذي يعبر عنه القرآن بالنسك، فيقول: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا [[21] ] المنسك ما هو؟ المنسك هو الشعيرة، شعيرة يعني منسك. الشعيرة والمنسك مفهوم واحد، كيف؟ عمل جمعي أُريد به الاتصال بعالم الغيب، فلو ضربنا مثالًا بالصلاة، الصلاة لا تُسمى منسكًا، لماذا؟ لأن الصلاة عمل فردي، أنا أمارس بمفردي، وأنت تمارس بمفرد، ولذلك القرآن قال: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي [[22] ]يعني النسك تختلف عن الصلاة، الصلاة عمل فردي، هي عبادة، لكن عبادة فردية. أما النسك، لا بد أن يكون عبادة جماعية؛ العنصر الجمعي أُخذ في النسك، أخذ في عنوان الشعيرة: الطواف بالبيت نسك عمل جمعي، السعي بين الصفا والمروة نسك لأنه عمل جمعي، الشعيرة هي النسك، والنسك عمل جمعي.

العنصر الثاني: أن الشعيرة عمل يُراد به العروج إلى السماء: اتصال عالم المادة بعالم الغيب، نحن أين نعيش؟ في عالم المادة، نريد أن نتصل بعالم الغيب، عالم ما وراء المادة، كيف نتصل؟ عبر النسك، النسك: عمل يربطنا بعالم الغيب. لذلك القرآن يربط الشعيرة بالتقوى، الشعيرة هي التي تؤدي إلى التقوى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ يعني الهدف من الشعيرة هو: تحصيل التقوى، تحصيل الاقتراب من عالم الغيب.

مثلًا: تأتي إلى البُدن، البدن ما هو؟ يعني الهدي الذي يُنحر يوم العاشر من ذي الحجة، الهدي الذي يُذبح يوم العاشر من ذي الحجة في منى - سواء كان ناقة أو بقرة أو ضأن - هذا يُسمى بُدنًا، ذبح البدن من الشعائر، لماذا؟ لأنه عمل جمعي أُريد به الاقتراب من السماء، ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ* لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ [[23] ] المسألة ليست مسألة شكلية، المسألة مسألة قربية. الآن عرفنا معنى الشعيرة، لكن ما هي فلسفة الشعيرة؟

الأمر الثاني: فلسفة الشعيرة.

فلسفة الشعيرة ترتبط بما ذكرناه في المحور الأول، الشعيرة هي التي تحول الإيمان من صورة عقلية إلى صورة إحساسية، هذه فلسفية الشعيرة؛ فلسفة الشعيرة أن تحول المادة الإيمانية من صورة إلى صورة، تنقلك من صورة عقلية إلى صورة إحساسية. مثلًا عندما نأتي لرمي الجمار، رمي الجمار شعيرة ونسك، رمي الجمار يهدف إلى شيء، ما هو هدفه؟ يقول لك بما أنك مؤمن، والمؤمن يرفض الشيطان، أليس كذلك؟ «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» أن تقرأ المعوذتين: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ «1» مَلِكِ النَّاسِ «2» إِلَهِ النَّاسِ «3» مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ «4» الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ «5» مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ «6» [

[24] ]، أنت ترفض الشيطان، لكن رفضك للشيطان رفض فكري، الشعيرة تحول الرفض، من رفض فكري، إلى رفض حسي، فرمي الجمار نسميه شعيرة «نُسك»، لماذا؟ لأنه يحول الإيمان - وهو رفض الشيطان - من صورة عقلية إلى صورة حسية، تعيش الإيمان معيشة إحساسية، تعيش رفض الشيطان معيشة إحساسية.

مثلًا: الطواف بالكعبة المشرفة، الطواف بالكعبة شعيرة ونسك، فما الهدف منه؟ واضح! العبودية: كل إنسان يعتقد أنه عبد الله، ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ [[25] ] أليس كذلك؟ ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [[26] ] نعم عبيده، نحن عابدوه. هذه العبودية لكي تتحول من صورة فكرية، إلى صورة حسية، تقوم بالطواف حول الكعبة! إذن الطواف حول الكعبة شعيرة من شعائر الله، لماذا؟ لأنه يحول العبودية من صورة فكرية، إلى صورة حسية.

