نص الشريط
التوازن بين الشعار والبناء
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 2/1/1432 هـ
مرات العرض: 16594
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (15387)
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ

آمنا بالله صدق الله العلي العظيم

انطلاقًا من الآية المباركة نتحدث في محاور ثلاثة:

  • في الفرق بين الشعار والشعيرة.
  • في بيان دلالة الشعار وأهميته.
  • في ضرورة التوازن بين الشعار والبناء.
المحور الأول: ما هو الفرق بين الشعيرة والشعار؟

من أجل أن يتضح الفرق بين هذين العنوانين - عنوان الشعائر وعنوان الشعار - نتعرض لمطالب ثلاثة:

المطلب الأول: انقسام الوجود إلى نفسي وغيري.

علماء الفلسفة يقولون الوجود ينقسم إلى وجود نفسي ووجود غيري. الوجود النفسي ما كان موجودًا لأجل ذاته بينما الوجود الغيري هو ما كان موجودً لخدمة غيره مثلًا عندما نقارن بين الروح والجسد، الجسد لماذا وجد؟ الهدف من وجود الجسد خدمة الروح، لأن الروح تستخدم الجسد أداةً لأفعالها أداةً لاستيراد معلوماتها، فالجسد خُلق لخدمة الروح، إذًا الجسد موجود غيري بينما الروح ما وجدت لخدمة موجود آخر أو لخدمة روح أخرى، فالجسد موجود غيري والروح موجود نفسي لأن الروح خُلقت لأجل ذاتها ولم تخلق لخدمة موجود آخر أو جسد أو روح أخرى.

كذلك المطلوبات تنقسم إلى قسمين: مطلوبات نفسية ومطلوبات غيرية، يقول علمائنا جميع المطلوبات هي مطلوبات غيرية إلا شيء واحد وهو معرفة الله عز وجل، مثلًا الصلاة ليست مطلوبة لذاتها الصلاة مطلوبة لهدف آخر ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ فالصلاة مطلوب غيري، الصيام ليس مطلوب لذاته بل لأجل غيره ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ يعني لأجل التقوى، الصوم والصلاة ليس مطلوبًا لذاته فهو مطلوب غيري ولكن معرفة الله مطلوبة لذاتها معرفة الله كمال في نفسه كمالٌ في ذاته فهو مطلوب لنفسه لذلك يقول القرآن الكريم ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ

اليقين بالله الاتصال بالله مطلوب لنفسه وليس مطلوب لغيره بينما الصلاة والصوم وسائر العبادات مطلوبة لغيرها ولذلك نحن نقرأ في زيارة الحسين أشهد أنك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر حتى أتاك اليقين. شعائر الله هل هي مطلوب نفسي أو مطلوب غيري؟

طبعًا الشعائر مطلوب غيري بعد أن اتضح لنا المطلوب النفسي والمطلوب الغيري يتضح لنا أن الشعائر مطلوبًا لغيرها وليس لذاتها، القرآن الكريم يقول ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ يعني الشعائر مطلوبة لأجل التقوى وليس لأجل ذاتها ويقول في آية أخرى ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا لأن ذبح الهدي ذبح الأضحية يوم العاشر من ذي الحجة شعيرة من شعائر الله ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ذبح الأضحية شعيرة لكن ليس مطلوبًا لذاته وإنما مطلوب لأجل التقوى ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ فالشعائر شعائر الله تبارك وتعالى مطلوبة لغيرها يعني لهدف التقوى وليست مطلوبة لذاتها.

المطلب الثاني: انقسام الشعائر إلى عملية وعينية.

شعائر الله قد تكون عملًا وقد تكون عينًا مثلًا ذبح الأضحية هذا عمل شعيرة من شعائر الله بينما نأتي إلى الصفا والمروة، الصفا ليس عمل الصفا جبل أيضًا شعيرة من شعائر الله، القرآن الكريم يقول ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا. إذًن الشعيرة قد تكون عمل وقد تكون وجود خارجي عينًا من الأعيان كما في الصفا والمروة نفس الجبلين شعيرة من شعائر الله، من هنا قد يتساءل الإنسان يقول كيف يتحول الجبل أو يتحول التراب أو يتحول الصخر إلى أن يكون شعيرة من شعائر الله، ممكن أن الله يعتبر عملًا من الأعمال شعيرة، الله يقول ذبح الأضحية شعيرة اعتبر الذبح شعيرة لأن الذبح يوصل إلى التقوى ممكن، أم كيف يعتبر الله الجبل أو الصخر شعيرة من شعائره، ما هو الربط بين الجبل وبين الصخرة وبين الله حتى يعتبره الله شعيرة من شعائره فيقول ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ؟

