نص الشريط
الدرس 9 | مع جون لوك في الاتجاه التجريبي
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مجلس آل جمعة
التاريخ: 17/5/1442 هـ
مرات العرض: 85
المدة: 00:47:09
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (19) حجم الملف: 13.4 MB
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

وصل الكلام إلى معطيات المدرسة الحسيّة في مجال التصورات الأولية حيث مرَّ سابقا أن المدارس في التصورات الأولية للذهن البشري ثلاث مدارس:

  • المدرسة العقلية: وهي التي يُمثلها ديكارت الذي يعتقد أن هناك أفكارا فطرية وُلدت مع ولادة الإنسان كالامتداد والوجود والشكل والحركة.
  • المدرسة الصدرائية: وهي أن التصورات الأولية نابعة من حيث المادة من علم حضوري، وبينّا كيفية العلم الحضوري الذي يكون منشأ للعلم الحصولي وهو التصورات الأولية، وقد تكلمنا عنها مفصلا.
  • المدرسة الحسيّة: وهي التي من روادها جون لوك وهيوم.

هذه المدرسة - المدرسة الحسيّة - من أجل أن نقف على أفكارها بالدقة نتكلم عنها بشكل تفصيلي، ففي المدرسة الحسية يُوجد اتجاهان، الاتجاه التجريبي والذي يمثله الفيلسوف الإنجليزي «جون لوك»، والاتجاه الحسي الذي يمثله «هوبز» و«هيوم»، وحديثنا فعلا عن الاتجاه التجريبي الذي يمثله لوك، والذي يُعتبر مؤسسا لهذا الاتجاه، فهو يرى أن جميع المعارف مصدرها التجربة ما سوى المنطق والرياضيات، وأن الإدراك هو أول خطوة من خطوات المعرفة مقابل المدرسيين كديكارت وليبنز.

وحتى نتناول فكر لوك فإننا نعتمد على مقال الدكتور محمد فتحي الشنيطي في تلخيصه لكتاب «مبحث في الفهم الإنساني» وهو كتاب جون لوك، حيث أن هذا المقال لَخّصَ أهم ما في الكتاب، وقد لخص كلامه في عدّة محاور:

المحور الأول: في نقد المدرسة العقلية.

وفي هذا المحور نقد لفكر ديكارت الذي يرى أن هناك أفكارا فطرية هي بذرة التصورات الأولية لدى الإنسان، فالأفكار الفطرية لدى ديكارت نوعان:

النوع الأول: الأفكار النظرية.

مثل: مبدأ الهوية «كل شيء هو هو وليس غيره»، وهذا مبدأ فإن الإنسان هو هو وليس غيره، والشمس هي هي وليست غيرها، فكل شيء هو هو وليس غيره. وكذلك مبدأ عدم التناقض، فإذا كان كل شيء هو هو وليس غيره إذن من المستحيل اجتماع النقيضين بأن يكون هو وليس هو، فإن هذا مستحيل.

النوع الثاني: الأفكار العملية.

مثل: الظلم قبيح، العدل حسن، الصدق جميل، الكذب قبيح، فهذه أفكار عملية.

في كلا القسمين - النظرية والعملية - التي عبر عنها ديكارت بانها أفكار فطرية يناقشه جون لوك، ما هو المناط في فطرية الأفكار، فلماذا اعتبرتها أفكارا فطرية؟

القسم الأول: القضايا النظرية.

هناك محتملات ستة لتفسير معنى الفطرية يستعرضها ويناقشها:

المحتمل الأول: اتفاق الناس عليها، فاتفاق الناس على فكرة يعني أن الفكرة فطرية، وهذا التعريف يُناقش من حيث:

أولا: بأن هذا أعم، إذ قد يتفق الناس على فكرة لاقتناعهم بدليلها لا أنها فطرية، فهي ليست فطرية، ولكن لاقتناع الناس بدليلها اتفقوا عليها، فاتفق الناس على تقسيم الوقت، فهناك ثانية ودقيقة وساعة ويوم وشهر وسنة فإن هذا الاتفاق لإيمان الناس بمصلحة هذا التقسيم لا أنه أمر فطريٌّ.

