نص الشريط
الحلقة 6 | دليل حساب الاحتمالات ونبوة الرسول (ص)
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 28/11/2019 م
مرات العرض: 276
المدة: 00:38:55
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (23) حجم الملف: 17.8 MB
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين

ذكرنا فيما سبق أن الاستدلال بالإعجاز على صدق النبوة بأحد وجوه ثلاثة:

1. دليل عقلي.

2. ودليل وضعي.

3. ودليل استقرائي.

وذكرنا في بيان الوجه الثاني، وهو أن تكون دلالة المعجزة على صدق النبوة بدلالة وضعية، أن هذه الدلالة تعتمد على مقدمتين:

المقدمة الأولى: أن دلالة إعطاء المعجزة بيد مدعي النبوة على صدقه دلالة وضعية وليست دلالة عقلية.

وبيان ذلك: إذا افترضنا أن شخصا قال أنا وكيل لوالدي في معاملاته وإيقاعاته وعقوده وسائر تصرفاته، وقد سمع الأب ذلك وقال صدقت، فإن دلالة قوله صدقت على تصديق مدعي الوكالة دلالة وضعية وليست عقلية، فإن نفس اللفظ «صدقت» يدل بالدلالة الوضعية العرفية أنه صادق في دعواه.

كذلك إذا كان التصديق بالفعل لا بالقول، كما إذا افترضنا أن الولد قال أنا وكيل أبي في جميع معاملاته، والدليل على ذلك أنه سيسلمني خاتمه الخاص أو توقيعه الخاص الذي لا يسلمه أحد، ومع التفات الأب لدعوى الابن سلمه خاتمه الخاص أو توقيعه الخاص، فحينئذ دلالة تسليم الخاتم الخاص أو التوقيع الخاص على صدق الولد في دعواه ليست عقلية وإنما هي دلالة وضعية، يعني بعد دعوى الولد أن الدليل على صدقي أن أُعطى هذا الخاتم، ومع ذلك الأب مع التفاته إلى ذلك سلمه الخاتم، فهذا يدل على تصديقه إياه وإمضائه كلامه بالدلالة الوضعية بلا حاجة إلى دلالة عقلية.

المقدمة الثانية: بعد أن يدعي شخص أنني نبي من قِبَل الله وأن الدليل على صدقي هو أن الله سيعطيني معجزة، ومع علم الله بدعواه أظهر المعجزة على يديه، فإعطاء المعجزة دليل على صدقه بالدلالة الوضعية، بلا حاجة إلى تحكيم عقلي، لكن ما الذي يدل على أن هذا التصديق واقعي وأنه فعلاً نبي من قبل الله تبارك وتعالى، وليس تصديقاً ظاهرياً؟ نحتاج إلى ضميمة أخرى وهي أن المعطي لهذه المعجزة لا يخطئ ولا يكذب.

نظير أن يأتي شخص فيقول أنا رسول لكم من قبل الحاكم الفلاني والدليل على صدقي أن الحاكم الفلاني سلمني خاتمه الخاص وتوقيع الخاص، والحاكم الفلاني فعلاً أعطاه ذلك الخاتم الخاص، فهنا نقول: ما هو الدليل على أن هذا صادق واقعاً بحيث نقطع بأنه صادق وأن دعواه مطابقة للواقع، ما الذي يوصلنا إلى درجة القطع؟ نحن ما زلنا في المقدمة الأولى نثبت التصديق الظاهري الوضعي، يعني نقول: ظاهر إعطائه خاتمه الخاص مع التفاته إلى دعواه، ظاهره أنه صدقه، هذا مجرد ظاهر، ولكن هذا لا يعني الوصول إلى النتيجة القطعية، فكيف نصل إلى النتيجة القطعية؟ حتى نصل إلى نتيجة قطعية أن هذا نبي قطعاً جزماً بلا تردد نحتاج إلى ضميمة، وهذا ما تتكفل به المقدمة الثانية.

المقدمة الثانية تقول: إذا كان من أعطاه الخاتم الخاص لا يخطئ ولا يكذب، إذا أراد أن يعطي غيره فأعطاه فهذا يعني أنه يخطئ، ولكنّا نقطع من الخارج بأنه شخص لا يخطئ، ونجزم بأنه لا يكذب، فلو سلمه الخاتم نجزم بأنه لم يسلمه الخاتم متعمداً مريداً بذلك أن يكذب على الناس وأن يصدقه كذباً على الناس، فنحتاج إلى كلا العنصرين: أنه لا يخطئ ولا يكذب، فإذا اجتمع كلا هذين العنصرين «أنه لا يخطئ ولا يكذب» فدعوى فلان أنه وكيل أو رسول من قبل الحاكم الفلاني دعوى قطعية مطابقة للواقع قطعاً؛ بدليل أن من أعطاه هذا الخاتم شخص لا يخطئ ولا يكذب.