الجواب عن هذا السؤال لا حظوا يا إخوان النكتة والسر الذي يجعل العمل شعيرة هو نفسه الذي يجعل الوجود شعيرة ولذلك القرآن عبر عن عدة أماكن أنها أماكن شعيرة مثلًا ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، مزدلفة مشعر يعني شعيرة من شعائر الله، الكعبة عبارة عن صخور لكنها شعيرة من شعائر الله، الصفا والمروة شعيرة من شعائر الله، كيف يتحول المكان إلى أن يعتبره الله شعيرة من شعائره؟

ذكرت في الأعوام السابقة أن كل موجود عملًا كان أو عينًا له بعدان وله عنصران عنصر ملكي وعنصر ملكوتي كل موجود، العنصر الملكي هو العنصر المادي، والعنصر الملكوتي هو العنصر الغيبي يعني ما وراء المادة، فإن هناك عالم مُلك يعني عالم مادة يعبر عنه القرآن الكريم بقوله ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وهناك عالم ملكوت يعني ما وراء المادة ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، كل شيء له بُعدان بُعد مادي وبُعد غيري، بُعد ملكي وبُعد ملكوتي، الصلاة التي نصليها هذه الصلاة لها بعدان لها عنصران، عنصر ملكي مادي وهو القيام والقعود والركوع والسجود هذا عنصر ملكي، عنصر ملكوتي هذه الصلاة نور، قد الإنسان لا يلتفت إلى أن الصلاة نور، نورٌ يتصل بالله، الإنسان عندما يقف يصلي هو يصدر من قلبه نور يتصل بالله عز وجل وهذا هو العنصر الملكوتي للصلاة، هذا النور ليس نور مجازي نور حقيقي، كيف نور حقيقي؟

القرآن يتكلم عن هذا النور، الصلاة نور الصيام نور كل عبادة كل شعيرة من شعائر الله فهي نور القرآن يتحدث عن هذا النور عندما يقول ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا هذا ليس تعبير مجازي تعبير حقيقي، ويقول القرآن الكريم ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ الصلاة نور الصوم نور الصدقة نور، كل الأعمال القربية العبادية نور، لو أن الإنسان جمع خلال ساعة واحدة قام بأعمال قربية كثيرة صلى وتصدق ووصل رحمه وقرأ القرآن يعني هذا الجسد خلال ساعة واحدة يصدر من قلبه عدة أنوار تتصل بالله تبارك وتعالى، هذا بُعد غيبي ملكوتي حقيقي، كيف تشعر به؟ ربما يقول إنسان أنا لا أشعر أن صلاتي نور، كيف أستدل على وجود النور؟ كيف أستدل وأبرهن أن لصلاتي عنصرًا ملكوتيًا ألا وهو عنصر النور، كيف أستدل على هذا النور؟

تستدل عليه من خلال الشعور بالاطمئنان ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ النور يبعث الأمن والاطمئنان، أنت تشعر بمجرد أن تدخل في الصلاة تشعر بنوع من الهدوء والاستقرار والطمأنينة، شعورك بالأمن والاطمئنان هو الدليل على أن للصلاة عنصرًا ملكوتيًا وهو النور، كما أن للعمل عنصر ملكي وعنصر ملكوتي فالموجودات أيضًا لها هذان العنصران، تأتي للصفا والمروة هذا الجبل الذي نسميه صفا هذه الصخرة التي نسميها كعبة هذه الصخرة التي نسميها مقام إبراهيم كل هذه الصخور لها عنصر ملكي مادي وهو أنها صخرة ولها عنصر ملكوتي وهو أن هذه البقاع وهذه الصخور مصدر أنوار متصلة بالسماء متصلة بالعرش.

