نص الشريط
أحيوا أمرنا
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مسجد الإمام علي (ع) بالقطيف
التاريخ: 27/12/1431 هـ
مرات العرض: 6475
المدة: 00:36:38
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (1770)
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين

ورد عن الإمام الباقر وهو يخاطب الفضيل بن يسار - أحد أصحابه - ويقول له: ”يا فضيل! أتجلسون وتتحدثون؟“ قلتُ: بلى سيدي، قال: ”إنّي أحبّ تلك المجالس، فأحيوا فيها أمرنا، من جلس مجلسًا يحيا فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب“.

وهنا عدّة محاور نتحدّث فيها انطلاقًا من هذا الحديث الشريف:

المحور الأوّل: ما معنى الموت والحياة؟

حيث قال: ”من جلس مجلسًا يحيا فيه أمرنا“ فكيف يحيا الأمر وكيف يموت؟

هناك خلافٌ بين علماء اللغة في أنّ الموت هل هو عدم الحياة أم هو فقدان الحياة؟

إذا قلنا بأنّ الموت هو عدم الحياة فإنّ الموجود قد يتّصف بالموت وإن لم يتّصف بالحياة، وأمّا إذا قلنا بأنّ الموت هو فقدان الحياة فلابدّ من أن يتّصف الموجود بالحياة أوّلاً ثم يتّصف بالموت، والفقهاء يرتّبون على هذا الخلاف اللغوي أثرًا في الفقه، مثلاً: الجنين، إذا سقط الجنين قبل ولوج الروح فيه، قبل أن يُوهَبَ الحياة، إذا سقط الجنين قبل ولوج الروح فهل يُعْتَبَر هذا الجنين ميتة أم لا يُعْتَبَر ميتة؟

إذا قلنا بأنّ الموت عدم الحياة يُعْتَبَر هذا الجنين ميتة؛ لأنّه ليس فيه حياة، فهذا الجنين ميتة وإذا كان ميتة يترتّب عليه آثار الميتة من كونه نجسًا؛ لأنّ الميتة عندنا من النجاسات، فمسّ الميتة برطوبة يوجب سراية النجاسة، فإذا قلنا بأنّ هذا الجنين ميتة إذن مسّه برطوبة يوجب سراية النجاسة إلى البدن، فيجب التطهير.

أمّا إذا قلنا بأنّ الموت هو فقدان الحياة «لابدّ أن يحيا أوّلاً ثم يتّصف بالموت» والمفروض أنّ هذا الجنين لم يحيَ؛ لأنّه سقط قبل ولوج الروح فيه، سقط قبل أن تُوهَب له الحياة فلا يسمّى ميتة؛ لأنّه لم يذق الحياة كي يذوق الموت، فإذا لم يسمَّ ميتة إذًن لا تترتّب عليه آثار الميتة، فلا يُحْكَم بنجاسته.

فهناك بحثٌ لغويٌّ في أنّ الموت هل هو عدم الحياة أو هو فقدان الحياة، وقلنا بأنّ هذا البحث اللغوي يترتّب عليه بعض الآثار الفقهيّة العمليّة وقد ذكرنا بعض الآثار.

المحور الثاني:

الإمام الباقر كما ورد عنه في هذه الرواية يقول: ”أتجلسون وتتحدثون؟“ قلتُ: بلى سيدي، قال: ”إنّي أحبّ تلك المجالس، فأحيوا فيها أمرنا“، هنا يتبادر للذهن سؤال، وهو: هل أنّ فكر أهل البيت قابلٌ للموت حتى يأمر الإمام بإحيائه؟! ما معنى قوله: ”فأحيوا فيها أمرنا“؟! هل أنّ فكرهم يقبل أن يموت؟! يمكن أن يموت؟! يمكن أن يعرض عليه الموت يومًا من الأيام ولذلك يأمر بإحيائه وإنقاذه من إمساك الموت به؟! مع أنّ الله عزّ وجلّ يقول: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، فنور أهل البيت الذي هو نور الله تبارك وتعالى يأبى الموت، يأبى العدم، يأبى المحو، فلماذا يأمر الإمام الباقر بإحيائه وإنقاذه من ربقة الموت مع أنّ فكرهم لا يقبل الموت ولا يقبل الفناء والزوال؟!

