نص الشريط
الثابت وَالمتغير في التشريع الإسلامي
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 21/1/1438 هـ
مرات العرض: 1969
المدة: 00:48:07
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (898) حجم الملف: 11 MB
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ

صدق الله العلي العظيم

انطلاقًا من الآية المباركة نتحدّث في محورين:

  • في الفرق بين الثابت والمتغير.
  • وفي أنّ الدين الإسلامي هل ينقسم إلى ثابت ومتغير أم لا؟
المحور الأول: الفرق بين الثابت والمتغير.

من أين جاء هذا التقسيم: أنّ الأشياء ثابت ومتغير؟ هذا التقسيم تقسيم فلسفي يرجع إلى تقسيم الوجود إلى وجود أمري ووجود خلقي، الفلاسفة يستفيدون من هذه الآية المباركة: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ أنَّ العالم قسمان: قسم عالم خلق وقسم عالم أمر، ما هو الفرق بين القسمين؟ عالم الخلق هو العالم الذي يخضع لمادة ومدّة، يعني لا يمكن أن يوجد إلا بمادة ومدّة، بينما عالم الأمر هو العالم الذي يوجد ولا يحتاج إلى مدّة ولا إلى مادّة.

مثلًا: جسد الإنسان أو النبات أو الحيوان مستحيل أن يوجد بدون مدة وبدون مادة، لا بد أن يوجد ضمن مادة ولا بد أن يأخذ وجوده مدة معينة حتى يتكامل ويتنامى، لاحظ القرآن الكريم عندما يتحدث عن جسد الإنسان يرجعه إلى مادة ومدة، ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ هذه مادة، ويقول في آية أخرى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا إذن هناك مدة أيضًا، فجسد الإنسان من عالم الخلق، لأنه يحتاج إلى مدة ومادة.

بينما العقل، العقل أوجده الله بلا مدة ولا مادة، أول عالم خلقه الله هو عالم العقول، وهو ما يعبَّر عنه بعالم الجبروت باصطلاح الفلاسفة، عالم أبدعه الله دفعة واحدة بدون مدة، وأبدعه بدون مادة، كما ورد عن النبي : ”أول ما خلق الله العقل، فقال له أقبل فأقبل، ثم قال له أدبر فأدبر، قال: بك أثيب وبك أعاقب“، العقل خُلِق مجردًا بدون مدة وبدون مادة، لماذا يسمّى بالأمر؟ لماذا نسمّيه عالم الأمر؟ لأنه يوجد بأمر الله مباشرة، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، مسألة لحظية، مسألة دفعية، هناك آية أخرى أوضح من هذه الآية: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ، خلقنا يحتاج إلى مدة ومادة، وأما أمرنا فهو دفعي.

إذا أوجد شيئًا بأمره فهو يوجد وجودًا لحظيًا بلا مدة ولا مادة، مثل العقول، وأما إذا أوجد شيئًا بخلقه فهو يخلقه ضمن مادة وضمن مدة. لذلك الإنسان نفسه مكوّن من جسد وروح، الجسد من عالم الخلق، لأن الجسد جاء بشكل تدريجي، ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا، هذا الجسد من عالم الخلق، أما الروح فلم تأتِ من مادة ولم يكن وجودها عن مدة، روحك وجدت دفعة واحدة بلا مدة ومادة، القرآن يعبّر عن الروح بالأمر لا بالخلق، يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ولم يقل: من خلق ربي.

إذن، عندنا خلق وعندنا أمر، ما كان من عالم الأمر فهو ثابت لا يتغيّر، أي شيء من عالم الأمر ثابت لأنه لا يخضع للزمن ولا للمكان، متحرر من الزمكان، فهو ثابت، وما كان من عالم الخلق فهو متغير، لأنه يخضع للزمن والمكان، ومن هنا جاء التقسيم: أشياء ثابتة يعني متحررة من الزمن والمكان، وأشياء متغيرة يعني خاضعة لإطاري الزمن والمكان.