ولذلك ورد في الروايات إن الكعبة من تخوم الأرض إلى عنان السماء يعني نور متصل بالعرش ولذلك إذا وقفت أمام الكعبة المشرفة فأنت لا تقف أمام صخرة ولا تقف أمام بناء وإنما تشعر إذا وقفت أمام الكعبة تشعر بحالة من الاطمئنان والهدوء والاستقرار لأن الكعبة مبعث ومصدر أنوار ملكوتية تضفي عليك هدوءًا واطمئنان واستقرار ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا.

إذًن كما أن الأعمال لها عنصران ملكي وملكوتي أيضًا الأشياء الأخرى الخارجية لها عنصران ملكي وملكوتي ولذلك اعتبرها الله وتعبدنا بأنها شعائر الله ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ.

المطلب الثالث: ما هو الفرق بين الشعيرة والشعار؟

الشعيرة تجمع على شعائر، الشعائر عندما نقول شعائر الله أو عندما نقول شعائر الحسين فما هو المقصود بالشعائر؟ كل عمل يجمع سمتين وصفتين فهو من الشعائر.

السمة الأولى: أن يكون عملًا عباديًا قُرْبِيًا.

إذا كان عملًا عباديًا قربيًا فهو شعيرة من شعائر الله، شعائر الله يعني معالم ذكر الله، الشعيرة هي العلامة، شعائر الله يعني العلامات، فالعمل القربي العبادي شعيرة من شعائر الله لأنه معلم لذكر الله تبارك وتعالى. شعائر الحسين سواء كانت مستحبة بعنوان خاص أو مستحبة بعنوان عام.

نأتي للبكاء: البكاء مستحب بعنوان خاص نفس البكاء بما هو مستحب، بما ورد في الروايات ”كل البكاء والجزع مكروه ما خلا البكاء والجزع على الحسين فإنه فيه مأجور“ كما في رواية علي بن أبي حمزة بناء على تصحيحها هذه الرواية تقول نفس البكاء نفس الجزع مأجور عليه هو مستحب بعنوانه، إذن هو عمل عبادي عمل قربي.

أو كان مستحب بعنوان عام، مثلًا إلقاء محاضرة دينية فهذا ليس مستحب بعنوانه يعني ما وردت فيه رواية لكنه مستحب بعنوان عام، إلقاء المحاضرة الدينية مستحب بعنوان عام لأنه دعوة إلى الخير وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر فيندرج تحت قوله عز وجل ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ، كل عمل قربي عبادي بعنوان خاص أو بعنوان عام فهو شعيرة.

السمة الثانية: أن يكون إحياء لأمر الله.

كل عمل يعد إحياء لأمر الله فهو شعيرة، صلاة الجماعة إحياء لأمر الله فهي شعيرة، المواكب الحسينية شعيرة لأنها إحياء لأمر أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فتندرج تحت قول الإمام الباقر للفضيل من يسار ”يا فضيل أتجلسون وتتحدثون؟ قلت بلى يا سيدي، قال إني أحب تلك المجالس فأحيوا فيها أمرنا“، فالمطلوب هو الإحياء إحياء أمرهم من جلس مجلس يحيا فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب إحياء أمرهم، كل عملًا يكون إحياء لأمر أهل البيت فهو شعيرة من شعائر أهل البيت وشعيرة من شعائر الله تبارك وتعالى، إذن الشعيرة هو العمل القربي الذي يكون إحياءً لأمر الله ولأمر أهل البيت، هذه هي الشعيرة.

بينما الشعار هو رمز يعبر عن انتماء معين، علماء الاجتماع يعرفون الشعار بهذا فيقولون الشعار الرمز المعبر عن انتماء معين، ترى أن لكل دولة شعار وكل مؤسسة لها شعار، شعار الدولة يعبر عن هوية الدولة شعار المؤسسة يعبر عن هوية المؤسسة شعار الدين يعبر عن هوية الدين، الشعار رمز يعبر عن انتماء وعن هوية معينة سواء كان هذا الرمز عبادي أو غير عبادي إحياء لأمر الله أو ليس إحياء لأمر الله، إذن الشعار أعم من الشعيرة، كل رمز يعبر عن انتماء معين فهو شعار، هذا هو الفرق بين الشعيرة والشعار.

