نص الشريط
مشاركة في ربيع الشهادة بكربلاء | مفهوم الاصلاح
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 8/8/1440 هـ
مرات العرض: 233
المدة: 00:15:36
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (33) حجم الملف: 4.5 MB
تشغيل:


«إنَّما خَرَجْتُ لِطَلَبِ الْإصْلاحِ فى أمَّةِ جَدّي»

مدخل يتضمن نقطتين:

النقطة الأولى: الإصلاح في القرآن الكريم.

لقد تحدث القرآن الكريم عن مفردة الإصلاح في أكثر من ست عشرة آية، وهو ما يرشدنا إلى أن مشروع الإصلاح مشروع سماوي، ارتبط بالأرض منذ نزول أول إنسان عليها، ففي حوار الباري تعالى مع الملائكة تساءل الملائكة عن دور الخليفة في الأرض تجاه مشروع الإصلاح قائلين: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة: 30 - 31].

وهذا الحوار يبرز لنا من حيث مصدره ومادته وموضوعه، حيث أبان أنَّ مصدره من يتصف بالخلافة في الأرض، حيث عبر عنه تعالى بقوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة: 30]، فلا إصلاح ما لم یکن عن طريق خلفائه تعالى؛ وأنَّ مادته العلم والمعرفة، فلا يتصور إصلاح لا يستند إليهما، حيث عبر عنه تعالى بقوله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا [البقرة: 31]؛ وأن موضوعه المجتمع البشري على الأرض، فإنّ في صلاحه سيطرة الإنسان على الوجود وتسخير طاقاته وكنوزه، كما قال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ [الرحمن: 33].

ولمشروع الإصلاح في القرآن الكريم عدّة معالم:

المعلم الأول:

العلاقة الجوهرية بين صلاح الأرض وانبثاق الإصلاح عن الحجة المعصوم، كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد: 25].

وورد في تفسير القمي في تفسير الآية المباركة: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: 56]‏ قال: «أصلحها برسول الله وأمير المؤمنين ، فأفسدوها حين‏ تركوا أمير المؤمنين وذريته » [1] ، وعن أبي الحسن : «إصلاح الأمة بنا».

وهذا هو منطلق مشروع الإمام الحسين وحركته المباركة، حيث أبرز أنَّ هدفها الإصلاح من جهة إعادة أمر الأمة إلى مركز الإصلاح الحقيقي، وهو أهل بيت النبوة .

المعلم الثاني: تجليات الإصلاح.

فمنها: الإصلاح العام، كما في قوله عز وجل: ﴿إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِي، وقوله: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ [الأعراف: 142]، وقوله: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ [هود: 88]، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ [الشعراء: 152].

ومنها: الإصلاح الخاص، كالإصلاح بين الناس نحو ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات: 10]، وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ [الأنفال: 1]، وإصلاح الداخل الأسري، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا [النساء: 35]، وقوله تعالى: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الأحقاف: 15].

ومنها: أن إصلاح الإنسان درجة من درجات التقوى، كما قال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [الأعراف: 35].

المعلم الثالث: علاقة الصلاح الاقتصادي بصلاح الإنسان.

إنَّ الصلاح الاقتصادي المرهون بتوفر الثروات ووصولها إلى المجتمع وصولًا عادلًا، والقدرة على استثمارها بما يضمن مصلحة الأجيال البشرية مهما امتد بها الزمن، كله مرتكز على صلاح نفس الإنسان روحًا وعلمًا وسلوكًا، وقد أشارت الآیات القرآنية لهذه الحقيقة بوضوحن كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود: 117]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: 56]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [المؤمنون: 51].

النقطة الثانية: علاقة فلسفة التشريع بالرؤية الإصلاحية.

إنَّ فلسفة التشريع انبثقت من الرؤية الإصلاحية في القرآن الكريم، حيث إنَّ محور التشريع الفقهي يرتكز على الربط بين صلاح الظاهر والباطن، وصلاح الفرد والمجتمع، ضمن نظام دقيق يقتضي تحول الصلاح إلى ملكة في الفرد وحضارة للمجتمع، وانطلاقًا من هذه الفلسفة المتكاملة تنوّع الفقه إلى الفقه الفردي والفقه الاجتماعي، فالفقه الفردي ما كان محوره الإنسان من حيث سلوكه أو علاقته بالله أو علاقته بالطبيعة، سواء كان الحكم تكليفيًا كالوجوب والحرمة، أو وضعيًا كملكيته بالحيازة واستحقاقه بالسبق ونحو ذلك.

والفقه الاجتماعي ما كان محوره العلاقة بين طرفين، سواء كانت علاقة تكليفية كحرمة الظلم ومطلوبية المعاشرة بالمعروف، أو علاقة وضعية كالإجارة والمضاربة والإرث، وينقسم الفقه الاجتماعي لعدة أقسام تختلف باختلاف الموضوع والهدف:

الأول: الفقه الولايتي.

وهو عبارة عما تقوم به السلطة التشريعية المتمثلة بالمعصوم ونائبه من القوانين العامة في حق المجتمع لملء منطقة الفراغ بما يسهم في تحقيق العدالة العامة.

الثاني: الفقه المعاملي.

وهو ما كان محوره المعاملة بين شخصين أو شخص وجهة، فالأول كسائر المعاملات من البيع والإجارة والمضاربة والقرض، والثاني كالوقف والخمس والزكاة من حيث الجنبة المعاملية، وإن كانا من حيث الجنبة التكليفية من الفقه الفردي.

الثالث: الفقه الجزائي.

وهو ما كان محوره المفردة الجزائية نتيجة سلوك غير مشروع بطبعه تجاه الآخر، سواء كان عمدًا أو خطأً، وسواء كانت المفردة عقوبة جسدية كالحدود والتعزيرات، أو كانت استحقاقًا ماديًا كالديات، أو كانت غرامة تكليفية كالكفارات.

الرابع: الفقه الإصلاحي.

وهو ما كان محوره ردم منافذ الفساد في العلاقات الاجتماعية من خلال وضع طرق وقائية وأساليب علاجية، وله ثلاثة أصناف:

الصنف الأول: الإصلاح التمهيدي، وهو ما كان محوره سلوك الغير تمهيدًا ومقدمة لسد أبواب الفساد العام، وهو عبارة عن رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي يرجع إلى نوع من الولاية للمسلم على أخيه، يهدف من خلالها لإصلاحه وقايةً للمجتمع عن الفساد.