الجواب عن هذا السؤال بثلاثة وجوه:

الوجه الأوّل: أنّ المراد بالحياة في هذا الحديث الحياة الحقيقة بمرتبة دون مرتبة.

الفكر له حياة، كلّ فكر له حياة، ولكنّ الفكر قد يتعرّض للموت بمعنى المحو والزوال، وقد يتعرّض للموت بمعنى الإهمال والهجر، فالموت له درجتان:

1/ موتٌ بمعنى الفناء.

2/ موتٌ بمعنى الهجر والإعراض.

فكر أهل البيت لأنّه نور الله تبارك وتعالى يأبى الموت بتلك الدرجة، يعني بمعنى الفناء والزوال، لا يمكن أن يموت فكرهم وهو نور الله تبارك وتعالى، لكنّ فكرهم قد يتعرّض للموت بمعنى الإهمال والهجر.

السلطة الأمويّة سعت إلى إماتة فكر أهل البيت لا بمعنى محوه وإزالته، فإنّ هذا لا يمكن، ولكنّها سعت لموته بمعنى إهماله وهجره، أن يكون فكر أهل البيت مُهْمَلاً بين المسلمين، مهجورًا بين المسلمين، وإن كان فكرهم موجودًا لكنّه مُهْمَلٌ مهجورٌ مُعْرَضٌ عنه، سعت السلطة الأمويّة والسلطة العباسيّة آنذاك إلى أن تحوّل فكر أهل البيت إلى فكرٍ مهجورٍ لا يرغب فيه النّاس ولا يتعاطاه النّاس ولا يتبادله النّاس بكلّ ما أوتيت، على مستوى القضاء: ممنوع القاضي يقضي بقضاء علي، على مستوى الحديث: ممنوع المحدّث يحدّث عن علي، على مستوى المجالس: ممنوع أيّ مجلس يتكلّم عن علي... سعت السلطة الأمويّة أن تهجر فكر علي حتى وصل الأمر إلى أنّ المحدّث إذا أراد أن يتحدّث عن علي قال: رُوِيَ عن أبي زينب أنّه قال كذا وكذا.. لئلا يُعْرَف مَنْ الذي يروي عنه ومَنْ الذي يتحدّث عنه، ووصل الأمر إلى ما يقول الإمام الصادق : ”خالفوهم فالرشد في خلافهم“، خلاف مَنْ؟

خلاف علماء السلطان، علماء البلاط، «خالفوهم» يعني علماء البلاط وقضاة الجور، ”خالفوهم فإنّ الرشد في خلافهم“ لماذا؟

الإمام نفسه الصادق يقول: ”لأنّهم دأبوا ألا يقول عليٌ بقول إلا وخالفوه إلى غيره“، تتبّعوا كلمات علي فخالفوها، تتبّعوا أقوال علي فخالفوها، ”لأنّهم دأبوا ألا يقول عليٌ قولاً إلا وخالفوه إلى غيره“.

إذن قولهم، فكرهم، تراثهم، تراث علماء البلاط، تراث علماء السلاطين، تراثهم تراثٌ بُنِيَت جذوره وأصوله على مخالفة فكر علي ، لذلك قال: ”خالفوهم فالرشد في خلافهم“.

من هنا يتبيّن أنّ الخطّة الأمويّة كانت: محو ذكر أهل البيت ومحو فكر أهل البيت بمعنى إهماله وهجره والإعراض عنه، فلا يتعاطاه المسلمون ولا يتبادله المسلمون، من هنا جاء هذا الحديث عن الإمام الباقر : ”أحيوا أمرنا“ أي تداولوه، فإذا تداولتموه في المجالس، وإذا تناقلتم فكرنا في المجالس تحوّل من درجة الإهمال والهجر إلى درجة الحياة الحقيقيّة فأصبح فكرًا رائجًا، وأصبح فكرًا متبادلاً عامرًا في المجالس والنوادي والمنابر، ”فأحيوا فيها أمرنا، من جلس مجلسًا يحيا فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب“.

الوجه الثاني: أنّ المراد بالحياة الحياة الوجدانيّة «حياة القلوب».