المحور الثاني: ما هو مدلول الشعار وما هي أهميته؟

علماء اللغة يقولون الدلالة على قسمين: دلالة صريحة ودلالة رمزية، الدلالة الصريحة هي الدلالة المباشرة والدلالة الرمزية هي الدلالة غير المباشرة «إياك أعني واسمعي يا جارة» هذه دلالة غير مباشرة، مثلًا العرب من خصالهم الكرم تارة أنت تتحدث عن شخص فتقول: فلان كريم، هذي دلالة صريحة وتارة لا أنت تريد أن تقول كريم لكن ليس بالمباشرة فتأتي بتعبير آخر، العرب كانوا يقولون في السابق فلان كثير الرماد، كثير الرماد يعني كثير الطبخ، كثير الطبخ يعني كريم دلالة غير مباشرة، أو تقول فلان لا يخلو بيته من الناس هذي دلالة غير مباشرة تعبر عن كرمه، الدلالة غير المباشرة تسمى دلالة رمزية، مثال آخر: تارة تقول مثلًا أهل القطيف يتولون علي ويتبرؤون من أعداءه هذي دلالة صريحة، وتارة تستخدم دلالة غير مباشرة فتقول روافض، رافضي هذي دلالة رمزية يعني هذا الشخص عنده الإمام علي هو الأول والآخر يتولاه يتبرأ من أعداءه.

يا راكبًا قف بالمحصب من iiمنى
سحرًا إذا فاض الحجيج إلى منى
إن  كان  رفضًا  حب آل iiمحمد

 
واهتف  بساكن خيفها والناهض
فيضًا  كملتطم  الفرات  iiالفائض
فليشهد   الثقلان   أني  رافضي

فعندنا دلالة صريحة وعندنا دلالة رمزية، الشعار يندرج تحت الدلالة الرمزية ولذلك يعتبر علماء الاجتماع الشعار رمز لأن دلالته دلالة رمزية غير صريحة، مثلًا تأتي للنشيد الوطني شعار، النشيد الوطني رمز يرمز لهوية البلد يرمز لانتماء البلد يرمز لأهداف البلد ولذلك دلالته دلالة رمزية ولهذا يعتبروه شعار، أنت عندما ترفع العلم الأحمر يوم عاشوراء فهذا شعار، لماذا شعار؟ لأنه رمز يرمز لدم الشهادة والحرية الحمراء التي طلبها الحسين ، الشعار دائمًا دلالته دلالة رمزية وليس دلالة صريحة.

بما أن الشعار دلالته دلالة رمزية لذلك علماء الاجتماع بحثوا ما هي فلسفة الشعار وما هي مناشئ الحاجة للشعار، لماذا نحتاج للشعار؟ وما هي فلسفة الشعار؟ ما هي أوجه الحاجة وملاكات الحاجة للشعار؟

علماء الاجتماع يذكرون ثلاثة مناشئ للحاجة للشعار:

المنشأ الأول: الحاجة إلى تأكيد الهوية.

إذا أردت أن تؤكد هويتك تستخدم شعار، الشعار رمز للهوية فالشعار يؤكد الهوية، الآن مثلًا كيف تعرف أن البلد إسلامي؟ انظر إلى العلم، إذا العلم مكتوب عليه «الله» أو مكتوب عليه «لا إله إلا الله، محمد رسول الله» فتعرف أن هذا البلد إسلامي بمعنى أن هذا الشعار جُعل لكي يرمز إلى هوية البلد، أن هوية هذا البلد الدين الإسلامي نظامه الإسلام دستوره الإسلام إذًا الشعار يرمز إلى الهوية، من هنا لكل دين شعار، دين النصارى لهم شعار وهو الناقوس ودين المسلمين لهم شعار وهو الأذان هذا يرمز لهويتهم.

أيضًا لكل مذهب شعار فمذهب أهل البيت له شعار وهو ﴿أشهد أن عليًا ولي الله هذا الشعار يرمز إلى الهوية، أنت عندما تدخل منطقة القطيف أو منطقة الأحساء أو بلاد البحرين فكيف تتعرف على هوية البلد؟ من خلال هذا الشعار بمجرد أن تسمع أشهد أن عليًا ولي الله تعرف أن هذا البلد يحملون هوية ألا وهي هوية الولاء لعلي بن أبي طالب ، لذلك فقهائنا عندما قالوا الشهادة الثالثة مستحبة هذا تخطيط سياسي، أغلب فقهائنا لا يقولوا أن الشهادة الثالثة جزء من الأذان، فلو ترك الانسان الشهادة الثالثة فأذانه صحيح يترتب عليه ثواب ليست جزءً من الأذان ولا مستحب خاص بالأذان، الشهادة الثالثة مستحب عام ظرفه الأذان، لماذا؟

