نص الشريط
الفقه وَالعرفان في صراع أم وئام
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 20/1/1438 هـ
مرات العرض: 1989
المدة: 00:44:08
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (941) حجم الملف: 10.1 MB
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ

صدق الله العلي العظيم

انطلاقًا من الآية المباركة نتحدّث في محورين:

المحور الأول: الفرق بين العرضي والذاتي.

كلّ شيء من الأشياء له عنصران: عنصر ذاتي وعنصر عرضي، صفة ذاتية وصفة عرضية، فمثلًا: الإنسان له عنصر مقوِّم لماهيته، عنصر مقوِّم لإنسانيته، بحيث لو انسلخ من هذا العنصر لم يعد إنسانًا، وهو القدرة على التفكير، الإنسان يمتاز على غيره من المخلوقات بالقدرة على التفكير، هذا العنصر مقوِّم لماهية الإنسان، لو لم يكن لديه هذا العنصر لما كان إنسانًا، هذا نسميه عنصرًا ذاتيًا، أما اتصاف الإنسان بكونه حليمًا كريمًا عقلانيًا، هذا عنصر عرضي، لو فرضنا أنّ الإنسان لم يتصف لا بالحلم ولا بالكرم ولا بالعقلانية يبقى إنسانًا وإن لم يتصف بهذه الصفات. إذن، الإنسان له صفة ذاتية وصفة عرضية.

نأتي إلى القرآن الكريم، بعض الباحثين يقول: القرآن الكريم أيضًا له صفة ذاتية وصفة عرضية، الصفة الذاتية للقرآن الكريم دعوته للهداية، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى، دعوة القرآن للهداية والتقوى عنصر ذاتي في القرآن، لولاه ما كان القرآن قرآنًا، هناك عنصر عرضي، وهو تعليق القرآن على بعض الحوادث العابرة التي مرّت بزمان نزوله، مثلًا: عندما يعلّق القرآن على شخصية أبي لهب، ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ، هذا التعليق تعليق عرضي، لما وُجِدَت شخصية بهذا النوع علّق عليها بالعرض. كذلك عندما يتحدّث القرآن عن رؤيا النبي: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ، حديث القرآن عن رؤيا النبي هو حديث عرضي، الأساس هو الدعوة للهداية والتقوى.

نظرية سروش:

نأتي الآن ونسأل: هل الدين فيه عرضي وذاتي؟ يعني هل بعض أجزاء الدين ذاتية للدين متقوّم بها الدين، وبعض الأجزاء عرضية وعابرة، أم جميع ما في الدين هو ذاتي وليس عرضيًا؟ الدكتور السيد عبد الكريم سروش ذكر في كتابه «بسط التجربة النبوية» أنّ الدين فيه ذاتي وعرضي، انطلاقًا مما ذكره بعض علماء العرفان من أنَّ علم العرفان هو الذاتي وعلم الفقه هو العرضي، كيف؟ علم العرفان ينطلق من حديث نُسِب للنبي ذكره ابن أبي جمهور الأحسائي في كتابه «غوالي اللآلي» عن النبي أنه قال: ”الشريعة أقوالي، والطريقة أفعالي، والحقيقة أحوالي“، إذن الإسلام فيه شريعة وطريقة وحقيقة، بل فيه رقيقة الحقيقة، ما معنى هذه الأقسام الأربعة؟

مثلًا: عندما نطبّق هذا الموضوع على الصيام، الصوم فيه شريعة، وهي أحكام الصيام، يعتبر في الصوم أن يكون قربة إلى الله، يعتبر في الصوم الانتهاء عن المفطرات المعروفة، وهكذا، هذه الأحكام تسمّى شريعة. أما ممارسة الإنسان للصوم فتسمّى طريقة، ممارسة الإنسان لواجب الصوم يسمّى طريقة، أين الحقيقة؟ الحقيقة هي ما يترتب على الصوم من التقوى، القرآن الكريم يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، الصوم يؤدّي إلى التقوى، وصول الإنسان إلى التقوى هو الحقيقة، لكن وصول الإنسان إلى التقوى يحتاج إلى علّة تحافظ على ذلك، يحتاج إلى علّة تجعل الإنسان متواصلًا مع التقوى، وهذه العلة هي الخشوع والخضوع، إذا صام عن خشوع وخضوع كان ذلك سببًا في الحصول على التقوى واستمرارها، إذن الخشوع علّة للحقيقة فهو الرقيقة.