القلوب تموت، والقلوب تحيى، القرآن الكريم يقول: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ، القلب يعمى، والمراد بعمى القلب وموت القلب ألا يصبح الإنسان ذا بصيرة، حتى المؤمن، المؤمن قسمان:

1/ مؤمنٌ ذو بصيرة.

2/ ومؤمنٌ ليس ذا بصيرة.

صاحب البصيرة هو الإنسان الذي عرف من أين وفي أين وإلى أين، المؤمن إذا عرف أين هو يمشي، هل هو يمشي في طريق الصواب أم يمشي في متاهةٍ وتخبّطٍ وصعودٍ ونزولٍ وانحدارٍ وارتفاعٍ؟! إذا عرف المؤمن أنّ طريقه الذي يمشي فيه صوابٌ مستقيمٌ فهو ذو بصيرة، ”رحم الله عبدًا عرف من أين وفي أين وإلى أين“، متى ما عرف الإنسان طريقه «أنّني أمشي على طبق طاعة الله، أنّني أمشي على طبق درب الله، وأنّ نهايتي إن شاء الله هي نهاية أولياء الله، هي نهاية أصفياء الله؛ لأنّني أمشي على دربٍ يرضي الله تبارك وتعالى» إذا عرف الإنسان طريقه عرف خاتمته، وإذا عرف خاتمته عرف بدايته، وأنّه اختاره الله تبارك وتعالى لهذا الطريق، طريق الله ودرب الله، فهذا الإنسان ذو بصيرة.

ولذلك لمّا استعر القتال يوم عاشوراء قال عمرو بن الحجّاج الزبيدي لعمر بن سعد: ”أتدرون من تقاتلون؟! إنّما تقاتلون فرسان المِصْرِ وأهل البصائر“، هؤلاء أصحاب بصيرة، هؤلاء ليسوا متخبّطين، هؤلاء لا يقاتلون عن تخبّط، عرفوا طريقهم فعرفوا خاتمتهم فعرفوا بدايتهم فساروا في الطريق باطمئنان وثبات واستقرار وصمود، إذن عمى القلب هو أن يصبح الإنسان بدون بصيرة، أعمى لا يدري أين يمشي، هذا أعمى القلب.

وأمّا بصير القلب والذي حيا قلبه فهو صاحب البصيرة، ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا، وحينئذٍ فالمراد من قوله : ”فأحيوا فيها أمرنا“ يعني أحيوا قلوبكم بأمرنا، الحياة القلبيّة، الحياة الوجدانيّة، فكرنا لا يحتاج إلى أن تحيوه، إنّما قلوبكم هي التي تحتاج إلى الحياة، ”أحيوا أمرنا“ أي: في قلوبكم، وإلا فأمرنا حيٌّ ظاهرٌ واضحٌ لا يحتاج إلى إحياء، الذي يحتاج إلى الحياة هو قلوبكم الميّتة، قلوبكم غير المبصرة هي التي تحتاج إلى نورنا، هي التي تحتاج إلى الحياة الحقيقيّة بالتنوّر بأنوارنا وبفكرنا، ”فأحيوا فيها أمرنا“.

ويؤيّد هذا المعنى الذيل المذكور في الرواية: ”من جلس مجلسًا يحيا فيه أمرنا لم يمت قلبه“.

الوجه الثالث: أنّ المراد بالحياة الحياة الاعتباريّة.

والمقصود بالحياة الاعتباريّة الحياة الإعلاميّة، يعني الآن مثلاً أضرب لك مثل: إذا جاء السلطان أو الملك إلى بلد ووضعوا الأعلام لاستقباله واللافتات المختلفة التي تُظْهِرُ الولاءَ وتُظْهِرُ التأييدَ لقدومه، وباركت الشركات والمحلات بعضها بعضًا لاستقبال السلطان والملك.. هذا نوع من الحياة، إحياءٌ لاسمه، إحياءٌ لذكره، لكنّها حياةٌ اعتباريّة، يعيني حياة مجازيّة، ليست حياة حقيقيّة، الحياة الإعلاميّة الصاخبة ليست حياةً حقيقيّةً، إنّها حياةٌ اعتباريّةٌ، حياة مجازيّة، ربّما يترتّب عليها أثرٌ وربّما لا يترتّب عليها أثرٌ، هذه الحياة الإعلاميّة أثرها أنّ الأجيال ترثها، يعني إذا المجتمع أحيا ذكر سلطانه وملكه الأجيال الصغيرة تتأثّر بذلك من دون أن تشعر، فتبقى على هذا النهج، وتبقى على هذا الخطّ، الحياة الإعلاميّة وإن كانت حياةً مجازيّةً اعتباريّةً لكنّها تؤثّر على أنفس الأجيال، تؤثّر على قلوب الأجيال التي ترث هذا التراث، التي ترث هذا الإعلام إلى أن يبقى عندها فتستمرّ عليه.