ثانيا: أول الدعوى أن هناك أفكارا اتفق الناس عليها، فهل اتفقت الأطفال على استحالة اجتماع النقيضين أم اتفق الناس البدائيون على استحالة اجتماع النقيضين، فحتى هذه الأفكار - الفطرية بنظر ديكارت - لم يتفق كل الناس عليها.

المحتمل الثاني: القدرة الذاتية على التعرف عليها، فكل فكرة يمتلك الإنسان قدرة ذاتية للتعرف عليها - أي لا يحتاج التعرف عليها على مؤنة وكلفة واستدلال - فهي فكرة فطرية. فيقول - جون لوك - إذا كان هذا هو التعريف أصبح الفطري هو القدرة على التعرف وليس الأفكار نفسها، فالقدرة على التعرف هي الأمر الفطري لا أن الأفكار التي يقتدر الإنسان على التعرف عليها هي فطرية والفروض أنها لم تأت إلا بعد معرفةٍ ولم تأتِ ابتداء.

المحتمل الثالث: أن الأفكار الفطرية هي الأفكار الموجودة في الذهن بالقوة نظير أن الشجرة موجودة بالقوة في البذرة، فالبذرة هي شجرة بالقوة، فبالحركة تُصْبِحُ شجرة بالفعل، فالأفكار الفطرية موجودة لدى الإنسان بالقوة ومختمرة في ذهنه، وتحتاج فقط إلى إثارات وإذا أثيرت خرجت من القوة إلى الفعل، ولو كان هذا هو المناط في الفطرية يلاحظ عليه أن الوجود بالقوة لا يعني أن الأفكار معرفة، فما دام الذهن جاهلا بها غير ملتفت لها فلا يمكن أن نعتبرها أفكارا، نعم هي موجودة بالقوة ولكن الذهن غافل عنها ولم يتعرّف عليها، فما دام الذهن جاهلا بها غير متعرف عليها لا يمكن أن نعتبرها أفكارا.

المحتمل الرابع: أن الأفكار الفطرية هي الأفكار الحاضرة بمجرد الاستدلال عليها، نعم هي تحتاج إلى دليل ولكن بمجرد أن يُلاحظ الذهنُ دليلها يؤمن بها، ولذلك اعتبرت أفكارا فطرية، وهذا يلتقي مع تعريف أرسطو للفطريات، فالفطريات ما كان قياسها معها مثلا: الأربعة زوج لأنها تنقسم إلى متساويين، فهي قضية دليلها معها، فمتى التفت الإنسان إلى دليلها آمن بها، ولذلك تُعتبر قضيةً فطرية، وهذا أيضا يناقشه جون لوك فيقول:

أولا: أن هذا المناط والميزان مشترك مع القضايا الرياضية، ف «2+2= 4» فدليلها معها ويؤمن الإنسان بها وكذا «4+4= 8» فإن دليلها معها ويؤمن الإنسان بها، مع أن ديكارت لم يعتبر القضايا الرياضية قضايا فطرية، مع أن هذا الميزان مما ينطبق عليها.

ثانيا: أن الوجدان يشهد بأن القضايا التي سمّاها ديكارت فطرية - مثل فكرة الوجود وفكرة الهوية وفكرة امتناع التناقض - ليست مسبوقة في الذهن لا بسجلٍّ سابق من المعارف ولا باستدلال، فالذهن يؤمن بها بلا حاجة إلى استدلال، بل هي من شؤون قوة الحدس.

المحتمل الخامس: أن الأفكار الفطرية ما كانت أولية من حيث الزمن، فهي أولُ أفكار تعرض على ذهن الإنسان، فبما أنها الأول من حيث الزمن لذلك اعتبرت أفكارا فطرية، وجون لوك يقول أن هذا غير صحيح فإن هذه الأفكار مسبوقة بالتجربة، ولولا التجربة لما آمن الإنسان بها، فدعوى أنها الأولى من حيث الزمن فإن هذه الدعوى ممنوعة، فلولا ادراك الإنسان للنور والظلام لما حكم بالتناقض، ولولا إدراك الإنسان للسواد والبياض لما حكم بالتناقض، إذن هذه الأفكار مسبوقة بالتجربة وليست أفكارا ابتدائية.

