نص الشريط
الحاكمية للإنسان أم للسماء
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 21/2/1436 هـ
مرات العرض: 2048
المدة: 00:49:41
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (1043) حجم الملف: 11.3 MB
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا

صدق الله العلي العظيم

انطلاقًا من الآية المباركة نتحدث في محاور ثلاثة:

  • ما هي حقيقة الحق؟
  • هل مصدر الحقوق هو الإنسان أو هو السماء؟
  • هل الحاكمية للإنسان أو للسلطة السماوية؟
المحور الأول: تحديد ماهية عنوان الحق.

ورد في القرآن بعدّة معانٍ ومفاهيم، تارة يطلق الحق ويراد به الواجب واللازم، مثلًا قوله عز وجل: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ يعني هذا أمر لازم. وتارةً يأتي عنوان الحق بمعنى الصواب الموافق للواقع، مثلًا قوله عز وجل: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ يعني أفمن يهدي إلى الصواب، الحق هنا بمعنى الصواب. المعنى الثالث أن المراد بالحق الثبات؛ الشيء الثابت الذي لا يتزلزل ولا يتغيّر، مثلًا قوله عز وجل: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ. والمعنى الرابع للحق وهو المهم في بحثنا وموضوعنا، الحق بمعنى السلطة الاعتبارية.

الحق مصطلح قانونيّ يُراد به السلطة الاعتبارية التي تتألّف من أركان ثلاثة. مَن له الحق وهو المحِقّ، مَن عليه الحق وهو المحقوق، ومادة الحق. مثلًا عندما نقول للزوجة حقّ النفقة على الزوج، يعني الزوجة لها سلطنة اعتبارية على الزوج بِأن يُنفِقَ عليها، بأن يُأمّن احتياجاتها. فإذن هنا ثلاثة أركان. مَن له الحق وهي الزوجة، مَن عليه الحق وهو الزوج، ومادة الحق وهي النفقة. هذه السلطنة الاعتبارية. الحق بمعنى السلطنة الاعتبارية أيضًا وردت في القرآن الكريم لقوله عز وجل: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ يعني السلطنة الاعتبارية لبعولتهنّ وليس لشخص آخر. مثلًا قوله عز وجل: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ يعني السائل له سلطنة اعتبارية على ثروة الغنيّ بأن يكون له نصيبٌ منها. فالحق بمعنى السلطنة الاعتبارية مؤلفة من مَن له الحق، مَن عليه الحق، ومادة الحق.

هذه السلطنة الاعتبارية من أين أتت؟ من أين تُنتَزع هذه السلطنة الاعتبارية؟ السلطنة الاعتبارية تُنتَزع من قضية تكوينيّة، قضية واقعيّة. السلطنة الاعتبارية منشؤها أمرٌ واقعيّ تكوينيّ، وهو ما يُعبّر عنه بحسب المصطلح الفلسفي إما العلّة الفاعِلِيّة وإما العلّة الغائيّة. مثلًا إذا جاء الإنسان إلى أرضِ موات لا يملكها أحد، حرَثها، زرعها، أحياها. نتيجة هذا العمل التكويني، صار له حقّ في الأرض. السلطنة الاعتبارية جاءت من عمل تكويني. لأنه قام بزراعة الأرض وإحيائها تولّد عن هذا العمل التكويني سلطنة اعتبارية نسميها الحق. فإذن هذا الشخص إليه سلطنة يُقِرُّها القانون، يحميها القانون، ألّا يُزاحمه أحد في هذه الأرض التي أحياها. السلطنة الاعتبارية أُخِذت من العمل التكويني، فمنشأ الحق هنا علّة فاعليّة، يعني عملٌ صادر وجهدٌ صادر من عاملٍ مُعيّن.

