نص الشريط
الدرس 77
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 4/5/1437 هـ
تعريف: الخلل الواقع في الصلاة
مرات العرض: 1832
المدة: 00:36:27
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (238) حجم الملف: 16.6 MB
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

الجهة الخامسة: من الجهات التي بحثها سيدنا الخوئي «قده» في [مسألة الصلاة باللباس المشكوك] هي: هل أن عدم صحة الصلاة فيما لا يؤكل لحمه راجع لاعتبار الشرطية أم لاعتبار المانعية؟

فلا اشكال في انه يحرم الصلاة فيما لا يؤكل حرمة وضعية بمعنى فساد الصلاة فيما لا يؤكل لحمه، ولكن هل فساد الصلاة فيما لا يؤكل لحمه لان الشارع الشريف اعتبر من شروط صحة الصلاة ان تكون فيما يؤكل لحمه فيرجع الامر الى شرطية الصلاة في النبات أو ما يؤكل لحمه؟ فإذا صلّى المكلف فيما لا يؤكل فقد تخلف عن الشرط ولأجل ذلك فسدت صلاته؟!

أم مرجع المسالة لا للشرطية بل للمانعية، أي ان الشارع الشريف قال: الصلاة فيما لا يؤكل مانع، لا ان الصلاة فيما يؤكل شرط. فهل المستفاد من الادلة شرطية ما يؤكل؟ أم المستفاد من الادلة مانعية ما لا يؤكل؟

وقال سيدنا الخوئي «قده»: باننا لو رجعنا الى موثقة ابن بكير التي هي العمدة لوجدنا نوعا من التهافت ظاهرا بين صدرها وذيلها، فإن صدرها يفيد المانعية حيث قال ابتداء: ان الصلاة في وبر كل شيء حرام اكله فالصلاة فيه فاسدة.

فإن ظاهر هذا التعبير «فالصلاة فيه فاسدة»: إرشاد الى المانعية، أي أن ما لا يؤكل مانع من صحة الصلاة. بينما اذا جئنا لذيل الموثقة وجدنا انه ظاهر في الشرطية، لان ذيل الموثقة يقول: «فاحفظ ذلك يا زرارة، ان كان الثوب مما يؤكل فالصلاة في شعره وروثه وبوله وألبانه وكل شيء منه جائز اذا علمت انه ذكر قد ذكاه الذابح» فظاهر الجملة انه ارشاد الى الشرطية، وبالتالي كيف يمكن الجمع بين صدر الآية وذيلها؟

فهل المدار على ما يستفاد من صدرها من أن ما لا يؤكل مانع من صحة الصلاة، وما ذكره في الذيل حيث قال: «إن كان مما يؤكل فالصلاة فيه جائز» إنما قال هذه الجملة لا لأجل اعتبار الشرطية بل لأجل التخلص من المانعية، فبما أن الصلاة فيما لا يؤكل مانع فطريقة التخلص من هذا المانع ان تصلي فيما يؤكل، فذكره من باب انه تخلص من المانع لا من باب ان ما يؤكل شرط.

أم أن المدار على الذيل أي انه يشترط في صحة الصلاة ابتداء ان تصلي إما في نبات أو فيما يؤكل. هذا شرط، ولأجل ان الصلاة فيما يؤكل شرط ذكر في الصدر ان الصلاة فيما لا يؤكل فاسد، والوجه في ذلك: لا لان ما لا يؤكل مانع، بل لان الصلاة فيما لايؤكل فقدان للشرط، فقال: بأن الصلاة فيما لا يؤكل فاسدة لا لأجل الارشاد الى المانعية بل لأجل ان ذلك فقدان للشرطية، فإيهما يؤخذ به؟

هل يؤخذ بالصدر، ويقال ما ذكر في الذيل من باب التخلص من المانع؟ أو يؤخذ بالذيل ويقال ما ذكر في الصدر فقدان للشرط؟