نأتي إلى الدين، هل الدين أيضًا ينقسم إلى ثابت ومتغير؟ نعم، هناك عنصر في الدين لا يخضع للزمن ولا للمكان، فهو عنصر ثابت، هناك عنصر يخضع للزمن والمكان، فهو عنصر متغير، كيف؟ الدين قسم منه معتقدات، مثلًا الأصول، الوحدانية، العدل، النبوة، الإمامة، هذه الأصول لا تخضع للزمن والمكان، هذه أمور معنوية، ليست أمورًا مخلوقة، بما أنها أمور معنوية لا تخضع لزمن ولا مكان لذلك فهي أمور ثابتة، بينما نأتي للتشريعات، يعني الأحكام والقوانين، هذه أمور تقبل التغير، كيف؟

مثلًا: في شريعة اليهود قبل الإسلام كان يجوز الجمع بين الأختين، الشريعة الإسلامية نسخت ذلك، لا يجوز الجمع بين الأختين، نُسِخ ذلك القانون بقانون آخر، ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا، حتى في الإسلام هناك أحكام نُسِخت، كانت القبلة في أول الشريعة الإسلامية هي بيت المقدس، نُسِخ هذا الحكم بقوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ، إذن عندنا أحكام ثابتة وعندنا أحكام متغيرة.

المحور الثاني: أطروحة الثابت والمتغير في الدين.

الآن نحن عندنا دين وصل إلينا، هل الدين الذي وصلنا إلينا فيه ثابت ومتغير، أم لا؟ بعض الباحثين الإيرانيين يقول: نعم، هناك ثابت ومتغير، الدكتور «سروش» استنادًا إلى ما كتبه «ولي الله الدهلوي» يقول: هذا الدين الذي عندنا الآن فيه ثابت وفيه متغير، ما هو الثابت وما هو المتغير؟ الثابت مقصد الدين، هذا الدين له مقصد، ما هو مقصده؟ العدالة، ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ، لتحقيق العدالة، تحقيق العدالة مقصد ثابت، تحقيق العدالة هدف ثابت لجميع الأزمنة.

لكن تحقيق العدالة يحتاج إلى قوانين، لا يمكن تحقيق العدالة إلا بوسائل، الوسيلة لتحقيق العدالة هو القانون، هل القانون الذي هو وسيلة متغير أم ثابت؟ يقول المقصد هو ثابت، وهو الهدف، وهو تحقيق العدالة، أما الوسيلة - أي القانون - فيتغير، ربما الرسول شرّع قوانين كانت هي المحقّقة للعدالة في زمانه، الآن ليست محققة للعدالة، فيتغير القانون، لماذا يبقى القانون ثابتًا؟ الهدف لا يتغير، أما القانون فقد يتغير، كانت بعض القوانين في زمن النبي محققة للعدالة، الآن هي غير محققة للعدالة، ترتفع وتأتي مكانها قوانين أخرى، كيف؟

مثلًا: لنفترض أنّ الإسلام قال: المرأة ترث نصف السهم، الرجل يرث سهمًا كاملًا، ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، يقول: هذا القانون كان في زمن النبي محققًا للعدالة، الآن هذا القانون ليس محققًا للعدالة، إذن هذا القانون يرتفع، المقصد يبقى، وهو تحقيق العدالة، أما القانون فيتغير، ما كان محققًا للعدالة قد لا يكون محققًا للعدالة في زمن آخر. ما هو الدليل؟ ما هي الشواهد؟ هل لدينا شواهد في الإسلام على ذلك، أم لا؟ يقول: نعم، هناك مجموعة من القوانين والأحكام أصلًا النبي لم يؤسّسها، هي كانت موجودة عند عرب الجاهلية، جاء النبي وأقرّها لأنه رآها محققة للعدالة في زمانه، كيف؟

عبد المطلب جدّ النبي شرّع أنّ الدية مئة ناقة، إذا قتل إنسانًا فإنه يدفع مئة ناقة حمراء، هذه شرّعها عبد المطلب، جاء النبي وأمضى تشريع جدّه عبد المطلب، لماذا أمضاه؟ لأنَّ هذا القانون بالنسبة إلى زمان النبي كان محققًا للعدالة، لكن هذا لا يعني أنه في زماننا هو المحقق للعدالة. كذلك الخمس، الخمس كان له أصل في الجاهلية، في الجاهلية إذا غزا قومٌ قومًا فإنهم يأخذون غنائم بعد الغزو، ربع الغنيمة للقائد، ولذلك الشاعر الجاهلي يقول:

لك  المرباع منها iiوالصفايا   وحكمك والنشيطة والفضولُ

أنت تأخذ المرباع، يعني الربع، الإسلام أتى وخفّفها من الربع إلى الخمس، قال: القائد له الخمس، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ، إذن حكم أقرّه الدين. اليهود كانوا يقطعون يد السارق، قطع يد السارق ما جاء به الإسلام، اليهود كان عندهم قطع يد السارق، جاء الإسلام وأمضى هذا القانون لأنه كان محققًا للعدالة في زمانه، وهكذا من الأحكام.

إذن، ما دامت هناك مجموعة من القوانين كانت متعارفة في الجاهلية، وجاء النبي وأمضاها لأنها محققة للعدالة في زمانه، إذن حتى الأحكام والقوانين التي أسّسها النبي فإنه أسّسها لأنها ثابتة، بل أسّسها لأنها محققة للعدالة في زمانه، فيمكن أن ترتفع في زماننا. ما الذي يمكن أن يرتفع؟ مثلًا: القتل تارة يكون عمديًا وتارة يكون خطئيًا، إذا قتل عمدًا فولي المقتول مخيّر بين القصاص والدية، ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ، وأما إذا قتل خطأ فإنه يدفع دية، لكن من الذي يدفع الدية؟ العاقلة، العاقلة هي العشيرة، عشيرة القاتل هي التي تدفع دية قتل الخطأ. الباحث يقول: هذا الحكم جاء من العرب، لأن العرب كانوا مجتمعًا عشائريًا، مجتمعًا قبليًا، لأنه مجتمع عشائري العشيرة ترى نفسها ملزمة بأن تدافع عن أبنائها، فتدفع ديتهم، لكن الزمن الآن تغير، والثقافة تغيرت، والمجتمع القبلي تغير، فلماذا يبقى الحكم كما هو؟! مثال آخر: حرمة الأشهر الحرم، الجاهلية عندهم أشهر حرم، هذه الشهر الحرم الإسلام أمضاها، هي عادة جاهلية، عرف جاهلي، لماذا لا يتغير في زماننا؟!

النتيجة أنّ هذا الباحث يقول: التشريعات التي وصلت إلينا الآن ليس جميعها ثابتًا، بل بعضها متغير، تبعًا لتغير الثقافة، تبعًا لتغير الحضارة، تبعًا لتغير المجتمع. نحن لدينا مجموعة من الملاحظات على هذه الفكرة:

الملاحظة الأولى: أقسام الدين.

أنّ الدين ينقسم إلى ثلاثة أقسام: معتقدات، وهي الأصول الخمسة، التوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد، وهذه ثابتة لا تتغير، والقسم الثاني قيم، القيم يعني الأخلاق التي اتفق العقلاء على حسنها أو قبحها، حسن العدل وقبح الظلم، حسن الأمانة وقبح الخيانة، حسن الصدق وقبح الكذب، هذه قيم اتفق العقلاء عليها، الإسلام أقرّها ورسّخها، فهي ثابتة، ورد عن النبي محمد : ”إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق“، هي موجودة، أنا فقط متمم، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ، ما هي الحكمة؟ الحكمة هي القيم الأخلاقية، يعلّمهم إياها ويربّيهم عليها.

وأما القسم الثالث فهو التشريعات، القوانين تنقسم إلى قسمين: هنالك قوانين ثبتت بأدلة قطعية، يعني وصلت إلينا بدليل قطعي، ولذلك لم يختلف اثنان من المسلمين فيها، حرمة الربا، ﴿قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا، حرمة الربا حكم ثابت، كذلك القصاص، القاتل يُقْتَل، ومن الأحكام ثبوت الخيار للمغبون، أنت إذا اشتريت شيئًا ثم يتبيّن لك أنّ البائع خدعك، أخذ عليك سعرًا أغلى من سعره السوقي، لك الخيار أن ترجع، هذا خيار المغبون حكم ثابت عند جميع المسلمين، هذه الأحكام وصلتنا بأدلة قطعية، وما وصلنا بدليل قطعي لا يقبل التغيّر، فهو عنصر ثابت، لأنه ورد في الصحيح القطعي: ”حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة“.