من المُحْتَمَل أن يكون المقصود بقوله : ”فأحيوا فيها أمرنا“ الحياة الإعلاميّة، يعني قوموا بوسائل إعلاميّة مختلفة لإبراز أمرنا وإبراز ذكرنا، الإمام الباقر أوصى بعد موته أن تندبه عشر جواري بمنى أيام منى، يعني تأتي عشرة جواري يجلسن على قارعة الطريق والنّاس تدخل إلى منى فيندبن الإمام الباقر، هذه حياة إعلاميّة، الأئمة عندما فتحوا المجالس واستقبلوا الشعراء والمعزّين واستقبل الصادق ذا الرمّة وقال: أنشدني في جدّي الحسين، فقال:

امرر على جدث الحسين
يا   أعظمًا  لا  زلتِ  من
وابكِ   المطهّر  iiللمطهر
كبكاء     معولةٍ     iiدنت


 
وقل    لأعظمه   iiالزكيّة
وطفاء    ساكبةً    iiرويّة
والمطهرة           النقيّة
يومًا    لواحدها   iiالمنيّة

استقبال الشعراء، إقامة المآتم، إقامة المجالس.. حياةٌ إعلاميّةٌ صاخبةٌ أثرها أنّ الأجيال ترث هذا الإعلام وترث هذه الشعارات وترث هذه العناوين إلى أن تحوّلها إلى خطّةٍ وعملٍ ومنهجٍ تبقى عليه وتستمرّ عليه.

إذن قول الإمام الباقر يحتمل الحياة الحقيقيّة، ويحتمل الحياة الوجدانيّة، ويحتمل الحياة الاعتباريّة الإعلاميّة، ويحتمل جميع المعاني التي تعرّضنا إليها في شرح هذا الحديث الشريف.

المحور الثالث: هناك فوائد تترتّب على هذا الحديث:

الفائدة الأولى:

قوله: ”يا فضيل! أتجلسون وتتحدثون؟“ قلتُ: بلى، قال: ”إنّي أحبّ تلك المجالس“، ما هو السرّ في رجحان تلك المجالس ومحبوبيّة تلك المجالس؟

السرّ فيها أنّ فيها ذكر أهل البيت، من هنا نعرف أنّ مجالسنا.. حتى مجالسنا الخاصّة التي نجلس فيها بالبيت، حتى جلوسنا مع أطفالنا، مع عائلتنا، حتى جلوسنا مع أصدقائنا، حتى جلوسنا مع شلّتنا.. أيّ مجلس كان ما لم يكن فيه ذكر أهل البيت فهو مجلس الموت، مجلسٌ ميّتٌ، المجلس الذي ينصهر بالأحاديث الدنيويّة، المجلس الذي ينصهر بالحديث عن الدنيا وعن الأموال وعن الثروات، المجلس الذي ينصهر بالحديث عن الرياضة والكرة واللعب، المجلس الذي ينصهر بالحديث في الغيبة والقيل والقال... مجالس ميّتة، مجالس ممقوتة، المجالس الحيّة هي المجالس العامرة بذكر أهل البيت، ولذلك أنت تقرأ في الدّعاء: ”أم رأيتني آلف مجالس البطّالين فبيني وبينهم خلّيتني“ مجالس البطّالين هي مجالس الموت، المجالس التي ليس فيها حياة، ليس فيها حياةٌ للقلب، ليس فيها ترقيقٌ للرّوح، ليس فيها ربطٌ روحيٌّ بين الروح وبين الله تبارك وتعالى، هذه مجالس البطّالين، هذه مجالس الموت، ”أم رأيتني آلف مجالس البطّالين فبيني وبينهم خلّيتني“، إذن ذكر أهل البيت هو حياة المجالس، ولو بأن نقرأ شعرًا عن علي ، ولو بأن نقرأ شعرًا في مدح محمدٍ وآله.

