نص الشريط
درس القواعد الفقهية - الدرس 11
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 14/12/1436 هـ
مرات العرض: 1844
المدة: 00:15:08
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (326) حجم الملف: 13.8 MB
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

ذكرنا فيما سبق: أن تنقيح المسألة يتوقف على تحليل مفهوم العدالة، والمرجع في ذلك الروايات الشريفة، وأهمها: صحيحة عبد الله ابن يعفور، عن أبي عبد الله : «بمَ تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تجوز شهادته لهم وعليهم؟، قال : من تعرفوه بالستر والعفاف وكف اليد والبطن والفرج».

ووقع الكلام في مدلول هذه الرواية بعد الفراغ عن أن المعروفية ملحوظة على نحو الطريقية لا على نحو الموضوعية، فالعدالة ليست هي المعروفية بالستر، وإنما العدالة هي نفس الستر والعفاف، وإنما المعروفية مجرد طريق بلحاظ ان الساتر قال: بم تعرف عدالة الرجل؟ فأجاب: «ان تعرفوه بالستر والعفاف». فإذا كان مفهوم العدالة هو عبارة عن «الستر والعفاف»، فهل المنظور في العدالة الاستقامة العملية مع غمض النظر عن الباعث النفساني؟ أم أن المنظور فيها الاستقامة النفسانية؟

اتجاهان في تحليل مفهوم العدالة:

الاتجاه الاول: ان العدالة هي عبارة عن الاستقامة العملية مع غمض النظر عن الباعث النفساني، فإن العدالة هي الستر والعفاف. أو أن يكون الرجل ذا ستر وعفاف، كما في قوله عزّ وجلّ: «وأشهدوا ذوي عدل منكم» ان يكونا ذا عدل، وكون الانسان ذا عدل أو ذا ستر إنما يصدق بنفس الاستقامة العملية، فمن كان مجتنبا - عملا - عما لا يحل فهو ذو ستر وعفاف مع غمض النظر عن الباعث الانساني، وهو هل ان الباعث النفساني في اجتنابه عما لا يحل كونه عن خوف من الله أو شكرا لله أو لأنه لا يليق بمقامه الاجتماعي أو انصراف النفس عما لا يحل. فاذا كان ممن يجتنب ما لا يحل فهو ممن كف يده ولسانه وفرجه وبطنه فهو ذو ستر وعفاف. فإن قوله: «وكف اليد واللسان والبطن والفرج» عطف تفسير على الستر والعفاف، فهذا ممن كف، مع غمض النظر عن الباعث النفساني، وبالتالي فلا يوجد بين العدالة والفسق واسطة، فهذا الانسان بمجرد بلوغه ومن اول دقيقة من بلوغه اما مجتنب أو مرتكب، فإن كان مجتنبا فهو ذو ستر وعفاف وذو عدل، وإلا فليس كذلك، مع غمض النظر عن الباعث الانساني. فما دام هذا المعنى للعدالة محتملا، إذ من المحتمل ان يتعبدنا الشارع في ترتيب الاثار من جواز الشهادة وجواز الائتمام، - وان كنا نحن في الائمام لا نشترط العدالة - وحجية الفتوى وامثال ذلك من الموارد، بالاستقامة العملية، بأن يكون ممن كف يده ولسانه وبطنه وفرجه عما لا يحل.

فبناءً على ذلك لا يوجد واسطة بين العدالة والفسق أبداً. وعليه: فما هو الملحوظ في عنوان الستر والعفاف؟ هل الملحوظ هو النوع أو الشخص، اي هل الملحوظ في صدق هذا العنوان عرفا ان يكون في نوع تصرفاته ذا ستر؟ أو لا يصدق انه ذو ستر الا بلحاظ جميع تصرفاته، لا في نوع تصرفاته؟.

فإن قلنا بانه يصدق عرفا ان فلان ذو ستر اذا كان في نوع تصرفاته في غالب تصرفاته متجنبا عما لا يحل، فهذا ذو ستر، اذن ارتكاب المعصية احيانا فضلا عن مخالفة الاحتياط اللزومي لا يضر بكونه عادلا لأن المحلوظ في الستر والعفاف هو نوع تصرفاته واعماله لا كل تصرف.

وان قيل انه لا يصدق انه ذو ستر أو له ستر الا اذا كان بلحاظ كل ما يصدر منه مجتنبا عما لا يحل، فيأتي السؤال ايضا: هل المنظور ان يكون مجتنبا عما لا يحل شرعا أو عما لا يحل ولو عقلا؟ فالظاهر انه شرعا: فإن صدور هذا البيان من الشارع ظاهر في جعل الحد بلحاظ الحكم الشرعي: ان يكون ذا ستر وعفاف ضمن الحدود الشرعية، فلو كان مجتنبا عما لا يحل شرعا فهو ذو ستر وعفاف، وإن خالف الاحتياط اللزومي الا انه مجتنب عما لا يحل شرعا، وممن كف يده ولسانه وبطنه وفرجه عما لا يحل شرعاً.

فإذن بناءً على استظهار الاستقامة العملية من صحيحة عبد الله ابن أبي يعفور: نقول: مجرد مخالفة الاحتياط اللزومي لا تضر بالعدالة فضلا عن كونها موجبة للفسق.

الاتجاه الثاني: ان يقال: ان الظاهر من النصوص هو الاستقامة النفسانية، صحيح من المحتمل ان يتعبدنا الشارع بالاستقامة العملية بأن يكتفي بالاستقامة العملية في ترتيب الاثار، ولكن ما هو المستظهر من النصوص هو الاستقامة النفسانية، باعتبار ان النصوص عبرت: «ان يكون مرضيا، أن يكون خيّراً، ان يكون مأموناً، أن يكون عفيفاً» يعني عبرت بالصفة، وظاهر التعبير بالصفة، ان فلانا عفيف، ان فلانا مامون، ان فلانا خير، هو: ان تكون هذه الاستقامة العملية عن باعث نفساني. نعم لا دليل على اعتبار الملكة - كما ذهب اليه جمع من الفقهاء - ان تكون العدالة لديه ملكة راسخة، هذا لا دليل على اعتباره، النصوص لا تفي بهذا المقدار من درجة الاستقامة. ولكن عنوان الخير وعنوان المأمون وعنوان العفيف ظاهر عرفا ان تكون الاستقامة العملية عن باعث نفساني، بحيث لو كان الباعث له على ترك المعاصي هو عزوف نفسه عن المعصية أو كان الباعث له على ترك المعاصي وفعل الواجبات هو ان المعصية لا تليق بمقامه؟ فهذا لا يعتبر في نظر العرف عفيفا خيّراً مرضياً، لأنه انما ترك المعاصي لا لاجل الخوف من الله وإنما لأجل حفظ مقامه ولأجل انصرافه النفسي. فظاهر هذه العناوين: من كانت استقامته عن باعث نفساني.

فبناء على هذا التعريف كيف نجمع بين العدالة وبين مخالفة الاحتياط اللزومي؟

والحمد لله رب العالمين.

درس القواعد الفقهية - الدرس 10
درس القواعد الفقهية - الدرس 12