وعندنا قسم نظري وليس ضروريًا، يعني أحكام اختلف فيها الفقهاء، هذه الأحكام التي اختلف فيها الفقهاء نعتبرها عنصرًا متغيرًا، لأنها محل خلاف، مثلًا: هل عقد التأمين نافذ؟ أنت تبرم عقد تأمين مع شركة، تأمين على الحياة، تأمين على السيارة، هل هذا العقد بما هو عقد نافذ شرعًا؟ اختلف الفقهاء فيه. هل الهلال يثبت بالعين المسلّحة، يعني إذا رؤي بالمجهر الراصد، أم لا؟ اختلف الفقهاء فيه. هذه الأشياء التي اختلف الفقهاء فيها ليست عنصرًا ثابتًا في الشريعة، وإنما هي عنصر متغيّر تبعًا لاختلاف الفقهاء. إذن، ليست جميع التشريعات والقوانين الإلهية هي أحكام متغيرة، ما وصلنا بدليل قطعي فهو ثابت، وما اختلف فيه الفقهاء فهو عنصر متغيّر.

الملاحظة الثانية: من المخوّل في التشريع؟

نعم، هناك مقصد للشريعة، وهو تحقيق العدالة، وهناك قوانين هي وسيلة لتحقيق العدالة، لكن من الذي يحدّد أنّ هذا القانون ثابت أم متغير؟ من الذي يحدّد أنّ هذا القانون محقّق للعدالة في زمن النبي فقط أم في جميع الأزمنة؟ من هو المخوَّل في تحديد ذلك؟ من له الولاية على تحديد ذلك؟ هل البشر؟ هل العقل البشري؟ أم العقل الخالقي؟ أيهما هو المخوَّل؟ طبقًا لمبدأ الخلافة المخوَّل في التشريع هو المخوَّل في التكوين، كيف؟

هذه نقطة خلاف بين الدين وبين العلمانية، من المخوَّل في التشريع؟ طبقًا لمبدأ الخلافة المخوَّل في التشريع هو الله دون غيره، لأن القرآن الكريم يقول: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ، يعني الإنسان في الكون ليس أصيلًا، أنت لست أصيلًا، أنت وكيل، وهناك فرق بين الأصيل والوكيل، الأصيل في هذا الكون الله، أنت مجرّد خليفة، فإذا كان الإنسان مجرّد خليفة فهو وكيل، أنت إذا صرت وكيلًا في شركة هل لك حقّ التشريع في الشركة؟! هل لك حق التقنين في الشركة؟! هل لك أن تحدّد معالم الشركة؟! هل لك أن تحدّد دساتير الشركة؟! أبدًا، أنت مجرّد وكيل، الإنسان في الكون وكيل، خليفة، وليس أصيلًا، مقتضى الوكالة، مقتضى الخلافة أن لا ملكية للإنسان ولا ولاية للإنسان لا على عالم التشريع ولا على عالم التكوين.