المحتمل السادس: أن المناط في الأفكار الفطرية هي الضرورة المنطقية، أي أن هذه الأفكار واضحة، فثبوت المحمول للموضوع فيها ثبوت ضروري، اجتماع النقيضين محال، ثبوت الاستحالة لاجتماع النقيضين بالضرورة، فلأجل تضمنها لضرورة منطقية اعتبرت أفكارا فطرية، وهذا يُناقش فيه جون لوك ويقول:

أولا: هذا يشمل القضايا الرياضية، فإن القضايا الرياضية أيضا ثبوت المحمول للموضوع ضروري، وثبوت 4 ل 2+2 ضروري مع أنها لم تُعتبر من القضايا الفطرية.

ثانيا: ضرورتها ووضوحها نابع من تصور أطراف القضية وجزم الحدس بها، فجون لوك عنده أن قوة الحدس هي التي عرفتنا بهذه الأفكار، فهي بمجرد أن تُدرك اجتماع النقيضين وكلمة «محال» فإنها تقول اجتماع النقيضين محال، فكلما أدركت الطرفين جزمت بأن هذا المحمول ثابت لهذا الموضوع.

القسم الثاني: القضايا العملية.

القضايا العملية نوعان:

النوع الأول: نزعات نحو ميل الإنسان للسعادة وكراهة الشقاء.

فالإنسان يميل بطبعه للسعادة، ويكره بطبعه الشقاء، وهذا ميل غريزي وليس أفكارا فطرية؛ لأنه ليس حقائق منطبعة في الذهن وإنما هي مجرد ميول.

النوع الثاني: مبادئ أخلاقية.

والمبادئ الأخلاقية مثل: العدل جميل، الظلم قبيح، فهذه المبادئ الأخلاقية أيضا ليست قضايا فطرية لأنها ناشئة إما من تأمل العقل أو ناشئة من التربية الأسرية أو من البيئة الاجتماعية، أما أنها تولد بولادة الإنسان فهذا أمر لا دليل عليه.

المحور الثاني: رأي جون لوك في مصدر الأفكار الأولية.

ما هو المصدر إذن لهذه الأفكار؟ فإذا كان اتجاه ديكارت في أن مصدر هذه الأفكار هو الفطرة فإن هذا الكلام غير تام، فما هو رأي جون لوك في مصدر الأفكار الأولية لدى الإنسان أو التصورات الأولية لدى الإنسان؟ هنا فرق بين اتجاه جون لوك واتجاه المدرسة الحسية كهوبز، فجون لوك يرى أن مصدر المعارف الأولية هو التجربة، ولذلك يُعد رائدا للاتجاه التجريبي، في هذا المحور يُبيّن ما هو مصدر المعارف الأولية، ويبين أقسام هذه المعارف الأولية.

مصدر المعارف الأولية: يقول جون لوك أن المصدر الأول للمعارف الأولية هو التجربة، وتنقسم المعارف الأولية إلى قسمين أساسيين:

المعارف البسيطة.

وهي التي يكون دور الذهن بالنسبة إليها دورا سلبيا، بمعنى أن الذهن لا يقوم بأي نشاط يتلقاها عليه قهرا عليه شاء أم أبى، فالذهن يتلقى الشكل، والذهن يتلقى اللون، الذهن يتلقى الحركة، الذهن يتلقى الحرارة، وهذه الأمور يتلقاها الذهن تلقائيا وقهرا عليه ولذلك يُعد دور الذهن بالنسبة إليها دور سلبيا، ولأجل هذا تُصبح المعرفة الحسيّة - التي تُسمى بالمعارف البسيطة - أكثر المعارف يقينية؛ لأنه لا دور للإنسان فيها، فهي تنفذ إلى ذهن الإنسان قهرا عليه.

