نص الشريط
الدرس 16 | تأملات نقدية في الحاجة للعقل الفعال
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مجلس آل جمعة
التاريخ: 12/7/1442 هـ
مرات العرض: 139
المدة: 00:50:58
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (30) حجم الملف: 14.5 MB
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

وصل الكلام إلى المناقشة في الدليل الثاني بالوجه الثاني، وكان محصّل الدليل الثاني هو أنه لا يُعقل أن تكون النفس قابلة وفاعلة من جهة واحدة، وقد قُلنا في الإشكال على هذا الدليل أن هناك وجهين، أما الوجه الأول فقد كان هو أن توجه العقل الفاعل إلى الصور المتخيلة وتعلّقه بالنقاط المشتركة في الصورة المتخيلة موجبٌ لتولد صورةٍ كلية، بهذه الصورة الكلية يتصور ويرتسم العقل المنفعل، ومثلنا لذلك بالضوء حيث إن الضوء يقع على الأشياء، فبوقوع الضوء عليها تُصبح الأشياء ملونة بحسب خصائصها، كذلك العقل الفاعل يقع على الصورة المتخيلة فتتولد الصورة الكلية، وهذا ملخّص الوجه الأول.

الوجه الثاني: هل يجب أن يكون العقل الفاعل واجداً للصورة قبل إيجادها؟

قد يُقال بأن العقل الفاعل إما واجدٌ لما هو مبدأ لفعليته أي إما واجدٌ للصورة التي يُريد إيجادها أو غير واجدٍ لها، فإن كان واجداً للصورة فلابد له من مدد، فمن أين أخذ الصورة؟ فإذا كان العقل الفاعل حتى يُوجد الصورة الكلية يحتاج إلى مددٍ فما هو مدده؟ فهنا رجعنا إلى العقل الفعّال يستمد منه ثم يقوم بإيجاد الصورة، وإذا قلتم أنه ليس واجداً للصورة في حد ذاته فيأتينا هنا إشكال.

الإشكال: إذا لم يكن العقل الفاعل واجداً للصورة فكيف يكون موجداً لها وفاقدُ الشيء لا يُعطيه، فإما أن يكون العقل الفاعل واجداً للصورة قبل إيجادها وهذا يعني استمداده من العقل الفعال، وإما أن لا يكون واجداً لها قبل إيجادها فهذا يعني أن فاقد الشيء يعطيه وهو محال.

الجواب: لا يجب أن يكون العقل الفاعل واجداً للصور قبل إيجادها؛ لأن العقل الفاعل جزء علةٍ فقط، بمعنى أن هذه الصورة الكليّة حتى تتولد وحتى تتحقق في أفق النفس فهناك عناصر لابد أن تجتمع، وعناصر الصورة هي:

  • العنصر الأول: قابلية الصورة المتخيلة لتعلق العقل بها، حيث أن الصورة المتخيلة - كما قلنا - تتسم بنقاط مشتركة ونقاط خاصة، والعقل الفاعل يأتي على النقاط المشتركة، فلابد أن تكون الصورة المتخيلة ذات قابلية لأن يتوجه لها العقل الفاعل، وذلك من خلال وجدانها للنقاط المشتركة بينها وبين الصور الأخرى.
  • العنصر الثاني: توجه العقل الفاعل - المعبر عنه بالنفس العاقلة في الفلسفة - ونزوعه نحو النقاط المشتركة من الصورة المتخيلة.
  • العنصر الثالث: استعداد العقل المنفعل لأن يتحد مع هذه الصورة وهو ما يعبر عنه عندهم باتحاد العاقل والمعقول، وهذا العقل المنفعل لديه استعداد لأن يتصور بهذه الصورة الناشئة عن العنصرين الأولين.