الفائدة الثانية:

المجلس له خصوصيّة ”من جلس مجلسًا“، «مجلس» في علم النحو اسم مكان، يعني مكانٌ يُجْلَس فيه، لذلك يقول الفقهاء: «مجلس البيع»، ”البيّعان بالخيار ما لم يفترقا فإذا افترقا وجب البيع“ يعني مادام البائع والمشتري في مجلس فلهما الخيار، بإمكان أيٍّ منهما أن يفسخ البيع «إذا ندم يقدر يفسخ البيع»، بينما إذا افترقا بمجرّد واحد يطلع من المجلس يُعْتَبَر البيع لازمًا لا يمكن فسخه، ”ما لم يفترقا فإذا افترقا وجب البيع“، للبيع مجلسٌ، ولذكر أهل البيت مجلسٌ، المجلس له خصوصيّة.

لذلك كثيرٌ من الإخوة الشباب وأولادنا الشّباب يقول: لا داعي إلى أن أحضر المآتم، صح؟! أنا أقعد بالبيت وأفتح التلفاز والحمد الله أشاهد قناة الأنوار وقناة الفرات وقناة الكوثر وقناة المنار وَ و.. إلى آخر القنوات، وأستفيد محاضرات ومواعظ ونصائح من دون حاجة إلى أن آتي إلى الزحمة والروائح والعرق والكلام...!! خلاص دعني أجلس في البيت مرتاحًا مستانس!

هذا لم يستفد النتيجة التي قالها الإمام، الإمام لم يقل: «من استمع إلى ذكرنا لم يمت قلبه»، لم يقل: «من سمع فضائلنا لم يمت قلبه»، قال: ”من جلس مجلسًا يحيا فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب“، إذا أراد حياة القلب، إذا أراد نور القلب، إذا أراد انفتاح القلب، فعليه أن يجلس مجلسنا، مجلسنا هو المجلس العامر بالنّاس الذين يحيون ذكرنا ويحيون فكرنا، المآتم، المواكب.. هذه هي مجلسنا، حياة القلب بحضور مجالسهم، فهي موائدهم النيّرة المعطاء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

حتى لو كان الخطيب لا يعجبنا، الآن عشرة محرم قادمة، كثيرٌ من الخطباء لا يعجبوننا، ربّما كلّ الخطباء لا يعجبوننا! لكن أحضر، أحضر لإحياء الأمر، أحضر لكي أنوّر قلبي بنور أهل البيت، أحضر لكي أًشْرَك في أنصار الحسين، أنا أريد أن أُعْتَبَر من أنصار الحسين ولو يومًا من الأيام، ولو يومًا من الأيام تكتب الملائكة: «فلان من أنصار الحسين.. فلان من أعوان الحسين»، إنّما أُكْتَب في أنصار الحسين إذا حصرتُ مجالس الحسين وعمرتُها بحضوري ومشاركتي، حينئذٍ أُكْتَب من أنصار الحسين.

الفائدة الثالثة:

قال: ”يوم تموت القلوب“، ما المقصود «يوم تموت القلوب»؟

طبعًا المقصود يوم القيامة، لكن ما معنى «يوم القيامة تموت القلوب»؟! هل تموت القلوب يوم القيامة؟! القلوب يوم القيامة حيّةٌ؛ لأنّه يوم الشهود، يوم الجزاء، يوم الجنّة والنّار، فكيف تموت القلوب؟! كيف تموت القلوب يوم القيامة ”لم يمت قلبه يوم تموت القلوب“؟! ما هو موت القلوب؟