كذلك في ناحية المعجزة، عندما يظهر الله المعجزة على يد شخص يدعي النبوة والله يعلم بدعواه، فالمفروض أن من أعطى المعجزة وهو الله تبارك وتعالى جهة لا تخطئ «بأن تكون أرادت أن تعطي فلاناً فأخطأت وأعطت فلاناً» ولا تكذب «بأن تكون أرادت أن تظهر أمراً خلاف الواقع»، فإذا أحرزنا أن الجهة التي هي مصدر الإعجاز وهي الله تبارك وتعالى جهة لا تخطئ ولا تكذب ثبت لنا من خلال دعوى هذا المدعي أنه نبي حقاً.

بهاتين المقدمتين أُثبت دلالة إعطاء المعجزة على صدق النبوة دلالة وضعية.

الملاحظة على هذا الاستدلال: هذا الاستدلال أيضا محل تأمل ومناقشة.

كما ناقشنا في الأسبوع السابق الاستدلال الأول وهو الاستخدام للدلالة العقلية، هذا الاستدلال أيضا مناقش.

والوجه في ذلك: ليس المناقشة في المقدمة الأولى، نعم هناك دلالة وضعية على التصديق، شخص يقول: أنا رسول من قبل فلان ودليل صدقي أنه يعطيني خاتمه الخاص، وهو يعطيه خاتمه مع التفاته إلى دعواه، هذا تصديق لدعواه، لكن هذا على مستوى التصديق الظاهري ونحن نريد بالمقدمة الثانية أن نتطور وننتقل من التصديق الظاهري إلى التصديق الواقعي، أنه صادق قطعاً، بمعنى أن نحصل على الجزم والقطع بصدق دعواه، هذا ما نريد أن نصل إليه في المقدمة الثانية.

فنقول في المقدمة الثانية: لا يكفي أن نحرز أنه لا يخطئ ولا يكذب، حتى نقطع بصدق نبوته نحتاج إلى عنصر ثالث وهو قبح التغرير والكذب، وبدون هذا العنصر الثالث لا نستطيع أن نجزم بأنه صادق في نبوته.

والسر في ذلك: أنه عندنا نحن ثلاثة أسئلة:

السؤال الأول: لعل من أعطاه المعجزة أخطأ، كان يريد أن يعطي غيره فأعطاه، كما يقولون كان يريد أن ينزل الوحي على بعض الصحابة فأخطأ فأنزله على النبي ، لعله أخطأ.

فنقول: لأننا نحرز أن الله تبارك وتعالى مقتضى علمه وحكمته أنه لا يخطئ فهذا العنصر مؤمَّن مضمون.

السؤال الثاني: لعله يكذب - والعياذ بالله -، يعني مع علمه بأنه فاشل وأن دعواه النبوة كذباً، مع ذلك أعطاه النبوة ليظهر أنه صادق مع أنه في الواقع كاذب، لعله هذا الإعطاء كاذب مخالف للواقع.

نقول: بما أننا علمنا من الخارج أن مصدر إعطاء المعجزة هو الله الذي هو عين الكمال ومحض الكمال الذي لا يصدر منه كذب ولا زلل ولا خطل، مقتضى أنه لا يكذب أنه عندما أعطاه فهو يخبر إخباراً صادقا عن صدقه في دعواه، صدقه فيما ادعاه.

لكن يأتينا السؤال الثالث: وهو الأهم، نعم هو لم يخطئ أعطاه ملتفتا، نعم هو لم يكذب، صدّقه في دعواه، لكن لعل تصديقه في دعواه اختباراً للناس وامتحاناً، لعله لا يريد أن يرسله نبياً، رآه ادعى النبوة وقال الدليل على صدقي في نبوتي أن الله يعطيني المعجزة، والله سبحانه وتعالى مع ذلك أعطاه المعجزة، لكن لم يعطه المعجزة لأنه سيرسله واقعاً وإنما امتحاناً للأمة واختباراً لإيمانهم والتفاتهم إلى ربهم تبارك وتعالى، فالإعطاء إعطاء امتحاني.