إذن العقل الفاعل ليس مفيضا حتى يلزم أن يكون واجداً للصورة قبل إيجادها، بل مثله مثل الضوء - كما ذكرنا - فهو لا يحمل الألوان ويعطيها إلى الأشياء بل الضوء يقع على الأشياء وهذه الأشياء فيها خصوصية، الضوء يقع على هذا الكتاب وهذا الكتاب فيه خصوصية فإذا وقع الضوء عليه يتلون بلون البني مثلا، فهذه الخصوصية موجودة في الكتاب نفسه، فالضوء فقط يحقق التلون ولكن لا أن الضوء يحمل الألوان ويفيضها على الأجسام التي يقع عليها حتى يُقال إذن الضوء لابد أن يكون واجداً للألوان ثم يعطيها لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فالضوء مجرد جزء علّة، يعني الجزء الأول هو الكتاب بما يحمل من خصائص كيميائية معينة، وهذه الخصوصية الكيميائية الموجودة في الكتاب إذا سطع عليها الضوء ظهرت بلون معين، فتوجه العقل الفاعل للنقاط المشتركة من الصورة المتخيلة مجرد جزء علّة، لذلك لا يجب أن يكون واجداً للصور قبل وجودها، بل المهم أنَّ الصورة المتخيلة نفسها تحمل في باطنها خصائص مشتركة متى ما توجه العقل الفاعل إليها تولّدت منها صورة كلية، ولو كان المفيض لهذه الصورة الكلية هو الباري تبارك وتعالى - فإنه بالنتيجة أن العقل الفاعل له دور وهو توجهه للنقاط المشتركة التي من خلالها تتولد هذه الصورة الكلية.

فتحصل من ذلك أنه يمكن أن يكون الشيء الواحد قابلا وفاعل وذلك بأن تكون هذه النفس العاقلة فاعلة للصور وقابلة لها بلحاظين مختلفين، وكما ذكرنا فيما مضى من نقض على ما ذكره العلامة الطباطبائي «قدس» وقلنا أن كون الشيء فاعلا وقابلاً في آن واحد ومن جهة واحدة إما محالٌ أو ممكنٌ، فإذا كان كون الشيء فاعلاً وقابلاً في آن واحدٍ محال، فكيف ذكر العلامة الطباطبائي أن في النفس ما يُسمى بالمثال الأصغر، وأن هذا المثال الأصغر يصنع صورة ويتصور بها، فكيف يكون قابلاً وفاعلاً في آن واحد؟ فإذا قلتم أنه ممكن فإن المهم أن يختلف اللحاظ، فهو فاعل من جهة وقابل من جهة، إذن يُمكن لقوة العقل الفاعل أن تكون فاعلاً بمعنى أن تتوجه للنقطة المشتركة من الصورة المتخيلة والعقل المنفعل يكون قابلاً لتلك الصورة، فلا مانع من أن يكون الشيء قابلاً وفاعلاً بلحاظين.

مناقشة الدليل الثالث:

الدليل الثالث كان من أن الصورة وجودٌ مجرد والنفس وجودٌ مجرّد، وكل مجرّد هو فعليٌّ لا قوة فيه، وعلاقة الفعل بالفعل علاقة الحضور لا علاقة الصدور، فبما أن الصورة مجردة فهي فعلية، والنفس مجردة فهي فعلية، إذن علاقة الفعل بالفعل الحضور يعني أن تكون الصورة حاضرة عند النفس لا أن تكون الصورة صادرة من النفس بل حاضرة عند النفس لأن علاقة الفعل بالفعل علاقة الحضور لا علاقة الصدور.

المناقشة: والمناقشة تتركز في تحديد مبدأ الصورة، لا في سنخ وجودها، فليس البحث الآن في سنخ وجود الصورة، فما هو سنخ وجودها؟ هل هو مجرّد؟ هل مادي؟ هل هو فعلي؟ هل هو على نحو القوة؟ فإن هذا بحث في سنخ الوجود، بينما بحثنا الآن في مبدأ الوجود، فما هو مبدأ الصورة؟ فليكن سنخ الصورة الفعلية لكن ما هو مبدؤها؟ هل أن مبدؤها العقل الفعّال الذي هو خارج النفس أم أن مبدأ الصورة داخل النفس؟ فالبحث في تحديد المبدأ وليس البحث في كيفية الوجود وسنخ الوجود، فإننا سنفترض معكم أن الصورة فعلية تامة والنفس فعلية تامة، لكن من أين جاءت الصورة؟ فالبحث في «من أين أتت»، وليس بحثنا الآن في أن علاقة الصورة بالنفس بعد وجود الصورة ما هو؟ فاذهب قبل وجود الصورة من أين جاءت؟ فنحن ندّعي في مقابل النظرية الإشراقية أن مبدأ وجود الصورة هو العقل الفاعل، فتوجه العقل الفاعل للصورة المتخيلة أوجد صورةً كليّة، فبعد أن وُجدت الصورة الكليّة فهي فعلية، والنفس فعلية فصارت العلاقة بينهما علاقة الحضور، لكن هذه العلاقة - أي علاقة الحضور - بعد وجود الصورة وفعليتها لا تُنافي أن يكون مبدأ الصورة هو قوة من قوى النفس.