أضرب لك مثالًا: هل يوجد شيء أقرب لك من روحك؟ لا، لكن هل تملك روحك؟ لا تملكها، روحك أنت، لا يوجد شيء آخر غير روحك، ومع ذلك لا تملكها، واحد يقول: أنا أستطيع أن أنتحر إذا شئت، هذه روحي وهي ملكي، إن شئت انتحرت وإن شئت بقيت! لا، حتى روحك التي هي أقرب شيء لك ليست ملكك، جسدك ليس ملكك، واحد يقول: والله أنا لا أحتاج إلى أذنين، دعني أقتصر على أذن واحدة! لا يوجد داعٍ لخمسة أصابع، دعني أقتصر على إصبعين! جسدك ليس ملكًا لك، أو شخص يقول: أنا أكتب في وصيتي أن أتبرّع بأعضائي بعد موتي! ليس لك حق، ليست لك الولاية على ذلك، أنت مجرّد وكيل، لا ملكية لك، لا ولاية لك، لا ولاية لك على روحك وجسدك فضلًا عن أن تكون لك الولاية على تشريع قوانين وتشريع دساتير للبشرية، وأن تعتبر هذا القانون مؤقتًا، وأن تعتبر هذا القانون ثابتًا، وأن تعتبر هذا القانون محققًا للعدالة في زمن، وأن تعتبر هذا القانون محققًا للعدالة في جميع الأزمنة... إلخ، أنت ليست لك ولاية على جسدك فكيف تكون لك ولاية على هذه السعة كلها؟! بما أنّ الإنسان خليفة لا ولاية له حتى على جسده، فكيف تثبت له الولاية على القوانين والدساتير؟! من أين؟!

من هنا، القرآن الكريم ينصّ على أنّ الولاية على التشريع كالولاية على التكوين بيد الله، يقول تبارك وتعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ، يعني له منصب الخلق وله منصب التشريع، هو الذي يختار، لست أنت الذي تختار، هو يختار ما هو خيرٌ للبشرية، هو يحدّد القانون المحقّق للعدالة دون غيره، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ.

الملاحظة الثالثة: الأحكام التأسيسية والإمضائية.

الأحكام الشرعية على قسمين: أحكام تأسيسية ابتدعها الإسلام، لم تكن موجودة، مثل أحكام العبادات، وجوب الصلاة والصوم والزكاة والحج، وتفاصيل الصلاة وتفاصيل الزكاة... إلخ، هذه أحكام تأسيسية، وهناك أحكام إمضائية لم يؤسّسها الإسلام، بل هي موجودة قبل الإسلام، فأتى الإسلام وأمضاها وأقرّها، حلية البيع، حلية الإجارة، حلية المضاربة، حلية الشركة، هذه كلها معاملات كانت موجودة قبل الإسلام، لماذا أمضاها؟ أمضاها لاشتمالها على مصالح عامة شاملة لجميع الأزمنة والأمكنة، البيع فيه مصلحة لكل الأزمنة، الشركة فيها مصلحة لكل الأزمنة، أمضى فيه مصلحة عامة وردع عمّا فيه مفسدة عامة، الربا موجود قبل الإسلام، الإسلام جاء ومنع منه، هم اعترضوا لما حرّم الإسلام الربا، ﴿قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ما هو الفرق بين البيع والربا؟! ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا أمضى حلية البيع وردع عن الربا، إذن ما كان فيه مصلحة عامة أمضاه، ما كان فيه مفسدة عامة ردع عنه.

من هنا نأتي، يقول لك: عبد المطلب شرّع، وضع الدية مئة ناقة، والنبي جاء وكأنه مستحٍ من جدّه عبد المطلب فقام بإمضاء ما شرّعه جده عبد المطلب! أو اليهود كانوا يقطعون يد السارق، النبي جاء وأمضى ما شرّعه اليهود، أو مسألة الخمس... إلخ، التفت إلى هذه النقطة: أولًا: هناك دلائل تاريخية على أنّ هذه الأحكام ما شرّعها عبد المطلب ولا شرّعها اليهود، وإنما هي أحكام من شريعة إبراهيم الخليل، لأن شريعة إبراهيم الخليل امتدت إلى المسيحية، إلى اليهودية، إلى أن وصلت إلى الجاهلية، أحكام منذ شريعة إبراهيم الخليل، يعني هي أحكام سماوية وليست أحكامًا بشرية، النبي أمضاها يعني لم ينسخها، وإلا هي أحكام سماوية.