الصنف الثاني: الإصلاح الردعي، وهو عبارة عن فقه القضاء الذي يتلخص في فض الخصومات والمنازعات وردّ الحقوق لأهلها.

الصنف الثالث: الإصلاح الإنمائي، وهو عبارة عن الحقوق التي وضعها القانون السماوي ابتداءً لعلة غائية أو فاعلية أو موضوعية، فالأول كحق الوليد على أبويه في الإرضاع والحضانة، والثاني كحق الإنسان في نماء أمواله واستثمار جهوده، والثالث كالحقوق الزوجية والأسرية والأخوة الدينية وحقوق المواطنة.

والكلام فعلًا في الفقه الإصلاحي في صنفه الأول، وهو الإصلاح التمهيدي المتمثل في حركة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والبحث فيه من ناحية وجوبه وحدوده وشرائطه ومراتبه، وهنا عدة محاور:

المحور الأول: هل الوجوب عقلي أم شرعي؟

هل وجوب الإصلاح عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير هو عقلي أم شرعي؟ فقد يستدل على الوجوب العقلي بأحد وجهين:

الوجه الأول: ما في شرح التبصرة للمحقق العراقي، ويبتني على مقدمتين:

المقدمة الأولى: إن الأمر بالمعروف دخيل في حفظ النظام العام، كما أرشدت إليه الرواية في قوله : «فَرِيضَةٌ عَظِيمَةٌ بِهَا تُقَامُ الْفَرَائِضُ وَتَأْمَنُ الْمَذَاهِبُ وَتَحِلُّ الْمَكَاسِبُ وَتُرَدُّ الْمَظَالِمُ» [2] .

المقدمة الثانية: إن حفظ النظام واجب عقلًا، أو أنه يقبح الإخلال به عقلًا.

فمقتضى المقدمتين وجوب الإصلاح عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجوبًا مقدميًا.

ويلاحظ على هذا الدليل أن كثيرًا من المنكرات لا دخل لها في حفظ النظام العام، كالمعاصي الفردية التي يبتلي بها كثير من المكلفين، وحينئذٍ فلو تم هذا الدليل فهو أخصّ من المدعى.

الوجه الثاني: إنّ العقل كما يستقل بمنع وقوع ما كان مبغوضًا في نفسه، كتلف النفس المحترمة واختلال النظام، فإنه يستقل أيضًا بمنع ما كان صدوره من المكلف مبغوضًا على نحو القبح الفاعلي أو القبح الصدوري.

ويلاحظ على ذلك:

أولًا: لا ملازمة عقلًا بين مبغوضية صدور العمل من المكلف واستقلال العقل بضرورة المنع من صدوره إلا في القضايا الخطيرة عقلًا، كالقتل والظلم ونحو ذلك.

وثانيًا: إنّ الغرض من المنع والنهي مختلف، فإنَّ الغرض من النهي عن المنكر إيجاد الزاجر في نفس المكلف، بينما الغرض من المنع عدم الصدور من أجل عدم ترتب المفسدة، فاستقلال العقل للمنع من الصدور لا يعني استقلاله بضرورة النهي من أجل إيجاد الزاجر عن الفعل.

هذا بالنسبة إلى الوجوب العقلي.

وأما الوجوب الشرعي فقد استدل له بعدة وجوه:

الوجه الأول: قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران: 104]، بلحاظ أن ظاهر الأمر هو الإلزام، ولا ينافي ظهورها في الإلزام ورود ذيلها في سياق المدح؛ إذ لا تنافي بين سياق المدح وظهور الأمر في الإلزام.

الوجه الثاني: قوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [لقمان: 17]، إلا أن يناقش في ذلك بأنّ هذه الأوامر وردت في سياق الموعظة، ووردها في سياق الموعظة مانع من ظهورها في الوجوب.

الوجه الثالث: قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ [آل عمران: 110]، بتقريب أن قرن الأمر بالمعروف بالإيمان بالله شاهد على لزومه كلزوم الإيمان بالله.

ولكنه محل تأمل؛ فإنَّ قرن الأمر بالمعروف بالإيمان بالله إنما هو بلحاظ دخله في كون الأمة أفضل الأمم، لا من تمام الجهات.

الوجه الرابع: ما يستفاد من تمام الروايات الواردة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي على طوائف:

الطائفة الأولى: ما دل على أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما في الوسائل ج11 ص293.

الطائفة الثانية: ما دل على أهميتهما، كما في الكافي ج5 ص55، وفي الوسائل ج11 ص395.

الطائفة الثالثة: ما دل على التحذير من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، باب 1 حديث 12 وباب 3 حديث 10 وباب 1 حديث 5 وباب 4 حديث 1.

وبعض هذه الروايات وإن ضعف سندها إلا أنّ مجموعها يفيد التواتر الإجمالي المتقوّم بصدور البعض الدال على المطلوبية على نحو الإلزام.

المحور الثاني: هل الوجوب عيني أم كفائي؟

ولا يبعد القول بكونه وجوبًا كفائيًا، لا لأجل ظهور الآية المباركة: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ [آل عمران: 104] في الوجوب الكفائي، بلحاظ أن كلمة «من» كما تحتمل التبعيض تحتمل البيانية، فكأنه قال: ولتكونوا أمة داعية إلى الخير تأمرون بالمعروف.

ولا لأجل السيرة، بدعوى أن سيرة المتشرعة قائمة على الاكتفاء بالبعض في هذا المجال، لعدم إحراز قيامها على الاكتفاء بالبعض حتّى مع قدرة الجميع على التصدي لذلك، لما للجميع في التأثير في مجال النهي عن المنكر.