الدليل الرابع[1] :

أن النفس إذا كانت هي الصانع للصور فهي إما أن تكون واجدة للصور قبل صنعها أو فاقدة لها، فإن كانت واجدة للصور قبل صُنعها فما الفائدة في صُنعها وهي واجدة لها، فإنه يلزم من ذلك لغوية إيجادها ما دامت موجودة في النفس من الأساس، وإن كانت النفس فاقدة للصور ثم تقوم بصنعها وقبولها فإن هذا يعني أن النفس تعيش الحركة، فالنفس فاقدة للصور ثم تقوم بصنعها ثم تقوم بقبولها وهذه عبارة عن الحركة، فإن الحركة هي عبارة عن الخروج من القوة إلى الفعل، وهذا يعني ورود الحركة على النفس، وورد الحركة على النفس يتنافى مع تجرد النفس؛ لأن المجرد لا يعيش الحركة فإن المجرد يعيش دائما الفعلية، فليس هناك أي قوة، فإن المجرد يساوي الفعلية التامة لا يعيش قوة ولا حركة بخلاف الماديات التي تعيش الحركة وتنتقل من طور إلى طور، فهل النفس مادية حتى تعيش الحركة؟!

الجواب[2] : والجواب يتم بذكر أمور:

الأمر الأول: هل المادة متقومة بالحركة وعدم قبول القسمة؟ حيث مر علينا سابقاً عندما ذكرنا الأدلة التي ذكرها صاحب الأسفار الملا صدرا والملا هادي السبزواري أدلة تجرد الصورة، أي كيف نُثبت أن الصور مجردة وليست مادية، وكان من أبرز هذه الأدلة أن المادي يقبل الانقسام والصورة لا تقبل الانقسام فالصورة مجردة، وأن المادي متحرك والصورة ثابتة فالصورة مجردة وليست مادية، فنحن هنا نُريد أن نقاش في هذا الاستدلال، فهل المادة متقومة بالحركة وقبول القسمة أم لا؟

فنقول: أن الاستدلال على مادية الشيء بالحركة وقبول القسمة يستبطن المصادرة؛ إذ لابد في رتبة سابقة أن نُثبت أن من خواص المادة بما هي مادة الحركة، ومن خواص المادة بما هي مادة قبول القسمة، فلابد أن نثبت ذلك، وإذا أثبتنا في رتبة سابقة أن المادة من خصائصها بما هي مادة الحركة استطعنا أن نستدل بذلك على أن كل مجرد فليس بمتحرك، فلابد من أن نُثبت هل أن الحركة من خصائص المادة بما هي مادة، وإذا أثبتنا ذلك انتقلنا منه إلى أن كل مجرد فليس بمتحرك لأن الحركة من خصائص المادة بما هي مادة، فما هو الدليل على أن الحركة من خصائص المادة بما هي مادة؟ فلابد أن نثبت في رتبة سابقة أن المادة بما هي مادة تقبل الانقسام حتى نقيس عليه ونقول كل مجرد لا يقبل الانقسام، وإثبات أن المادية تعني الحركة أي تعني قبول الانقسام وهذا يتوقف على الولوج في جوهر المادة، فلابد أن نصل إلى صلب المادة وجوهرها حتى نعرف أن مقوماتها هو كونها متحركة قابلة للانقسام، وهذا يقتضي استقراء جميع أنواع المادة وجميع مراتب المادة حتى نصل إلى ما هو العنصر المقوم للمادة، فمن الجزيء تحت الذري إلى الثقوب السوداء، وهل أن هذا حصل عند الفلاسفة الذي قالوا بأن المادي متقوم بالحركة وقبول الانقسام؟ فهل تم استقراء جميع أنواع المادة وجميع مراتب المادة ورؤي أن المادية تساوي الحركة وقبول الانقسام حتى يظل هذه خصوصية للمادة يُقاس عليها؟ وأما حصر المادة في الكتلة ذات الأبعاد الأربعة فإنه من ضيق الأفق، فنحن لما نقول مادة فنعني به هذا الذي نراه أمامنا، أي ما نراه ونلمسه ونعيشه بالحواس الخمس وهو الكتلة ذات الأبعاد الأربعة من الطول والعرض والعمق فحصرنا المادة في هذا وقسنا عليه سائر الأشياء، وقلنا أن هذه التي نتعامل معها بالحواس الخمس تقبل الحركة وتقبل الانقسام، إذن المجرد لا يقبل الحركة ولا يقبل الانقسام، ومن هنا جاءت المصادرة من أننا لم نستطع أن نثبت في رتبة سابقة بجميع أنواعها وجميع مراتبها متقومة بالحركة وقبول الانقسام، فمن أين نثبت أن الثقوب السوداء كذلك، فهذه من عالم المادة كذلك، فمن أين نثبت أن الثقوب السوداء تعيش ما تعيشه الكتلة ذات الأبعاد الأربعة بحيث يكون من خصائصها بما هي مادة الحركة وقبول الانقسام حتى يُقاس عليها فيقال إذن المجرد لا يقبل الحركة ولا يقبل الانقسام، فلو قال قائل في المقابل - والبحث مجرد احتمالات - كل موجود محدود ما سوى اللامحدود فهو يقبل الحركة مادياً أو مجرداً، فكل وجودٍ محدود ما سوى اللامحدود فهو يقبل الانقسام، وغاية ما في الأمر حركة كل شيء بحسبه، حركة في عالم المادة تعني الخروج من قوة إلى الفعل إلى كمالٍ مادي، والحركة في عالم المجردات تعني الخروج أيضا من القوة إلى الفعل لكن إلى كمال غير مادي، عالم المادة يقبل الانقسام المادي، عالم المجردات يقبل الانقسام بحسب عناصره وعالمه الخاص به.