مصدر المعارف البسيطة.

أما المعارف البسيطة فمصدرها طريقان:

الإحساس الخارجي: وهو يُدرك الموضوعات المتنوعة، المر والحلو والحار والبارد وغيره.

الإحساس الباطني: وهو يُمثل النشاط الذهني حول الأفكار الوافدة من الخارج، فإذا جاءتني فكرة وافدة من الخارج، مثلا: أدركت من الخارج الحركة فأدركت حركة السيارة مثلا، فإذا أدركت حركة السيارة فإن الذهن يبدأ يشتغل بدور إيجابي في حركة السيارة، وهذه التصرفات الذهنية المسمات بالدور الإيجابي، فحركة السيارة فيها سرعة، والسرعة على نوعين بطيئة وغير بطيئة، والسيارة تقتطع كمّا معينا في زمن معين، فهذه كلها تفكير وإدراك وتحليل، فإن إدراك ذهني لهذا التفكير هو الذي يُسمى بالإحساس الباطني وهو إدراكي أنني أُفكر، فإدراكي أنني أفكر وأقارن وأجمع وأركب هو المسمى بالإحساس الباطني، وهو الذي ينجم عنه الرضى والضيق والألم واللذة وما أشبه ذلك.

والمدركات الحسيّة بعضها يستند إلى حاسة واحدة كالألوان فهو عن طريق البصر فقط، والأصوات عن طريق السمع فقط، وبعضها يستند إلى أكثر من حاسة كالامتداد، فلا يمكن أن نشعر بالامتداد إلا بحاسة البصر وحاسة اللمس مجتمعتين.

المعارف المركبة.

وهي التي يحتاج تعقلها إلى نشاط ذهني، ولذلك يكون دور الذهن بالنسبة إليها دور إيجابيا لا سلبيا، فالأفكار المركبة وهي التي يكون دور الذهن بالنسبة إليها دورا إيجابيا تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

  • القسم الأول: الضروب.

وهي عبارة عن الأوصاف، مثلا: رائحةُ الزهرةِ رائحةٌ عطرةٌ، فهذه مركبة، لكن اتصاف الرائحة برائحة عطرة يُسمى من الضروب، وهو ما يعبر عنه علماء المنطق بالأعراض، فالأعراض هي الأوصاف، فتقول «هذا الطعم مرٌّ» وغيرها من الأوصاف فإن الأوصاف من الضروب.

  • القسم الثاني: الجواهر.

وهي الموصوفات، فإذا قلنا رائحة الزهرة زكيّة فرائحة الزهرة زكيّة ضروب، والزهرة جواهر، فالجواهر هي الموصوفات.

  • القسم الثالث: العلاقات.

وهي الروابط بين الأشياء، فالأبوة تربط بين وجودين، فالأبوة من الروابط، الأخوة، الصداقة وإلى غير ذلك.

المحور الثالث: الجواهر.

نحن نذكر هذا المطلب لأن المرحوم العلامة المطهري «قدس» ناقش جون لوك كثيرا في هذا القسم - قسم الجواهر - ولأجل ذلك نتعرض إليه في محور ثالث في كتاب جون لوك.

إِنَّ من أوليّات منطق أرسطو وأوليات فلسفة ملا صدرا هو الجوهر، فالجوهر هو مسلَّمٌ عندهما، فالطاولة جوهر، والشجرة جوهر، والنار جوهر، فالجوهر مفهوم يُعد من أوليّات منطق أرسطو والفلسفة الدينية والصدرائية، لكن جون لوك يُناقش في ذلك فيقول: شاع لدى الفلاسفة أن الجوهر هو مُلتقى الصفات، فالشيء الذي له امتداد وشكل ولون وصلابة يُسمى جوهر، وهو الذي يجمع كل هذه الصفات، إلا أن هذا غير تام عند جون لوك وذلك:

أولا: كنه الجوهر ضبابي، فليس عندكم تعريف له، وإنما تقولون فقط هو ملتقى الصفات، لكن ما هو كنهه وما هي حقيقته؟! فلا يوجد لدى المنطق الأرسطي تحديد لكنه الجوهر، ولذلك لا يمكن التمييز الدقيق بينه وبين العرض، فأنتم تعتبرون القيام عرض، والجسم جوهر، فما هو الفارق الدقيق بينهما؟ فقط هذا موصوف وهذا وصف؟ القيام أيضا يُصبح موصوف ووصف، فنقول: قيام بطيء وقيام سريع، فلا يوجد مائز دقيق بينما ما يُسمى عرض وما يُسمى جوهر، ولذلك فتعريف الجوهر تعريف ضبابي نظير قول الرجل الهندي «» حين سؤاله: كيف لا تسقط الأرض؟ فقال لأنها واقفة على خرطوم فيل كبير، والفيل الكبير كيف واقف؟ قال الفيل واقف على سلحفاة طويلة ولهذا حملت الفيل، والسلحفاة الطويلة كيف واقفة؟ قال شيء لا أعرفه، فهو يقول - جون لوك - أن كلامكم هكذا أيضا، فمن أين جاءت السرعة في الحركة؟ قلتم لأن هناك حركة، الحركة استندت لأي شيء؟ قلتم إلى الجسم، الجسم استند إلى ماذا؟ قلتم إلى الجوهر، فما هو الجوهر؟ وقفتم وقلتم شيء تلتقي فيه الصفات، فإن هذا التعريف الضبابي الذي لا يميز كنه الجوهر عن كنه العرض يجعلنا متوقفين في حقيقة شيء اسمه الجوهر.

ثانيا: لا يُمكن انطباق الجوهر على أشياء متباينة، فالله لا متناهي، والجسم متناهي، فهل ينطبق عليهما الجوهر؟ فنقول لله جوهر؛ لأن الله له صفات، فهل ينطبق عليه الجوهر كما ينطبق على الجسم المتناهي؟ فالله جوهر والجسم جوهر، كيف؟ مع أن أحدهما لا متناهي والآخر متناهي، إذن فبالنتيجة الذي نستطيع أن نقول أن الجوهر في كل شيء له معنى يختلف عن معناه في الشيء الآخر، فالشجر جوهره يختلف عن جوهرية النار، وجوهرية النار تختلف عن جوهرية الإنسان، وجوهرية الإنسان تختلف عن جوهرية المجموعات الشمسية، فليس للجوهر كنه مشترك بين هذه الموارد، فهو في كل مورد له معنى يختلف عنه معناه في المورد الآخر، ولذلك يُمكن أن نقول أن الموصوفات الخارجية بدلا من أن نسميها جوهرا نُسميها مادة، والموصفات غير الجسمية بدلا من تسميتها بالجوهر نسميها بالذهن، فلا حاجة إلى إقحام عنوان الجوهر مع أنه أمر ضبابي في هذه الأمور.

المحور الرابع: العلاقات.

تنقسم إلى أربعة أقسام:

  • الهوية: وهي التي ذكرناها في البدء من أن كل شيء هو هو وليس غيره، وكل فكرة هي هي وليست غيرها.
  • الإضافة: وهي علاقة فكرة بالإضافة إلى فكرة أخرى، مثل: المثلثان المتساويان في القاعدة وفي الارتفاع متساويان في المساحة، فعندما نقارن مثلثا بمثلث تأتي هذه الفكرة المركبة والتي نُعبر عنها بالإضافة.
  • الوجود الحقيقي: إثبات وجود المادة أو عدم وجودها، ف «أنا موجود» أو «الغول ليس بموجود» فإن كلاهما يدخل تحت عنوان الوجود الحقيقي إثباتا أو نفيا.
  • الارتباط الضروري: وفيها وقف على لبِّ النقاش مع المدرسة الصدرائية، فمفردة الارتباط الضروري هي عبارة عن: «كيف نتعرف على الأشياء؟»، فالارتباط الضروري هو الروابط بين الأشياء والأفكار، فما هو السبيل لمعرفة الأشياء، فذكر هنا ثلاثة طرق:

الطريق الأول: المعرفة الحدسية.

