نص الشريط
ماهو الميزان في كون الإمامة من أصول الدين
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 28/2/1436 هـ
مرات العرض: 2043
المدة: 00:58:00
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (1101) حجم الملف: 11.2 MB
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَٰكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ

صدق الله العلي العظيم

انطلاقًا من الآية المباركة، نتحدث في محاور ثلاثة حول النبوة:

  • في أصالة النبوة.
  • في المعيار في كون الشيء أصلا من أصول الدين.
  • في معنى خاتمية النبوة.
المحور الأول: أصالة النبوة.

نحن نعتقد أن الدين يبتني على أصول خمسة: التوحيد، العدل، النبوة، الإمامة، المعاد. من هنا ينبثق السؤال: ما معنى أن هذه الأمور الخمسة أصول للدين؟ لماذا نعتبر النبوة أصلا؟ ولماذا نعتبر المعاد أصلا من أصول الدين؟ من أجل أن نفهم هذه النقطة التي ذكرها علماء الإمامية، لا بد أن نفهم الدين، ما معنى الدين؟ إذا فهمنا معنى الدين، عرفنا لماذا تكون هذه الأمور الخمسة أصولا للدين. الدين يحتاج إلى أسس، يحتاج إلى أركان، لماذا أصبحت الأركان والأسس للدين هي هذه الأمور الخمسة؟ هذا يتوقف على فهم معنى الدين، وما هو الدين.

عندما نرجع إلى القرآن الكريم لنقتنص معنى الدين، نجد القرآن الكريم يقول: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ، ما هو الدين الذي أُوصي به نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ؟ الدين تشرحه آية أخرى، وهي قوله عز وجل: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ، الكتاب والميزان هو الدين، والقسط هو العدالة، أي أن الدين هو نظام العدالة. الدين بحسب تعريف القرآن هو نظام العدالة، الدين الذي بُعِث به نوح وإبراهيم وموسى وعيسى هو نظام العدالة، نظام يتكفل تطبيق العدالة على الأرض، ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ.

إذا عرفنا أن الدين هو نظام العدالة، فإن نظام العدالة يحتاج إلى أسس، كيف يمكن أن يكون النظام نظام عدالة، نظاما يتضمن تطبيق العدالة، من دون أسس، من دون أركان، من دون أصول؟ ما هي الأركان التي لا بد منها عقلا حتى يصبح الدين نظام عدالة؟

الأصل الأول: التوحيد.

الله واحد في ذاته، وواحد في صفاته، وواحد في أفعاله، هذه تُسمَى الوحدانية المطلقة. واحد في ذاته: يعني لا يوجد موجود والوجود نابع من ذاته إلا الله تعالى، وكل الموجودات غيره فإن وجودها نابع من غيرها. الموجود الذي وجوده عين ذاته فلا يحتاج أن يكتسب الوجود من غيره، هو الله، وهذا معنى واحد في ذاته. واحد في صفاته: تعني أن علمه وقدرته وحياته هي عين ذاته، فكما أن ذاته لا حد لها، فعلمه وقدرته وحياته لا حد لها. واحد في أفعاله: يعني أن الخلق والرزق والإحياء والإماتة لا يشاركه فيها غيره.

القرآن يقول: ﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ، ﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يعني واحد في ذاته، ﴿الْحَيُّ يعني واحد في صفاته، ﴿الْقَيُّومُ القيومية تعني إدارة الكون، يعني واحد في أفعاله. هذه الوحدانية المطلقة يحتاج إليها الدين أصلا من أصوله، لماذا؟ لأن الدين نظام عدالة، ولا يمكن أن يكون النظام نظام عدالة إلا إذا كان المنظِّم واحدا. وبمجرد أن يتعدد المنظِّم، يتعدد النظام، وبمجرد أن يتعدد النظام يحصل الاختلال، وإذا حصل الاختلال، لم يمكن تطبيق العدالة.

الأمر نفسه بلحاظ عالم التكوين، عالم التكوين وضع الله له نظاما. هذا الكون الذي تراه أمامك هل يمشي بدون نظام؟ طبعا لا، حركة الأرض تتبع نظاما، حركة المجموعات الشمسية تتبع نظاما، جسم الإنسان يمشي على ضوء نظام. لا شيء يمشي بدون نظام، ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ يعني: إن هناك نظاما. والله كما وضع نظاما للكون، فإنه وضع نظاما للمجتمع، وسماه الدين، فهناك نظام تكويني، وهناك نظام تشريعي لإدارة المجتمع.