وأحيانًا منشأُ الحق علّة غائيّة وليس علّة فاعلية. مثلًا عندما يُقال للطِفل في سنتَيْ الرضاعة حقٌّ في لبن أمه. هذا الحق جاء من نتيجة أن هذا اللبن أودِع في هذا المكان لغاية. العلّة الغائيّة من وجود اللبن في هذا الموضع المعيّن أن يرتضع للطفل، أن يستثمره الطفل في بناء جسمه. نتيجة هذه العلة الغائية صار للطفل حقٌّ في هذا اللبن، صارت له سلطة قانونيّة أنه هو الأحقّ لهذا اللبن من غيره. هذه السلطة الاعتبارية والقانونية منشؤها علّة غائيّة، يعني منشؤها أن الغاية الواقعيّة من وجود هذا الغذاء في هذا المكان أن يستثمره هذا الطفل. فإذن الحق الذي نبحث عنه في هذه المحاضرة الحق بهذا المعنى السلطنة الاعتبارية المتكونة ممن له الحق ومن عليه الحق ومادة الحق، هذه السلطنة الاعتبارية المنتزعة من أمر واقعيّ. هذا الأمر الواقهي إما علّة فاعليّة وإما علّة غائيّة.

المحور الثاني: هل مصدر الحقوق هو الإنسان أو هو السماء؟

هناك بحث قانوني بين الفلسفة الوضعية وبين الرؤية الإسلامية. هل مصدر الحقوق هو الإنسان أو مصدر الحقوق هو السماء، هو الله؟ هل للإنسان حقوقًا ذاتية مع غض النظر عن السماء؟ هو الإنسان هو له حقوق في حدّ ذاته بغض النظر عن جنسه، لونه، لغته، دينه، مُعتقده. الإنسان بما هو إنسان، هو مصدر الحقوق، هو مَنشأْ الحقوق، فللإنسان حقوقٌ ذاتية. السماء دورها إقرار هذه الحقوق وإمضاء هذه الحقوق. وإلا الإنسان في حدّ ذاته له حقوق ذاتية بما هو إنسان.

النظرية الأخرى: تقول لا، الله يمنح الحق للإنسان، الله يعطي الحق للإنسان، ليس مصدر الحقوق ومحورها هو الإنسان بما هو إنسان، لا، الله هو مصدر الحقوق، السماء هي مصدر الحقوق. ما تعيّنه السماء، يعني السماء تمنح الإنسان الحقوق. حق الحياة، حق العدالة، حق الكرامة، حق الحرية. هذه الحقوق، للإنسان حق الحياة، أن يعيش، للإنسان حق الكرامة، أن لا يُعتدى عليه، للإنسان حق الحرية في تعبيره وفي ممارسة طقوسه. هذه الحقوق هل العقل يُقررها للإنسان، السماء وافقت، أمضت، أم لا؟ أو العقل يقول لا، لابد الله هو يمنح هذه الحقوق للإنسان. كلا الفريقين يحاول أن يتشبث بالنصوص القرآنية لإثبات نظريته.

النظرية الأولى: مصدر الحقوق هو الإنسان.

الإنسان بما هو إنسان هو مصدر الحقوق، والإسلام لا يستطيع أن يقتلع هذه الحقوق التي يُقرُّها العقل للإنسان بما هو إنسان. المستند: القرآن يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا القرآن واضح أن الإنسان هو محور الكرامة، والكرامة تشمل الكرامة التكوينية، الله أعطاه عقل وإراده. والكرامة القانونية، ان له حق الحياة وحق الحرية وحق العدالة، سائر الحقوق تثبت لهذا الإنسان لأن ثبوت الحقوق له هو الكرامة وسلبُها عنه يتنافى مع كرامته ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ. وقال عز وجل: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ أحسن تقويم يعني بتعميم التقويم، التقويم التكويني والتقويم التشريعي. هو في أحسن تقويم من حيث خِلقته، لأنه أُعطيَ عقلًا وإرادة. وهو في أحسن تقويم من حيث حقوقه، لأن الحقوق تثبتُ له من بحيث هو إنسان ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا. فإذن أصحاب هذه النظرية تشبَّثوا ببعض الآيات.

النظرية الأخرى: مصدر الحقوق هو الله.

مصدر الحقوق هو الله والإنسان يُمنح الحقوق والإنسان ليس هو المصدر وليس هو المَنشَأ بلِحاظ أن ظاهر الآيات القرآنية أن الإنسان ليس أصيلًا وإنما هو وكيل ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ. إذن الإنسان ليس أصيلًا في هذا الكون، هو مجرد نائب، هو مجرد خليفة. بما أن الإنسان ليس أصيلًا وهو مُجرّد خليفة إذن مصدر الحقوق في هذا الكون المُستخْلِف وليس الخليفة وليس المُستخْلَف. الإنسان خليفة ليس له حق بالأصالة لا في الثروة، لا في الطبيعة، لا في الحياة، أنت مُجرّد خليفة. إذن ما دام الإنسان لا أصالة له وإنما هو نائب إذن مصدر الحقوق هو المُستخْلِف، يُعيّن الدائرة التي يمنحُها الإنسان من الحقوق والصلاحيات.