من أين نحرز أن هذا التصديق الذي حصل ببركة إعطاء المعجزة تصديق بداعي إرساله إلى الناس؟ لعله بداعي الامتحان والاختبار، من أين نحرز أنه بداعي إرساله إلى الناس واقعاً، فهو مرسل واقعاً، من أين نحرز ذلك؟

نحتاج إلى هذه الكبرى التي ذكرها الدليل الأول وهي كبرى تعتمد على العقل العملي وهي كبرى قبح التغرير، إذا كان الله عالماً بأن من أُعطي المعجزة سيصدقه الناس في أنه نبي، وهو مع ذلك ليس بنبي واقعاً، إذا كان الله يعلم أن الناس ستصدقه وستعتبره نبياً وستتبع تعاليمه مع أنه ليس مرسلاً من قبله، لزم من ذلك تضليل الناس والإغراء بالجهل، وبما أن التضليل والإغراء بالجهل قبيح، والقبيح لا يصدر من الكمال المطلق تبارك وتعالى، إذاً بالنتيجة كانت النتيجة من هذه العناصر الثلاثة «أنه لا يخطئ، أنه لا يكذب، أنه لا يصدر منه تضليل وإغراء بالجهل» نتيجة العناصر الثلاثة يحصل لنا قطع بصدق هذا المدعي في نبوته.

فنحن نحتاج إلى العنصر الثالث في وصول هذه الدلالة الوضعية من تصورية إلى تصديقية، من ظاهرية إلى قطعية، نحتاج إلى المقدمة الثانية بعناصرها الثلاثة «أنه لا يخطئ، أنه لا يكذب، أنه لا يصدر منه تضليل وإغراء بالجهل» إذاً لا يمكن الوصول إلى تصديق دعوى النبوة بدون أن نستند إلى العقل العملي بأن الكمال المطلق يقبح منه الإغراء بالجهل، يقبح منه التغرير، من دون هذه المقدمة لا يمكن.

وبهذا نرجع إلى إشكال السيد الصدر الذي تعرضنا له في الأسبوع السابق، بأن يقال: بما أن هذه المقدمة فرع دلالة إعطاء المعجزة على الصدق يعني لماذا يعتبر إعطاؤه المعجزة إغراء بالجهل لو لم تكن المعجزة في رتبة سابقة دليلا على الصدق؟!

إذاً لابد أن نثبت في رتبة سابقة أن إعطاء المعجزة دليل قطعي على صدق النبوة، ولأن هذا ثابت في رتبة سابقة كان إعطاء المعجزة مع كذبه تضليلاً، وإلا لم يكن الإعطاء تضليلاً ولا إغراء بالجهل؛ لأنه أساساً إعطاء المعجزة ليس دليلاً على صدق النبوة، وبالتالي يرجع إشكال السيد الصدر أن هناك دور، لا يمكننا القول بأن إعطاء النبوة لمن هو ليس بنبي واقعاً قبيح لأنه تضليل، لا يمكن إثبات أنه تضليل قبيح إلا إذا ثبت في رتبة سابقة أن المعجزة دليل قطعي على صدق النبوة، ما لم يثبت هذا في رتبة سابقة يكون الاستدلال بقبح التضليل والإغراء بالجهل لغواً لا فائدة فيه، وإذا كان صدق التضليل والإغراء بالجهل متفرعاً على دلالة إعطاء المعجزة على صدق النبوة لزم الدور، كل منهما يتوقف على الآخر، إعطاء المعجزة ليس دليلاً إلا بهذا العنصر الثالث، وهو قبح الإغراء بالجهل، وقبح الإغراء بالجهل لا يكون متحققاً واقعاً إلا إذا كان إعطاء المعجزة دليلاً على صدق النبوة في رتبة سابقة، فتوقف أحدهما على الآخر ولزم من ذلك الدور.

ولذلك انتقل السيد الصدر قدس سره إلى الدليل الاستقرائي لإثبات صدق النبوة.

النوع الثالث: الدليل الاستقرائي.

ولتقريب الاستدلال نضيف بعض العناصر؛ له ليتم الاستدلال به استدلالاً قطعياً على صدق النبوة.

تقريب الاستدلال: بمقدمتين.

المقدمة الأولى: ما هو الإعجاز؟

قالوا: الإعجاز إما خرق نواميس الطبيعة أو تحكيم قانون على قانون بدون إعداد علمي.

عندهم خلاف في تعريف الإعجاز، نذكر تعريفين له من دون مناقشة.