النظام التكويني يحتاج إلى منظم واحد، لو كان لهذا الكون منظِّمان، لكان له نظامان، ولو كان للمجموعات الشمسية نظامان لحصل الاختلال والتداخل، لأن كل منظٍّم يضع بصماته في نظامه. يستحيل في المنظِّم أن ينفصل نظامه عن بصماته وخصائصه. مدير شركة يضع نظاما للشركة يعني يضع بصماته في النظام، مقنن يؤسس لنا قانونا يعني يضع بصماته في النظام.

المنظِّم يضع خصائصه وبصماته في النظام الذي يبدعه، فلو كان في الكون إلهان، لكان هناك منظِّمان، ولو كان هناك منظِّمان، لكان هناك نظامان، وكل نظام يختلف عن الآخر، لأن كل نظام يحمل خصائص وبصمات منظِّمه، وإذا اختلفت الأنظمة اختلت مسيرة الكون. وهذا ما عبر عنه القرآن بقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا يعني: يصبح هنالك اختلال كوني، لأن هناك نظامان مختلفان. إذن، كما أن الكون لا تنضبط مسيرته إلا بنظام واحد، من منظِّم واحد؛ فكذلك المجتمع لا تنضبط مسيرته ولا تتحقق فيه العدالة إلا بنظام واحد، من منظِّم واحد. من هنا صار التوحيد أصلا من أصول الدين.

الأصل الثاني: العدل.

العدل ليس له خصوصية، ماذا يعني ليس خصوصية له؟ في الواقع، الأصل الثاني هو الكمال، أن الله كامل، هو عين الكمال ولا يعرضه النقص: لا يعرضه الفقر، ولا تعرضه الحاجة، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ هو الغني المطلق. إذا كان الله واحدا في ذاته، وواحدا في صفاته، وواحدا في أفعاله؛ فهو إذن كامل.

فالأصل الأول يؤسس للأصل الثاني، أي: مقتضى وحدانيته المطلقة أنه تعالى عين الكمال ومحض الكمال. فالأصل الثاني هو - في الواقع - الاعتقاد بالكمال المطلق، فلماذا قلنا العدل؟ لأن العدل أظهر صفة من صفات الكمال، أظهر صفة من صفات الكمال هي العدل، أظهر مصداق من مصاديق الكمال هو العدل. مقتضى وحدانيته كماله، ومن كماله عدله، لأن الإنسان الكامل لا يظلم، فكذلك الخالق الكامل لا يظلم ”وإنما يحتاج إلى الظلم الضعيف“، كما ورد عن الإمام أمير المؤمنين علي ، فمقتضى كماله عدله.

لماذا صار العدل أصلا؟ يعني لماذا صار الكمال أصلا؟ لأن نظام العدالة لا يمكن أن يصدر إلا من منظِّم عادل، فإن فاقد الشيء لا يعطيه، وهذا أمر بديهي. إذا قلنا الدين نظام عدالة، فلا محالة أن يكون المنظِّم عادلا، فينتج تلقائيا أن يكون العدل أصلا من أصول الدين، ركنا من أركان الدين. لماذا؟ لأن الدين نظام عدالة، ونظام العدالة يحتاج أن يفيضه موجود عادل، كله عدل، فيفيض نظام العدالة، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.

الأصل الثالث: المعاد.

قبل أن ندخل النبوة والإمامة، نقفز إلى الأصل الأخير، مقتضى عدالته عز وجل وجود يوم للجزاء، وإلا لن تكون عدالة، لو لم يكن هناك يوم للجزاء يُنتصَف فيه للمظلوم، ويعاقَب فيه الظالم، ويثاب فيه المطيع، ويعاقَب فيه العاصي؛ لكانت الحياة ظلما. ما هي هذه الحياة؟ أيام معدودة تُتداول بين الناس، ثمانون سنة تنتقل من واحد لآخر، خمسون سنة تنتقل من واحد لآخر، ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ لو لم يكن هناك يوم آخر غير هذه الحياة المادية، لكان وجودنا ظلما. لماذا؟ لأن المظلوم يعيش بائسا منكسرا وتنتهي حياته، والظالم يعيش مستبدا وتنتهي حياته، والمطيع يُتعب نفسه في الطاعة وتنتهي حياته، والعاصي يهدر طاقته في المعصية وتنتهي حياته. لو لم يكن هناك يوم يُعوَّض فيه المظلوم، ويُعوَّض فيه المطيع، لكان وجودهما في الحياة ظلما لهما.

