نص الشريط
ماذا قدمت الحوزة وعلماء الدين للبشرية مقابل ماقدمته العلوم الحديثة في بناء الحضارة؟
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مسجد الرسول الأعظم | سلطنة عمان | مطرح
التاريخ: 27/9/1443 هـ
مرات العرض: 173
المدة: 01:06:37
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (36) حجم الملف: 19.0 MB
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة: 122]

صدق الله العلي العظيم

انطلاقاً من الآية المباركة نتحدث عن وظيفة المسلمين تجاه تبليغ الدين الإسلامي، وذلك من خلال عدة محاور:

  • ما هو الفارق بين الحضارة الليبرالية الغربية والحضارة الإسلامية؟
  • ما هي الأدوات اللازمة لنشر فكر الحضارة الإسلامية؟
  • ما هي المشاريع المتاحة في هذا المجال؟
  • ما هو الرابط بين هذا العمل الديني التبليغي وبين الحضارة المهدوية دولة الإمام صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف؟
 المحور الأول: ما هو الفارق بين الحضارة الليبرالية الغربية والحضارة الإسلامية؟

نحن اليوم نعيش أنفاس وأجواء وآفاق الحضارة الغربية، الحضارة الرأسمالية، الحضارة الليبرالية، فأين الحضارة الإسلامية وما هو الفارق بين الحضارتين من حيث الأسس؟

هناك ثلاثة أسس تقوم عليها أي حضارة: الأساس التكنلوجي، الأساس الفكري، الأساس الاجتماعي.

 الأساس الأول: الأساس التكنولوجي.

لا ريب أن الحضارة الغربية متقدمة جداً وباهرة في المجال التكنولوجي في تحقيق هذا الأساس المهم من الحياة ألا وهو الأساس التكنولوجي، حيث بلغت ذروتها وسيطرت على الفضاء والطاقات التي تخدم المسيرة الحضارية المادية للإنسان، هذا لا إشكال فيه، وهنا الحضارة الإسلامية ما زالت متأخرة في هذا المجال.

 الأساس الثاني: الأساس الفكري.

لا تقوم حضارة بدون فلسفة، ولا تقوم حضارة بدون رصيد فكري يدعم الحضارة ويؤسس لها ويبرمج لها وينظر لها، لابد من فلسفة فكرية وراء كل حضارة، الفلسفة الفكرية تعتمد على ركنين: الركن الغيبي، والركن المحوري.

والركن الغيبي هو ما عبر عنه بالركن الميتافيزيقي، والحضارة الإسلامية تؤكد على هذا الركن، لا يمكن لحضارة أن تقوم حتى تجيب عن الأسئلة الثلاثة: من أين جئنا، وإلى أين سنذهب، ونحن نسير في أين، هذه أسئلة غيبية ميتافيزيقية ثلاثة يطرحها كل إنسان بفطرته وطبيعته، ورد عن الرسول محمد : ”نظر الله عبداً عرف من أين وفي أين وإلى أين“ من أين جئنا وإلى أين ننتهي.

هذا الركن الميتافيزيقي لا تعتني به الحضارة الرأسمالية الليبرالية، ليس مهما أن نعرف كيف جئنا وأين سنمضي وما هو الرابط بين المبدأ والمنتهى، شيء لا دخل له في عالم المادة وعالم التكنولوجيا، لذلك لا حاجة لدينا للإجابة عن هذه الأسئلة، بينما الحضارة الإسلامية ترى أن هذا الركن لابد من الأجوبة المقنعة له لأنه سؤال يطرحه كل إنسان بحسب فطرته ويقرر على أساسه مسيرته وأهدافه.