وإنما الدليل على الوجوب الكفائي معتبرة مسعدة بن صدقة، بناء على اتحاده مع مسعدة بن زياد الموثق من قبل النجاشي، «عن مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ وَسُئِلَ عَنِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ - أَ وَاجِبٌ هُوَ عَلَى الْأُمَّةِ جَمِيعًا فَقَالَ لَا - فَقِيلَ لَهُ وَلِمَ قَالَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْقَوِيِّ الْمُطَاعِ - الْعَالِمِ بِالْمَعْرُوفِ مِنَ الْمُنْكَرِ - لَا عَلَى الضَّعِيفِ الَّذِي لَا يَهْتَدِي سَبِيلًا إِلَى أَيٍّ - مِنْ أَيٍّ يَقُولُ مِنَ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ - وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَوْلُهُ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ - وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَهَذَا خَاصٌّ غَيْرُ عَامٍّ - كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَمِنْ قَوْمِ مُوسىٰ - أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ وَلَمْ يَقُلْ عَلَى أُمَّةِ مُوسَى وَلَا عَلَى كُلِّ قَوْمِهِ - وَهُمْ يَوْمَئِذٍ أُمَمٌ مُخْتَلِفَةٌ - وَالْأُمَّةُ وَاحِدٌ فَصَاعِدًا - كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ‌ وَجَلَّ إِنَّ إِبْرٰاهِيمَ كٰانَ أُمَّةً قٰانِتًا لِلّٰهِ يَقُولُ مُطِيعًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ - وَلَيْسَ عَلَى مَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْهُدْنَةِ مِنْ حَرَجٍ - إِذَا كَانَ لَا قُوَّةَ لَهُ وَلَا عَدَدَ وَلَا طَاعَةَ قَالَ مَسْعَدَةُ وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ وَسُئِلَ عَنِ الْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ - إِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ إِمَامٍ جَائِرٍ مَا مَعْنَاهُ - قَالَ هَذَا عَلَى أَنْ يَأْمُرَهُ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ - وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَقْبَلُ مِنْهُ وَإِلَّا فَلَا» [3] .

أو لأنّ ظاهر سياق أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كون الغرض منه إيجاد الزاجر أو الباعث في نفوس المخاطبين، ومن الواضح أن تحقيق هذا الغرض مما يكفي فيه تحقيق البعض للوظيفة.

وقد يقال بأنه يكفي في سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اتصاف الشخص بكونه آمرًا وناهيًا أو اتصاف الأمة بكونها آمرة وناهية، بلا حاجة إلى تحقق الارتداع أو توفر الزاجر في نفس المكلفين عن المنكر.

ولكن يلاحظ على ذلك: أنّ دلالة الآيات ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ [آل عمران: 104] أو ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ [آل عمران: 110] على مطلوبية الوصف وهو وصف الآمرية لا لموضوعية في الوصف، بل لكونه طريقًا لتحقيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بما هو في إطار إيجاد الزاجر والباعث، مضافًا لمنافاة ذلك لما ورد في الرواية الشريفة: «به تقام الفرائض وتأمن المذاهب وترد المظالم»، مما ظاهره عدم كفاية وصف الآمرية والناهوية في تحقق الامتثال، والنتيجة هي عدم ثبوت الوجوب العيني.

ولكن ذهب بعض الأعلام «دام ظله» في منهاج الصالحين إلى وجوب إظهار الكراهة قولًا أو فعلًا وجوبًا فعليًا، لما ورد عن أمير المؤمنين في معتبرة النوفلي: «عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ‌ قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ أَنْ نَلْقَى أَهْلَ الْمَعَاصِي بِوُجُوهٍ مُكْفَهِرَّةٍ» [4] .

ومما يؤكد نظر الرواية لباب النهي عن المنكر لا لخصوصية في المورد: ما نقله الشيخ في التهذيب لمتن الرواية «عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ : أَدْنَى الْإِنْكَارِ أَنْ يُلْقَى أَهْلُ الْمَعَاصِي بِوُجُوهٍ مُكْفَهِرَّةٍ» [5] .

ولكن يلاحظ على الاستدلال بها مضافًا لعدم ظهورها في الوجوب العيني، أن هنالك فرقًا بين عنوان أهل المعاصي وبين عنوان من عصى، فمطلوبية لقاء من يصدق عليه أنه من أهل المعاصي بوجوه مكفهرة لا يعني أن ذلك مطلوب عيني مقابل كل من صدرت منه المعصية.

المحور الثالث: في تحديد مفهوم المعروف والمنكر.

إن المعروف ما كان حسنًا عقلًا أو شرعًا، وبهذه السعة يشمل القضايا العبادية والمعاملية، وكل مناحي الحياة من الأمور الاقتصادية والتدبيرية، فالمعروف يصدق على الإسهام في صنع اقتصاد مثمر، وبناء بيئة صحّية، وإنتاج تعليم مفيد للمجتمع البشري، وتطبيق نظام عادل.

ولذلك أرشدت الآية المباركة إلى أن في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خير الأمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ [آل عمران: 110]، وكذلك في قوله تعالى ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران: 104].

المحور الرابع: مقومات وشرائط وجوب الإصلاح.

وقد ذكرت في كلمات الفقهاء مجموعة من الشروط لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

الشرط الأول: معرفة المعروف والمنكر:

والظاهر أنه شرط مقدمي أو ظاهري، وليس شرطًا نفسيًا واقعيًا، فمعرفة المعروف والمنكر مطلوبة عقلًا من باب المقدمة الإنية لإحراز عدم النهي عن المعروف وعدم الأمر بالمنكر، أو لإحراز أن ما فعله الآخر منكر كي يكون موضوعًا للنهي، وإلا فمقتضى أصالة الصحّة حمل فعل الغير على عدم المعصية.

وقد يقال: إنّ ظاهر موثقة مسعدة بن صدقة أنه شرط واقعي، حيث ذكرت المعرفة في سياق تعداد الشرائط النفسية الواقعية لوجوب الأمر بالمعروف، إلا أن مقتضى مناسبة الحكم للموضوع حمل الشرطية على الطريقية والمقدمية، حيث إنّ موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما كان معروفًا واقعيًا ومنكرًا واقعيًا.

الشرط الثاني: احتمال التأثير:

 بمعنى أن شرط وجوبه ألا يعلم عدم التأثير، لا أن شرط وجوبه أن يعلم التأثير، والوجه في ذلك قد يقرّب بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع عدم التأثير لغو، فمقتضى نفي اللغوية اعتبار احتمال التأثير.