وأيضًا في قوله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ العبادة تعني أن يقوم الإنسان مقام العبودية. أنت عبدٌ لله خُلِقتَ لكي تقوم في مقام العبوديّة، والعُبوديّة تعني التسليم المُطلق لله عز وجل. فالحقوق تُمنح لك لا أنك مصدر الحقوق، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا. إذن كلتا النظريتين تحاول أن تستند إلى آيات القرآن الكريم لتُثبت منشئية ومصدرية الحقوق بالنسبة إليها.

المحور الثالث: هل الحاكمية للإنسان أو للسلطة السماوية؟

من هو مصدر السلطات؟ الإنسان أو السماء؟ هل الحاكمية للإنسان أو للسماء؟ إدارة المجتمع البشري وحفظ النظام في المجتمع البشري يعتمد على السلطات الثلاث: سلطة تشريعية، سلطة تنفيذية، سلطة قضائية. ما هو مصدر السلطات الثلاث؟ الإنسان أو السماء؟ هل الحاكمية لله أو للإنسان؟ إذن نحن أمام نظريتين:

النظرية الأولى: بما أن محور الحقوق هو الإنسان، الإنسان بما هو إنسان مؤمن أو غير مؤمن مسلم أو غير مسلم له حق الكرامة، له حق الحياة، له حق الحرية. إذن مقتضى ثبوت حق الحرية له أن له حق الحاكمية. وإذا فرقت عليه حاكمية من غيره، هذا يتنافى مع حريته. مقتضى حق الحرية له بما هو إنسان أن له حق الحاكمية. هذا الإنسان من خلال صندوق الاقتراع، من خلال صندوق الانتخاب هو الذي يختار السلطة التشريعية، هو الذي يختار السلطة التنفيذية، هو الذي يختار القانون الذي يحكُمُه ويختار السلطة التي تحكُمُه.

النظرية الثانية: الحاكمية لله. الإنسان ليس أصيلًا في هذا الكون حتى يكون محورًا للحقوق. الإنسان بما أنه خليفة تابعٌ لقانون المُستَخْلِف، بالنتيجة ليس له صلاحية الحكم. وهنا تأتي النصوص المختلفة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ. يتفرع على هذا الاختلاف. في عصرنا الحاضر الآن عندما نجي إلى الفكر السياسي عند الشيعة الإمامية. الفكر السياسي عند أهل السنة هناك فيه ارتباك لأنه من جهة تصرّح كثير من علماء المسلمين السنة أن محور الحكم هو الخلافة وأن أي شخص يتصدى للخلافة ويبايعه مجموعة من أهل الحلّ والعقد على الخلافة يصبح خليفة والجميع لازم يركع، هذا خليفة للمسلمين.

من جهة تلاحظ دعوات قاعدة تطلع من الأزهر وغير الأزهر أنه لا ليس من حقّ أحدٍ أن ينصِب نفسه خليفة ولازم هذا يتقرر من جهات أخرى، يعني هناك عملية اضطراب في صياغة العمليّة السياسية للفكر الإسلامي في إطار المذهب السني. هل المحور هو الخلافة أم لا؟ وإذا كان المحور هو الخلافة، فما هي كيفية تحقيق الخلافة؟ نرجع إلى الفكر السياسي عند الشيعة الإمامية. انطلاقًا مما مضى ذكره، هل أن الحاكمية لله أم أن الحاكمية للإنسان؟ هنا انطلق فريقان من الإمامية إلى نظريتين:

النظرية الأولى: ولاية الفقيه.

النظرية المعروفة - وهي نظرية ولاية الفقيه - لتنطلق من الحاكميّة لله. بما أن محور الحقوق هو السماء إذن حق الحاكميّة لله، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ. نحن أعرف به وبمصلحته وبالقانون الذي يُلائمه وبالسلطة التي تُناسبه، احنا كل شيء بيدنا والحاكمية لله. انطلاقًا من هذا الأساس أن الحاكمية لله، جاءت نظريّة ولاية الفقيه. إذن بما أن الحاكميّة لله فلابد من مُمَثّل للسماء يقوم بدور الحاكمية. والمُمَثّل للسماء إما المعصوم أو من هو امتداد للمعصوم . فإذا كان المعصوم موجودًا فهو الممثّل لحاكميّة الله كما في القرآن الكريم: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ.