المعروف بين المتكلمين القدامى: أن الإعجاز خرق نواميس الطبيعة.

من النواميس الطبيعية أن الحصى لا تتكلم، الحصى لا تسبّح، هذا هو الناموس الطبيعي، فعندما تسبح الحصى في يد أحد فإن هذا خرق للناموس الطبيعي، يعني أن الله تبارك وتعالى عطّل الناموس الطبيعي وأظهر ما هو خرق له، الإعجاز خرق للناموس الطبيعي، الناموس الطبيعي أن الحصى لا تسبح فإذا سبحت فهذا تعطيل للقوانين.

تعريف السيد الطباطبائي والشهيد مطهري: أن الإعجاز تحكيم قانون على قانون، لكن بدون إعداد علمي.

كأنما في ذهنهما لا يمكن خرق نواميس الطبيعة، خرق نواميس الطبيعة أمر مستحيل، إنما هو تحكيم قانون على قانون، أي عندنا قانون مقتضاه أن لا تسبح الحصى، أن لا تتكلم الحصى، لكن حتى نجعل من الحصى مسبحاً نحتاج إلى قانون آخر يكون حاكماً على هذا القانون، وكلاهما قانون طبيعي، القانون الأول والقانون الثاني، لكن تحكيم القانون الثاني على القانون الأول إذا كان بمقدمات علمية فهذا ليس إعجازاً؛ لأنه عالم بالطبيعة استخدم المقدمات العلمية ووصل إلى تحكيم قانون على آخر، أما إذا كان تحكيم قانون على قانون لحظياً دفعياً بدون مقدمات علمية كان ذلك إعجازاً.

فالإعجاز ليس خرقاً لنواميس الطبيعة وإنما هو تحكيم قانون على قانون بدون مقدمات علمية، يعني أن التحكيم لحظي دفعي، ولأن هذا التحكيم لحظي دفعي كشف عن تدخل مباشر من خالق الطبيعة في هذا المورد أن خالق الطبيعة تدخل تدخلاً مباشراً وحكّم قانوناً على قانون آخر بدون مقدمات علمية.

إذاً بعد الفراغ عن تعريف الإعجاز، سواء عرّفنا الإعجاز بالنحو الأول أم عرفناه بالنحو الثاني، بالنتيجة هذا العمل لا يصدر من الإنسان، تسبح الحصى على يده، يحن الجذع إليه، ينشق القمر له، هذا العمل لا يصدر من الإنسان، وبما أن هذا العمل خرق للنواميس أو تحكيم قانون على قانون بدون مقدمات علمية، إذاً هذا العمل صادر من خالق الطبيعة المتصرف في شؤونها.

فنحن بالمقدمة الأولى أثبتنا بدليل حساب الاحتمالات أن هذا العمل تدخل مباشر من بارئ الطبيعة، وهو الذي نسميه بالإعجاز. هذه هي المقدمة الأولى.

المقدمة الثانية: هذا العمل إعجاز، لكن ما هو وجه الدلالة؟ يعني لماذا هذا العمل يدل على أن من بيده المعجزة نبي؟ لعله كاذب، لعل الله يعطي المعجزات بيد الكاذبين، ما الذي ينفي احتمال أن من أُعطي المعجزة كاذب؟ لعل الله يعطي الإعجاز بيد الكذبة لمصلحة وحكمة من الحكم، ما الدليل على أنه نبي؟

هنا ذُكرت في بعض كلمات تلامذة السيد الشهيد قدس سره بعض الوجوه محاولة للانتقال من المقدمة الأولى وهي أن هذه معجزة إلى النتيجة وهي أن هذه المعجزة تدل على صدق هذا المدعي في نبوته.

الوجه الأول: أننا بدليل حساب الاحتمالات نطبق كبرى على صغرى.

الكبرى هي: من يتصل به بارئ السماء عن طريق الإعجاز فهو صادق، نثبت ذلك بدليل حساب الاحتمالات.

وبما أن هذه الكبرى انطبقت على موسى وعيسى والنبي محمد ، إذاً بالنتيجة هم صادقون.

هذا ما نقله بعض تلامذة السيد الشهيد في كتابه مباحث الأصول عن أستاذه أنه من خلال تطبيق الكبرى على الصغرى نثبت صدقه في نبوته.