محورية الحضارة الرأسمالية هي الإنسان، المهم هو الإنسان، يكون الإنسان محوراً للحضارة من خلال إطلاق أكبر قيمة للإنسان ألا وهي قيمة الحرية، الإنسان ثم الحرية، من أجل أن يكون الإنسان محوراً للحضارة لابد أن تُفتح له آفاق الحرية، وآفاق الحرية إنما تنفتح له من خلال الغريزة الفطرية التي يعيشها الإنسان ألا وهي غريزة حب الذات، إذن الحضارة هي التي تخدم الإنسان، والإنسان إنما ينفتح له باب الخدمة إذا أُطلقت له قيمة الحرية، وقيمة الحرية تعني أنه حر في ثلاثة أشياء: حر في تحصيل الثروة بأي أسلوب، حر في ممارسة الجنس بأي شكل ومع أي جهة، حر في شكله كتغيير جنسه أو الحفاظ على جنسه، عندما تكون له الحرية الاقتصادية والحرية الجنسية والحرية في بدنه وشكل جسمه حينئذ تكون الحضارة قد قدست الإنسان وجعلت الإنسان محوراً مفصلياً مهماً لها، الحضارة الغربية قائمة على أساس محورية الإنسان وحريته في هذه المجالات الثلاثة التي تحدثنا عنها.

بينما الحضارة الإسلامية تقول المحورية للمجتمع وليس للإنسان الفرد، الإنسان الاجتماعي وليس الإنسان الفردي، الإنسان الفردي جزء أما المحورية للمجتمع، الإنسان بما هو مجتمع إنساني، المحورية للمصالح الاجتماعية لا للمصالح الفردية، المصالح الفردية تقنن من خلال الحفاظ على المصالح الاجتماعية العامة، لذلك ترى القرآن الكريم حريص دائماً على الأمة ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: 110] ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران: 104] ويقول القرآن الكريم: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ [المؤمنون: 52] ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: 143] مصالح الأمة هي المحور في الحضارة، الحضارة التي تخدم المصالح الاجتماعية هي الحضارة التي يجب أن تقوم وأن تنطلق، نعم يؤمّن للإنسان مصالحه الفردية لكن ضمن المصالح الاجتماعية العامة، لذلك حرم الإسلام الربا، وحرم الممارسة الجنسية بلا حدود، وحرم الإنسان التصرف في بدنه وشكله من دون رعاية الضوابط العقلائية الاجتماعية العامة، كل ذلك تقديماً للمصلحة العامة على المصلحة الفردية الخاصة، إذن هذا اختلاف محوري بين الحضارتين.

 الأساس الثالث: الأساس الاجتماعي.

الحضارة الغربية رغم أن المجتمع الأمريكي ما زال يعتبر مجتمعاً متديناً وفي أمريكا آلاف الجمعيات الخيرية التي تخدم الإنسان، إلا أن هذا عمل فردي يقوم به الإنسان ولكن كحضارة ليبرالية ليس من أسسها الأساس الاجتماعي، بينما الحضارة الإسلامية من أسسها الأساس الاجتماعي، لاحظوا عدة مبادئ في الإسلام منها بر الوالدين ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا [الإسراء: 23] ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء: 24]، حقوق الأخوة ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: 10]، صلة الرحم حيث لا يوجد شيء في الحضارة الغربية اسمه صلة الرحم ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ [محمد: 22]، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ [النساء: 1]، حقوق الجوار، ”ما زال جبرئيل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه“ بل بلغ العنصر الاجتماعي في الحضارة الإنسانية تقديس العنصر الاجتماعي في الحضارة الإسلامية حرمة الغيبة، حرمة التجسس، حرمة سوء الظن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ [الحجرات: 12] وإن حرمة المؤمن ميتاً كحرمته حياً، حتى الميت يصان عرضه وتصان عورته، وتصاب سمعته وكرامته، إذن عنيت الحضارة الإسلامية بالأساس الاجتماعي في حين لم تعنى به الحضارة الغربية الليبرالية.

إذن هناك فوارق واضحة في الأسس بين الحضارة الإسلامية وبين الحضارة الليبرالية الغربية، لابد من معرفتها، من هنا عندما يتساءل الإنسان ماذا قدم علماء الدين وماذا قدمت الحوزة العلمية للحضارة كما قدمت العلوم الحديثة، فنسأل ما هو المقصود بالحضارة، هل المقصود الحضارة التكنولوجية؟ الأساس التكنلوجي بالطبيعي أن لا يكون هذا من اختصاص رجال الدين واختصاص الحوزات العلمية حتى يسأل ماذا قدمت الحوزات العلمية كما قدمت العلوم الإنسانية الأخرى؛ لأن المجال التكنولوجي ليس من اختصاص الحوزات ولا من اختصاص رجال الدين.