الدين نظام العدالة، ونظام العدالة يحتاج إلى منظِّم واحد، وأن يكون هذا المنظم عادلا، واحتاج نظام العدالة إلى يوم جزاء يُعاقب فيه العاصي، ويثاب فيه المطيع، حتى يتبين لنا أن الدين نظام عدالة. من هنا فهمنا ما معنى كون الشيء، كون المبدأ أصلا من أصول الدين، معنى كون الشيء أصلا من أصول الدين هو: إن الدين نظام عدالة، ويتوقف تحقيق العدالة عليه، لذلك يكون هذا الشيء أصلا من أصول الدين.

المحور الثاني: المعيار في كون الشيء أصلا من أصول الدين.

النبوة والإمامة، لماذا اعتبرناهما أصلين من أصول الدين؟ النبوة والإمامة متلازمان، متداخلان، خط واحد، منهج واحد، ما هو هذا المنهج؟ هذا المنهج الذي يعبر عنه القرآن بالحجية والهداية، تارة يقول القرآن: ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ يعني: النبوة هي الحجية، معنى كون الشخص نبيا هو أن يكون حجة: الله يحتج به على الناس، والناس تحتج به على الله. الإمامة تعني الهداية، القرآن يقول: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ.

إذن، النبوة تساوي الحجية، والإمامة تساوي الهداية. الهداية تحتاج إلى الحجية، فلو لم يكن حجة لما استطاع أن يهدي، والحجية - أيضا - لا تتم إلا بالهداية، فهما مترابطان، ﴿أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ. لماذا النبوة والإمامة أصلين من أصول الدين؟ الدين نظام عدالة، فهل يمكن أن يتحقق نظام عدالة بدون قيادة عادلة؟ نظام العدالة يحتاج إلى قيادة عادلة، والقيادة العادلة هي التي تحمل الدين تشريعا وتطبيقا. يعني: هذه القيادة هي سلطة تشريعية وسلطة تنفيذية، هي السلطة التشريعية، يعني: هي التي تبرم القوانين التي تؤدي إلى العدالة وتضمن الحقوق، وفي نفس الوقت، هي سلطة تنفيذية تقوم بتطبيق العدالة بحذافيرها وأداء الحقوق إلى أهلها. فالنبوة والإمامة يشتركان في نقطة واحدة، هي القيادة العادلة. بما أن الدين نظام عدالة، ونظام العدالة يحتاج إلى قيادة عادلة تشريعا وتطبيقا، فإذن النبوة والإمامة من أصول الدين.

ولذا نقول أن الرسول الأعظم ، كلها مدة دعوته ثلاث وعشرون سنة، ثلاث عشرة سنة في مكة، وكان فيها محاصرا، ولم يكن يستطيع أن يقوم بأي دور سوى تبليغ بعض الأحكام، وعشر سنوات في المدينة لم تكن كافية لتطبيق نظام العدالة، عشر سنوات لا تكفي لأن يبرز الرسول جميع الأنظمة التي تتكفل العدالة، ويقوم بتطبيق جميع القوانين التي تخدم العدالة. وبما أن عمر النبوة لم يكن كافيا في إبداع نظام العدالة؛ فالنبي ابتدأ هذا النظام، واستمر هذا النظام بيد علي وأهل بيته صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. استمر هذا النظام بوجود الأئمة الطاهرين ”ألا فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه كيفما دار“.

أصالة الإمامة وشبهة التكفير:

لعل أحدا يسأل: إذا كنتم تعتبرون الإمامة أصلا من أصول الدين؛ فهذا يعني أن من لا يعتقد بالإمامة لا دين له؟ يعني: أنتم بكلمة صريحة تقولون: من لم يعتقد بالإمامة فهو خارج عن الدين، لأنكم ترون أن الدين مؤسَس ومنوط بأصول خمسة، فمن لا يعتقد بهذا الأصل الرابع «الإمامة» فهو خارج عن الدين؟ يعني: أنتم تكفرون الناس، وتخرجون الناس عن الدين؛ لأنهم لا يقولون بالإمامة، ولا يرون مبدأ الإمامة؟!

الجواب: هنا خلط واشتباه، بيانه: الدين له صفات، والقرآن تعرض لها، من صفات الدين أنه مبدأ الحياة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ يعني: الدين مبدأ الحياة، من صفات الدين: أنه نظام عدالة: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ، أنه دين الإسلام: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، ﴿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ.

إذن، للدين صفتان: صفة أنه نظام عدالة، وصفة أنه إسلام، ماذا يعني أنه إسلام؟ يعني أنه إسلام الروح لله عز وجل. إذن للدين صفتان: صفة اجتماعية: أنه نظام عدالة، وصفة روحية: أنه إسلام لله، إسلام الروح لله عز وجل. إذا قرأنا الدين بالصفة الأولى يختلف الحكم عما إذا قرأنا الدين بالصفة الثانية.