وإن لم يكن المعصوم موجودًا فالحاكمية لمن يُشكّل امتدادًا للمعصوم من خلال النصوص الواردة. مثلًا ورد عن الإمام الحسين : ”مجاري الأمور بيد العلماء أُمناء الله على حلاله وحرامه“. مثلًا في ما ورد عن الإمام الصادق : ”ولكن انظروا إلى رجل منكم ممن روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فارضوا به حَكَمًا فإني قد جعلته عليكم حاكمًا“. وكما في الرواية الواردة عن الإمام العسكري : ”فأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواةِ حديثنا فإنّهم حُجّتي عليكم وأنا حجّة الله“.

النظرية الثانية: ولاية الأمة.

في مقابل نظرية ولاية الفقيه توجد النظرية التي تقول أن الولاية للأمّة وليست الولاية للفقيه. الأمّة هي التي تختار سلطتها التنفيذيّة والتشريعيّة. الأمّة هي مصدر الولاية وهي مصدر الحُكْم ولا ولاية لأحد على أحد. بعض من يتبنّى هذه النظرية كالمرحوم شمس الدين في كتابه ولاية الأمّة، هو يرى أن الولاية للأمّة والأمّة هي مصدر السُلُطات والأصل أن لا ولاية لأحد على أحد. الأمّة هي التي تختار سلطاتها الثلاث من خلال صناديق الاقتراع والانتخاب. وهذه النصوص الواردة إما ضعيفة سندًا مثل الرواية الواردة عن الحسين ضعيفة سندًا. وإما هذه النصوص ناظرة للقضاء ومقام الافتاء وليست ناظرة لإدارة الأمور وللحُكم بين الناس يعني للسلطة التشريعية والتنفيذية.

النظرية الثالثة: حفظ النظام.

هناك نظرية وسط بين النظريتين ألا وهي نظرية حفظ النظام. هذه النظرية يمكن انتزاعُها من البيانات التي صدرت من السيد الخوئي قدّس سره في الانتفاضة الشعبانيّة. عندما حصلت الانتفاضة الشعبانيّة في العراق أصدر السيد الخوئي مجموعة من البيانات لإدارة الأمور ابّان الانتفاضة. يمكن أن يُنتزع من هذه البيانات المختلفة نظريّة في مجال الفكر السياسي للمذهب الإمامي، ألا وهي نظرية حفظ النظام. نظريّة حفظ النظام لها عدّة أبعاد.

البُعد الأول: حكم العقل بضرورة حفظ النظام.

إن ما يحكُم به العقل من دون تأثّر لا بِدِين ولا بنظريّات وضعيّة، لو خُلّينا نحن والعقل فإن العقل يُقرّر أن الواجب هو حفظ النظام يعني النظام الاجتماعي، أن لا يحصل اختلال في النظام الاجتماعي. لابد من وجود نظام يحفظ الأنفُس والأعراض والأموال ويُقيم العدالة، ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى. وجود نظام هذا مما يحكُم به العقل بالضرورة وإلا لزم الهرج والمرج وتحوّل المجتمع الإنساني إلى مجتمع متوحّش يأكل بعضه بعضًا. فالنجعل منطلقنا ما يحكم به العقل من ضرورة حفظ النظام.

البُعد الثاني: مطاطية حاكمية القانون الإسلامي.

لو جعلنا المدار في الحكم على القانون الإسلامي، أي أن الحاكميّة لله عبر قوانين، إذا صارت الحاكمية للقانون الإسلامي، فهذه كلمة مطّاطة، القانون الإسلامي بأي نظر؟ بعد التفاتنا إلى اختلاف الفقهاء سنّة وشيعة في تحديد مواطن القانون، بعد التفاتنا إلى اختلاف فقهاء الشيعة أنفسهم في بنودٍ عديدة من القانون. إذن أي قانون إسلامي تكون له صلاحيّة الحاكميّة؟ بالتالي كلمة الحاكميّة لله لا تحفظ النظام لأنه سيحصل بالنتيجة اختلاف. يُفترض بما أننا جعلنا المُنطلق هو حفظ النظام، إذن لا يمكن أن ينحفظ النظام مع الاختلاف في بنود القانون الحاكم إما بين المذهب السني أو الشيعي وإما بين فقهاء الشيعة أنفسهم.