هذا تخطيط يعبر عنه السيد محسن الحكيم «قدس سره» في كتابه المستمسك الشهادة الثالثة شعار التشيع، هذا الشعار جُعل لكي يرمز إلى هوية المذهب وإلى هوية هذه الطائفة إلى هوية هذا المجتمع، شعار التشيع، والمذهب يحتاج إلى شعار وهذا شعاره، بل إن الشهادة الثالثة شعيرة وليست مجرد شعار، بل هي عمل عبادي قربي يعد مصداقًا لإحياء أمر الله تبارك وتعالى، لأن إعلان الإمامة «أشهد أن عليًا ولي الله» بمعنى أن الإمام علي هو الإمام فهذا معنى ولي الله، لأن إعلان الإمامة للإمام علي إعلان للبيعة لبيعة الإمام علي وانتصار ليوم الغدير الذي وقف فيه النبي فقال ”ألا من كنت مولاه فهذا عليٌ مولاه اللهم والي من والاه وعادي من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله“ فالشهادة الثالثة انتصار ليوم الغدير وإعلان للبيعة وإبراز لإمامة الإمام علي فهي إحياء لأمر الله الذي أمر به يوم الغدير وإحياء أمر الله من أعظم شعائر الله تبارك وتعالى، لذلك تندرج الشهادة الثالثة تحت قوله عز وجل ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ.

المنشأ الثاني: الشعار يوحّد القاعدة الجماهيرية.

أنت عندك جماهير أيام محرم فكيف توحدهم؟ تحتاج إلى شعار لتوحدهم، جماهير مختلفة يحتاجون إلى الشعار لأن الشعار يوحد القاعدة الجماهيرية، المسلمون لغات مختلفة قوميات مختلفة مذاهب مختلفة، ما هو الشعار الذي يوحد القاعدة الجماهيرية؟ الطواف بالبيت شعار لأنه يوحد القواعد الجماهيرية لكل المسلمين، المواكب الحسينية شعار لكل الموالين لأهل البيت «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين»، من هنا نفهم التأكيد من قِبل أهل البيت على زيارة الحسين، أنت عندما ترى الروايات الواردة عن الإمام الحسين تستغرب، أكثر من 300 رواية تحث الموالين على زيارة الحسين ، لماذا؟ هذا تخطيط وبناء للشعار، الإمام الصادق كان يخطط للأجيال المتتابعة منذ زمانه إلى يوم القيامة، كيف يوحد هذه الأجيال وكيف يوحد القاعدة الجماهيرية؟ يوحدها تحت شعار معين شعار لجميع الموالين لأهل البيت من زيدية - إسماعيلية - إمامية - كيسانية، حتى السنة الموالين لأهل البيت، يوحد القاعدة الجماهيرية كلها تحت شعار واحد ألا وهو زيارة الحسين .

المنشأ الثالث: الامتداد العاطفي.

ذكرنا فيما سبق أن علماء العرفان يقولون: لكل إنسان قوتان قوة العقل وقوة القلب، العقل وظيفته التحليل والتأمل والقلب وظيفته الإذعان والقبول والإيمان لا يحصل إلا إذا استجاب القلب للعقل، أنت تمر عليك أفكار مختلفة لكن هل يقبلها قلبك؟ قد يستوعبها عقلك لكن لا يقبلها قلبك، الإيمان لا يتحقق بأي فكرة إلا إذا استجاب القلب للعقل أي إذا كان لهذه الفكرة امتداد عاطفي، كل فكرة ليس لها امتداد عاطفي فإنها ستتبخر بمرور الأيام وستفشل في يوم من الأيام، الفكرة الراسخة الفاعلة هي الفكرة التي لها امتداد عاطفي هي الفكرة التي يستجيب القلب للعقل.