ولكن هذا محل تأمل، إذ يحتمل من الأمر والنهي مجرد التذكير والتنبيه وعدم الغفلة، أو أن الغرض منه إشاعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحيث يكون ذلك مانعًا من جرأة البعض عليه أو إعلانه.

كما وقد يستدل على ذلك بأنه مقتضى مناسبة الحكم للموضوع، حيث أن الظاهر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كونهما طريقًا لتحقيق المعروف ومحو المنكر.

وهذا محل تأمل أيضًا، إذ لا يظهر من سياق الأدلة أن المنظور فيها وجود المعروف ومحو المنكر، بل الغرض المنظور هو إيجاد الداعي للمعروف والزاجر عن المنكر.

وقد يستدل ثالثًا: بأنّ مقتضى إطلاق الأدلة وجوبهما مطلقًا، وقد خرجنا عن هذا الإطلاق في فرض إباء الائتمار بالأمر بالمعروف والانتهاء بالنهي عن المنكر بموثقة مسعدة، فيبقى تحت الإطلاقات فرض احتمال التأثير، ومقتضى الإطلاق أيضًا كفاية احتمال التأثير ولو قام ظن على خلافه، نعم لو أحرز عدم التأثير تعبدًا بقيام أمارة معتبرة على ذلك لم يجب.

هذا مضافًا إلى إطلاق معتبرة «الرَّيَّانِ بْنِ الصَّلْتِ قَالَ: جَاءَ قَوْمٌ بِخُرَاسَانَ إِلَى الرِّضَا فَقَالُوا - إِنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ يَتَعَاطَوْنَ أُمُورًا قَبِيحَةً - فَلَوْ نَهَيْتَهُمْ عَنْهَا فَقَالَ لَا أَفْعَلُ قِيلَ وَلِمَ - قَالَ لِأَنِّي سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ النَّصِيحَةُ خَشِنَةٌ» [6] .

وحيث إنّ المدار على احتمال التأثير وجدانًا ما لم تقم أمارة معتبرة على خلافه، فيجب التوسل بالوسائل المختلفة المحققة لإيجاد الداعي وبعث الزاجر، كما لو كان يحتمل التأثير بالفعل الجمعي دون الفردي، أو بإعداد الوسائل المتعددة دون الوسيلة الواحدة.

ولكن في كلمات جملة من الفقهاء دعوى قيام السيرة على خلاف ذلك، وذلك بالاكتفاء بالوسيلة المتعارفة أو العمل الفردي، إلا أنّ إثبات اتحاد هذه السيرة بزمان المعصوم بحيث تكون موضوعًا للحجية غير تام.

الشرط الثالث: كون الفاعل مصرًا على المعصية، وهنا موردان:

المورد الأول رفع المنكر، وفيه عدة صور:

الصورة الأولى: ألا يكون النهي أو الأمر متنجزًا في حق الفاعل لغفلته أو لجهله القصوري، ومن الواضح انتفاء الوجوب في هذه الصورة لانتفاء موضوعه، حيث إنّ ما صدر منه ليس مصداقًا للمنكر.

الصورة الثانية: أن يكون الأمر أو النهي متنجزًا في حقه ولكن أحرزت توبته بوجدان أو أمارة معتبرة، وقد ذهب جملة من الفقهاء في هذا الفرض إلى عدم الوجوب، حيث إنّ المستظهر من أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنّ منظور سياقها الزجر عن العود والحمل على الطاعة، فإذا قامت الأمارة على تراجعه وتوبته فلا مورد لها.

وقد يناقَش في ذلك أن الأدلة مطلقة، وموضوعها من فعل المنكر وإن علم بعدم عوده، كما يرد على ذلك أنّ لازم ما أفيد أنه لو علم بعدم عوده لم يجب نهيه وإن لم تتحقق منه التوبة أو الندم، وهو بعيد. نعم، من لم يتب فهو موضوع لأمر جديد بالمعروف، وهو الأمر بالتوبة لكونها من الواجبات الشرعية - مضافًا لكونها واجبًا عقليًا - بمقتضى ظهور الأوامر الواردة في الكتاب والسنة في الوجوب.

الصورة الثالثة: أن يحتمل توبته وانصرافه، وقد ذهب جمع من الفقهاء هنا إلى عدم الوجوب لنفس النكتة السابقة، ولذلك أفيد أنه مع الشك في كونه مصرًّا تجري البراءة عن وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحيث سبق النقاش في استظهار هذه النكتة من الأدلة فمقتضى الإطلاقات وجوب النهي ما لم تقم أمارة معتبرة على تراجعه.

المورد الثاني: دفع المنكرات.

وقد ذهب بعض الفقهاء الى وجوبه بمناسبة الحكم للموضوع، إذ الغرض المستظهر عنده أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للتوسل به لرفع المنكر وفعل المعروف ولعدم احتمال خصوصية للرفع، مضافًا لعدم تصور الرفع أصلًا، إذ الشيء لا ينقلب عما وقع عليه، ومقتضى ذلك أن مؤدّى النهي في تمام الموارد والمصاديق هو الدفع لا الرفع، ولكن كل ذلك مبني على أنّ الغرض المنظور من سياق الأدلة هو محو المنكر وإيجاد المعروف، وأما لو استظهر أنّ الغرض منها التذكير والتنبيه أو إيجاد الباعث والزاجر أو إشاعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا دليل ناهض حينئذٍ على وجوب الدفع.

الشرط الرابع: عدم ورود ضرر عليه نفسًا أو عرضًا أو مالًا أو على غيره، وهنا اتجاهات ثلاثة:

الاتجاه الأول: ما ذكره سيدنا الخوئي «قده» في منهاج الصالحين من التفصيل بين عدم إحراز التأثير، فلا يجب الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر في فرض الضرر أو الحرج لحكومة «لا ضرر» و«لا حرج»، وبين إحراز التأثير، فتدخل المسألة في باب التزاحم بين الأمر بالمعروف وبين حرمة ارتكاب الضرر إذا كان من الضرر المحرم، فيندرج تحت قواعد باب التزاحم من تقديم الأهم على المهم.

الاتجاه الثاني: أن يقال بمقتضى إطلاق دليل «لا ضرر» حكومته على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من دون تفصيل بين مورد عدم إحراز التأثير وبين مورد إحراز التأثير.