أين علم الفقه وأين علم العرفان؟ علم العرفان يهتمّ بالحقيقة، كيف يكون الصوم خاشعًا؟ كيف يكون الصوم مؤديًا للتقوى؟ كيف تكون الصلاة خاشعة؟ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، يهتم بهذه الحقيقة، إذن فهو علم ذاتي في الدين، أساسي في الدين، لأنه يهتمّ بالحقائق، بينما علم الفقه يهتم بالصور والأشكال، يهتم بالشريعة، ما هي أحكام الصوم؟ ما هي أحكام الصلاة؟ ما هي أحكام الحج؟ ما هي أحكام الزكاة؟ اهتمام بالصور والأشكال، هذا الاهتمام يسمّى شريعة، فالفقه يركّز على الصورة، إذن هو علم شكلي، علم عرضي، بينما العرفان يركّز على الحقيقة، على الجوهر، إذن هو علم ذاتي أصيل في الدين، هذا هو الفرق بين الذاتي والعرضي في الدين.

المحور الثاني: هل علم الفقه علم عرضي في الشريعة أم علم أساسي جوهري؟

هل يوجد في الدين فعلًا ذاتي وعرضي؟ هل فعلًا علم الفقه علم شكلي وعرضي في الدين، والعلم الجوهري الذاتي هو علم العرفان؟ هل هذه المقولة صحيحة، أم لا؟

شواهد النظرية:

يستدلّ عليها الغزالي في كتابه «إحياء العلوم» بشواهد أربعة:

الشاهد الأول: تعال إلى الصلاة، الفقه يهتمّ بالصورة، الفقه يهتمّ بالصحّة الصورية للصلاة، كيف تكون صلاتك مطابقة للفتاوى، كيف تكون صلاتك مطابقة للأحكام الشرعية، هذا اهتمام بصورة الصلاة، هذا وظيفة الفقه، بينما العرفان يهتم بجوهر الصلاة، كيف تكون صلاتك صلاة خاشعة، كيف تكون صلاتك معراجًا لروحك، كما ورد عن النبي : ”الصلاة معراج المؤمن“، ”الصلاة قربان كل تقي“، فالفقه يصبّ في الصورة، إذن هو علم صوري، العرفان يصبّ في الجوهر والحقيقة، إذن هو علم جوهري ذاتي.

الشاهد الثاني: قسم من الفقه يتعلّق بالأمر الدنيوي، مثل علم القضاء، القضاء بين الناس قسم من الفقه، القضاء بين الناس الذي عبّر عنه النبي : ”إنّما أقضي بينكم بالبينات والأيمان“، القضاء ما هو الهدف منه؟ الهدف منه رفع الخصومات وفضّ المنازعات، بما أنّ القضاء يهتمّ برفع الخصومات وفضّ المنازعات إذن القضاء يهتمّ بالحالة الدنيوية، القضاء يهتمّ بعلاج أمور دنيوية، فهو علم دنيوي، والسر في أنه لو أنّ المجتمع البشري اتّسم بالعدالة الحقيقية في سلوكه لما احتاج إلى القضاء، لا نحتاج إلى محاكم ولا إلى قضاء، لو كان الناس يمشون على العدالة، لو أنّ الناس تتسم بالعدالة الحقيقية لم يجر بعضهم على بعض ولم يظلم بعضهم بعضًا، ولما احتجنا إلى محاكم ولا إلى قضاء، لو اتّسم الناس بالعدالة الحقيقية ما احتاجوا للعدالة القانونية القضائية، فإن العدالة الحقيقية هي الهدف والميزان، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ يعني عدالة حقيقية، فإذن القضاء يتعلّق بمسألة دنيوية.

الشاهد الثالث: هناك باب في الفقه، باب الحيل الشرعية، يعني حتى تتخلص من معاملة محرّمة تأتي بحيلة، مثلًا: أقرضك ألف دينار لمدّة شهرين بألف وخمسين، هذه المعاملة حرام، قرض ربوي، لكن غيّر المعاملة، بدل أن تجعلها قرضًا اجعلها بيعًا، بدل أن تقول: أقرضك ألفًا، قل: أبيعك ألفًا نقدًا وسلّم لي الثمن بعد شهرين ألفًا وخمسين! إذن الفقهاء يتلاعبون، لم يتغيّر شيء، هي هي، أقرضك ألفًا بألف وخمسين أو أبيع ألفًا بألف وخمسين، ماذا تغيّر؟! أنت غيّرت الصورة، غيّرت الشكل، لكن الجوهر واحد، الربا يؤول إلى الظلم، القرآن الكريم يقول: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ، اشتراط الفائدة ظلم بنظر الدين، الظلم لا يتغير إذا جعلت المعاملة بيعًا، بالنتيجة أنت دفعت ألفًا واستلمت ألفًا وخمسين، روح الظلم واحدة، روح الظلم - وهي اشتراط الفائدة - باقية لم تتغير، أنت غيّرت الشكل، غيّرت الصورة، بما أنّ الفقه يهتمّ بتغيير الصور والأشكال من دون أن يغيّر الروح، إذن الفقه علم شكلي، علم صوري، وليس علمًا جوهريًا في الدين.