موت القلب بالخوف، أعظم نعمة أنعم الله بها على الإنسان: الأمن، ليس الأمن الخارجي، بل الأمن النفسي، يعني الاطمئنان والهدوء، الإنسان الذي يعيش قلقًا إنسانٌ ميتٌ، ميّتٌ قلبه، القلق هو موت القلب، الإنسان الذي يعيش قلقًا «قلق لمستقبله، قلق لحياته، قلق في صحّته، قلق في علمه، قلق في ثقافته...» كلّ إنسانٍ يعيش قلقًا فهو ميّت القلب، القلق هو موت القلب، والاطمئنان والهدوء هو حياة القلب، ولذلك ركّز القرآن على الاطمئنان لأنّه حياة القلب ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ، ويقول القرآن الكريم: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ هذه هي النفس الحيّة، ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً، ويقول القرآن الكريم: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ يعيشون اطمئنانًا وهدوءً وثباتًا.

أعظم نعمة هي حياة القلب، وحياة القلب هي الأمن والاطمئنان، الأمن في الدنيا والأمن في الآخرة، فماذا يفيد إذا كنتُ في الدنيا آمنًا «جنبي الحرّاس والخدم الذين يحرسونني» ولكنّني في الآخرة قلقٌ خائفٌ؟! الأمن الحقيقي الأمن يوم الخوف، فموت القلوب هو الخوف والقلق الذريع الذي يصيب القلب إذا قامت الساعة، هذا الخوف والقلق الذريع هو الموت، والحياة أن تقوم الساعة وأن مطمئنٌ بالحسين ، ”اللهم اجعلني عندك وجيهًا بالحسين، اللهم اجعل لي قدم صدقٍ عندك مع الحسين وأصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين “.

الاطمئنان والأمن النفسي إذا قامت الساعة هو الحياة، فهناك قلوبٌ تموت، يقتلها الخوف، وهناك قلوبٌ تحيى، يملأها الأمن ويعمرها الاطمئنان، ”من جلس مجلسًا يحيا فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب“، يأتي آمنًا مطمئنًا هادئًا ثابتًا، وفي رواية أخرى: ”كلّ عينٍ باكيةٌ يوم القيامة إلا ثلاث: عينٌ بكت من خشية الله، وعينٌ غضّت عن محارم الله، وعينٌ بكت على أبي عبد الله“، هذا البكاء إحياءٌ لأمر أهل البيت، والمشاركة في البكاء إحياءٌ لأمر أهل البيت، وإحياء أمر أهل البيت حياةٌ للقلب وحياةٌ للاطمئنان والهدوء والثبات في القلب، ”لم يمت قلبه يوم تموت القلوب“.

وهذا موسم محرّم يقبل علينا ووظيفتنا ومسؤوليتنا إحياء أمر أهل البيت بإعمار المجالس والمواكب والنوادي وجميع ما يرتبط بأهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم بمختلف ما عندنا من طاقات وقدرات ووسائل، العزيز الناجح الفائز الذي يفوز هذه الأيام بخدمةٍ للحسين ، الذي يقوم بأدنى خدمةٍ في هذه الأيام يفوز بالظفر الحسيني، ويُحْشَر إن شاء الله مع الحسين وأنصار الحسين، ولكن بشرط الإخلاص؛ لأنّ خدمة الحسين عبادة، والعبادة مشروطةٌ بالإخلاص، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، الإخلاص بمعنى أن يقصد التقرّب إلى الله تبارك وتعالى، ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا.

البحث عن الألقاب، البحث عن التنافس، البحث... كلّ هذا موانع عن القبول، أقيم المأتم لله لا للمنافسة، الخطيب، المستمع، المأتم.. كلّ من يشارك في خدمة الحسين وإحياء أمر الحسين متى ما قصد التنافس ومتى ما قصد المغالبة ومتى ما قصد البروز ومتى ما قصد أن يظهر اسمه وعنوانه فقد أحبط عمله، ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا، ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء.

إذن علينا أن نطلب الحياة الحقيقيّة لقلوبنا بأن نعمرها في هذه الأيام العظيمة بذكر الحسين وبخدمة الحسين وبنصرة الحسين ، إن لم يجبك بدني عند استغاثتك ولساني عند استنصارك فقد أجابك قلبي وسمعي وبصري يا أبا عبد الله

الشهادة مسؤولية العلماء
الشخصية المبدئية