والسؤال الثاني: ماذا قدمت الحضارة الغربية على مستوى فلسفة الحياة وعلى مستوى المبادئ الفكرية من حيث تحديد أن المحورية للإنسان أو المحورية للوجود الاجتماعي؟ ماذا قدمت الحضارة الغربية والعلوم الحديثة على مستوى الأساس الاجتماعي الذي عنيت به الحضارة الإسلامية ورسخته وركزته من خلال نصوصها ومفرداتها الأدبية؟

إذن هناك فوارق بين الحضارتين فمن الطبيعي أن تعنى الحوزة وعلماء الدين بالأساسين الآخرين الذين هما مجال اختصاصهما، أساس الرصيد الفكري للحضارة القائم على فلسفة الحياة وتحديد المحورية، والاساس الاجتماعي الذي لا تقوم حضارة إنسانية بدونه، مستحيل أن نعتبر الحضارة إنسانية إذا لم تكن لها عناية بهذه الجوانب الروحية والسلوكية والاجتماعية للإنسان بما هو إنسان.

 المحور الثاني: ما هي الأدوات اللازمة لنشر فكر الحضارة الإسلامية؟

الدين مهمة المسلمين جميعاً ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ [الشورى: 13] تقرأ في زيارة الحسين : ”أشهد أنك قد أقمت الصلاة“ معنى أقمت الصلاة ليس المقصود بها أديت الصلاة وإنما حققت أهداف الصلاة على الأرض، الصلاة لها أهداف وأهدافها حققتها على الأرض ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت: 45]، حققت أهداف الصلاة على الأرض فأنت أقمت الصلاة.

وأيضاً الآية تقول: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ [الشورى: 13] أي حققوا أهداف الدين على الأرض وجسدوها، ﴿وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى: 13] كفاكم اختلافات، كفاكم تناحرات، كفاكم تجاذبات وحزازات، أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه، لا يمكنكم إقامة حضارة إسلامية إلا على أساس تحقيق أهداف الدين وعدم الفرقة والاختلاف.

إذن الدين مسؤوليتنا أيها المسلمون، فإذا كان الدين مسؤوليتنا فماذا قدمنا للدين؟! ماذا يحتاج الدين الإسلامي في عصرنا الحاضر؟

أذكر لكم ثمان أدوات يحتاجها الدين في العصر الحاضر ولنسأل أنفسنا هل حققنا شيئاً منها أم لا:

  • الأداة الأولى: المقعد الجامعي على مستوى أكبر الجامعات في العالم، إذا أردت أن تدخل الجامعة بمعنى أن تغزو الجامعة تحتاج إلى كرسي في الجامعة، هذا الكرسي يمكنك أن تستخدمه لمحاضرات وحوارات ونشر فكرك ورؤيتك من خلال الجامعة، ماذا صنع المسلمون في هذا المجال؟

    الأخوة الأمريكيون الباكستانيون الشيعة اشتروا كرسياً في جامعة هارفورد بملايين الدولارات، وهذا الكرسي يمكّن من يشتريه بأن يكون له حق في الجامعة في إقامة محاضرات، إقامة حوارات، نشر رؤيا، نشر مجلة الكترونية من خلال الجامعة، حقه بهذا الكرسي الذي إذا اشتراه أستطاع أن يدخل فكره إلى الجامعة، ماذا قدمنا نحن!؟ زرت عدة جامعات على مستوى أمريكا وأوروبا منها جامعة جورج واشنطن فسألوني أين كرسيكم وأين مقعدكم الذي تستطيعوا من خلاله إلقاء محاضراتكم وفكركم وطرح رؤيتكم، أين هو؟
     