الاتجاه الثالث: قد يقال إنّ ورود «لا ضرر» و«لا حرج» مورد الامتنان مانع من شمولهما لفرض ترتب أثر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو كان ذلك الأثر التذكير أو التنبيه أو إشاعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين المؤمنين، حيث إنّ حكومتهما على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مثل هذا الفرض خلاف الامتنان على الأمة، مضافًا إلى أنّ كثرة النصوص الواردة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولحن التغليظ على تركه الوارد في تلك الأدلة يرشد إلى أنّ موارد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأمور التي يحرز مطلوبية الشارع لها على كل حال، كسائر الموارد المهمة والخطيرة، ومن الواضح عدم شمول «لا ضرر» و«لا حرج» لمثل هذه الموارد، فحينئذٍ لا بدّ من التفصيل بين القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبين حجم الضرر الذي يحرم ارتكابه.

الشرط الخامس: أن يكون الآمر والناهي مؤتمرًا ومنتهيًا، وقد يستدل له بوجوه:

الأول: قوله عز وجل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [البقرة: 44]، ويلاحظ على الاستدلال أنّ مصب الذم عدم الائتمار بالمعروف وليس عدم امتثال الأمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الثاني: قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف: 3]، ولكن من المحتمل أنّ مصب الذم خلف العهد أو عدم تطبيقه، لا أنّ مصب الذم عدم القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الثالث: مرسلة ابن أبي عمير رَفَعَهُ إِلَى «أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: إِنَّمَا يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ - مَنْ كَانَتْ فِيهِ ثَلَاثُ خِصَالٍ - عَامِلٌ بِمَا يَأْمُرُ بِهِ - تَارِكٌ لِمَا يَنْهَى عَنْهُ - عَادِلٌ فِيمَا يَأْمُرُ - عَادِلٌ فِيمَا يَنْهَى - رَفِيقٌ فِيمَا يَأْمُرُ - رَفِيقٌ فِيمَا يَنْهَى» [7] ، ولكن قد يناقش في ذلك بعدم كونها في مقام البيان من جهة شرائط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل قد تكون في مقام بيان خصائص الأمر المؤثر والنافذ.

والنتيجة: أن لا دليل على اعتبار هذا الشرط. نعم، من لم يأتمر بما أمر ولم ينته بما نهى فقد ارتكب المعصية، ولكن امتثل وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمقتضى إطلاق الأدلة.

وقد يستدل على ذلك بما ذكره الشيخ في النهاية: «والأمر بالمعروف يكون باليد واللّسان. فأمّا باليد، فهو أن يفعل المعروف ويجتنب المنكر على وجه يتأسّى به النّاس» [8] .

وصاحب الجواهر: «نعم، من أعظم أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأعلاها وأتقنها وأشدها تأثيرًا خصوصا بالنسبة إلى رؤساء الدين أن يلبس رداء المعروف واجبه ومندوبه، وينزع رداء المنكر محرمه ومكروهه، ويستكمل نفسه بالأخلاق الكريمة وينزهها عن الأخلاق الذميمة، فإن ذلك منه سبب تام لفعل الناس المعروف، ونزعهم المنكر، وخصوصًا إذا أكمل ذلك بالمواعظ الحسنة المرغبة والمرهبة، فإن لكل مقام مقالًا، ولكل‌ داء دواء، وطب النفوس والعقول أشد من طب الأبدان بمراتب كثيرة، وحينئذ يكون قد جاء بأعلى أفراد الأمر بالمعروف، نسأل الله التوفيق لهذه المراتب» [9] .

وهو موافق لما ورد في لسان الروايات، ولكن يلاحظ على ذلك أنّ غايته أنّ من الطرق المرغوبة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ائتمار الآمر وانتهاء الناهي لقوة تأثيره في نفوس العارفين به، ولا دلالة في ذلك على اللزوم.

المحور الخامس: مراحل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وقد تعرض الفقهاء لهذه المراتب:

المرتبة الأولى: الإنكار بالقلب، بمعنى إظهار الكراهة، واستدل على ذلك بمجموعة من الروايات في الباب الثالث من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد ناقش في جميعها في مباني المنهاج بضعف السند وقصور الدلالة على ترتيب مراحل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ويضاف إلى ذلك أمران:

الأمر الأول: قد يقال بتوثيق يحيى الطويل برواية ابن أبي عمير عنه بناء على تسليم الكبرى، غير أن ظهورها في الوجوب محل تأمل، والوجه في ذلك عدم نهوض دلالة متن الرواية على ذلك، فقد روى عن أبي عبد الله : «عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَسْبُ الْمُؤْمِنِ عِزًّا إِذَا رَأَى مُنْكَرًا أَنْ يَعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ قَلْبِهِ إِنْكَارَهُ» [10] ، فهي في مقام بيان أنّ ذلك من كمالات المؤمن، وليست في مقام بيان الإلزام.

الأمر الثاني: قد يستدل بمعتبرة النوفلي: «قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ أَنْ نَلْقَى أَهْلَ الْمَعَاصِي بِوُجُوهٍ مُكْفَهِرَّةٍ».

وقد مضى التأمل في دلالتها على كون إظهار الكراهة في مقابل أهل المعاصي من موارد النهي عن المنكر، مضافًا لقصور دلالتها على الترتيب.

المرتبة الثانية: اللسان، وقد فسّره في منهاج الصالحين بالموعظة والنصح بما يستلزم ذلك عرفًا من الترغيب والترهيب، وناقش في ذلك في مباني المنهاج بأن الوارد في لسان الأدلة عنوان الأمر والنهي، ولا ظهور فيهما في مطلوبية النصح والموعظة، وسيأتي التأمل في ذلك في سياق البحث.

المرتبة الثالثة: الإنكار باليد، والكلام في هذه المرتبة في مطالب:

المطلب الأول: في الدليل على جواز التصرف في شؤون الغير من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو وجوه:

الوجه الأول: ما يستفاد من رواية جابر من أن الغرض المنظور للشارع في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من إقامة الفرائض ورد المظالم، وهو مما يتوقف على استخدام اليد عادة، لعدم كفاية القول والخطاب في تحقق ذلك.