إذن مجرد أننا نقيس على المادة المحسوسة - الكتلة ذات الأبعاد الأربعة - ونرتب الآثار عليها ونقول بأن المجرد ليس بمتحرك ولا قابل للانقسام فهو استدلال مستبطن للمصادرة.

الأمر الثاني: الحركة الجوهرية.

الحركة الجوهرية وهي الحركة المعبر عنها بالحركة في صميم الوجود؛ لأن الحركة على قسمين: حركة عرضية وحركة جوهرية، فالمشي حركة عرضية، حركة الكواكب حركة عرضية، والحركة العرضية تكشف عن حركة جوهرية أي أن في العمق وفي الصلب هناك حركة أعمق من هذه الحركة التي نراها، فهذا الجسم - كجسم الإنسان - الذي نراه ثابتا يعيش حركة، فالحركة العرضية تكشف عن الحركة الجوهرية، وكلامنا في الحركة الجوهرية، فالحركة الجوهرية هي الحركة في عالم الصور، من صورة إلى صورة، فحركة الصور تُسمى حَركة جوهرية، وحركة الجوهرية بين الصور تنقسم إلى قسمين، حركة الخلع وحركة الكمال، المادة تتحرك إلا أن حركة المادة هي حركة خلع، وقد سبق في الدروس السابقة أنْ قلنا شيئة الشيء بصورته لا مادته، فأنت تأخذ مادة خشبية، وهذه المادة الخشبية تصير شيئاً بصورتها، فصورتها شجرة والآن صورتها طاولة، وصورتها سرير وهي نفس المادة، فهي مادة واحدة تتحرك في الصور من صورة إلى صورة، حركة المادة بين الصور تسمى حركة خُلعٍ أي تَخْلَعُ صورة وتَلْبَس صورةً أخرى، فحركة المادة هي حركةٌ بين الخلع واللُبٍس، وهي في كل صورة شيء غير الشيء الآخر، فعندما تكون كرسي هي غير عندما تكون طاولة، وهي غير عندما تكون سرير، وهي غير عندما كانت شجرة، فحركة المادة بين الصور حركة جوهرية وهي في كل صورةٍ شيءٌ غير الشيء الآخر، فالمادة تتحرك حركة جوهرية، وحتى هذا الجسم البشري منذ أن كان نطفة إلى أن أصبح عَلَقةً إلى أن أصبح مُضْغَةً إلى أن أصبح عِظاماً إلى أن أصبح جسما إلى أن أصبح إنساناً، فهو يخلع صورة ويلبس صورة، فهي حركةٌ جوهريةٌ تدور بين الخُلْع واللُبْس، والنفس أيضاً فيها حركة جوهرية ولكنها ليست حركة خُلع لكنها حركة تكامل، فهي لا تخلع الكمال الأول وتلبس الثاني، بَلْ تضيف الكمال الثاني للكمال الأول، والنفس البشرية مِنْ خلال القوة العاقلة تخرجُ من علم إلى علم ومن صورة إلى صورة ومن مرتبة إلى مرتبة من دون أن تخلع المرتبة السابقة وإنما تضيفُ إليها المرتبة اللاحقة، وهذا هو الفارق بين حركة الخلع وحركة الكمال، وإلا فكلاهما حركة جوهرية، النفسُ في حركتها الجوهرية في صميم وجودها تنتقل من صورةٍ إلى صورة ومن معلومةٍ إلى معلومة، ولذلك يُعبّر عن حركة النفس بأنها حركة اشتدادية.