  • الأداة الثانية: نشر الدين بمختلف لغات العالم، اليوم أوسع ديانة انتشاراً هي البوذية لأنها تتحدث بمختلف لغات العالم، أغلب لغات العالم المهمة تنشر البوذية تتحدث عن قيمها ومبادئها لذلك هي الأوسع انتشاراً والأسرع، ماذا فعل المسلمون؟ ألا يستطيع المسلمون أن ينشروا الإسلام بمختلف اللغات مع إمكاناتهم المادية؟ أين هم عن هذه الأداة المهمة؟
     
  • الأداة الثالثة: الترجمة الثقافية للفكر، فرق بين الترجمة اللغوية والترجمة الثقافية، تأتي إلى كتاب من الكتب مثلاً كتاب فلسفتنا للسيد الشهيد محمد باقر الصدر قدس سره، تارة تترجمه ترجمة حرفية هذه تسمى ترجمة لغوية، والذي لا يفهم اللغة العربية لن يفقه الكتاب بهذه الترجمة، ولدينا مؤسسات ترجمة كثيرة فاشلة لأنها تسير على ضوء الترجمة اللغوية الحرفية، والمفيد هو الترجمة الثقافية، والترجمة الثقافية تعني أن يأتي متخصص في الفلسفة يقرأ الكتاب ويعرض مضامينه ثم يقوم هو بصياغته باللغة الإنجليزية، هذه تسمى ترجمة ثقافية.

    رويا متحدة الباحث الأمريكي أخذ الحلقة الأولى من حلقات الأصول للسيد الصدر، درسها كباحث عرف مضامينها قام بصياغتها باللغة الإنجليزية فأصبح الكتاب مرجعاً؛ لأنه باحث أمريكي صاغه باللغة الإنجليزية صياغة ثقافية وليس ترجمة لغوية.

    ونحن لدينا مئات الكتب العظيمة والمهمة في مجال الفكر والفلسفة وعلم الكلام تحتاج إلى ترجمة ثقافية لا إلى ترجمة لغوية حتى تصل إلى أهلها ليعرفها ويميزها من هو خبير بها.
     
  • الأداة الرابعة: نحتاج إلى المتحدثين باللغات المهمة، نحن اليوم على مستوى الخطباء والعلماء من منهم يتحدث باللغة الإنجليزية والفرنسية والألمانية وغيرها من اللغات المهمة على مستوى العالم، لكي نوصل فكرنا المعمق المركز نحتاج إلى لجان تعنى بتخريج الخطباء والعلماء الذين يتحدثون باللغات المهمة لأنهم من خلال الحوار والمنطق ومن خلال المطارحات والمناظرات يستطيعون إيصال هذا الفكر بأفضل صورة.
     
  • الأداة الخامسة: نحتاج إلى المطارحات الفكرية، كتب السيد الصدر مطارحة فكرية في الفلسفة قبل 50 سنة ونحن ما زلنا عليها فقط، من قبل 50 سنة كتب كتاب اقتصادنا وهو مطارحة للاقتصاد الرأسمالي والاشتراكي، ومن قبل 50 سنة كتب كتاب فلسفتنا وهو مطارحة على مستوى نظرية المعرفة في الفلسفة، وكتب السيد الطباطبائي أصول الفلسفة مع تعليقة الشيخ المطهري أيضاً من قبل 50 سنة، وكتب الدكتور محمود البستاني قبل 30 سنة دروس في علم النفس الإسلامي، وهي مطارحات على مستوى علم النفس في المدرسة السلوكية والمدرسة الاستبطانية في علم النفس، إذن نحن نحتاج إلى مطارحات فكرية في العلوم الإنسانية، العلوم المؤثرة: علم النفس، علم الاجتماع، علم الإدارة، نحتاج إلى مطارحات فكرية بمعنى أن يدخل أناس متخصصون في هذه المجالات ويحملون الفكر الإسلامي ويقتدرون من خلال التخصص والفكر الإسلامي معاً أن يقدموا مطارحات على هذا المستوى لكي يكون لها الجدوى البالغة المؤثرة في هذا المجال.
     