الملاحظة على الوجه الأول: طبعاً بهذا المقدار نحن لم نصل إلى نتيجة؛ لأنه لم يبيَّن لنا ما هي النكتة في الربط؟ ما هي نكتة الربط بين إعطائه المعجزة واتصال الله به وبين الدليل على نبوته؟ إذ ليس الكلام في الاتصال وفي إعطائه المعجزة وإنما الكلام في أنه نبي مرسل، أن هذا الاتصال على نحو الوحي والإرسال وأنه نبي، ما هو الربط بينهما؟ هذا الوجه بمجرده لم يذكر لنا ما هي نكتة الربط بين الأمرين؟ لذلك ذُكر وجه آخر من قبل بعض تلامذته.

الوجه الثاني:

وهو أن هناك ارتكاز فطري لدى عامة الناس من يوم نوح إلى يوم النبي ، هناك ارتكاز فطري مستحكم مستقر في نفوس الناس، أن المعجزة لا تُعطى إلا للصادق.

لأنه يوجد ارتكاز فطري صدقت هذه الكبرى: من اتصل به الله عن طريق الإعجاز فهو صادق.

ما هو الدليل على هذه الكبرى؟

هذا الارتكاز الفطري من يوم نوح إلى النبي .

الملاحظة على الوجه الثاني: هذا الوجه أيضاً محل مناقشة.

أولاً: متى ثبت هذا الارتكاز الفطري؟ وما هي الشواهد مع أننا نجد كثيراً من الأنبياء كُذّبوا واعتُبِر ما أُعطوا تمويهاً، فمن أين هذا الارتكاز الفطري الذي يُدعى أنه منذ يوم نوح إلى يوم النبي.

ثانياً: لو ثبت هذا فيرجع السؤال إلى أول نبوة، يعني قبل حدوث هذا الارتكاز الفطري، في أول نبوة كيف كان إعطاء المعجزة دليلاً على صدق النبوة؟ لذلك جاء الوجه الثالث.

الوجه الثالث: وهو مختص بنبوة النبي محمد ، وهو يرتكز على أن المعجزة هي وحيانية، يعني الإعجاز على نوعين: إعجاز منفصل عن سنخ الوحي وإعجاز هو وحي.

النوع الأول من الإعجاز: مثلاً عندما نأتي إلى عصى موسى وإبراء عيسى للأكمه والأبرص وتسبيح الحصى على يد النبي وانشقاق القمر للنبي ، هذه معجزة والوحي شيء آخر، فعندنا شيئان: عندنا وحي نشك هل حصل أم لم يحصل، وهنا معجزة مختلفة عن الوحي ونبحث هل هذه المعجزة تدل على وجود الوحي أم لا تدل؟

النوع الثاني من الإعجاز: أن الإعجاز هو الوحي ذاته وليس شيئاً منفصلاً عن الوحي خارجاً عن دائرته، الإعجاز هو الوحي نفسه.

وهذا النوع الثاني من الإعجاز هو الذي انطبق على نبوة النبي ، ليس هناك شيئان: معجزة ووحي ونحن نتساءل هل المعجزة تدل على ثبوت الوحي أم لا؟ بل المعجزة هي نفس الوحي وليس شيئاً آخر.

وذلك إذا طبقنا دليل حساب الاحتمالات الذي ذكره السيد الصدر قدس سره، وهو أنه نظرنا إلى هذا الكتاب الموحى الذي جاء به النبي ، ووجدنا في هذا الكتاب عدة منظومات:

المنظومة الأولى: منظومة غيبية متناسقة متكاملة لا تصدر إلا من جهة مطلعة على عالم الغيب ومجرياته وفصوله وشؤونه.

المنظومة الثانية: منظومة قانونية تشريعية متسلسلة يكمل بعضها بعضاً لا تصدر إلا عن مقنن حكيم، لا تصدر من شخص متطفل أو كاذب أو شخص ليس في هذا العالم، لا تصدر إلا من مقنن حكيم.

المنظومة الثالثة: منظومة تاريخية، وهي قصة الإنسان من يوم آدم إلى النبي ، قصص متسلسلة بشواهدها وبراهينها لا تصدر إلا ممن صنع هذه القصة، يعني لا تصدر إلا ممن صنع هذا التاريخ وواكبه فصلاً فصلاً جيلاً جيلاً.

المنظومة الرابعة: منظومة تربوية خلقية ضمّت منبهات ومثيرات إلى مكارم الأخلاق عند الإنسان لا تصدر إلا ممن صاغ روح الإنسان ونفسيته وفطرته بحيث وضع المنبهات والمثيرات على مكارم الأخلاق في فطرة الإنسان.