من هنا جاءت شعائر الحسين ، نفس المنطلق، نفس الفلسفة، نفس الجذور، تأتي إلى الشعائر الحسينية: المأتم، الموكب، الدمعة، الصرخة، هذه الشعائر الحسينية التي حث عليها أهل البيت «صلوات الله عليهم أجمعين» ما هي فلسفتها؟ هذه الشعائر عمل جمعي، أريد به الاقتراب من الله «تبارك وتعالى»، ما هي فلسفتها؟ كل هذه الألوان والصور: بكاء، ودمعة، وصرخة، ومأتم، وموكب، وزيارة، لماذا؟ ما هو الغرض؟ ما هو الهدف؟ كل هذه الصور فلسفتها واحدة: أن تنقل الحسين من صورة فكرية، إلى صورة حسية، أن تعيش الحسين إحساسًا.

الهدف من هذه الشعائر أن تنقل لك الحسين من صورة فكرية، إلى صورة إحساسية، تعيش الحسين بإحساسك، وليس فقط أن تعيش الحسين بفكرك، أن تعيش الحسين بإحساسك، الحسين مجموعة من المبادئ، عندما نعرف الحسين، الحسين: ليس شخصًا ولد في سنة كذا، ومات في سنة كذا، كلا! الحسين: قيم ومبادئ، الحسين يساوي: الحرية، الكرامة، الفداء، التضحية، العطاء، العبادة. الحسين: مجموعة من المبادئ، هذه المبادئ حتى تتحول من صورة فكرية، إلى صورة حسينة، جاءت الشعائر الحسينية. الشعائر الحسينية تنقل المبادئ من صورة فكرية، إلى صورة حسية.

ولذلك من أعظم الشعائر، وأروعها، وأبرزها، زيارة الحسين، فهذه الزيارة المليونية، من أعظم الشعائر! لماذا؟ لأن هذه الزيارة المليونية، الزاحفة نحو قبر الحسين، عمل جمعي، يُراد به الاقتراب من السماء، فلسفته: أن ينقل لنا الحسين، من صورة فكرية إلى صورة حسية، أن تشعر بالحسين شعورًا وجدانيًا، أن تعيش الحسين عيشة إحساسية، أن تمشي إلى كربلاء وأنت تعيش كيف مشى الحسين إلى كربلاء، أن تمشي إلى كربلاء وأنت تعيش كيف تلطخ بدن الحسين بتراب كربلاء، أنت تعيش كربلاء عيشة إحساسية؛ هذه فلسفة زيارة الحسين.

لذلك فلسفة زيارة الحسين، لها أبعاد روحية مختلفة، ومطردة، الغرض والهدف منها: أن تعيش الحسين ، لذلك إذا أنت وقفت على قبره، وتلوت كلمات الزيارة، تحاول أن تعيش أجواء الحسين: أشهد أنك قُتلت مظلومًا! أشهد أن دمك قد سكن في الخلد! أشهد لقد اقشعرت لدمائكم أظلت العرش، مع أظلت الخلائق! وبكتكم السماء والأرض، وسكان الجنان، والبر، والبحر! إذن زيارة الحسين صورة إحساسية عن حركة كربلاء.

لذلك جاءت النصوص تحث على زيارة الحسين، ورد عن الإمام الرضا : ”من زار قبر أبي عبد الله الحسين بشط الفرات كان كمن زار الله فوق عرشه“، وورد عن الإمام الصادق قال: ”زيارة الحسين بن علي واجبة على كل من يقر للحسين بالإمامة من الله عز وجل“، وسأل رجل الإمام الصادق، قال: ما تقول في رجل ترك زيارة الحسين وهو يقدر على ذلك؟ قال: ”إنه قد عق رسول الله وعقنا واستخف بأمر هو له“. زيارة الحسين جاءت لهذا الدعم، وبهذا المنطلق: نقل المؤمن لصورة الحسين، من صورة فكرية، إلى صورة إحساسية، فهنيئًا لزوار الحسين الذين يزحفون إلى قبره، ويقفون عند قبره

[1]  غافر: 64.
[2]  آل عمران: 6.
[3]  الأعراف: 11.
[4]  المؤمنون: 12 - 14.
[5]  الانفطار: 6 - 8.
[6]  الطور: 16.
[7]  الزلزلة: 7 - 8.
[8]  الكهف: 49.
[9]  نوح: 13 - 14.
[10]  النساء: 136.
[11]  الروم: 30.
[12]  الشمس: 7 - 8.
[13]  آل عمران: 191.
[14]  الزمر: 17 - 18.
[15]  المائدة: 83.
[16]  الجن: 1 - 2.
[17]  آل عمران: 193.
[18]  البقرة: 158.
[19]  الحج: 32.
[20]  الحج: 36.
[21]  الحج: 34.
[22]  الأنعام: 162.
[23]  الحج: 36 - 37.
[24]  سورة الناس.
[25]  مريم: 30.
[26]  الذاريات: 56.

العلاقة بين الدعاء والقضاء والقدر
الدور الإعلامي في ثورة الحسين (ع)