  • الأداة السادسة: التحصين الثقافي، تحدثت مع كثير من الإخوة في هذا المجال كم عدد المسلمين اليوم، كم هي الفئة الأكثر عدداً الآن؟ الفئة الأكثر عدداً هي الأطفال والشباب من سن الخامسة عشر إلى سن الخامسة والعشرين هؤلاء هم الأكثر عدداً، وهؤلاء ألا يحتاجون إلى حصانة ثقافية وإلى عناية ثقافية! هؤلاء ألا يحتاجون إلى اهتمام! لاشك يحتاجون، يحتاجون إلى ثلاثة مشاريع: مسجد الشاب والشابة، مأتم الشاب والشابة، المجلة الإلكترونية للشاب والشابة، ما أقدمه الآن على هذا المنبر هو خطاب عام وهذا الخطاب العام له لغة معينة ومضامين معينة قد لا تخدم هذه الفئة الشبابية من الذكور والإناث لأن هذا الخطاب لا يعيش همومهم وأفكارهم بشكل مباشر، إذن هم يحتاجون إلى خطاب خاص وإلى منبر يخصهم، يحتاجون إلى مسجد يعالج همومهم وقضاياهم ذكوراً وإناثاً، يحتاجون إلى المجلة الإلكترونية التي تظهر أفكارهم وأسئلتهم وأبحاثهم وتطلعاتهم في مجال المعارف الدينية سواء كانت عقائد أو فقه، هذا ما نعبر عنه بالتحصين الثقافي.
     
  • الأداة السابعة: العمل المؤسساتي، أيننا عن العمل المؤسساتي؟ كل أعمالنا فردية، تحدثنا قبل عدة ليالي عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقلنا بأنه إنما يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا احتمل التأثير، أي إذا احتملت أن نهيك عن المنكر يؤثر في الشخص المقابل حينئذ يجب النهي عن المنكر أما إذا علمت أن النهي عن المنكر لن يؤثر شيئاً في الشخص المقابل لا يجب عليك نهيه عن المنكر، لكن من يحدد التأثير وعدم التأثير!؟ نحتاج إلى لجان وعمل مؤسساتي، وهذا العمل المؤسساتي يأخذ على عاتقه دراسة ظاهرة المنكر، أسبابه، مراحلة، درجاته، طرق علاجه، طرق الوقاية منه، هذه اللجنة تقدم دراسات في هذا المجال يستفيد منه لمن يتصدى للمنبر، ومن يتصدى للمسجد، ومن يتصدى للعمل الديني ليبني عليها أن نهيه عن المنكر مؤثر أم غير مؤثر، مفيد أو غير مفيد.
     
  • الأداة الثامنة: التحصين الاجتماعي والخيري، زرت مركز الإسماعيلية الأغا خانية في لندن لنطلع على مشاريعهم وأفكارهم، المرحوم السيد عبد الحسين شرف الدين صاحب كتاب المراجعات له الكلمة المشهورة «لا ينتشر الحق إلا حيث ينتشر الضلال» إذا لم تستخدم نفس الأساليب التي يستخدمها الآخرون في نشر فكرهم وديانتهم ودعواهم لن تستطيع أن تعمل شيئاً وستبقى متخلفاً، لا ينتشر الحق إلا حيث ينتشر الضلال، هؤلاء عندهم برنامج خيري كل إسماعيلي آغا خاني يتكفل بمعيشته منذ أن يكون في المدرسة إلى أن يتخرج من الجامعة، وليس عندهم فقير، إذن هذا تحصين خيري، تحصين اجتماعي يربط بين الناس ويقوي الأواصر، يجعل الناس لحمة واحدة مترابطة متعاونة ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة: 2]
 المحور الثالث: ما هي المشاريع المتاحة في هذا المجال؟