قبل أن ننتقل إلى الأمر الثالث نذكر عبارات صاحب الأسفار في هذا المعنى والعلامة الطباطبائي «قدس»، أما صاحب الأسفار[3]  يقول: ”وليس حصول الصور الإدراكية - الصور التي ترتسم في أذهاننا - عقلية أو حسية للجوهر المدرك - وهو النفس - كحصول الدار والأحوال والأولاد لصاحب الدار والمال والوُلد أي ليس مثل هذا، فأنا لم تكن عندي دار والآن صارت عندي، فحصول الصور ليس مثل هذا الحصول - فإن شيئاً من ذلك الحصول ليس في الحقيقة حصولاً لذات لدى ذاتٍ أخرى، وإنما هو حصول إضافة، فهو كان واحداً صار اثنين، كان واحداً صار واحداً وسيارة، كان واحداً صار ثلاثة «واحد، وسيارة، ودار» وهي لا زالت وجودات منفصلة فكل واحد منفصل عن الثاني، فالجسم شيء والسيارة شيء والدار شيء آخر، فهذا لا يُسمى حصول ذاتٍ لذاتٍ وإنما هو اجتماع في الوجود، فهو كان واحداً والآن اجتمع معه سيارة ودار وهكذا، نعم حصول الصورة الجسمانية الطبيعية للمادة التي تستكمل بها وتصير ذاتاً محصلةً أخرى يشبه الحصول الإدراكي، فهو يقول أن حركة المادة بين الصور هو ذاك الذي يُشبه الإدراك مثل البذرة صارت شجرة، فهي كانت شيئاً اسمه البذرة، ثم صارت شيئاً آخر اسمه شجرة، نعم حصول الصورة الجسمانية الطبيعية للمادة التي تستكمل بها وتصير ذاتاً محصلة أخرى يَشبه الحصول الإدراكي،“ فكما أنه ليست المادة شيئاً من الأشياء إلا بالصور - فالمادة لا تصير شيئاً إلا بالصور - وليس لحوق الصور بها هو لحوق موجود بموجود، بأن تنتقل من أحد الجانبين إلى الآخر كأن كان الكتاب في مكان وجعلناه في مكان آخر - بل بأن تتحول المادة من مرتبة النقص إلى مرتبة الكمال، كانت بذرة فأصبحت شجرة، كان خشباً مرمياً أصبح طاولة، فتحول من نقص إلى كمال، فكذلك حال النفس في صيرورتها عقلا بالفعل بعد أن كانت عقلا بالقوة، فصاحب الأسفار يقول أن القوة تتحرك من القوة إلى الفعل، وكذلك حال النفس في صيرورتها عقلا بالفعل بعد كونها عقلاً بالقوة، يعني يقول أن هذه الحركة التي رأيناها في المادة هي تشبه تماما الحركة الموجودة في النفس بين الصور، فهي كانت عقلاً بالقوة وأصبحت عقلاً بالفعل".