ثم افاد بأن الاعلام اختلفوا فبعضهم قالا بالشرطية، أي انه يشترط في صحة الصلاة ان يكون ساتر العورة من النبات أو مما يؤكل، وبعضهم قال بالمانعية كما هو ذهب اليه، أي ان ما لا يؤكل مانع من صحة الصلاة لا انه يشترط في الصلاة ان كون الساتر من النبات أو مما لا يؤكل. قال: وبعض الاعاظم جمع بين الامرين، فيقال بالامرين: أي انه يشترط في صحة الصلاة ان يكون في ساتر العورة من النبات أو مما يؤكل، والصلاة فيما لا يؤكل ايضا مانع، فجمع بين الشرطية والمانعية لوجود شق ثالث، فلو فرضنا ان المصلي صلى في الطين بأن ستر عورته بالطين، فنقول: لمن صلى في الطين متسترا به نقول، لا تصح صلاته مع انه غير واجد للمانع لكنه فاقد للشرط، فالذي تستر بالطين لا تصح صلاته لفقدان الشرط اذ الشرط في صحة الصلاة ان يكون ساتر العورة من النبات أو ما يؤكل وهذا ليس من النبات ولا مما يؤكل الصلاة فاسدة. ومن صلى في النبات كان واجدا للشرط فاقداً للمانع. فهو واجد للشرط من جهة وفاقد للمانع، لانه لم يصل فيما لا يؤكل.

ومن صلى فيما لا يؤكل فقد الشرط ووجد المانع، فبما انه يتصور شق ثالث فأي مانع ان نأخذ بظواهر الادلة، فنقول: بعض الادلة دلت على الشرطية، أي ان بعض الأدلة دلت على الشرطية، أي انه يعتبر في صحة الصلاة ان يكون ساتر العورة من نبات أو مما يؤكل وهذا ظاهر ذيل موثقة ابن بكير. وبعض الادلة دلت على المانعية، مثل قوله: «يا علي لا تصلي فيما لا يؤكل لحمه» أو قوله في صدر الموثقة: «الصلاة فيما لا يؤكل لحمه فاسدة». فنأخذ بكلا الظهورين ونقول بكلا الاعتبارين، اعتبار الشرطية واعتبار المانعية.

فيقول في «ص212، ج12، من الموسوعة»: لكن هذا الاحتمال ساقط جزما بل هو مستحيل. لامتناع الجمع بين شرطية احد الضدين ومانعية الضد الآخر من فرق بين ذلك بين التكوينيات والتشريعات.

اما في التكوينيات: لا يعقل الجمع بين شرطية احد الضدين ومانعية الضد الآخر. مطالب ثلاثة:

المطلب الاول: في بيان حقيقة العلية بالحمل الشائع، وقد أفاد «قده»:

إن العلّة «بمعنى وجود العلة، لا مفهوم العلة، الكلام عن العلة بالحمل الشائع لا بالحمل الاولي» مؤلفة من ثلاثة اجزاء: مقتض، وشرط، وعدم مانع، ولكل دور.

اما المقتضي فما منه الأثر، أي ان الاثر مترشح ومتولد منه، كالنار بالنسبة للاحراق، فإن النار وجود حراري والاحراق حرارة حارقة فمقتضى ان النار وجود حراري والاحراق حرارة حارقة أن تكون النار مقتضيا للاحراق لان الحرارة الحارقة مترشحة من حرارة النار، لذلك نقول: النار مقتضي للاحراق لان المتقضي ما منه يترشح الاثر ويتولد الاثر، وحيث ان الاحراق حرارة حارقة إذن فهي مترشحة من النار لان النار وجود حراري فالنار مقتضي.

وبعبارة أهل الحكمة: المعلوم وجود نازل من وجودات العلة. العلة له وجود عالي ووجود سافل من وجوداتها النازل السافل وجود المعلول، فهو وجود من وجودات العلة.

واما الشرط ما به فعلية الاثر لا ما منه الاثر، الاثر لا يتولد من الشرط، يتولد من المقتضي، إنما كي يكون هذا الاثر فعلياً يحتاج الى شرط، فالشرط ما به فعلية الاثر لا ما منه يترشح الأثر.