هناك مشاريع كبيرة وضخمة قُدمت في كثير من هذه المجالات، فعندما نأتي على المستوى التبليغي والديني، أول من أسس مكتب هو السيد حسين البروجردي قدس سره أحد مراجع قم المعروفين، أسس مكتباً للتقريب بين المذاهب في القاهرة قبل أكثر من 60 سنة وكان له آثار مهمة، وأول من فتح مكتب لرعاية الجاليات الإسلامية في الغرب هو السيد المرحوم السيد الكلبيكاني أحد مراجع قم المعروفين قدست أسرارهم، ثم تلا بعده السيد الخوئي قدس سره الذي أسس مؤسسة الإمام الخوئي في لندن، ثم تلاه السيد السيستاني دام ظله وأسس مؤسسة الإمام علي في لندن؛ وهي مؤسسة لها فروع في مختلف أوروبا، في ألمانيا، فرنسا، السويد، النرويج، هولندا، كندا، وكل هذه الفروع تعمل من أجل تبليغ الدين والمحافظة على الجالية الإسلامية التي تعيش في الغرب.

عندما نأتي على مستوى صيانة الفكر وإحياء التراث في قم المقدسة جامعة المصطفى أخذت على عاتقها التشجيع على كتابة الدراسات والبحوث سواء كانت في مجال الفقه أم الأصول أم الفلسفة أم علم النفس، أم علم الاجتماع، أم علم الإدارة، وسنوياً هذه المؤسسة ترعى عشرات الدراسات لتعطيها شهادة على إثرها بكلوريا، ماجستير، دكتوراه حسب مستوى البحث وإطار البحوث، وهناك مجلات باللغة الفارسية كثيرة تعنى بالفكر الديني وبالمطارحات الفكرية بين الفكر الديني والفكر الآخر.

على مستوى العراق أيضاً في النجف الأشرف تصدت المرجعية لإحياء التراث وإعادة النجف إلى موقعيتها وهيبتها التي كانت عليها أيام الستينات، أسست المدارس وأسست المكتبات وقدمت المرجعية خدمات كثير على مستوى استرجاع المخطوطات وصيانتها وحفظها وتأسيس المدارس المختلفة، كما أن هناك على مستوى العتبتين العباسية والحسينية، والعتبتان تخضعان لرعاية المرجعية ونظرها.

على مستوى العتبتين العباسية والحسينية هناك لجان ثقافية متحركة في الحوارات والندوات، على مستوى الجامعات والكليات والمحافل الخاصة، وهناك مجلات أيضاً تصدر عن العتبتين منها مجلة الراصد التي تصدر عن العتبة العباسية وهي مجلة مقارنة مهمة إذا تابعها الإنسان الباحث في هذه المجالات.

أيضاً هناك مجلة دراسات إسلامية تحت نظر المرجعية في النجف الأشرف تعنى بالبحوث الفقهية والفكرية المعاصرة التي تكون لها حيثية المقارنة والمعاصرة.

أما عندما نأتي على المستوى الخيري والاجتماعي فكلكم تعرفون أن المرجعية أسست مؤسسة العين الخيرية وهي أكبر مؤسسة خيرية على مستوى العراق في كفالة الأيتام خصوصاً أيتام الحرب وضحاياها الذين يبلغون عشرات الآلاف، وأيضاً من خلال العتبتين الحسينية والعباسية أسست المستشفيات بلا فرق بين المذاهب، هناك مستشفى في الموصل، وهناك مستشفى في بعض محافظات من إخوتنا أهل السنة تتبع العتبة الحسينية التي هي تحت نظر المرجعية، مضافاً للمستشفيات الأخرى على مستوى العراق، بل هناك مصانع أيضاً تحت نظر العتبتين الخاضعتين لنظر المرجعية.

إذن هذه المشاريع موجودة جهود عظيمة مباركة، لا إشكال أن الوضع الديني والثقافي والخيري يحتاج إلى المزيد، لكن هذه المؤسسات وهذه المشاريع هي في الطريق لتحقيق المزيد من خدمة الفكر الديني، وبالتالي ليست المسؤولية وهي المسؤولية تجاه الدين وتجاه الفكر الإسلامي خاصة بالمرجعية أو خاصة بالعلماء أو المنابر، بل مسؤوليتنا جميعاً، كلنا أصحاب الدين وكلنا مسؤولون عن الدين، وكلنا مطالبون بحفظ الدين، فماذا قدمت أنت للدين في مجتمعك الصغير الذي أنت تعيش فيه؟! مجتمعك الذي يحتاج إلى اهتمام بالشباب والشابات ويحتاج إلى رعاية وإلى اهتمام فكري وخيري واجتماعي، ماذا قدمت ولو على هذا المستوى الجزئي البسيط؟ كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، كلنا نعيش روح المسؤولية، وكلنا نعيش روح الاهتمام، كلٌّ يقدم بما يستطيعه من فكر وثقافة وشعر وأدب، خطابة، أموال، خيرات، نصائح، كل من موقع قدرته وموهبته وإمكانيته فليقدم لمجتمعه الخاص أو العام.