كل هذه المنظومات، من منظومة قانونية وغيبية وأخلاقية تربوية وتاريخية، كل هذه المنظومات صيغت في ثلاث وعشرين سنة بنفس واحد وأسلوب واحد وبطريقة بلاغية واحدة، لا اختلاف فيها ولا تخلف.

عندما يلاحظ هذا المجموع ويطبّق دليل حساب الاحتمالات على كل جنبة من جنبات هذا الكتاب الموحى، نتيجة هذا التطبيق يصل الذهن إلى درجة من الاطمئنان واليقين بأن هذا الكتاب من قِبل الله تبارك وتعالى، لا يمكن أن يصدر هذا الكتاب من بشر ولا من جبرئيل ولا من جن ولا من عفريت، لا يمكن أن يصدر هذا الكتاب إلا من قبل الله تبارك وتعالى مَن صنع التاريخ، من صاغ روح الإنسان، من كان مطّلعاً على عالم الغيب، من ملك الحكمة في الدسترة والتقنين.

لذلك قال: ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ[1]  ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيه[2]  القرآن دائماً يكرر نفي الريب، يعني من قرأ هذا الكتاب لا يمكن إلا أن يصل عن طريق دليل حساب الاحتمال إلى أنه كتاب موحى عن طريق الله تبارك وتعالى ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا[3] .

ثم بعد أن ثبت لنا هذا ما احتجنا أن وسط تسبيح الحصى أو انشقاق القمر لإثبات الوحي، جئنا مباشرة إلى أن الإعجاز هو نوع من الوحي، بعد أن ثبت لنا أن هذا الكتاب موحى من قبل الله، إذاً فصاحب الكتاب الذي أتى به رسول من قبل الله، لا يمكن التفكيك بينهما، لا يُعقل أنه أتى بكتاب من قبل الله لكنه ليس نبياً؛ هذا لازم بيّن بالمعنى الأخص كما يقولون.

إذا كان الكتاب الذي جاء به من قبل الله والكتاب هو بنفسه رسالة وقانون، إذاً فمن حمل الكتاب نبي ورسول من قبل الله تبارك وتعالى.

لأجل ذلك - بعد هذه التتميمات التي ذكرناها - يقول السيد الصدر: لا نحتاج في إثبات صدق النبوة إلى توسيط حكم العقل العملي، الذي استخدمناه في الدلالة الأولى وهي الدلالة العقلية، والدلالة الثانية وهي الوضعية، هناك قلنا لا يتم الاستدلال إلا بإقحام هذه الكبرى، وهي: قبح صدور التضليل والإغراء بالجهل من الله، هناك احتجنا إلى هذه الكبرى وهي أنه لو لم يكن هذا صادقاً لكان إعطاؤه المعجزة تضليلاً وإغراءً بالجهل، والتضليل والإغراء بالجهل لا يصدر من الكمال المطلق تبارك وتعالى، هذه الكبرى لا نحتاجها في الدلالة الثالثة لأنها استنتاج واعتماد على الدليل الاستقرائي.

نحن دخلنا في هذا البحث باعتبار أن هناك من أشكل على المحدثين بأنكم إذا لم تعترفوا بأن العقل مصدر لاستنباط الأحكام الشرعية يلزمكم أن لا تستطيعوا إثبات نبوة النبي ؛ لأنه لا يمكن إثبات نبوة النبي إلا عن طريق حكم العقل العملي.

السيد الصدر دافع عن هؤلاء المحدثين وقال: لا يتوقف إثبات نبوة النبي على استخدام العقل العملي حتى يُنقض على المحدثين بأنكم إذا لم تعتبروا العقل العملي مصدراً للأحكام الشرعية إذاً لا يمكنكم إثبات نبوة النبي، بإمكانهم أن يدافعوا عن أنفسهم ويقولون: نحن لا نعتمد العقل العملي مصدراً لاستنباط الأحكام الشرعية، ولا يرد علينا هذا النقض؛ لأننا نستطيع أن نثبت نبوة النبي عن طريق الدليل الاستقرائي، لا عن طريق استخدام العقل العملي.

ويأتي الكلام إن شاء الله تعالى في الأسبوع القادم.

والحمد لله رب العالمين

[1]  فصلت: 42.
[2]  البقرة: 2.
[3]  النساء: 82.

مقدمة | أقسام المفاهيم
الحلقة 7 | علاقة الإنسان بالرب، صياغة وَتحليل