نأتي الى النار والاحراق، لا يمكن للنار ان تصنع الاحراق حتى يقترب الجسم منها، فاقتراب الورق مثلا من النار شرط لحصول الاحراق، لا بمعنى ان الاحراق يتولد من الاقتراب فإن الاحراق يتولد من النار، ولكن الاقتراب به يصبح الاثر فعليا، لذلك قلنا ان الاقتراب شرط وليس مقتضٍ، سواء كان الشرط متمما لفاعلية الفاعل أو متمما لقابلية القابل. اذا اراد الانسان ان يكتب مثلا، فإنه يحتاج الى القلم والورقة، فبما انه يحتاج الى القلم والورقة فإرادة الكتابة مقتضٍ ووجود القلم والورقة شرط، ولكن هذا الشرط متمم لفاعلية الفاعل، يعني ان فاعلية الارادة للكتابة فاعلية ناقصة انما تتم هذه الفاعلية بوجود القلم والقرطاس وجود الشرط، فالشرط متمم لفاعلية الفاعل. وان كان التعبير الفلسفي يقولون مصحح لفاعلية الفاعل، أو متمم لقابلية القابل. مثلا: الجسم المرئي: تارة لا تراه عيني لبعده أو لا تراه عيني لصغره، فهنا احتاج الى قربه أو كبره، فالقرب والكبر شرط لكن شرط مصحح لفاعلية الفاعل، يعني عيني لا تقوى على الرؤية وحدها ما لم ينضم اليها قرب المرئي أو كبره، فهنا يكون الشرط متمما لفاعلية الفاعل. أما اذا افترضنا ان المريء تحت التراب مخفي فليست المشكلة في المقتضي وهو الرؤيا، بل المشكلة في القابل نفسه، فلابد من خروجه عن الخفاء، فخروجه عن الخفاء شرط في رؤيته لكن هذا الشرط ليس متمما لفاعلية الفاعل بل متمم لقابلية القابل، أي ان الجسم لا يقبل بأن يرى حتى يخرج من تحت الخفاء. فالشرط هنا متمم لقابلية القابل لا لفاعلية الفاعل، وعلى كل حال سواء كان متمما لقابلة القابل أو فاعلية الفاعل الشرط ما به فعلية الاثر.

واما المانع: قال في «ص213»، واما المانع الذي يعد عدمه من اجزاء العلة فكيفية دخله «في وجود الاثر» تباين المقتضي والشرط، فلا هو منشأ للترشح كما في المقتضي، ولا هو متمم للنقص في الفاعل أو في القابل كما في الشرط، كيف وهو عدم، يعني يعتبر في عدم الاحراق للجسم أن لا يكون مبلل، «عدم البلل» _يقول عدم البلل عدم كيف يصير منشأ للوجود وهو المقتضي، كيف يصير متمم للنقص كالشرط وهو عدم؟ _ كيف وهو عدم ولا يعقل ترشح الوجود من العدم، ولا دخل في عدم تحقق الاثر، فليس دخالته إلا باعتبار مزاحمة المانع عند وجوده عن تأثير المقتضي وصده.

يقول: ان معنى دخل عدم المانع في وجود المعلول والاثر بمعنى انه لو وجد لكان مزاحما مدافعا للمقتضي، فلو وجد المقتضي كان البلل مزاحما للنار، النار تريد ان تحرق والبلل يصدها، فليس دخله بمعنى ان هذا العدم دخيل في الوجود، لا يعقل ان يكون العدم دخيلا في الوجود بل بمعنى ان وجودا لمانع مزاحم لوجود المقتضي مدافع له في الاثر، حيث ان احدهما يقتضي شيء، وهو النار تقتضي الاحراق، والآخر يضاده ويزاحمه ويقتضي خلافه، لذلك اعتبر عدمه «هذا المانع» في فعلية الاثر وترتب المعلوم.

وبالجملة: لابد من صدق المانعية على شيء كصدق المانعية على البلل من اتصافه وجوده بكونه مزاحما مع المقتضي المفروض وجوده بحيث لولاه «هذا البلل» لترتب الاثر.

لكن السيد الإمام «قده» في «تهذيب الاصول، في بحث مسالة الضد»: إنما يقوله الاصوليون من أن عدم المانع جزء العلة كلام شعري وخطابي لا يليق بمن فهم الحكمة ان يقول بمثل هذا الكلام، إذ كيف يكون عدم المانع جزء العلة والحال بأنه عدم والعدم لا يعقل ان يكون دخيلا في نقيضه، وهو الوجود، فهل يصح ان نقول: ان وجود المعلول متوقف على مقتض وشرط وعدم؟ فإن وجود المعلول نقيض فكيف يكون النقيض دخيلا في فعلية نقيضه؟!