ويلاحظ عليه - مضافًا إلى التأمل في السند - أنه لا ظهور في الرواية في كون ذلك حيثية تقييدية للأمر بالمعروف، بل غاية مفادها أن في الأمر بالمعروف اقتضاءً إعداديًا لهذا الغرض الأقصى المنظور شرعًا. وبعبارة أخرى: إن الرواية في مقام بيان ما يترتب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الفوائد المهمة، وليست في مقام بيان إناطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بتحقق هذه الأغراض.

الوجه الثاني: ما ذكره في الجواهر من أنّ مقتضى مناسبة الحكم للموضوع في أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كثرتها أنّ المصحح لإيجابه التوسل به لإيجاب المعروف وإعدام المنكر.

ونوقش في ذلك من قبل المستمسك بأن غاية ما يظهر من لسان الأدلة أنّ الغرض المنظور إيجاد الداعي للمعروف في نفس المخاطب وغرس الزاجر عن المنكر، ولذا لا يكتفى بمجرد الأمر والنهي مصححًا لصدق الآمر والناهي عليه، خلافًا لما استظهره في مباني المنهاج من كفاية صدق الأمر والنهي على ما يصدر منه وإن لم يكن بعنوان الموعظة والنصح.

الوجه الثالث: ما يمكن أن يقوّى به مطلب صاحب الجواهر بما ورد من أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر «عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: سُئِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ الْإِيمَانِ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ الْإِيمَانَ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ عَلَى الصَّبْرِ وَالْيَقِينِ وَالْعَدْلِ وَالْجِهَادِ فَالصَّبْرُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ عَلَى الشَّوْقِ وَالْإِشْفَاقِ وَالزُّهْدِ وَالتَّرَقُّبِ فَمَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْجَنَّةِ سَلَا عَنِ الشَّهَوَاتِ وَمَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ رَجَعَ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ وَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا هَانَتْ عَلَيْهِ الْمُصِيبَاتُ وَمَنْ رَاقَبَ الْمَوْتَ سَارَعَ إِلَى الْخَيْرَاتِ وَالْيَقِينُ عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ - تَبْصِرَةِ الْفِطْنَةِ وَتَأَوُّلِ الْحِكْمَةِ وَمَعْرِفَةِ الْعِبْرَةِ وَسُنَّةِ الْأَوَّلِينَ فَمَنْ أَبْصَرَ الْفِطْنَةَ عَرَفَ الْحِكْمَةَ وَمَنْ تَأَوَّلَ الْحِكْمَةَ عَرَفَ الْعِبْرَةَ وَمَنْ عَرَفَ الْعِبْرَةَ عَرَفَ السُّنَّةَ وَمَنْ عَرَفَ السُّنَّةَ فَكَأَنَّمَا كَانَ مَعَ الْأَوَّلِينَ وَاهْتَدَى إِلَى الَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَنَظَرَ إِلَى مَنْ نَجَا بِمَا نَجَا وَمَنْ هَلَكَ بِمَا هَلَكَ وَإِنَّمَا أَهْلَكَ اللَّهُ مَنْ أَهْلَكَ بِمَعْصِيَتِهِ وَأَنْجَى مَنْ أَنْجَى بِطَاعَتِهِ وَالْعَدْلُ عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ غَامِضِ الْفَهْمِ وَغَمْرِ الْعِلْمِ وَزَهْرَةِ الْحُكْمِ وَرَوْضَةِ الْحِلْمِ فَمَنْ فَهِمَ فَسَّرَ جَمِيعَ الْعِلْمِ وَمَنْ عَلِمَ عَرَفَ شَرَائِعَ الْحُكْمِ وَمَنْ حَلُمَ لَمْ يُفَرِّطْ فِي أَمْرِهِ وَعَاشَ فِي النَّاسِ حَمِيدًا وَالْجِهَادُ عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالصِّدْقِ فِي الْمَوَاطِنِ وَشَنَآنِ الْفَاسِقِينَ فَمَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ شَدَّ ظَهْرَ الْمُؤْمِنِ وَمَنْ نَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ أَرْغَمَ أَنْفَ الْمُنَافِقِ وَأَمِنَ كَيْدَهُ وَمَنْ صَدَقَ فِي الْمَوَاطِنِ قَضَى الَّذِي عَلَيْهِ وَمَنْ شَنِئَ الْفَاسِقِينَ غَضِبَ لِلَّهِ وَمَنْ غَضِبَ لِلَّهِ غَضِبَ اللَّهُ لَهُ فَذَلِكَ الْإِيمَانُ وَدَعَائِمُهُ وَشُعَبُهُ» [11] .

وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ جَاءَنِي جَبْرَئِيلُ فَقَالَ لِي يَا أَحْمَدُ الْإِسْلَامُ عَشَرَةُ أَسْهُمٍ وَقَدْ خَابَ مَنْ لَا سَهْمَ لَهُ فِيهَا أَوَّلُهَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَهِيَ الْكَلِمَةُ وَالثَّانِيَةُ الصَّلَاةُ وَهِيَ الطُّهْرُ وَالثَّالِثَةُ الزَّكَاةُ وَهِيَ الْفِطْرَةُ وَالرَّابِعَةُ الصَّوْمُ وَهِيَ الْجُنَّةُ وَالْخَامِسَةُ الْحَجُّ وَهِيَ الشَّرِيعَةُ وَالسَّادِسَةُ الْجِهَادُ وَهُوَ الْعِزُّ وَالسَّابِعَةُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَهُوَ الْوَفَاءُ وَالثَّامِنَةُ النَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَهِيَ الْحُجَّةُ وَالتَّاسِعَةُ الْجَمَاعَةُ وَهِيَ الْأُلْفَةُ وَالْعَاشِرَةُ الطَّاعَةُ وَهِيَ الْعِصْمَةُ قَالَ حَبِيبِي جَبْرَئِيلُ إِنَّ مَثَلَ هَذَا الدِّينِ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ ثَابِتَةٍ الْإِيمَانُ أَصْلُهَا وَالصَّلَاةُ عُرُوقُهَا وَالزَّكَاةُ مَاؤُهَا وَالصَّوْمُ سَعَفُهَا وَحُسْنُ الْخُلُقِ وَرَقُهَا وَالْكَفُّ عَنِ الْمَحَارِمِ ثَمَرُهَا فَلَا تَكْمُلُ شَجَرَةٌ إِلَّا بِالثَّمَرِ كَذَلِكَ الْإِيمَانُ لَا يَكْمُلُ إِلَّا بِالْكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ» [12] .