الشاهد الرابع: ما هو الهدف من وجود الإنسان ونزول الدين عليه؟ الغزالي يقول: الهدف هو تأمين الحياة الأخروي، كما أنك في الدنيا تتعامل مع شركة التأمين من أجل تأمين الحياة، أيضًا الهدف من وجودك ونزول الدين عليك تأمين الحياة الأخروية، العرفان يهتمّ بهذا الهدف اهتمامًا مباشرًا، العرفان علم يعنى ويهتم بتأمين حياتك الأخروية، كيف تكون سعيدًا في الآخرة، إذن هو علم جوهري أساسي في الدين، بينما علم الفقه لا يهتم بهذا الهدف، وإنما يهتم بالطرق والخطوات، كيف تنفق على زوجتك، كيف هي النفقة على الأولاد، كيف تحج، كيف تصلي، إذن علم العرفان هو العلم الجوهري، لأنه معني بالهدف الأساسي، بينما علم الفقه علم عرضي شكلي لأنه يهتم بالخطوات وبالطريق، لا يهتم بالهدف الأساس.

مناقشة هذه الأطروحة:

هذه الشواهد الأربعة ساقها الغزالي في إحياء العلوم لإثبات أنَّ علم الفقه هو علم شكلي صوري وليس هو الدين الحقيقي، هل هذه المقولة صحيحة أم لا؟ ليست صحيحة، هذه الشواهد ليست شواهد صحيحة، كيف؟

الشاهد الأول: الهدف من وجود الإنسان.

نبدأ من الملاحظة الأخيرة: ما هو الهدف من وجود الإنسان؟ هل الهدف من وجود الإنسان تأمين الحياة الأخروية فقط؟ يعني الهدف من وجودك أن تحصر على حورية وقصر ونهر في الجنة، هدف هذا الوجود كله وهذه المليارات من البشرية، هدفهم أن يحصل كل واحد منهم على حورية وقصر ونهر في الجنة، الهدف تأمين الحياة الأخروية، والدنيا ما هي إلا طريق، فالفقه يهتم بالدنيا، بينما العرفان يهتم بالآخرة! هل الهدف هو تأمين الحياة الأخروية؟ لا، ليس هذا هو الهدف، كيف؟

نحن عندما نقرأ النصوص ونجمع بينها، عندنا قسم من النصوص يعتبر الدنيا لاغية، ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ يعني هي الحياة الحقيقية، ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ، ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ، وورد عن النبي : ”الدنيا مزرعة الآخرة“.

لكن في قبال هذا القسم يوجد قسم من النصوص يعنى بالدنيا، أنت عندما تقرأ القرآن الكريم تجده يصرّح بأنّ الهدف من وجود الإنسان خلافة الله في الأرض، إعمار الأرض، ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا، وقال في آية أخرى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ، وقال في آية ثالثة: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ، وقال في آية رابعة: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا، وورد عن الإمام أمير المؤمنين علي ، الإمام يمدح الدنيا، يبتهج بها، يقول: ”الدنيا مسجد أحبّاء الله، مصلّى أنبياء الله، مهبط ملائكة الله، متجر أولياء الله“.