فما قالوه أن عدم الملكة له حظ من الوجود، كيف هو عدم وله حظ من الوجود؟ فهذا جمع بين النقيضين، ان يقال عدم الملكة عدم لكن له حظ من الوجود، يقول هذا غير معقول، بل معنى ذلك: ان العدم قد يكون عدم شيء مع عدم وجود المقتضي لوجوده كعدم البصر في الحائط فهذا عدم محظ. وقد يكون عدم شيء مع قيام المقتضي لوجوده: كعدم البصر للإنسان، فيسمى عدم ملكه، لا أن لهذا العدم حظاً من الوجود.

فالنتيجة: انكم لابد ان تقولون: ان هناك مقتضي وشرط ومانع من التأثر لا ما عدم مانع.

ولكن الذين يقولون بأن عدم المانع من اجزاء العلة مقصودهم ان اعتبار العدم حكم عقلي وليس امرا خارجيا تكوينيا، بمعنى ان العقل لما ادرك ان وجود البلل مزاحم ومدافع لتأثير النار حكم العقل بأنه لا يمكن وجود الاحتراق حتى يرتفع البلل. فليس معنى جزئية عدم المانع للعلة الا حكم عقلي وهو حكم العقل بأنه لا يعقل وجود المعلول حتى ينتفي هذ المزاحم المانع، وليس مقصودهم ان لهذا العدم تأثيراً خارجياً في وجود المعلول كي يقال بأن اعتباره من اجزاء العلة كلام شعري خطابي، وإنما هو مجرد حكم عقلي ليس الا. هذا تمام الكلام في المطلب الاول.

المطلب الثاني: قال سيدنا «قده» إن بين هذه الاجزاء الثلاثة طولية لا عرضية. فالرتبة الاولى للمقتضي: اذ منه يترشح الاثر. والرتبة الثانية: للشرط، لان دور الشرط دور التتميم والتتميم فرع وجود الاقتضاء، اذ لا يتعقل التتميم مع عدم وجود المقتضي.

وبعبارة أخرى: بما أن دور الشرط تحقيق الفعلية والفعلية متأخرة رتبة عن الاقتضاء كانت رتبة الشرط في طول رتبة المقتضي، وأما المانعية فهي فرع تحقق وجود تام التأثر لولا المزاحم، بحيث يكون المتقضي متحققاً والشرط ايضاً متحققاً كي يكون هذا الوجود تام التأثير، إذ ما لم يكن هناك وجود تام التأثير لا يكون هذا الوجود الاخر مزاحم وممانع، فالبلل انما يعقل مزاحمته لتأثير النار في الإحراق بعد وجود النار ووجود الشرط، وهو الاقتراب والا لا يتصف البلل بالمزاحمة، فبما ان دور المانع دور المزاحم والمزاحمة إنما تتعقل بعد فرض وجود تام التأثر بالمقتضي والشرط فلا محالة رتبة المانع متأخرة عن رتبة المقتضي والشرط، فاذا اجتمعت بأن وجد المقتضي كالنار، ووجد الشرط كالاحتراق وفقد المانع كالبلل، فإن وجود المعلول وهو الاحراق يستند الى المجموع، ولكن في حال فقد واحد منها لا يمكن ان يستند الفقد الى المجموع، بل لو كان الجسم مبللاً ولم تكن النار موجودة فلا يقال استند عدم الاحراق لوجود البلل، بل يقال استند عدم الاحراق لعدم المقتضي وهو النار، كما انه لو وجدت النار ولكن الجسم لم يقترب منها فلا يقال ان عدم الاحتراق لوجود البلل بل لعدم الشرط وهو الاقتراب، فمتى يصح استناد عدم المعلوم لوجود المانع انما يصح اذا كان المقتضي والشرط موجودين، وإلا استند اما لعدم المقتضي أو لعدم الشرط.

فقال في «ص214»: ولعمري إن هذا الظاهر جداً بل لعله من الضروريات وإن اصر على خلافه بعض الأعاظم، فجوّز الاستناد الى كل من عدما لمقتضي ووجود المانع عند فرض انتفاء اجزاء العلة بأجمعها وقد عرفن ما فيه بما لا مزيد عليه.

والحمد لله رب العالمين.

الدرس 76
الدرس 78