نأتي إلى ما ذكره الحكماء في شرح كلام صدر المتألهين، فيقولون: ”إن النفس قبل حصول أي إدراك لها“ دعنا نقول في الأسبوع الثاني عشر[4]  من أسابيع الجنين، النفس قبل أن تُدرك أي شيءٍ - فهي لا تُدرك ومجرد نمو نباتي محض، من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى جسم كنمو جسم النبات تماماً - تكون جسمانية - مادة محضة - وبحصول الإدراك الحسي لها - أي تحس بالرحم - أو الخيالي لها تَصِيرُ ذات تجرد مثالي - فهي تكتسب مرتبة من مراتب التجرد يُسمى بالتجرد المثالي - من دون أن تتبدل مرتبتها الجسمانية - فهي لازالت محتفظة بالمرتبة الأولى وهي الجسمانية وإنما اكتسبت مرتبة أخرى وهي مرتبة المثالية - بل تكون باقية على ما كانت عليه، وإنما النفس تنال مرتبة أخرى هي مرتبة المثال مضافاً إلى المرتبة الجسمانية، ثم النفس بحصول صورة معقولة لها - أي تطورت فصار الجنين يُدرك الصور المعقولة وليس فقط الصور المحسوسة والخيالية بل ينتزع أشياء كلية، هذه جسم إذن هناك شيء اسمه جسم، هذا غذاء إذن هناك شيء اسمه غذاء، فصار ينتزع صوراً كلية - كذلك النفس بحصول صورة معقولة لها لا تتبدل وتتحول إلى وجود آخر بل هي باقية على حالتها الأولى، إلا أنها تزيد مرتبة أخرى فوق المرتبة التي كانت لها، فالنفس التي كانت ذات مرتبتين - مرتبة الوجود الجسماني النباتي، ومرتبة الوجود المثالي - نالت مرتبة أخرى وهي مرتبة الوجود العقلي فاكتسبت مراتب ثلاث، بإفاضة الصور العقلية عليها، ثم إن لهذه المرتبة - مرتبة الوجود العقلي - مراتب من طويلب إلى عويلم، إلى عالم وهكذا من مرتبة إلى مرتبة".

إذن دعوى أن الحركة تعني المادية وأن المجرد لا حركة فيه ولا انتقاله من القوة إلى الفعل فيه فإنه خلاف هذه الكلمات الواضحة الظاهرة من أن النفس تتحرك في عالم الصور، نعم هي كانت فاقدة للصور ثم صارت واجدةً للصور، فهي تعيش حركة كمال.

الأمر الثالث: اختلاف عبارات العلامة الطباطبائي «قدس».

اختلفت عبارات العلامة الطباطبائي «قدس» في هذه النقطة بالذات، العلامة في نهاية الحكمة[5]  قال: ”خروج النفس المجردة من القوة إلى الفعل باتحادها بعقل بعد عقل - أي من صور معقولة إلى صور معقولة أخرى - ليس من باب الحركة المعروفة - أي لا تتصور أن النفس عندما تخرج من عقل إلى عقل هي نفس الحركة المعروفة التي هي كمال أول لما بالقوة من حيث إنه بالقوة - وإلا استلزم قوة في النفس واستعداداً في النفس، وتغيراً في النفس، وزماناً في النفس، وكل ذلك من أطوار المادة، فالمادة هي التي تعيش استعداد وتغير وزمان مثل البذرة، فالبذرة عندها استعداد أن تُصبح شجرة، ثم تغيرت وهذا التغير استدعى زمناً، فالمادة هي التي تعيش قوةً واستعداداً وتغيراً وزماناً، وكل ذلك ينافي التجرد - فلا يكون فيه قوة وتغير وزمان - الذي هو الفعلية التامة العارية عن القوة - فالمجرد ليس فيه استعداد ولا قوة وإنما هو فعلية محضة“.

هذا كلام العلامة وقد قرره الشيخ الفياضي[6]  فقال: ”يعني أن حركة النفس ليست من باب زوال صورة وحدوث صورة حتى تحتاج إلى مادة مشتركة بين الصور، وإنما هي - حركة النفس - اشتداد وجود النفس بوجدانها كمالاً بعد كمال، من دون أن يزول عنها كمالها السابق“.