أي قوة الحدس، وقال أن الحدس لا يقلُّ قيمة يقينية عن التجربة، فكما أن التجربة تُعطي قيمة يقينية فالحدس لا يقل عن ذلك في القيمة اليقينية، والحدس هو عبارة عن الإدراك الفوري الجزمي من دون وسيط، فكيف أن الحس يُدرك الضوء من دون وسيط، أيضا الحدس يُدرك أن النقيضين لا يجتمعان من دون وسيط، فالإدراك الفوري الجزمي من دون وسيط هو المسمى بقوة الحدس.

الطريق الثاني: الاستدلال.

حيث إن طريق الحدس طريق محدود فإن هناك بعض الناس ليس عندهم حدس وآخرون عندهم قوة حدس ومع ذلك فإنه محدود، ولأجل ذلك احتجنا إلى طريق ثاني للمعرفة وهو طريق الاستدلال، فمثلا الأشكال الهندسية نعرفها بالحدس، فبالحدس نفرق بين المثلث والمربع والدائرة، ولكن الحقائق الهندسية كزوايا المثلث تساوي قائمتين، ومحيط الدائرة يساوي كذا، فإن هذه نحتاج فيها إلى البرهان.

الطريق الثالث: مرآتية الصورة.

وهذا الطريق من المعرفة هو أقل يقينا من الحدس والبرهان عند النظر إلى الصور وهو مرآتية الصورة إلى الخارج، فأنا أتصور صورة للشمس، فإن حكاية هذه الصورة عن الشمس هو طريق ثالث للمعرفة، وهذا الطريق أقل الطرق الثلاثة من حيث القيمة اليقينية، ولذلك قال أن تَصَوُّرَ الشمس نهارا غير تَصَوُّرِ الشمس ليلا، فإذا أنا في النهار وأنظر للشمس وأتصور صورتها عن طريق النظر إليها فإنه تكون المعرفة معرفة حسيّة يقينية، وأما تصور الشمس ليلا فهي معرفة ليست يقينية فهي معرفة احتمالية وليست يقينية.

النتيجة: هناك واقع موجود وهو الشمس والشجر وغيره، وهذا الواقع له وجود مستقل عرفناه أم لم نعرفه، وصفاته ليست مستمدة منا بل له صفات في حد ذاته، لكن هذا الواقع الخارجي لا يمكن التعرف عليه من خلال الأفكار المركبة، فلا نستطيع أن نتعرف على الواقع الخارجي من حيث العليّة، أو من حيث الحركة، أو من حيث الهوية، أو من حيث الجوهر، فإن هذا كله مفاهيم أذهاننا صاغتها؛ لأننا قلنا أن الأفكار المركبة الذهن صاغها بدوره الإيجابي، فلا يمكن أن نتعرف على الواقع من خلال الأفكار المركبة، فالأفكار المركبة ليس لها ما بإزاء حتى نتعرف على الواقع من خلالها، وإنما نتعرف على الواقع فقط وفقط من خلال الأفكار البسيطة كاللون والطعم والرائحة والشكل والحركة.

المحور الخامس: ما ذكره راسل في كتابه «تاريخ الفلسفة الغربية» حيث تعرض إلى نظرية جون لوك.

قال أن جون لوك يرى أن ما يقوم به الميتافيزيقيون - مثلنا الدينيون - حول العالم ويقولون أن هناك عالم مجرد، وعالم مادي، والعالم المادي جوهر وأعراض، والأعراض أقسام فعل وانفعال وكيف وأين ومتى، فإن هذه كلها معرفة لفظية، أي ليس وراءها معنى حقيقي، بل مجرد ألفاظ. وذكر في الفصل السادس من كتابه ما يدحض نظرية الماهية، فنحن في الفلسفة الشرقية نؤمن أن هناك ماهية وهناك وجود، أنا لي وجود ولي ماهية، وماهيتي تُنتزع من وجودي، أما جون لوك يقول أن هذا كلام لفظي فأين الماهية؟ فليس للأشياء إلا وجودها المادي التكويني وليس لها وراء الوجود المادي التكويني ما يُسمى ماهية.