ولذلك الشيخ الصدوق يذكر في الاعتقادات أنّ أبا طالب وعبد المطلب كانا من الأوصياء، ليسا مؤمنين فحسب، بل أوصياء، يعني كانوا يحملون الشريعة من جيل إلى جيل، وذكر الشيخ المجلسي في البحار في الجزء الخامس عشر أنّ الإمامية اتفقت على أنّ آباء النبي وأجداده موحّدون صدّيقون إلى آدم، ولذلك يقول القرآن الكريم: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ، يعني أنت كل تنتقل من ساجد إلى ساجد، وأنت تقرأ في زيارة الحسين : ”أشهد أنّك كنت نورًا في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة، لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها، ولم تلبسك من مدلهمات ثيابها“. إذن، هذه الأحكام ليست أحكامًا بشرية والنبي أتى وأمضاها، وعلى فرض أنها أحكام بشرية لم يمضها لأنها أحكام وقتية محققة للعدالة في زمانه، بل أمضاها لاشتمالها على مصالح عامّة تشمل البشرية في كل زمن ومكان.

الملاحظة الرابعة: نظرية الزمكان.

عندما نأتي ونقول بأنَّ الفقهاء ينبغي أن يغيّروا بعض القوانين، لماذا يجعلون القوانين كما هي عليه، الذي كان في زمن النبي يبقى، والذي كان في زمن الإمام علي يبقى، لماذا لا يغيّرون بعض القوانين حتى تتماشى مع العصر ومع الثقافة المعاصرة؟ هذه المسألة ليست جديدة على الفقه، بل هي موجودة في الفقه الإمامي، دخل الزمان والمكان في الحكم الشرعي، تسمّى نظرية الزمكان، يعني دخل الزمان والمكان في حدود الحكم الشرعي، هذه نظرية حوزوية موجودة، الفقيه عندما يتلقّى النص - الثابت الذي لا كلام فيه - يقوم بقراءته قراءة تحليلية، يعني أن يدرس المدلول اللغوي للنص، وأن يدرس السياق الزمني للنص، النص ورد في أي زمن؟ هل للزمن دخالة في موضوعه أم لا؟ هل للمكان دخالة في موضوعه أم لا؟ هذا يقوم بقراءته الفقيه، وعلى أساسه يحدّد أنّ الحكم تاريخي أم الحكم مستمر.

مثلًا: عندنا رواية صحيحة، صحيحة زرارة عن الإمام الباقر أنّ أمير المؤمنين عليًا فرض الزكاة في الخيل العتاق وفي البراذين، الزكاة إنما تجب في الأنعام الثلاثة: الإبل والبقر والغنم، والغلات الأربع والنقدين من الذهب والفضة، لكن الإمام عليًا فرض الزكاة في الخيل والبراذين، الفقهاء عندما يأتون إلى هذا النص يقولون: هذا نص تاريخي، يعني ما صدر من علي حكم مؤقّت، حكم ولايتي يختصّ بزمنه، لأنه كان ولي أمر المسلمين، وكان من حقّه أن يشرّع ما يعالج حالات الفقر في زمانه، فرأى أنّ علاج الفقر في زمانه يقتضي أن يضيف في الزكاة ضرائب أخرى، فأضافها بولايته، هذا حكم تاريخي مؤقت وليس حكمًا دائمًا.

مثال آخر: زكاة الفطرة التي أنت تدفعها في يوم عيد الفطر، بعض النصوص الواردة عن الأئمة تقول: زكاة الفطرة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب، إذا لم يكن عندنا حنطة ولا شعير ولا تمر ولا زبيب، يعني لا يوجد زكاة فطرة؟! الفقيه عندما يقرأ النص يقول: هل هذه مصاديق تاريخية، أم هي مصاديق ثابتة؟ هل ذكر الإمام هذه العناوين لأنها هي موضوع زكاة الفطرة دون غيرها، أم ذكرها كأمثلة للقوت؟ القوت ما يأكله الناس بحسب متعارفهم، أغلب فقهائنا يقولون: هذه أمثلة للقوت، يقرؤون النص قراءة تاريخية، يقولون: هذه أمثلة تاريخية للقوت، المهم هو القوت، الحنطة والشعير والتمر والزبيب في زمن الصادق كان هو القوت المتعارف، كان الناس يأكلون ذلك، فلذلك قال زكاة الفطرة فيه، وأما إذا تغيّر القوت يتغيّر مورد الزكاة.