الإمام الكاظم يقول: ”ليجتهدن أحدكم أن يكون زمانه أربع ساعات“ يعني كل واحد منكم لا بد من أن ينظّم كل 24 ساعة على أربعة أقسام: ”ساعة لمناجاة الله، وساعة لمعاشه، وساعة لمعاشرة الإخوان“ من هم الإخوان؟ يعرّفهم الإمام الكاظم، يقول: ”الثقات، الذين يعرّفونكم عيوبكم، ويخلصون لكم بالباطن“ ثم يقول: ”وساعة للذة في غير محرّم لتقدروا على الساعات الثلاث الأخرى“، إذن الإمام الكاظم ينظّم حياتنا الدنيوية بما فيها ساعة للذة في غير محرم، إذن كيف نجمع بين النصوص؟

الجمع بين النصوص يعني: الهدف من وجود الإنسان أن يكون متصلًا بالله، هذا هو الهدف، لا تأمين الحياة الأخروية، أن تكون متصلًا بالله، لكن الاتصال بالله يقتضي أن تستثمر الدنيا استثمارًا يؤدي إلى الاتصال بالله، وأن تعدّ للآخرة بحيث تكون الآخرة محلًا للاتصال بالله، الجنة ليست حورًا وولدانًا وقصورًا وأنهارًا، الجنة لقاء الله، الجنة ليست لذائذ مادية فقط، الجنة لقاء الله، الجنة رؤية ملكوت الله، الجنة رؤية أسماء الله وصفاته، هذه هي الجنة الحقيقية، إذن بالنتيجة الهدف من وجودك أن تكون متصلًا بالله في الدنيا وفي الآخرة، في الدنيا بأن تستثمر الدنيا استثمارًا يؤدي إلى ذكر الله، خلافة الله في الأرض، تعمر الدنيا، تقيم الحضارة بنحو يؤدّي إلى ذكر الله، بنحو يؤدّي إلى إعلاء كلمة الله، هذا هدف، وأن تكون ذاكرًا لله في الآخرة إذا أعددت للآخرة إعدادًا جيدًا، هذا هو الهدف، الدنيا طريق إلى الهدف، والآخرة أيضًا طريق إلى الهدف، كلاهما طريقٌ لهدف واحد وهو ذكر الله، ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ.

إذن، بما أنّ الهدف ذكر الله، أين هو الفقه؟ هل الفقه شكلي عرضي؟ لا، الفقه علم يصبّ في نفس هذا الهدف، الفقه يقول: كيف تعمر الدنيا وتقيم الحضارة بشكل يؤدّي إلى ذكر الله، الفقه يصبّ في هذا الهدف وفي تقنيته وفي آليته، إذن الفقه ليس علمًا شكليًا وعرضيًا، عندما يقول الفقه: أحكام البيع كذا، أحكام القرض كذا، أحكام الإجارة كذا، القصاص كذا، الديات كذا، القضاء كذا، ينظّم لك الحضارة، كيف تقيم الحضارة بشكل يؤدّي إلى ذكر الله تبارك وتعالى، إذن الفقه علم أساسي وليس علمًا صوريًا شكليًا.

الشاهد الثاني: الاهتمام بالصور والشكليات.

الفقه يصبّ اهتمامه على الصحّة الصورية للصلاة، كيف تصلي؟ كيف تكون صلاتك مطابقة للفتوى؟ هذا يهتم بالصورة، بينما العرفان يهتم بكيف تكون صلاتك ناهية عن الفحشاء والمنكر، فالعرفان مرتبط بالهدف الجوهري للصلاة، بينما الفقه مرتبط بالصورة الشكلية للصلاة.

الجواب عن هذه الملاحظة: الفقه عندما يقول لك: عليك أن تصلي صلاة مطابقة للأحكام الشرعية، فهو يربّي فيك روح التعبّد والمطواعية للحكم الشرعي، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ، من الأهداف الأساسية في القرآن الكريم أن يكون الإنسان مطواعًا لله، ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ، من الأهداف الأساسية في القرآن الكريم أن يكون الإنسان متعبّدًا بالدين سائرًا على الدين حرفًا بحرفٍ، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ، إذن بما أنَّ من الأهداف القرآنية الأساسية أن يكون الإنسان مطواعًا متعبّدًا بالدين الفقه يصبّ في هذا الهدف ويركّز على هذا الهدف، عندما يقول: يجب أن يكون حجّك وصومك وصلاتك وأمورك ومعاملاتك طبق الدين يعني يريد أن يقول بعبارة أخرى: يجب أن تتسم بروح التعبّد والمطواعية للدين، فإنّ هذا هدف قرآني، وبالتالي فالفقه علم جوهري وليس علمًا شكليًا.

الشاهد الثالث: باب القضاء.

القضاء باب لرفض الخصومات وفضّ المنازعات، ولو أنّ الناس تركت الظلم ما احتاجت إلى القضاء، إذن القضاء يؤدّي حاجة ثانوية، لو أنَّ الناس استمت بالعدالة الحقيقية ما احتاجت للعدالة القانونية، ما احتاجت للمحاكم والقضاء، إذن القضاء يتعلق بالدنيا لا بالدين.