 المحور الرابع: ما هو الرابط بين هذا العمل الديني التبليغي وبين الحضارة المهدوية دولة الإمام صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف؟

هناك سؤالان يتعلق بهذا المشروع:

السؤال الأول: كيف نمهد لظهور الإمام؟ كيف نمهد للمشاركة في مشروع الإمام المهدي «عجل الله فرجه الشريف»؟

هناك سورة في القرآن تختصر لك الكلام وتجيبك ﴿وَالْعَصْرِ «1» إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ «2» إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ «3» [العصر: 1 - 3] دور روحي، دور سلوكي، دور اجتماعي.

دور روحي ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا، دور سلوكي ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، دور اجتماعي ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ، أن تحمل روح اجتماعية ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران: 104] ليكن لك دور اجتماعي على الأقل تجاه أهلك ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم: 6] أن توصيهم بالأسلوب الحسن المقنع بالحق وبتحمل الحق، والصبر على درب الحق وطريق الحق ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: 125] كل من طبق هذه الأدوار الثلاثة فهو قد مهد لظهور المهدي وهو من أنصاره، أن تكون من أنصار المهدي أي أن تكون مؤمناً عاملاً للصالحات آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر.

وما ورد عن الرسول : ”أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج“ ليس فقط بالانتظار السلبي، المقصود بالانتظار هو الانتظار العملي أن تكون مؤمناً عاملاً بالصالحات، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، الانتظار السلوكي هو الانتظار الذي يرتبط بدولته المباركة.

 السؤال الثاني: ما هي حقيقة مشروعه «عجل الله فرجه الشريف» ومعالم مشروعه؟

دولة الإمام ليست دولة سيف وفرس، وليست دولة خيمة، وإنما هي الحضارة الإنسانية المأمولة، الإمام المهدي يحقق أمل الأنبياء والمرسلين في إقامة أعظم حضارة عرفها الإنسان على الأرض، إذا أردت أن تعرف دولة المهدي فاستنطقها من هذه الآية ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ [القصص: 5] الوارثين أي كنوز الأرض بيدهم، طاقات الفضاء بيدهم، كل الثروات بأيديهم يطبقونها بأفضل منهج اقتصادي فاعل، هذه هي دولة المهدي، هي حضارة تكنولوجية فضائية ولكنها إنسانية أخوية أيضاً.

والإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف إنما كان له وقت خاص حتى تجرب الإنسانية كل الدول وكل الأنظمة، إذا جربت الإنسانية كل الأنظمة ومختلف الاتجاهات وحينئذ عرفت أنه لا يوجد اتجاه يقتلع الفساد من جذوره ويطبق الصلاح على الأرض إلا ذلك النظام الذي على يده حينئذ تكون الأرضية المجتمعية مهيئة لاستقبال مشروع الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، كما ورد عن الرسول محمد : ”لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً“ وإذا خرج بدأ خروجه من مكة المكرمة حينما يجتمع أنصاره، ثم يخرج من الكوفة مرة أخرى ليدعو إلى دولته العظيمة فإذا مكنه الله تبارك وتعالى وأرسى الأسس على يديه وصل إلى كربلاء الحسين ووصل إلى ضريح الحسين، والحسين في قبره وهو يرمق ولده كيف يدخل إليه وكيف يقف زائراً عنده.

هل تنسجم الأساليب الفقهية للنهي عن المنكر مع ثقافة عصر التكنولوجيا
الخمس موارده وَمصارفه، من أين وَإلى أين؟