إذا قرأنا الدين من خلال الصفة الأولى، الصفة الاجتماعية، أنه نظام عدالة؛ فحينئذ نرى الدين يرتكز على أصول خمسة. إذا قرأنا الدين من زاوية أنه نظام عدالة، نرى أنه يرتكز على أصول خمسة، ويستحيل أن يكون الدين نظام عدالة بدون هذه الأصول الخمسة. أما إذا قرأناه من الصفة الثانية، من الزاوية الثانية، أنه إسلام لله؛ فهنا لا يتوقف على الأصول الخمسة، لماذا؟

الجواب: لما ورد عن النبي : ”من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، حرم ماله ودمه وعرضه“، وورد عنه : ”الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، به حُقِنت الدماء، وجرت المناكح والمواريث“. إذن هناك صفتان للدين، ولسنا نخرج أحدا من الدين، نحن نقول: هناك صفتان للدين، الصفة الأولى أنه نظام عدالة، وهذه الصفة لا تتحقق إلا بأصول خمسة، وأما الصفة الأخرى أنه دين الإسلام - ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلَامُ - فهذه الصفة الثانية يكفي في تحققها الشهادتان، من شهد الشهادتين حقق الدين بصفته الثانية.

لسنا نقول كلاما فارغا لا معنى له، بل هو كلام حقيقي واقعي، الدين بصفته الثانية - وهي صفة الإسلام - لا يتوقف على الأصول الخمسة، وإنما يكفي فيه الشهادتان. لذلك، جميع من يتشهد الشهادتين فهم عندنا مسلمون، لا يجوز تكفيرهم، ولا يجوز الاعتداء عليهم، دماؤهم وأعراضهم وأموالهم وحقوقهم وكراماتهم كلها محفوظة، تماما كالمسلم الإمامي، لا فرق، الجميع مسلمون.

إذن، هذا السؤال لا يتوجه، يعني: إذا الدين أصوله خمسة، فالآخرون خارجون عن الدين. لا، لا بد من التمييز، فنحن نتحدث عن صفتين من صفات الدين: صفة اجتماعية، وهي أنه نظام عدالة، هذه الصفة ترتكز على الأصول الخمسة، وصفة روحية، أنه إسلام لله، وهذه الصفة الثانية يكفي فيها الشهادتان، فمن شهد الشهادتين فهو مسلم، لا يفترق عن غيره من المسلمين، فقد أسلم وجهه لله.

المحور الثالث: خاتمية النبوة.

نلاحظ القرآن الكريم يقول: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ. هناك فرق بين الرسول والنبي، النبي هو من يوحى إليه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ، والرسول من يأتي بشريعة جديدة: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا. شعيب وصالح وهود كانوا يسيرون على شرائع من قبلهم؛ ولم يكن لهم شرائع، فهؤلاء أنبياء وليسوا رسلا، وأما نوح وإبراهيم وموسى وعيسى فأتوا بشرائع، ولم يعتمدوا على شرائع من قبلهم، وإنما أتوا بأحكام وقوانين تتعلق بالعبادات والمعاملات، النبي الذي يأتي بنظام يسمى رسولا. محمد نبي رسول، وخاتم النبيين. ماذا تعني خاتمية النبوة؟ خاتمية النبوة لها معنيان: معنى ظاهري، ومعنى باطني عميق.

المعنى الظاهري هو أنه آخر من أوحي إليه، آخر الأنبياء، وقد قال في حديث المنزلة لأمير المؤمنين علي : ”يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي“، وقال له في يوم آخر: ”يا رسول الله، إني أسمع رنة“، قال: ”إنها رنة الشيطان يئس من عبادته إلى عبادة الله، إنك لتسمع ما أسمع وترى ما أرى، غير أنك لست بنبي“، النبي هو من يوحى إليه، آخر من أوحي إليه هو النبي ، وهذا هو المعنى الظاهري.

المعنى الباطني هو أن خاتمية النبوة بمعنى أكمل درجات النبوة تحققت في شخصية النبي ، كيف؟ النبوة هي انكشاف عالم ما وراء المادة لرجل في عالم المادة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ. نحن جميعا نعيش في عالم المادة، فهل انكشف لنا ما وراء المادة؟ لا، نحن الآن عمي لا نرى شيئا، لكن عند الموت يحصل لنا انكشاف عالم ما وراء المادة: ﴿لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ سنرى بعد الموت عوالم غريبة مليئة بالأرواح والأشباح والجن والملائكة وأصناف من الموجودات ما كنا نراها من قبل.