عبارة العلامة الثانية[7] : ”لو كان النفس المجردة مجردةً تجرداً تاماً ذاتاً وفعلاً - مثل العقل الفعال يعتبرونه مجرد تجرداً - لتم ما أفيد - كان يجيب على إشكال - لكنها - أي النفس - مجردة ذاتاً ومادية فعلاً - فالنفس بحد ذاتها مجردة إلا أن أفعالها عبر الحواس الخمس، والحواس الخمس أمور مادية فهي مجردة ذاتاً لا فعلاً، بل فعلها عن طريق وسائط مادية - ولأن النفس لتجردها ذاتاً تعقل ذاتها بالفعل - عقل النفس لذاتها بالفعل - وأما تعقلها لغيرها - كأن تُريد النفس أن تعقل علم الرياضيات - فيتوقف على خروجها من القوة إلى الفعل[8] ، يعني أن النفس فيها قوة خرجت من القوة إلى الفعل تدريجاً بحسب الاستعدادات المختلفة التي تكتسبها“ ولذلك الشيخ الفياضي قال أن هذا اختلاف واضح، فقد ذكر الشيخ الفياضي في شرحه[9]  تعليقاً على قول العلامة «فيتوقف على خروجها من القوة إلى الفعل تدريجاً»: ”هذا اعتراف منه بحركة النفس، ونظيره ما سيأتي في الفصل التاسع عشر من المرحلة الثانية عشر حيث قال:“ وعالم المادة لا يخلو ما فيه من الموجودات من تعلق بالمادة تستوعبه الحركة ”أي أن كل ما هو موجود في عالم المادة يخضع للحركة، وصرح في أول الفصل الثاني والعشرين بأن الصور الموجودة في عالم المادة متعلقة بالمادة إما ذاتاً وفعلاً أو فعلاً، وهذا صريح في كون النفس من موجودات عالم المادة، فإذا النفس من موجودات عالم المادة، وكل موجودات عالم المادة تعيش الحركة، إذن النفس تعيش الحركة“.

ثم قال الشيخ الفياضي[10] : ”فتَذَكّر ما مرّ منه في الفصل الخامس من المرحلة السادسة من إنكار الحركة في النفس وأنها تنافي التجرد“، ولذلك علّق الشيخ الفياضي في شرحه[11]  قال: ”لكن لا يخفَ عليك أن ما ذكره ليس إلا من الحركة المعروفة - فالحركة خروج من القوة إلى الفعل، وأنت قد اعترفت بأن في النفس قوة واستعداداً إذن انطبق عليها ميزان الحركة المعروفة - كيف وقد اعترف بخروج النفس إلى الفعل وكلمات صدر المتألهين مشحونة بذلك - أي بوصف النفس من القوة إلى الفعل - لاحظ قوله في حركة جوهر النفس من فروع اتحاد العاقل والمعقول الأسفار ج8 ص11و12“.

فتلخص مما مضى أن النفس تعيش حركةَ تكاملٍ من القوة إلى الفعل وهذه الحركة من كمالها أيضا أنها تعيشها وبسبب هذه الحركة تكون النفس قابلاً وفاعلاً، فهي في مرحلة القوة قابل، وهي في مرحلة الفعل فاعل، النفس تعيش حركة فهي قابل وفاعل في كل لحظة، فهي قابل لما ستفعله ثم تُصبح فاعلةً له بالفعل وهكذا.

والحمد لله رب العالمين

[1]  وهذا الدليل هو تابع للأدلة التي سيقت من أن الصور مستفاضة من العقل الفعال والمعبر عنه برب الأنواع.
[2]  وهذا الدليل سَنُطيلُ الإجابة عنه لأن نكاته ترتبط بسائر الأدلة.
[3]  الملا صدرا الشيرازي - الأسفار ج3 ص319.
[4]  علمياً، وإلا قد العلم في المستقبل يصل إلى شيء أعمق من هذا، فإلى الآن العلم يقول أن الإدراك يبدأ من الأسبوع الثاني عشر، أي هو؟ وما هو العالم الذي هو فيه؟ وهو ما يُعبر عنه في الروايات ب «ولوج الروح».
[5]  نهاية الحكمة ص115.
[6]  شرح نهاية الحكمة للشيخ الفياضي ج2 ص483.
[7]  شرح نهاية الحكمة ص289.
[8]  ولابد من ملاحظة هذا المورد ومقارنته بالعبارة الأولى للعلامة «قدس».
[9]  شرح نهاية الحكمة للشيخ الفياضي ج4 ص1019.
[10]  شرح نهاية الحكمة للشيخ الفياضي ج4 ص1020.
[11]  شرح نهاية الحكمة للشيخ الفياضي ج2 ص384

الدرس 15 | مناقشة النظرية الإشراقية
الدرس 17 | تزاوج البرهان والوجدان في نقد النظرية الإشراقية