فجعلت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في عداد أهم الفرائض كالصلاة والزكاة والصوم والحج، وعبّر عنه وهو الحجة، ولعله لأجل ذلك جعلته الآية في حديثها عن الرسول أول صفة له في التوراة والإنجيل: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: 157].

كما قرن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالإيمان بالله بل قدم عليه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ [آل عمران: 110]، بل لم يظهر من القرآن الكريم التأكيد على فريضة بعد الصلاة والزكاة والجهاد كتأكيده على فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومقتضى المدلول الالتزامي لمجموع هذه النصوص لحاظ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على نحو الطريقية لتحقيق المعروف خارجًا، وإلا فلو كان المنظور مجرد بعث الداعي وإيجاد الزاجر لم يكن وجه لتظافر هذه الألسنة الدالة على الأهمية القصوى لمسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتأمل.

الوجه الرابع: ما ورد في تهذيب الأحكام.

وَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ : «مَنْ تَرَكَ إِنْكَارَ الْمُنْكَرِ بِقَلْبِهِ وَيَدِهِ وَلِسَانِهِ فَهُوَ مَيِّتٌ بَيْنَ الْأَحْيَاءِ فِي كَلَامٍ هَذَا خِتَامُهُ».

وَقَالَ الصَّادِقُ لِقَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِهِ: «إِنَّهُ قَدْ‌ حَقَّ لِيَ أَنْ آخُذَ الْبَرِي‌ءَ مِنْكُمْ بِالسَّقِيمِ وَكَيْفَ لَا يَحِقُّ لِيَ ذَلِكَ وَأَنْتُمْ يَبْلُغُكُمْ عَنِ الرَّجُلِ مِنْكُمُ الْقَبِيحُ وَلَا تُنْكِرُونَ عَلَيْهِ وَلَا تَهْجُرُونَهُ وَلَا تُؤْذُونَهُ حَتَّى يَتْرُكَهُ» [13] .

وما في مستدرك الوسائل 9 الْآمِدِيُّ فِي الْغُرَرِ، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ رَأَى مُنْكَرًا يُعْمَلُ بِهِ وَمُنْكَرًا يُدْعَى إِلَيْهِ فَأَنْكَرَهُ بِقَلْبِهِ فَقَدْ سَلِمَ وَبَرِي‌ءَ وَمَنْ أَنْكَرَ بِلِسَانِهِ فَقَدْ أُجِرَ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ وَمَنْ أَنْكَرَهُ بِسَيْفِهِ لِتَكُونَ حُجَّةُ اللَّهِ الْعُلْيَا وَكَلِمَةُ الظَّالِمِينَ السُّفْلَى فَذَلِكَ الَّذِي أَصَابَ سَبِيلَ الْهُدَى وَقَامَ عَلَى الطَّرِيقِ وَنَوَّرَ فِي قَلْبِهِ الْيَقِينُ‌».

وعن عَوَالِي اللآَّلِي، عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ شَيْ‌ءٌ مِنَ الْإِيمَانِ وَفِي رِوَايَةٍ إِنَّ ذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ‌».

وعن فقه الرِّضَا : «وَرُوِيَ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَانَ يَخْطُبُ فَعَارَضَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَدِّثْنَا عَنْ مَيِّتِ الْأَحْيَاءِ فَقَطَعَ الْخُطْبَةَ ثُمَّ قَالَ مُنْكِرٌ لِلْمُنْكَرِ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَيَدِهِ فَخِلَالُ الْخَيْرِ حَصَّلَهَا كُلَّهَا وَمُنْكِرٌ لِلْمُنْكَرِ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَتَارِكٌ لَهُ بِيَدِهِ فَخَصْلَتَانِ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ وَمُنْكِرٌ لِلْمُنْكَرِ بِقَلْبِهِ وَتَارِكٌ بِلِسَانِهِ وَيَدِهِ فَخَلَّةً مِنْ خِلَالِ الْخَيْرِ حَازَ وَتَارِكٌ لِلْمُنْكَرِ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَيَدِهِ فَذَلِكَ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ ثُمَّ عَادَ إِلَى خُطْبَتِهِ‌».

وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: «سَتَكُونُ فِتَنٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْمُؤْمِنُ أَنْ يُغَيِّرَ فِيهَا بِيَدٍ وَلَا لِسَانٍ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَفِيهِمْ يَوْمَئِذٍ مُؤْمِنُونَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَيَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ إِيْمَانِهِمْ شَيْئًا قَالَ لَا إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْقَطْرُ مِنَ الصَّفَا إِنَّهُمْ يَكْرَهُونَهُ بِقُلُوبِهِمْ» [14] .

حيث ورد في هذه الروايات الحث على إنكار المنكر باليد، ولكن ذلك كله لضعف سنده مما لا يصلح إلا للتأييد.

الوجه الخامس: وهو مؤلف من مقدمتين:

الأولى: أن عنوان الأمر والنهي في لسان الأدلة ليس منحصرًا في اللفظي منهما، فإن ظاهر استعمال عنوان مادة الأمر في الكتاب الكريم إرادة الداعوية الشديدة سواء كانت بالقول أو بالفعل الجوانحي أو الجوارجي، نحو ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة: 93]، ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: 268]، ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ [يوسف: 53]، ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا [النساء: 119]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [البقرة: 168 - 169]، ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ [الطور: 32]، ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت: 45]، ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى [النازعات: 40]. وحمل هذه الإطلاقات مع كثرتها على أنها استعمال مجازي منوط بالقرينة تكلّف واضح.

المقدمة الثانية: إنّ مقتضى إطلاق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعد المفروغية عن شموله للفعل الداعي للمعروف والزاجر عن المنكر وجوبه وإن استلزم تصرفًا فعليًا في شؤون الغير، ولو بالضرب أو المنع أو الحبس.

ويلاحظ عليه أولًا: إنّ تسليم عدم اختصاص عنوان الأمر والنهي باللفظ وشمولهما للفعل الداعي لفعل المعروف وترك المنكر لا يلازم سعتهما لمثل الدفع والحيلولة عن وقوع المنكر ولو باستعمال الحبس مثلًا.