وأيضًا لو قلنا بأن المرجع هو القانون الوضعي. افترض نعتمد القانون الفرنسي، نعتمد القانون المصري، بأي مرجّح؟ بماذا رجّحنا هذا القانون على غيره؟ لماذا جعلنا المرجعيّة للقانون الفرنسي دون القانون المصري دون القانون الآخر؟ ما هو المُرجّع العقلي لهذا القانون على ذلك؟ إذن بالنتيجة: بما أن المُنطلق هو حفظ النظام، نقول اللازم مراعاة ثوابت الإسلام، يعني ما اتُّفق عليه من الإسلام. ومراعاة ثوابت الأصول الإنسانية، يعني ما اتفق عليه المجتمع البشري من قِيَم وأُصول إنسانية. بمراعاة ثوابت الإسلام وثوابت الإنسانية، يعني ما اتفقت عليه الأُمم من قِيم وأُصول، نكون قد حفظنا ثمانين بالمئة من القانون ومن الدستور. بعد ذلك تأتي موارد الاختلاف. موارد الاختلاف تجري وفق الدليل الأقوى، البرهان الأقوى، الرأي الأكثر، الأكثر إقناعًا من غيره، وهكذا.

البُعد الثالث: تأثر حفظ النظام باختلاف الزمكان.

بما أن المُنطلق هو حفظ النظام، فمن الواضح أن حفظ النظام يختلف باختلاف العصور ويختلف باختلاف المجتمعات وليس له ضابطة واحدة. تأتي مثلًا إلى بعض المجتمعات الأفريقيّة التي تسود فيها لغة التوحّش. لا يمكن حفظ النظام في مثل هذه المجتمعات عن طريق صندوق الاقتراع لأن هذه المجتمع لا يعيش ثقافة الاقتراع ولا ثقافة الانتخاب أبدًا. إذن حفظ النظام في مثل هذا المجتمع يتم باجتماع أهل الحلّ والعقد على انتخاب سلطة سياسية من خلالها يمكن تأمين القانون الذي ينحفظ به النظام.

وأما إذا افترضنا أن المجتمع مجتمع متحضّر يفهم لغة الانتخاب ولغة الاقتراع ولغة التمييز بين ما هو صلاح وما هو ليس بصلاح، هنا ينحفظ النظام عن طريق صندوق الاقتراع. لو فرضنا ولاية الفقيه، قلنا أن النظام الحاكم هو ولاية الفقيه، النظام الحاكم هو ولاية الفقيه هذا قد لا ينحفظ به النظام في حقّ من لا يرى هذه النظريّة، في حقّ من لا يرى هذا المبدأ. فما دام المُنطلق هو حفظ النظام، إذن بالنتيجة لكل مجتمع أسلوبه الذي به ينحفظ نظامه. إما أن يكون أسلوب الحكم هو سلطة مَلَكيّة أو سلطة دستورية أو سلطة برلمانيّة عن طريق صندوق الاقتراع والانتخاب، في كل مجتمع بحسبه بحسب ما ينحفظ به النظام.

إذن هناك عّدة نظريات في مجال الفكر السياسي لدى الإماميّة انطلاقًا من المحاور السابقة التي ذكرناها. هذا كلّه في فرض عدم وجود الإمام المعصوم، وإلا مع وجود المعصوم، النصوص واضحة في أن السلطات الثلاث بيَد المعصوم، ”ألست أولى لكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: فمن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه“، الولاية التي هي لي في السلطة التشريعية، في السلطة التنفيذيّة، في السلطة القضائيّة تثبل لعليّ وأهل بيته من الأئمّة المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ومن هذا المُنطلق جاءت حركة الحسين ، ”ولعمري ما الإمام إلا القائم بالحق أدّاء بالقسط الحابس نفسه على ذات الله“. لقد سمعنا من رسول الله أنه قال: ”من رأى منكم سلطانًا جائرًا مستحلًّا لحُرَمِ الله ناكثًا لعهد الله فلم يُغيّر عليه بقول ولا بفعل كان حقّا على الله أن يُدخله مدخله“.

الدور الإعلامي في ثورة الحسين (ع)
أهمية النقد والحرية الفكرية