الجواب: هذا أيضًا اشتباه، ذكرنا أنّ من الأهداف الأساسية التي ركّز عليها القرآن إعمار الأرض، إقامة الحضارة على الأرض، كما في سورة الرحمن عندما يقول: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ، يعني هي دعوة للإنسان أن يسيطر على السماوات والأرض ولكن بسلطان، يعني بسلطان العلم، مطلوب منك النفوذ لكن النفوذ بسلطان العلم، هناك هدف، وهو إعمار الأرض، هناك هدف، وهو إقامة الحضارة على الأرض، والقضاء يصبّ في هذا الهدف، إقامة الحضارة على الأرض، إعمار الأرض معرض للنزاعات والمواجهات والخصومات، فمن أجل تنظيم حياة الإنسان بحيث يتهيّأ ويستعدّ لإقامة الحضارة على الأرض هو باب القضاء، هذا القسم من الفقه دخيلٌ في إعداد الأرضية لإقامة الحضارة ولإعمار الأرض لتحقيق هذا الهدف القرآني.

الشاهد الرابع: الحيل الشرعية.

الفقه يصبّ اهتمامه على الشكل والصور، بدليل باب الحيل الفقهية، بدليل أنّ الفقه يفتح بابًا اسمه باب الحيل، يغيّر صورة مكان صورة والجوهر واحد، هل هذا صحيح أم لا؟

الحيل على قسمين: قسم تبديل صورة بصورة لكن الموضوع ما زال باقيًا، وقسم تبديل موضوع بموضوع لا تبديل صورة بصورة، أضرب لك أمثلة. مثال تبديل صورة بصورة: الإنسان عنده أرباح فائضة على مؤونة سنته، يتعلّق بها الخمس، هذا الإنسان يقول: قبل أن يأتي يوم الخمس وقبل أن يتعلّق بي الخمس دعني أتخلّص من هذه الأرباح، 32، يهبها لأخيه، يهبها لصديقه، يهبها لزوجته، يقول: خذ أنت هذه الأرباح وبعد أن يمر شهر أو شهران هبني إياها مرة أخرى، دعني أتخلّص منها حتى إذا جاء يوم الخمس ليس عليّ شيء، هل هذه الحيلة حيلة شرعية؟

لا، ليست شرعية، هبة الأرباح بقصد الفرار من الخمس لا تسقط الخمس، لا يفيد، الخمس باقٍ، لأنّ هذه الهبة لا تليق بشأنك، ليس من شأن المؤمن أن يهب لأجل الفرار من الحكم الشرعي، لأجل الفرار من الخمس، هذه هبة لا تليق بشأنك، وإذا كانت هبة لا تليق بشأنك إذن موضوع الخمس ما زال باقيًا، موضوع الخمس الربح الذي لم يصرَف في مؤونة السنة، هذا الربح أنت لم تصرفه في مؤونة السنة، أنت وهبته، بما أنه ربح لم يصرَف في مؤونة السنة، لأنك وهبته هبة لا تليق بشأنك، فالخمس ما زال متعلقًا به، هذه الحيلة تبديل صورة بصورة، الموضوع لم يتغير، ما زال الربح متعلّقًا بالخمس، هذه لا تصح.

نأتي إلى مثال آخر: أنت عندما تأتي إلى البنك الإسلامي وتقول له: أنا أريد قرضًا، عشرة آلاف دينار مثلًا، يقول لك: إذا اقترضت عشرة آلاف لمدة سنة نأخذ عليك 11 ألف دينار، أنت تقول لهم: أنا غرضي من القرض أن أشتري سيارة، يقولون لك: إذن فلنبدّل القرض بمعاملة أخرى، نبيعك سيارة تسوى عشرة آلاف دينار بأحد عشر ألف أقساطًا، تصبح المعاملة صحيحة وتتخلص من القرض الربوي ولا يوجد إشكال في البين، يقرضونك عشرة بأحد عشر ألف قرض ربوي، يشترون لك السيارة التي تسوى عشرة ويبيعونها إياك بأحد عشر ألف أقساطًا معاملة صحيحة، هم توصّلوا إلى الهدف الذين يريدونه لكن عن طريق تحويل المعاملة من قرض إلى بيع، هذه معاملة صحيحة، لأنّ هذا التغيير ليس تغييرًا شكليًا بل هو تغيير حقيقي، أنت غيّرت معاملة إلى معاملة أخرى، القرض معاملة والبيع معاملة ثانية، ولكل معاملة أحكام تخصّها، ولكل معاملة آثار شرعية تترتب عليها، فهذا التغيير ليس تغييرًا صوريًا وإنما هو تغيير حقيقي، لأنه تغيير حقيقي لذلك الفقه يقرّه، فالفقه لا يقرّ كل تغيير صوري، بل يقر التغيير الحقيقي الذي يترتب عليه اختلاف في الأحكام واختلاف في الآثار.