وثانيًا: إذا كان شمول الإطلاق لمورد متوقفًا على ضميمة مؤونة زائدة وهي ثبوت الولاية على التصرف في جسم المأمور أو ماله أو سائر شؤونه لم يُسْتَفَد من الإطلاق نفسه تكفّله لإثبات هذه الضميمة، بل لا بد من قيام قرينة واضحة عليها مع غمض النظر عن الإطلاق، وإلا كان التمسك بالإطلاق لإثباتها من قبيل التمسك بالدليل في الشبهة الموضوعية لعين المناط.

الوجه السادس: ظهور الآية المباركة، وهي قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة: 71] في ثبوت الولاية للمؤمن على أخيه في الأمر والنهي، ومقتضى الإطلاق شمولها لكل ما يؤدّي لحمله على المعروف وترك المنكر، ولو كان باليد.

ولكن في الاستدلال تأمل واضح:

أولًا: لمنع ظهور الأولياء في الولاية بمعنى الأهلية والصلاحية، بل لعل المراد من الولاية القرب في النصرة والمحبة المقتضي لحمل المؤمن الآخر على المعروف وترك المنكر.

وثانيًا: على فرض ظهور العنوان في الولاية بالمعنى المصطلح فالآية في مقام بيان أصل الولاية وليست في مقام البيان من تمام الجهات من حيث موضوعها ولوازمها، كي يستفاد منها ثبوت الولاية على استخدام اليد بالضرب أو المنع أو الحبس في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مضافًا لتوقف الاستدلال بالآية على شمول عنوان الأمر لاستخدام اليد، فإننا وإن سلمنا شمول عنوان الأمر للفعل النفسي وهو الداعوية الشديدة فشموله لاستخدام اليد محل تأمل.

فتحصل من ذلك كله عدم البعد في دلالة ووفاء الأدلة لمطلوبية منع المنكر بالفعل وإن لم نسلم دلالتها على مثل ما يستلزم الإيلام كالضرب والحبس، إلا في المنكرات الخطيرة التي يتوقف رفعها على ذلك.

الوجه السابع: «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ: إِنَّ أُمِّي لَا تَدْفَعُ يَدَ لَامِسٍ فَقَالَ فَاحْبِسْهَا - قَالَ قَدْ فَعَلْتُ قَالَ فَامْنَعْ مَنْ يَدْخُلُ عَلَيْهَا - قَالَ قَدْ فَعَلْتُ قَالَ قَيِّدْهَا - فَإِنَّكَ لَا تَبَرُّهَا بِشَيْ‌ءٍ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ تَمْنَعَهَا - مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» [15] .

بتقريب: إنّ المستفاد من التعليل المذكور في الذيل أن مطلوبية المنع من محارم الله مسوغ لاستخدام اليد مع فاعل المنكر سواء كان أمًا أو أبًا أو غير ذلك، ويلاحظ على الاستدلال - مضافًا إلى أن جعل ذلك من أفضل البر بالأم مانع من كونها في مقام بيان وظيفة المسلم - أنّ ظاهر سياقها أنها في مقام بيان البر الحقيقي بالوالدين، وأنّ البر بهما بمنعهما عن المعصية، ولا علاقة لذلك بباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا أقل من عدم ظهورها في ذلك. بالإضافة إلى أنها واردة في مثل الزنا الذي هو من عظائم الكبائر، فالتعميم لمطلق المنكر غير فني.

المطلب الثاني: على فرض تمامية الأدلة الآمرة باستخدام اليد فإن ظاهرها عرفًا مطلق إعمال القدرة في التصدي للمنكر، ولو بالعمل على محوه في حدود ما لا يستلزم محرمًا آخر كالضرب والحبس، بلحاظ عدم تكفل الأدلة لمثل ذلك وإن كانت مطلقة من جهات أخرى، مع إمكان الدفع أو المحو بغير استخدام القوة.

المطلب الثالث: إنّ الترتيب بين الإنكار بالقلب والإنكار باللسان والإنكار باليد ليس مستندًا إلى ما ورد عن الرسول في عوالي اللئالي «وَقَالَ النَّبِيُّ : مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ شَيْءٌ مِنَ الْإِيمَانِ»، وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنَّ ذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَان» [16] ، لعدم تمامية سنده، وإنما الوجه في ذلك احتفاف أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بارتكازية عدم الولاية لأحد على أحد إلا في حدود الضرورة، فإنّ مقتضى الاحتفاف دورانه مدار ما يقتضيه دفع المنكر من درجة الولاية، كما يظهر من منهاج سيدنا الخوئي «قده» من كون الإنكار بالقلب واللسان في رتبة واحدة تمسّكًا بالإطلاق غير عرفي لاحتفاف هذا الإطلاق بهذا المرتكز القائم على عدم الولاية إلا في حدود الضرورة، ومن الواضح أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نوع تصرف في شؤون الغير.

[1]  تفسير القمي؛ ج‏1؛ ص236
[2]  الكافي «ط - الإسلامية»؛ ج‌5، ص: 56
[3]  وسائل الشيعة؛ ج‌16، ص: 126
[4]  الكافي «ط - الإسلامية»؛ ج‌5، ص: 58
[5]  تهذيب الأحكام؛ ج‌6، ص: 176
[6]  وسائل الشيعة؛ ج‌16، ص: 129
[7]  وسائل الشيعة؛ ج‌16، ص: 150
[8]  النهاية في مجرد الفقه والفتاوى؛ ص: 299
[9]  جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام؛ ج‌21، ص: 382
[10]  الكافي «ط - الإسلامية»؛ ج‌5، ص: 60
[11]  كما في الكافي «ط - الإسلامية»؛ ج‌2، ص: 50
[12]  علل الشرائع؛ ج‌1، ص: 249
[13]  تهذيب الأحكام؛ ج‌6، ص: 181
[14]  مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، ج‌12، ص: 193‌
[15]  وسائل الشيعة؛ ج‌28، ص: 150
[16]  عوالي اللئالي العزيزية، ج‌1، ص: 431‌

هل الدين منشأ الصراعات البشرية؟