ولذلك يقول القرآن الكريم عن المشركين يقول ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ يعني هؤلاء إذا رجعوا إلى عقولهم رأوا أن عقولهم تدرك أن الله واحد لكن إذا رجعوا إلى قلوبهم رأوا أن قلوبهم تنفر من هذه القضية، عقولهم أدركتها وقلوبهم استنكرتها ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ لذلك لم يتحقق منهم الإيمان لأن الإيمان مطاوعة القلب للعقل، الإيمان هو عبارة عن الامتداد العاطفي للفكرة ومن هنا نشأة الحاجة إلى الشعار، لماذا نحتاج إلى الشعار؟ لأن الشعار ينقل الفكرة من العقل إلى القلب لأن الشعار يصنع للفكرة امتدادًا عاطفيًا في النفوس وفي القلوب، أنت عندما تضع علم مكتوب عليه يا أبا الفضل العباس أو مكتوب عليه هيهات منا الذلة أو علم يا حسين هذا العلم شعار، لماذا؟ لأنه ينقل فكرة الحسين من العقل إلى القلب، هذا العلم يخلق امتداد عاطفي في النفوس وفي القلوب هذا العلم يساعد في ترسيخ قضية الحسين ومبادئ الحسين، الشعار تنشأ الحاجة له من الحاجة إلى الامتداد العاطفي.

المحور الثالث: ضرورة التوازن بين الشعار والبناء.

نحن نحتاج إلى أمرين: نحتاج إلى أن نبني حضارة، نحتاج إلى أن نبني مجتمع، فنحن نحتاج إلى أمرين شعار وبناء، القرآن يدعونا إلى إقامة الشعار فيقول ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ويدعونا إلى البناء أيضًا فيقول ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ، إذن نحتاج إلى شعار وإلى بناء إلى عمل لذلك نحن نحتاج في مجتمعنا إلى عملية توازن بين الشعار وبين البناء، كيف نضمن التوازن بين الشعار وبين البناء؟ هناك عدة خطوات لكي نقوم بها حتى نخلق توازن بين الشعار وبين البناء، نذكر منها خطوات ثلاث:

الخطوة الأولى: الإعلام الحرفي الهادف.

نحن الآن كشيعة نملك أكثر من عشرين قناة فضائية والحمد لله، وهذه القنوات مباركة لها ثمرات إيجابية ضخمة لا ننكرها، ولكن هل هذه القنوات تخلق توازن بين الشعار والبناء؟ هل هذه القنوات تغذي الشعار أم تغذي البناء أم أنها تخلق توازنًا بين تغذية الشعار وتغذية البناء؟ حتى تكون القناة الفضائية عاملًا في توازنٍ بين الشعار والبناء لابد أن تكون القناة حرفية وهادفة، كيف حرفية؟ الإعلام ليس تصوير فيلم ووضعه في الشاشة، فالإعلام يحتاج إلى مهارة يحتاج إلى فن، نحن نحتاج إلى مهارة وبراعة في الإنتاج والإخراج نحتاج إلى أساليب تقنية بارعة ليس مجرد تصوير برامج ووضعها في الشاشة.

أنت عندما تلاحظ وتشاهد الجزيرة الوثائقية تشدك ببرامجها لأجل البراعة في الإنتاج والإخراج، أنت تحتاج إلى إعلام حرفي، الحرفية أسلوب من أساليب الدعوة من أساليب الجذب ونحتاج أيضًا إلى الإعلام الهادف، كيف؟ يعني وضع استراتيجة سنوية - خمسية - عشرية ترسم الأهداف وتشرح الآليات وتراقب الخطوات، هل أن الخطوات على طبق الأهداف أم لا، كل قناة ترسم الأهداف يمكن أن تتحول إلى عامل من عوامل التوازن بين الشعار والبناء، عندنا قنوات متخصصة في اللطم والعزاء ليست مشكلة لكن دعوا قنوات تتخصص في الفكر أو أن تكون القناة منوعة، عندما تكون القناة مهتمة ومعنية بفكر أهل البيت الفكر العميق لا الفكر الهزيل، الفكر الصافي لا الفكر المشوش، الفكر المبني على الأدلة والبراهين لا الفكر المبني على الرؤى والأحلام والخيالات، عندما يكون لدينا إعلام مبني على استراتيجية فكرية فسوف يكون هذا الإعلام عامل من عوامل التوازن بين الشعار والبناء.

الخطوة الثانية: الترشيد الاجتماعي.