أما الرسول وهو يعيش على الأرض لكن انكشف له ما وراء المادة. القرآن يتكلم عن إبراهيم : ﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. إذن، النبوة هي انكشاف عالم الملكوت، عالم ما وراء المادة. الانكشاف له درجات، فكل نبي أخذ منه درجة. في عالم المادة، الانكشاف درجات: فواحد عنده أخبار قريته، وآخر عنده أخبار المنطقة، وثالث عنده أخبار الشرق الأوسط، وواحد عنده أقوى جهاز استخبارات فكل شيء يجري في الأرض فهو يصل إليه. أيضا، عالم ما وراء المادة له درجات في الانكشاف، موسى حصل على درجة، وعيسى حصل على درجة، وهكذا كل نبي .

أما من انكشفت له العوالم كلها: عالم اللاهوت وهو عالم أسماء الله وصفاته، وبعده عالم الجبروت وهو عالم العقول، وبعده عالم الملكوت وهو عالم الأرواح، وبعده عالم المادة وهو العالم الذي نتصارع عليه وليس إلا عالما صغيرا. الذي انكشفت له العوالم كلها، وكانت تحت ولايته من أصغر ذرة إلى أعظم مجرة فهو محمد .

ليس هذا كلامنا، بل القرآن الكريم يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ يعني: ليس لعالم الأرض فقط، كما أنه قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فهل الله رب عالم الأرض فقط؟! العالمين يعني جميع العوالم. فهو رحمة للعوالم كلها بمراتبها الطولية والعرضية. إذن، معنى الخاتمية هو أنه حصل على أعلى درجات الانكشاف، هو أنه أحاط بالعوالم كلها، هو أنه بُعِث رحمة للعوالم كلها؛ فهو مبدأ النبوات وهو خاتمها .

وأحسن منك لم ترَ قط عيني
خُلِقت  مبرأ  من  كل  iiعيب
  وأجمل  منك  لم تلد iiالنساءُ
كأنك  قد  خُلِقت  كما iiتشاءُ

النبي رحمة للعالمين، كان رحمة على أعدائه ولجيرانه ولأصحابه، وكان رحمة لذريته وعترته. كان رحمة على أعدائه، النبي يخرج إلى الطائف يدعوهم إلى الإسلام، فيأمرون صبيانهم وسفهاءهم بأن يقذفوا النبي بالحجارة، فتتوالى الأشواك والحجارة على بدنه، فينزف بالدماء، إلى أن يأتي إلى جدار حائط فما ولول ولا أعول ولا تظلم أو تشكى، بل ابتسامة وهدوء يرفع يده إلى السماء وقال: اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون.

كان رحمة على جيرانه، أول ما سكن المدينة، كان من جيرانه رجل يهودي وعرف أن هذا هو النبي فكان يلقي القمامة في طريقه ويهينه، في يوم من الأيام فقده رسول الله، فقال: أين الرجل اليهودي؟ قيل: إنه مريض، فعاده رسول الله ، ودخل عليه بيته مبتسما منشرحا، وأغدق عليه عطاءه وفضله، فما تمالك الرجل اليهودي حتى قال: مد يدك، أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله.

وكان رحمة لأصحابه، إذا جلس معهم لا يتميز عليهم، وإنما يجلس في وسط الدائرة، وإذا خرج معهم يعينهم، خرجوا إلى سفر، فقالوا: نحتاج إلى طعام، قال أحدهم: عليّ ذبح الشاة، وقال آخر: عليّ سلخها، وقال ثالث: عليّ طبخها، فقال رسول الله: وعليّ جمع الحطب، فقالوا: إنا نكفيك يا رسول الله، فقال: علمت أنكم تكفونني ولكني أكره أن أتميز عليكم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ، ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ.

وكان رحمة على ذريته وعترته، يصعد المنبر فيدخل الحسين فيعثر في رجله، فلا يتمالك الرسول فينزل عن المنبر ويحمل الحسين ويضعه في صدره ويقبِّله ويقول: اللهم إني أحبه فأحب من يحبه. وأما فاطمة - وما أدراك ما فاطمة - وجوده كله في فاطمة، فاطمة هي التي تمثله، ما بقي من نسله إلا فاطمة. كان إذا أقبلت قام إليها وقبّل ما بين عينيها وأجلسها أمامه وجلس بين يديها ويقول: مرحبا بأم أبيها حدثيني يا ابنتي يا فاطمة، ”فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها ويؤلمني ما يؤلمها“. ويقف على باب بيتها كل صباح وقت صلاة الفجر ويقول: السلام عليكم أهل البيت ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا.

الإسلام يواكب الحضارة
أم الكتاب في القرآن الكريم