أما لو أتيت إلى هذه المعاملة، أنا أريد أن أقرضك ألف دينار بألف وخمسين، أحوّلها من قرض إلى بيع، بدل أن أقول لك: أقرضك ألفًا بألف وخمسين، أقول لك: أبيعك ألفًا لمدة شهرين بألف وخمسين، لم أغيّر شيئًا، فقط سمّيته بيعًا، كان اسمه قرضًا، هذا الفقهاء يختلفون به، قسم من فقهائنا يقولون: هذه المعاملة غير جائزة، أصلًا هذه ليست بيعًا، هذه لم يختلف فيها العوض عن المعوَّض حتى تكون بيعًا، بعضهم يقول: هذا بيع لكنه بيع ربوي أيضًا، لأن البيع الربوي هو حرمة البيع بزيادة في المكيل والموزون، وبعضهم يعمّمه حتى للمعدود، فإذا بعت ألفًا بألف وخمسين إذن بعت بزيادة في المعدود، النقد من المعدود، يعتبر بيعًا ربويًا عند بعض الفقهاء. بعض الفقهاء يقول: افترض أنه بيع، وليس بيعًا ربويًا، مع ذلك بما أنّ روح الربا موجودة فيه، وهي الظلم، والتغيير بنظر العرف لم يرفع روح الربا، ولم يرفع المناط، وهو الظلم، إذن هذا التغيير ليس صحيحًا، ولا يجدي شيئًا. غرضي من هذا الكلام أننا ننسب إلى الفقهاء أنهم يتلاعبون بالصور، لذلك الفقه فقه صوري وعلم صوري وليس علمًا حقيقيًا، هذا خطأ، باب الحيل الشرعية باب مبتنٍ على التغيير الحقيقي لا على التغيير الصوري.

كلمة أخيرة:

ومما يؤكّد لنا أنَّ علم الفقه علمٌ جوهريٌّ في الدين وأصيلٌ في الدين مراجعة تراث أهل البيت، ارجع أنت إلى تراث أهل البيت، أمامك كتاب الكافي، أول كتب الحديث، كم نسبة الأحاديث التي تتكلم عن الفقه مع نسبة الأحاديث التي تتكلم عن العرفان والقيم الخلقية؟ لا توجد نسبة أيضًا، 80% من روايات أهل البيت في الفقه، 20% قسم منها في العقيدة، قسم منها في القيم الخلقية، إذا كان 80% من تراث أهل البيت في الفقه فكيف يكون علم الفقه علمًا صوريًا شكليًا؟! إذا كان علم الفقه مستوعبًا لهذه المساحة الكبرى من تراث أهل البيت فكيف يكون علمًا شكليًا صوريًا؟! إذن فبالنتيجة: إذا احتكمنا لتراث أهل البيت، بدل أن نحتكم إلى أمور أخرى، بدل أن نحتكم للغزالي في إحياء العلوم، نحتكم إلى روايات أهل البيت، إذا احتكمنا لتراث أهل البيت فتراث أهل البيت يقول: الفقه علمي جوهري أساسي، وليس علمًا شكليًا.

بعض الأطروحات تنشأ عن البعد عن تراث أهل البيت، وهذا ما رسّخه المنهج الأموي عندما أبعد الأمّة عن أهل البيت، أبعدهم عن أهل البيت فكرًا، عملًا، سلوكًا، أبعدهم عن أهل البيت، بل وجار عليهم، وجعلهم موطن الجور والعدوان والظلم، عبث قسم من الأمة بهذه النماذج العظيمة الرائعة من أهل البيت ، خلّفوا رسول الله بالجور والظلم والعدوان عليهم من كلّ مكان.

رياض الجنة، في دعاء زين العابدين (ع)
الثابت وَالمتغير في التشريع الإسلامي