فإذن دعوى أن هناك ماهية وهناك وجود هو كله فروق لفظية لغوية لا واقع لها، ولذلك لو جئنا للمناقشة في ماهية الجسم، فما هي ماهية الجسم؟ هل هي الامتداد مع الصلابة؟ أم خصوص الامتداد؟ أم خصوص الصلابة؟ فإن هذه مناقشة لفظية، وأنتم لا تستطيعون أن تثبتوا أن لهذا الجسم شيء وراء وجوده اسمُه الماهية كي يُناقش في حقيقة تلك الماهية، وأنها الامتداد مع الصلابة أم خصوص الامتداد.

وهناك عدّة ملاحظات لوحظت على جون لوك:

الملاحظة الأولى: أنه قسّم الأفكار إلى بسائط ومركبات، واعتبر الثانية نشاطا عقليا إيجابيا، وهذا إقراره منه بأن هناك أفكار ذاتية عند الإنسان، لأن الأفكار المركبة ليس لها واقع خارجي، فالواقع الخارجي فقط للأفكار البسيطة، إذن هناك أفكار ذاتية نشأت من الإنسان وإلى الإنسان ولا يُمكن إحراز واقعيتها، وهذا انتصار للمدرسة العقلية - مدرسة ديكارت - فم يقولون أنك إذا كنت تقر بوجود أفكار ذاتية هي من الإنسان وإلى الإنسان ولا يُمكن إحراز واقعيتها إذن سائر الصفات لجميع الأشياء الخارجية هي من الأفكار الذاتية، إذ لا دليل عندك على أي صفة من هذه الصفات، فأي شيء في الخارج لو طلب منك أن تأتي بصفة من صفاته، تقول هذا الجسم، ما هي صفته؟ تقول الصلابة، ما هو الدليل على أن للصلابة واقعية؟ فلعلها من الأفكار الذاتية، فبما أنه هنا اعتراف أن هناك قسم من الأفكار هي الأفكار الذاتية وهي عبارة عن نشاط ذهني من الذهن وإلى الذهن إذن أنت فتحت لنفسك ثغرة، فلا يُمكنك أن تُثبت للأشياء الخارجية صفاتا في حدِّ ذاتها، لأن سائر ما يُعبر عنه بأنه صفات لا دليل عليه، وبالتالي لعل صياغته من الأفكار المركبة التي هي أفكار ذاتية.

الملاحظة الثانية: ما دام هناك أفكار وهناك واقع - فهو يؤمن بوجود واقع وليس مثل السفسطائيين الذي يقولون أنه ليس هناك واقع - لكن نقول أننا لا نُحرز مطابقة الأفكار للواقع، والذي نستطيع أن نحرزه هو فقط الأفكار البسيطة، أما المركبة فلا نستطيع مطابقتها للواقع، وهذا يؤدي بالنتيجة - هذا الاعتراف - إلى أنه لا توجد معرفة يقينية عن غير طريق الحس، فإذا أحسست بالحرارة فإنه هذا فقط، رفعت يدك فلا دليل على وجود الحرارة، رفعت بصرك رأيت الشمس، أنزلت رأسك فإنه لا دليل على وجود الشمس، فما دمتَ تقول بأنه لا نستطيع مطابقة الأفكار للواقع، إذن ليس لدينا طريق يقيني للواقع سوى الاتصال الحسي، فما دام الاتصال الحسي موجود فهناك يقين، فمجرد أن ينقطع الاتصال الحسي لا نستطيع أن نبرهن على مطابقة الفكرة الموجودة في أذهاننا للواقع، وهذا يتنافى مع قوله أن هناك ثلاثة طرق للمعرفة وهي الحدسية والبرهانية ومرآتية الصور للواقع.

وسيأتي الكلام عمّا ذكره «هيوم» ومناقشة العلامة المطهري له.

والحمد لله رب العالمين

الدرس 8 | لغز الهوية = من أنا
الدرس 10 | تأملات في مبدأ التصورات الأولية لدى الاتجاه التجريبي