الآن في زماننا هذا ما هو القوت في الكويت؟ الرز، قبل مئتي سنة لم يكن هذا الرز موجودًا، قبل مئتي سنة أصلًا البلاد العربية لم يكن فيها رز، تاريخيًا الرز ليس من البلاد العربية، بل جاء من بلدان أخرى، لم يكن موجودًا، ثم زُرِع بعد ذلك، هذا الرز الذي أنت تضرب فيه بالخمسة لم يكن ثم كان، القوت المتعارف قبل مئتي سنة هو الحنطة، الآن أصبح القوت المتعارف هو الرز، المدار على القوت الذي قد يتغيّر بتغيّر الأزمنة بل بتغيّر المجتمعات، الآن هناك مجتمعات في الهند القوت المتعارف عندها هو العدس، تأكل أشياء أخرى لكن نادرًا، القوت المتعارف هو العدس، إذن زكاة الفطرة بالنسبة إليهم في العدس، زكاة الفطرة في القوت المتعارف، وهذا يختلف باختلاف المجتمعات وباختلاف الأزمنة.

إذن، المصداق مصداق متغيّر، وليس مصداقًا ثابتًا، فهذه النظرية - نظرية الثابت والمتغيّر، والزمكان، ودخل الزمان والمكان في تحديد الحكم الشرعي - موجودة في العلوم الحوزوية ومدروسة، لذلك حتى ما صدر عن الأئمة الطاهرين يدرَس من حيث التاريخية وعدم التاريخية، فمثلًا: النبي محمد أخذ البيعة من المؤمنين في زمانه، لماذا أخذ البيعة؟ هل هو محتاج إلى البيعة؟ النبي له الولاية على الناس بايعوه أم لم يبايعوه، ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، إذن لماذا أخذ البيعة؟ أخذ البيعة من أجل الاحتجاج على من لا يعترف بنبوته ودولته، شخص يعيش في الدولة الإسلامية، يقول: أنا لا أعترف بك كنبي حتى تكون لك ولاية عليَّ! لذلك أخذ منه البيعة، البيعة عقد عقلائي قام به النبي من أجل إقامة الحجّة على الجميع، لا يوجد مجال للاعتراض، ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ.

جاء الإمام علي وأخذ البيعة أيضًا، هل كان محتاجًا إلى البيعة؟ لا، هو ولي على الناس بايعوا أم لم يبايعوا، النبي يقول: ”ألا فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه“، إذن أخذ البيعة لإسكات من لا يعترف بإمامته، ولذلك احتجّ على معاوية وكتب له: ”أما بعد، فإنّ الشورى للمهاجرين والأنصار“، الإمام علي لا يعترف بالشورى، لكن لأن معاوية يعترف بها يلزمه بما يعترف به، ”إنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإذا اجتمعوا على رجل وسمّوه إمامًا كان لله فيه رضا، ولم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد“، أنت في الشام لا تستطيع أن تردّ بيعتي، لأن هذا نظام ملزم به، بيعة المهاجرين والأنصار نظام ملزِم ألزمك به وإن كنتَ في الشام.

هذا المنطق تاريخي، ألزم به الحسين بن علي أيضًا المقاتلين، قال: ”يا حجّار بن أبجر، ويا قيس بن الأشعث، ويا شبث بن ربعي، ألم تكتبوا لي أن أقبل إلينا“، هؤلاء كلهم بايعوا الحسين، لأن مسلم بن عقيل أخذ البيعة منهم كلهم للحسين، فهم في أعناقهم بيعة ملزمة للحسين، لذلك خاطبهم: ”ألم تكتبوا لي أن أقبل إلينا؛ فلقد اخضرّ الجناب وأينعت الثمار، وإنما تقبل على جندٍ لك مجنّدة“، قالوا: ما فعلنا ذلك يا أبا عبد الله، قال: ”بلى والله لقد فعلتم“.

الفقه وَالعرفان في صراع أم وئام
الروح الانسانية في الفلسفة وَعلم النفس