نتكلم بصراحة حتى تتضح مطالبنا: نحن الآن مثلًا في منطقة القطيف إذا أخذناها وحدها من مدينة صفوى إلى سيهات، كم نصرف من الأموال أيام عاشوراء؟ خلال عشرة أيام كم نصرف على الطبخ والكيك وما يوزع في هذه المآتم؟ ملايين بلا إشكال، هذا الذي يصرف على الطبخ على قسمين: قسم وقف يعني هناك عمارة وقفت للطبخ فالوقف لا يمكن تغييره هذا مسألة شرعية، الوقوف على حسبما يوقفها أهلها، عمارة موقوفة على طبخ بمعنى يصرف ريعها في الطبخ، وهناك قسم آخر من الأموال تبرعات ونذور.

نحن نحتاج إلى جمعية باسم الحسين ترشد لنا الصرف الاجتماعي، جمعية من خلال المنابر والمساجد تقوم بتوعية لأبنائنا ونسائنا وأمهاتنا وبناتنا، إذا أردتم أن تتبرعوا أو تنذروا فلا تتبرعوا للطبخ لأن هناك أموال طائلة وكافية للطبخ لا تنذر للطبخ، انذر للحسين فإن الحسين عنوان جامع الحسين عنوان كبير، انذر المال للحسين تبرع للحسين فكل ما يخدم هدف الحسين فهو للحسين ، نحن إذا نقوم بجمعية ترشيد للصرف الاجتماعي كم نوفر أموال بعدين؟ سنوفر ملايين الأموال التي كان يمكن صرفها في الطبخ لكنها لم تصرف فيه فلتصرف هذه الأموال الباقية في بناء بيوت الفقراء باسم الحسين باسم جمعية الحسين .

أنت إذا بنيت بيت الفقير ساهمت في البناء لأنك منعت هذا الطفل الفقير عن الجريمة والانحراف والمعصية، هذه الأموال باسم الحسين لو صرفت في بناء بيوت الفقراء لو صرفت في تأهيل أبنائنا باسم جمعية الحسين ، عندما تصرف هذه الأموال في البناء سوف يتحقق التوازن بين الشعار وبين البناء، من جهة حافظت على الشعار «جمعية باسم الحسين» فهذا شعار ومن جهة أنت حققت بناءً لأنك بهذا العمل الجبار وبهذا الترشيد الاجتماعي منعت انتشار الجريمة منعت انتشار المخدرات منعت انتشار المعصية خلقت كفاءات علمية وثقافية في هذا المجتمع، إذن أنت بخطوة الترشيد الاجتماعي جمعت ووازنت بين الشعار والبناء.

الخطوة الثالثة: العمل التوعوي.

الحمد لله كل مأتم من مآتمنا فيه مجموعة من الشباب الذين على أعتاقهم خدمة الحسين جزاهم الله خير الجزاء، هذا عمل مبارك عظيم لكن هذا الشاب الذي يسخر كل يوم من وقته سبع ساعات لخدمة الحسين يحتاج إلى بناء أيضًا، هذا الشاب يحتاج إلى أن يبني نفسه بناءً ثقافيًا حسينيًا، المدرس معروف في علم التربية يحتاج إلى كل ما بين سنتين إلى كورس في علم التربية حتى يواكب النظريات الحديثة في مجال التربية حتى يكون معلمًا ناجحًا معلمًا فاعلًا، كذلك الشاب الحسيني الذي يخدم في المأتم الحسيني يحتاج إلى كورس يحتاج إلى مدة وأخرى في ثقافة الحسين في مُثل الحسين في قيم الحسين لكي يكون هذا العامل الحسيني حسينيًا ثقافةً وسلوكًا فكرًا وعملًا، فهذا العمل التوعوي بالنتيجة سيخلق لنا توازنًا بين الشعار والبناء.

إذن نحن نحتاج إلى توازن بين الشعار والبناء، والحسين رسم كربلاء مدرسة للبناء والشعار وليست للشعار فقط، قال لأصحابه ليلة عاشوراء: هل أنتم أصحاب شعار أو أصحاب بناء؟ إني لا أعلم أصحاب أبر وأوفى من أصحابي وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا وليأخذ كل رجلٍ منكم يد رجل من أهل بيتي وتفرقوا في سوادكم ومدائنكم فإن القوم لا يريدون غيري، فقاموا وقالوا ماذا نقول لجدك رسول الله تخلينا عن ابن بنت نبينا لا والله لا كان ذلك أبدا.

النقد بين الضرورة والإشكالية